«ما زلت أسأل نفسي أسئلة كثيرة وأتعلم من جيل الشباب»

رحلة عمر مع جاكولين بيسيت:

«ما زلت أسأل نفسي أسئلة كثيرة وأتعلم من جيل الشباب»
TT

«ما زلت أسأل نفسي أسئلة كثيرة وأتعلم من جيل الشباب»

«ما زلت أسأل نفسي أسئلة كثيرة وأتعلم من جيل الشباب»

«الغد يبدأ اليوم»، تقول جاكولين بيسيت لستيف ماكوين وهما يبحثان مستقبلهما: هو تحر منصرف لعمله الخطر وهي تطلب الاستقرار. والاتفاق في النهاية على الانفصال.. لكن مهلا! ها هو يعود في المشهد الختامي إلى منزله ليجدها تنتظره.
الفيلم هو «بوليت» والسنة هي 1968 عندما كانت الممثلة جاكولين بيسيت ممثلة شابة في الرابعة والعشرين من عمرها. بريطانية الولادة اشتغلت في مطلع عهدها مع مخرجين شكلوا التيار السينمائي الجديد في بريطانيا، أو ما عرف بـ«موجة السينما البريطانية الجديدة». من هؤلاء رتشارد لستر الذي قدمها «المهارة وكيف تحصل عليها» The Knack .. and How to Get it سنة 1965 ورومان بولانسكي في «كول دي ساك» (1966) وكن هيوز «وداعا يا حبيبتي» (1966 أيضا).
بعد ذلك بعام واحد وجدت نفسها في هوليوود مطلوبة لتؤدي دورا أمام فرانك سيناترا ولي ريميك في «التحري» لغوردون دوغلاس. لم يكن الدور كبيرا لكنه كان تمهيدا لدورها في «بوليت» للبريطاني بيتر ياتس الذي صنعه لحساب هوليوود وكان الأول في تيار من أفلام تحتوي على مشاهد واقعية لمطاردات سيّارات خطرة في الشوارع الأميركية.
ما يعنيها لم يكن هذه المشاهد، فهي رجالية أو كما تقول في حديثها لنا:
«طبعا كنت سعيدة بهذه الفرصة أمام ستيف ماكوين لكن دوري اقتصر على أن أكون الفتاة التي يحب والتي تخشى عليه من القتل بعدما شاهدته في عمله».
بعد ذلك هي أيضا في «مطار» و«الجراد» و«اللص الذي جاء للعشاء» وعادت لأوروبا لتمثيل «ليل أميركي» لفرنسوا تروفو و«لو مانيفيك» لفيليب دو بروكا (كلاهما سنة 1973) ثم بقيت في أوروبا للاشتراك في واحد من تلك الأفلام التي تحوي نجوما يشتركون في البطولة وهو «جريمة على قطار الشرق السريع» Murder on the Orient Express إلى جانب ألبرت فيني ولورين باكول وانغريد برغمن تحت إدارة سيدني لوميت.
عادت إلى هوليوود سنة 1976 لتقوم ببطولة «سانت أيفز» أمام تشارلز برونسون و«العمق» لبيتر ياتس.
عندما نضجت سنا وجدت ما يناسبها في «ثرية ومشهورة» (1981) و«تحت البركان» (1984). هذا الفارق بين العملين تكرر حدوثه وازداد مع تجاوزها الخمسين. لكن الأعمال التلفزيونية لم تتركها وحيدة. في التسعينات من القرن الماضي عرفت ما لا يقل عن خمسة عشر فيلما أو مسلسلا تلفزيونيا. ومثل هذا العدد في السنوات العشر الأولى من هذه الألفية.
وحاليا هي في أربع حلقات من مسلسل درامي بعنوان «الرقص على الحافة» لكن لديها عودة إلى الشاشة الكبيرة عبر فيلم أميركي/ فرنسي مشترك عنوانه «مرحبا في نيويورك» إخراج أبل فيرارا وبطولتها لجانب جيرار ديبارديو وماري دي أنجليس وناتاشا رومانوفا.
