ارتباك يعصف بقيادات «داعش» في ليبيا

ارتباك يعصف بقيادات «داعش» في ليبيا

منافسة محمومة على زعامة التنظيم
الاثنين - 29 جمادى الآخرة 1438 هـ - 27 مارس 2017 مـ
جانب من اشتباكات «داعش» مع الجيش الليبي في بنغازي («الشرق الأوسط»)
طرابلس: عبد الستار حتيتة
يعاني تنظيم داعش في ليبيا من حالة ارتباك بين صفوفه بسبب تعدد قنوات الاتصال بين مركز التنظيم في العراق، والقيادات في ليبيا، ومعظمهم من التونسيين والمصريين. ويتركز وجودهم حاليا في بلدة صبراتة قرب حدود ليبيا مع تونس.
كانت الاتصالات في السابق تنحصر بين مكتب زعيم «داعش» في العراق والشام، أبو بكر البغدادي، وقائد «داعش» في ليبيا، الملقب بـ«المدهوني»، إلا أن إبعاد الأخير عن القيادة، وفتح قنوات مباشرة بين مكتب البغدادي، و7 من قيادات «داعش» على الأقل في ليبيا، أربك خطط التنظيم.
وكشفت تحقيقات تجريها المخابرات الليبية مع عناصر من تنظيم داعش، ممن جرى القبض عليهم خلال الأشهر الأخيرة، عن تراجع الاتصالات بين قيادات التنظيم في ليبيا ومكتب البغدادي، مما أدى إلى خلل في صفوف التنظيم في هذا البلد الذي يعاني من الفوضى منذ سقوط نظام معمر القذافي.
ووفقا لما أدلى به دواعش محتجزون لدى السلطات الليبية، فإن مكتب البغدادي ارتكب خطأ كبيرا مع التنظيم في ليبيا منذ نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، حين غير طريقة التواصل مع قادته. كان مكتب البغدادي، وبواسطة رجل في العراق يدعى ياسين، يتواصل فقط مع «المدهوني»، إلا أن فشل هذا الأخير في الاحتفاظ بمدينة سرت مركزا للتنظيم، جعل ياسين يتدخل بالتواصل مع عدة قيادات لإدارة الأمور في ليبيا من وراء الحدود.
وقال أحد الدواعش التونسيين للمحققين، إن تواصل مكتب البغدادي مع قيادات مبعثرة في الصحراء وعلى الساحل الليبي، وغياب القيادة الواحدة، تسببا في ارتباك العمل، وأضاف، وفقا للمصدر الأمني، أن الضربات التي تعرض لها مركز التنظيم في الموصل، أدت أيضا إلى تراجع التنسيق بين قيادات «داعش» في ليبيا مقارنة بما كان عليه الأمر قبل نوفمبر الماضي.
ومنذ وضع قدميه في ليبيا، في أواخر عام 2014، قسم التنظيم البلاد إلى 3 مناطق إدارية هي «ولاية طرابلس» و«ولاية برقة» و«ولاية فزان». وخسر «داعش» أهم قاعدتين له في «ولاية برقة» بمدينة درنة ومدينة بنغازي. وفي «ولاية طرابلس» خسر مدينة سرت. وما زالت له عناصر مشتتة في «ولاية فزان». ومع ذلك يحاول التنظيم، في الوقت الراهن، إثبات وجوده، انطلاقا من «ولاية طرابلس»، مستغلا ضعف الحدود مع تونس، وضعف الرقابة على شواطئ العاصمة الليبية وعلى الحدود الجنوبية للبلاد.
وتعد مدينة صبراتة، التابعة، في تقسيمات التنظيم، إلى «ولاية طرابلس»، مركزا للتجمع والتدريب لدى قادة الدواعش، والانطلاق منها إلى مدن أخرى أهمها العاصمة نفسها، بالإضافة إلى محاولة إعادة أنشطته في المناطق التي خسرها في الشرق، وعلى رأسها درنة. لكن العين دائما على طرابلس بصفتها مركز الدولة الليبية.
