«العاشق الياباني»

فصل من الرواية الجديدة لإيزابيل الليندي التي ستصدر ترجمتها للعربية قريباً

إيزابيل الليندي
إيزابيل الليندي
TT

«العاشق الياباني»

إيزابيل الليندي
إيزابيل الليندي

تستعدّ «دار الآداب» في بيروت، لإصدار الترجمة العربية لرواية الشهيرة إيزابيل الليندي «العاشق الياباني». وتنفرد جريدة «الشرق الأوسط» بنشر مقطَع من هذه الرواية التي تحكي قصة إيرينا التي تعمل في مأوى للمسنين في سان فرنسيسكو، حيث تتعرف على ألما وحفيدها سيت، وتحاول إيرينا أن تعرف بمساعدة هذا الأخير، من الجهة التي تبعث بالرسائل والهدايا السرية إلى ألما. قصة لا تقل تشويقاً عن تلك التي كتبتها الليندي سابقاً، وتحول عدد منها إلى «بست سيلر» ونالت جوائز عالمية. إيزابيل الليندي وُلِدَت في البيرو عام 1941، ترعرعت في تشيلي وتسكن حالياً في أميركا. حاصلة على كثير من الجوائز الأدبية المهمة، وهي صاحبة الروايات الأكثر شهرة واحتفاء من قبل النقاد، كـ«بيت الأرواح» و«باولا»، وبيع من رواياتها 65 مليون نسخة في العالم. تُصنف كتاباتها في إطار الواقعية السحرية، وهي من الأسماء المرشحة دائماً للحصول على جائزة نوبل.