* الحلقة التي شاهدتها من «الرقص على الحافة» تكشف عن موضوع يتعلق بفرقة جاز. هل تحبين النوع؟
- أول علاقة غرامية لي كانت مع موسيقى مايلز ديفيز. الجاز لا يزال واحدا من أكثر ما أحب سماعه إلى اليوم منذ أن كنت فتاة صغيرة. خصوصا ألحان وعزف مايلز ديفيز. ذات مرة كنت في حفلة فإذا به يتقدّم مني ويقول لي حرفيا: «أنت ممثلتي المفضّلة. ممثلتي البيضاء المفضّلة». ذهلت لأنه كان عازفي المفضل.
* ماذا قصد بممثلتي البيضاء؟
- تماما ما قاله. ذهلت لأنه كان بصحبة سيدة سوداء بالغة الجمال وهي نظرت لي بود كبير.
* في المسلسل تؤدين دور امرأة أرستقراطية في أحداث تعود إلى الثلاثينات. هل لديك رابط ما حيال تلك الفترة؟
- ربما. أعتقد أننا نفتقد إلى بعض ما تعنيه تلك الفترة من حياة الأمس. لم أكن ولدت بعد لكني أستطيع تخيل نفسي سعيدة في تلك الفترة وهذا لا يعني مطلقا أنني لم أكن سعيدة في حياتي أو أنني أفتقد الأمس تماما. من ناحية أخرى، امتلاك منزل كبير كالذي شاهدته في تلك الحلقة وحولي الخدم والعمال كان سيتعبني جدّا لأني مهووسة بالتنظيف (تضحك).
* تحدّثت عن علاقتك بالجاز.. ماذا عن علاقتك بالرقص؟
- كان طموحي الأول هو أن أمارس الرقص على المسرح. لكن أحيانا يتبع المرء طموحات أخرى تبتعد به عن طموحه الأول. يتورط المرء في مسائل أخرى يوليها حرصه وعنايته وتبعده عما رغب به في الأساس.
* لماذا أردت أن تكوني راقصة؟
- والدتي كانت تحب رقص الباليه وهي علمتني. هي من جيل راقصي باليه من بينهم الأميرة تروبتزكي وأنطوني دولين. تعلمت الرقص في باريس وأرادت أن تحترفه لكن والدها منعها وقال: «ليس من تقاليد العائلة». لذلك وجهتني ورغبت مني أن أتعلم واحترف ما لم تستطع ممارسته بسبب التقاليد التي كانت تعتبر رقص الباليه مهنة غير مناسبة.
* «بوليت» هو واحد من أفضل الأفلام البوليسية لدي. ستيف
ماكوين كان نجما كبيرا آنذاك ولديه نمطه الطبيعي من التمثيل. كيف كان لقاؤكما؟
- لا أستطيع أن أقول إنني عرفته تماما. كان متوترا دائما ومنفعلا. لم يكن غاضبا لكنه بدا لي مشتتا. ولم أفهم الكثير من كلامه لي أو في الجلسات العامة لأنه كان يستخدم عبارات أميركية شعبية كثيرة كانت كلها جديدة عليّ. على الرغم من أن الفيلم مهم بين أعمالي في تلك المرحلة، فإنني لم أستطع فهم ما يدور ولم أجرؤ على السؤال. لم أفهم مثلا عبارة Soul Chick التي سمعتها تتكرر حين الحديث عني (تضحك). لكن الفيلم لا يزال شابا وستيف ماكوين يعود إلى الواجهة اليوم ولا أعتقد أنه كان يحظى بالاهتمام الذي يستحقه آنذاك.
* كنت جديرة بالإعجاب حينها وما زلت لليوم..
- أوه. لطيف منك. شكرا.
* فيلم آخر لك من تلك الفترة هو «لو مونيفيك» أمام جان – بول بلموندو.. هل ما زلت تلتقين هذا الممثل؟