وتعاني العاصمة من الفوضى حيث تتحكم فيها عدة ميليشيات متصارعة، وتوجد فيها حكومتان متنافستان، هما حكومة الوفاق الوطني برئاسة فايز السراج، وحكومة الإنقاذ برئاسة خليفة الغويل. وبينما كانت الاشتباكات تدور بين الموالين لهاتين الحكومتين، خلال الأسابيع الماضية، تمكن «داعش» من أن يطل برأسه على العاصمة، بشكل واضح لأول مرة منذ خسارته مدينة سرت.
ورغم الخلافات التي تظهر بين حين وآخر بين قيادات «داعش ليبيا»، بخاصة بين التونسيين والمصريين، فإن العمل على الأرض لم يتوقف، مع فتح أبواب ليبيا لاستقبال الدواعش الفارين من الحرب على التنظيم في العراق والشام. وبينما كان الصراع على أشده بين قيادات للدواعش في صبراتة، بشأن من أصدر التعليمات بقتل نجل قيادي محلي في المدينة، وتفجير مبان عامة، أصدر التنظيم بيانا موجها إلى سكان العاصمة.
وتضمن البيان شكوى من الحملة الدولية ضد «داعش» في المنطقة عموما. وجاء في البيان الذي وزعه عناصر التنظيم في طرابلس أن «هذه المعركة المستعرة والحرب الشاملة لن تزيدنا إلا إيمانا راسخا بأن ذلك كله ما هو إلا مقدمة للنصر».
وأضاف أن «ولاية طرابلس» تطالبكم بـ«الوقوف مع إخوتكم المجاهدين الذين قدِموا لكم لنصرة الإسلام، ومن ضل منكم عن سبيل الله، لن تأخذنا به رحمة أو شفقة». وشن هجوما على حكومة الوفاق وعلى اتفاق الصخيرات وعلى الدول العربية والأجنبية التي تتعامل معها. لكن المصدر الأمني قال في المقابل إن لغة البيان تعكس تخبط التنظيم وضعفه وتشتت قياداته. وأضاف أنه بتتبع المصدر الذي خرج منه البيان لأول مرة، تم التعرف على أنه صيغ وطبع لدى مجموعة موالية لـ«داعش» تقيم في معسكر قرب طرابلس اسمه معسكر «جُند البتّار».
ومن أبرز القيادات التي كانت على تواصل مع ياسين من مكتب البغدادي، اللبناني الداعشي «أبو طلحة». وبحسب اعترافات عناصر من التنظيم جرى القبض عليهم أخيرا على أيدي جهاز المخابرات العسكرية في بلدة مصراتة، وجهاز المخابرات العامة في طرابلس، فإن نفوذ «أبو طلحة» خفت في أوساط دواعش ليبيا، بعد أن انقطعت عنه الاتصالات من مكتب البغدادي.
ونقل أحد المحققين اعترافات أدلى بها داعشي تونسي يدعى «أبو حمزة» قائلا إن «أبو طلحة» لم يتمكن طوال الشهرين الماضيين من التواصل مع ياسين، وهذا أصابه بالإحباط والارتجال في العمل، ووجد نفسه في منافسة محمومة على القيادة من دواعش تونسيين ومصريين في صبراتة. وأضاف أيضا أن «أبو طلحة» اضطر للابتعاد عن صبراتة وأخذ خلال الأسابيع الماضية يحاول تأسيس مواقع له ولمن معه من عناصر تأتمر بأمره، في منطقة تسمى «النقازة» قرب العاصمة. وينافس «أبو طلحة» على القيادة كل من التونسي «أبو حيدرة»، والليبي «أبو حذيفة» الذي بدأ يعرِّف نفسه في مناطق غرب العاصمة على أنه الوالي الجديد لـ«ولاية طرابلس».