إلى والديَّ، بانشيتا ورامون،
شخصيَّتيْن مُسنَّتيْن تنطقان عن الحكمة، توقَّفْ، يا طيفَ حبِّي الأنوف، يا صورةَ الافتتان التي أعشقها، وهمٌ جميلٌ أفنى سعيدةً من أجله، خيالٌ حلوٌ أحيا تعيسةً بسببه.
سور خوانا إينيس دي لا كروث لارك هاوس، دخلتْ إيرينا باثيلي (Irina Bazili) للعمل في لارك هاوس، بضواحي بيركيلي، سنة 2010. كان عمرها لا يتجاوز ثلاثاً وعشرين سنة. لم تكن متحمِّسة كثيراً لهذه الوظيفة، خصوصاً أنَّها عانت البحث عن فرص العمل، من مدينة إلى أخرى، منذ أن كان عمرها خمسة عشر ربيعاً. لم تكن تتوقَّع بتاتاً أن تجد راحتها التامَّة في هذه الدار التي تؤوي المسنِّين، وأنَّها ستذوق، وقبل أن يعبث بها القدر، وفي غضون ثلاث سنوات متتالية، طعمَ سعادة ذَكَّرتها بأيام طفولتها.
استأثرتْ لارك هاوس، التي تأسَّستْ في منتصف 1900 بنيَّة إيواء العجزة المحدودي الدخل، منذ البداية، ولأسباب مجهولة، باهتمام المثقَّفين التقدُّميِّين، وشخصيَّات غامضة، وفنَّانين غير مرموقين. لكنْ ومع مرور الوقت، تغيَّرت أحوال النُزُل كثيراً. بيد أن عادة حسم قدر معيَّن من مداخيل كلّ نازل للمساهمة نظريّاً في تشجيع بعض مظاهر التعدُّد الاجتماعي والعرقي لم تنقطع بتاتاً. والواقع أنَّ كلّ النزلاء كانوا من البيض، وينحدرون من الطبقة المتوسِّطة. وهكذا، كانت أوجه التعدُّد تكمن أساساً في اختلافات طفيفة بين أصحاب الفكر الحرّ، والباحثين عن الطرق الروحانيَّة، ونشطاء المجتمع المدني والبيئة، ومعتنقي الفلسفة العدميَّة، فضلاً عمَّا تبقَّى من الهيبيز الذين لا يزالون على قيد الحياة في ناحية خليج سان فرانسيسكو.
أوضح السيِّد هانس واغ Hans Voigt، مديرُ هذه المؤسَّسة، في المقابلة الأولى التي أجراها مع إيرينا، أنَّ سنَّها صغيرة جدّاً مقارنة مع حجم المسؤوليَّة التي يتطلَّبها المنصب. لكنْ، بإمكانها العمل موقَّتاً، ما دام عليهم أن يشغلوا بعجالةٍ منصباً شاغراً في قسم الإدارة والخدمات، ريثما يعثرون على الشخص المناسب. خمَّنت إيرينا أنَّ كلّ ما قاله المدير عنها مطابق تماماً لانطباعها الأول عنه: فهو كذلك يبدو وكأنَّه صبي بوجنتين مكتنزتين وصلع مبكِّر، وبدا لها أنَّ المهمَّة التي أُسندتْ إليه لتسيير هذه المؤسَّسة تفوقه بكثير. لكنْ، مع الوقت، أدركتْ أنَّ الشكل الخارجي لواغ لا يعكس الحقيقة، إذا ما نظر إليه شخص من مسافة محدَّدة وبإنارة خافتة، فالواقع أنَّه أتمّ لتوِّه الرابعة والخمسين، وأثبت للجميع أنَّه رجل إدارة محنَّك.
أكدت له إيرينا أنَّ النقص الحاصل لديها في الدراسة يمكن أن تعوِّضه بالتجربة التي راكمتها في التعامل مع العجزة في مولدافيا Moldavia، مسقط رأسها.
خفَّفت الابتسامة الخجولة لإيرينا من حدَّة المدير، الذي نسي أن يطالبها برسالة التزكية، وشرع في تعداد التزامات المنصب، التي اختزلها في عبارات مقتضبة: تسهيل الحياة لنزلاء الطابق الثاني والثالث، أمَّا أصحاب الطابق الأول، فلا يدخلون في دائرة اختصاصها، لأنَّهم يعيشون بشكل مستقلٍّ كمستأجرين لشقق داخل عمارة، وكذلك الحال مع نزلاء الطابق الرابع المكنَّى «بالفردوس »، لكونهم يقضون معظمَ وقتهم يغطُّون في سبات عميق، وينتظرون فقط التحاقهم بالرفيق الأعلى، ومن ثم ليسوا في حاجة إلى هذا النوع من الخدمات التي يجب أن تقدِّمها إيرينا. أوكلت إلى إيرينا مهمَّة مرافقة المقيمين إلى عيادات الأطباء، والمحامين والمحاسبين، ومساعدتهم على ملء استمارات الخدمات الصحِّيَّة والضرائبيَّة، واصطحابهم للتسوق، وقضاء حوائج مشابهة. كانت مهمَّتها الوحيدة مع نزلاء «الفردوس» تتلخَّص، بحسب تعليمات هانس واغ، في إعداد جنائزهم، التي كانت تتلقَّى بصددها إرشاداتٍ مفصَّلةً بحسب كلّ حالة، لأن رغبات المحتضرين كانت لا تتوافق دائماً مع ذويهم، فثمَّة معتقدات كثيرة كان يدين بها أهلُ لارك هاوس. وهكذا كانت الجنائز تُنظَّم دائماً وكأنَّها احتفالات عالميَّة مسكونيَّة ومعقَّدة.