- آخر مرة قبل عام ونصف عندما كنت في هوليوود ودعيت إلى حفلة غداء في القنصلية الفرنسية وكان هناك مع جوني هاليداي. «لو مونيفيك».. هذا كان فيلما صعبا علي لأني لم أكن أجيد الفرنسية آنذاك وكان علي أن ألعب دورين فرنسيين.. دور من نوعية «فتيات جيمس بوند» ودور طالبة شابّة.
* ماذا عن الشهرة والمال.. ماذا يعنيان لك؟
- من الجميل أن يكون المرء مشهورا لكنه يتبع العمل الجيّد. من المفترض أن يؤدي الإخلاص للعمل والتفاني فيه إلى تقدير واسع. الاختيارات في بعض الأحيان تكون كثيرة، وإذا لم تحسن الاختيار فالغالب أنك لن تبقى طويلا في البال. بالنسبة لي لا بد أن أقول إن اختياراتي من الأفلام كانت خصوصية. أقصد أن معظم ما مثلته لم يكن من الأفلام التجارية لذلك لم أجن الكثير من المال. بحثت عن القيمة، والعادة جرت أن الفيلم الموجه للجمهور السائد ليس هو الفيلم الذي يعني أو يختزن قيمة فنية وأنا فضلت النوعية لدرجة أن وكيل أعمالي قال لي ذات مرّة: «من الصعب حثك على العمل»، قلت له إنني أحب العمل لكني أريد أن أمثل ما أراه مناسبا لي. أعتقد أن طريقتي كانت صحيحة. نعم لم أحقق الكثير من المال، لكني أعتقد أنني معروفة بما فيه الكفاية. أشعر بالأسف لمن عليه أن يتحمل عبء النجومية. أن يتعامل مع المصوّرين والصحافيين الذين يتابعونه في كل خطوة. لم أحظ بذلك ولم أرده في حياتي.
* هل تعتبرين نفسك الآن أكثر حكمة؟
- لا. لا أزال أتعلم الأمور نفسها مرّة أخرى. لحين اعتقدت أنني أصبحت أكثر حكمة لكن ذلك لم يكن صحيحا (تضحك). ما زلت أكتشف. ما زلت أسأل نفسي أسئلة كثيرة وما زلت أتعلم من جيل الشباب. لكني دائما كنت عاقلة وحكيمة وأهتم بنفسي. لم أكن متهورة. لكني بالتأكيد لم أعتبر نفسي عرفت كل شيء وأن باب العلم موصد لأني تجاوزت سنا معينة.
* هل هناك ما تشعرين أنه فاتك خلال مهنتك؟ هل كان هناك ما تريدين الوصول إليه ولم يتحقق؟
- جلست ذات مرّة أرقب فيلم «الليل» (للإيطالي مايكلأنجلو أنطونيوني) وشاهدت جين مورو وطريقة مشيها في مشهد من الفيلم المشبعة بشخصية قوية لافتة. شاهدت ممثلات كثيرات يتألقن بأدوار منحتهن تميزا واختلافا لأن الشخصيات مكتوبة بعمق ولأن المخرجين كانوا من المبدعين. هذا ما لا أعتقد أني حظيت به كثيرا وكنت أتمناه لنفسي.
* مثلت في هوليوود ومثلت في بريطانيا وأوروبا، هل عرّضك ذلك لشعور بعدم الانتماء؟
- لا. لكن لو كان لي أن أعيش حياتي من جديد لاخترت أن أبقى في لندن لأنه خلال فرص عملي في هوليوود فاتتني فرص لأفلام كثيرة في لندن. ربما لو فعلت لحققت مزيدا مما كنت أطمح لتحقيقه بادئ ذي بدء.

1. Jacqueline Bisset جاكولين بيسيت اليوم
2 Dancing on the Edge كما تبدو في مسلسلها الجديد «الرقص على الحافة»
3. With Steve McQeen.jpg مع ستيف ماكوين في «بوليت»



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».