وتابعت التحقيقات، وفقا للمصدر نفسه، أن «داعش ليبيا»، رغم كل شيء، استمر في العمل بعد هزيمته في سرت، وأسس لنفسه مجاميع مسلحة بعيدا عن المدن، أطلق عليها «سرايا الصحراء». وأنه يوجد نحو 70 من هذه المجاميع، «وهي صغيرة... كل مجموعة تتكون من عدد لا يزيد على خمسة، وهم في الوقت الراهن لديهم وجود جنوب سرت وجنوب بني وليد وجنوب طرابلس، وبعضها تمكن من العودة إلى درنة، وبعضها يتمركز على مشارف مصراتة وصبراتة».
وأشار إلى أن مجموعة من مجموعات «سرايا الصحراء» نفذت عملية نوعية داخل صبراتة دون علم «أبو طلحة»، و«هذا تسبب في غضبه وانسحابه، بمن معه، إلى منطقة النقازة». كما نشبت خلافات أخرى حول من يقف وراء إصدار مرئي لـ«داعش» منسوب لـ«المكتب الإعلامي لولاية طرابلس»، باللغة الأمازيغية، وحول من أعطى الحق لقيادي «داعشي» من قبيلة الطوارق في جنوب غربي ليبيا، يدعى «أبو سليمان»، في التحدث باسم التنظيم، وما إذا كانت له علاقة بمكتب البغدادي في العراق. ويتضمن الإصدار المرئي دعوة المقاتلين في أفريقيا إلى التوجه لـ«نجدة» التنظيم في ليبيا.
وبحسب اعترافات لدواعش آخرين رهن التحقيق، يحاول «أبو طلحة» جمع أكبر عدد من المقاتلين التونسيين، ويسعى بشكل حثيث لكي يكون من المستقبلين للعناصر التي تأتي إلى ليبيا هربا من الحرب ضد التنظيم في العراق وسوريا. واستقبل منذ مطلع هذا العام عشرات المقاتلين من تونس والعراق والجزائر.
وساهم هذا الأمر في زيادة الخلافات بينه وبين التونسي «أبو حيدرة»، الذي عاب على «أبو طلحة» قيامه بـ«إغراء التونسيين بالأموال من أجل الانضمام إلى مجموعته في منطقة النقازة». وتفاقمت الأمور بين الرجلين مرة أخرى، قبل أسبوع، حين وضع «أبو حيدرة» عراقيل أمام 19 تونسيا كانوا في طريقهم إلى «أبو طلحة».
وكشفت التحقيقات عن أسماء قيادات تونسية لتنظيم داعش في ليبيا، من بينهم رجل ينافس هو الآخر على إمارة التنظيم، يدعى «جلال الدين»، مستندا على علاقة مباشرة كانت له مع مكتب البغدادي قبل انقطاع الاتصالات مع الموصل. وكان «جلال الدين» من مقاتلي التنظيم في العراق، إلا أنه جرى إيفاده إلى ليبيا بعد تعرض «داعش» للهزيمة في سرت.
ومن بين الأسماء التونسية أيضا «معز» الذي جرى القبض عليه أثناء محاولته التسلل، مع عناصر متطرفة، إلى تونس، ثم هرب من مقر احتجازه في منطقة الزنتان بجنوب غربي طرابلس. ويرى أنه الأحق بالقيادة لأن شقيقه الذي قتل في حرب سرت، والملقب بـ«أبو معاذ»، كان أميرا لمحاكم «داعش» في ليبيا.
ويحاول تونسي آخر يدعى «أبو موسى» تكوين مجموعة خاصة به. وكان «أبو موسى» يشغل موقع أمير خزينة «داعش» في ليبيا، وأمير منطقة هراوة في غرب سرت لبعض الوقت، إلا أن الخلافات بينه وبين باقي التنظيم في الشمال الأوسط من ليبيا، دفعته إلى الفرار إلى غرب البلاد. وبحسب اعترافات المقبوض عليهم من الدواعش، فإن «أبو موسى» كان معه، أثناء هروبه من التنظيم، نحو 20 عنصرا من الدواعش التونسيين، وأن اختيارهم الفرار جاء بعد أن تيقنوا من أن عناصر من التنظيم، من جنسيات أخرى، قررت تصفيتهم.
وبخصوص هذه المشكلة الخاصة بـ«أبو موسى»، فقد بدأت حين جرى اتهام الرجل بأنه وراء اختلاس أكثر من مائة ألف دولار من خزينة التنظيم أثناء المعارك في سرت. ومن بين الدواعش التونسيين ممن يوجدون في الوقت الراهن قرب مدينة سبها، في الجنوب الليبي، وعلى علاقة قوية بـ«سرايا الصحراء»، هناك «أبو عبد الرحمن»، الذي ظل، مع تونسي آخر يدعى «أبو قتادة»، لعدة أشهر سابقة، يقوم بالإشراف على تدريب العناصر الداعشية القادمة من تونس في عدة معسكرات تقع في مدينة صبراتة، قبل أن يكلف من مكتب البغدادي بالتوجه إلى الجنوب.
وكان يعتقد أن «أبو قتادة» قتل في الغارات الأميركية التي شُنت على مواقع للتنظيم في ليبيا، إلا أن مصدرا أمنيا يقول إنه ما زال على قيد الحياة، وإنه يقيم في الوقت الحالي في صبراتة، محاولا تشكيل مجموعة من الموالين له، انطلاقا من مقر في المدينة يتبع تونسيا يدعى «زرقون»، مشيرا إلى أن «زرقون» كان يشرف على إذاعة «داعش» في سرت، وكان له منزل فيها، ويقول أيضا إنه جرى استهداف منزل «زرقون» بطائرة أميركية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، إلا أنه نجا بحياته، وفر من المدينة وانتهى به المطاف في صبراتة. ومن بين المصريين الذين دخلوا على خط المنافسة على القيادة، هناك الرجل المخيف الملقب بـ«الحنفي»، وكان المسؤول عن المحكمة الشرعية في سرت، وأحيل إليه كثير من المتهمين للتحقيق معهم، بناء على اتصالات من ياسين في العراق. كما ظهر في كثير من المرات في ساحات سرت وهو يشرف على تطبيق أحكام الإعدام التي أصدرها بحق منشقين عن التنظيم أو مناوئين له من النشطاء الليبيين.
ويحاول بعض الدواعش المصريين استغلال فرصة الإصابة التي يعاني منها «الحنفي» منذ حرب سرت، لإبعاده عن تولي أي مناصب قيادية. ومن أبرز منافسيه رجلان مصريان يقيمان حاليا في صبراتة الأول يدعى «شفير» الذي كان قياديا للدواعش في شمال سيناء بمصر، والثاني يلقب بـ«كروان». ويقول المصدر إن «كروان» يعمل على جمع الولاء للبناني «أبو طلحة»، لأن «علاقته به قديمة... وكانا يحاربان سوياً في العراق».
وجاء في اعترافات أحد الموقوفين الدواعش أن تواصل مكتب البغدادي مع مصري يدعى «أبو الدرداء» بشكل مباشر، وتكليفه باستقبال مقاتلين من تنظيم «بوكو حرام» الموالي لـ«داعش» في أفريقيا، أثار حفيظة التونسي «أبو حيدرة»، وخوف هذا الأخير من ازدياد نفوذ منافسه اللبناني. وانتهى الأمر بهذا المصري مقتولا. ويعتقد، وفقا للتحقيقات، أن عناصر من «بوكو حرام» هي التي تخلصت منه بعد خلافات نشبت بينهم في منطقة نائية جنوب ليبيا.

اختيارات المحرر