فيما بعد، أوضح لها المدير أنَّ عُمَّال النظافة، والعناية والتمريض، هم الوحيدون المطالبون بارتداء الزي الرسميّ، أمَّا باقي الموظَّفين فعليهم الالتزام بأخلاقيَّات اللباس، فالاحترام والذوق الرفيع من شروط هذه المادَّة. وأكد لها مثلاً أنَّ القميص الذي ترتديه وتظهر عليه صورة مالكولم إكس لا يتناسب بتاتاً مع روح المؤسَّسة. والواقع أنَّ الصورة لم تكن لمالكولم إكس بل لتشي غيفارا، لكنَّها لم تنبس ببنت شفة، وفضَّلت ألا تفسِّر الأمر، ظنّاً منها أنَّ هانس واغ لم يسبق له أن سمع بالمقاوم الذي ما زال، ورغم مرور نصف قرن على ملحمته، محطَّ تبجيل كثير من الكوبيين، وكذا ثلَّة من راديكاليِّي بيركيلي حيث كانت تعيش. كان القميص الذي كلَّفها دولارين، واقتنته من محلّ للملابس المستعملة، يبدو شبه جديد.
- التدخين ممنوع هنا، حذَّرها المدير.
- لا أدخِّن ولا أشرب النبيذ، سيدي.
- أصحَّتكِ على ما يرام؟ هذا أمر مهمٌّ ما دمتِ ستتعاملين مع العجزة.
- نعم سيِّدي.
- أثمَّة موضوع يجب أن تطلعيني عليه؟
- أُدمن الألعاب الإلكترونيَّة وروايات الفنتازيا، أنت تعرف، سيِّدي، طولكيين Tolkien، نيل غيمان Neil Gaiman، فيليب بولمان Philip Pullman. كما أنّني أشتغل في غسل الكلاب، لكنْ هذا الأمر لا يأخذ منِّي الوقت الكثير.
- ما تقومين به في وقت فراغك لا يعنيني، آنستي. الأهم عندي أن تكوني متيقِّظة في عملك.
- بالطبع، إذا منحتني فرصة لن تندم، سيِّدي، وسترى شدَّة حذقي مع كبار السنّ، أردفت الشابَّة في رباطة جأش مصطَنَعة.
بعد انتهاء المقابلة، عرض عليها المديرُ المَرافِقَ التي تؤوي ما يناهز مائتين وخمسين شخصاً، متوسِّطُ أعمارهم خمس وثمانون سنة.
كانت لارك هاوس من الممتلكات الرائعة التابعة لشخصيَّة مرموقة في عالم الشوكولاته، وهبها للمدينة مع هِبة ماليَّة كبيرة لتغطية مصاريفها. كانت عبارة عن بناية رئيسية في شكل قصر منيف، يضمُّ بين جنباته المكاتبَ، والفضاءات المشتركة، ومكتبةً، وسفرةً، وورشات، وجملةً من البنايات الجميلة بقراميد خشبيَّة، تناغمت مع الحديقة التي كانت تبدو برِّيَّة، لكنَّها كانت تحظى في الواقع بعناية فيلق من البستانيِّين.
كانت عماراتُ الشقق المستقلَّة التي تؤوي نزلاءَ الطابق الثاني والثالث تتّصل فيما بينها بواسطة ممرَّات مسقَفة وواسعة، يتمُّ التجوُّل فيها بالكراسي متحرِّكة إذا كان الطقس صحواً. أمَّا جنبات الممرَّات فكانت من زجاج، للاستمتاع بالطبيعة، التي يعتبرها الكلّ أحسن بلسم للكدمات في أي مرحلة عمريَّة. أمَّا «الفردوس»، فكان عبارة عن بناية إسمنتيَّة معزولة، غير متجانسة مع باقي البنايات لولا النباتات المتسلِّقة التي غطَّتها عن آخرها. وأمَّا المكتبة وقاعة الألعاب، فكانت أبوابهما مفتوحة على مدار الساعة. وكان لصالون التجميل توقيت مرن. وكانت الورشات تقدِّم دروساً مختلفة، بدءاً من الصباغة، ووصولاً إلى دروس الفلك التي كانت تُعطى لمن لا تزال أفئدتُهم تهوي مفاجآت المستقبل.
كان دكَّان الأشياء المنسيَّة هكذا جاء اسمُه في لافتة عُلِّقتْ على الباب، وكانت تسيِّره سيِّدات متطوِّعات يبيع الملابس والأثاثَ والجواهر، وأشياءَ ثمينةً أخرى تخلَّى عنها النزلاء، أو خلَّفها الموتى من ورائهم.
- لدينا نادٍ للسينما في منتهى الروعة. نعرض أفلاماً ثلاث مرَّات في الأسبوع في قاعة المكتبة، أردف هانس واغ.
- أي نوع من الأفلام؟ سألته إيرينا، وكلّها أمل في أن تكون الأفلام لمصَّاصي الدماء والإثارة.
- هناك لجنة مكلَّفة تُشرف على عمليَّة انتقاء الأفلام، ودائماً تمنح الأولويَّة لأفلام الإجرام، فهم من عشَّاق إنتاجات تارانتينو Tarantino. الكلّ هنا مفتون بالعنف، لكنْ لا تخافي، فجلُّهم يُدرك أنَّ الأمر ضرب من الخيال، وأنَّ الممثِّلين سيظهرون ثانيةً في أفلام أخرى سالمين ومعافين. لنقل إنَّ هذا هو صِمام الأمان. فالكثير من نزلائنا يتوهَّمون أنَّهم بصدد قتل أحد، وعادةً ما يكون هذا الشخص من عائلتهم.
- الشيء نفسه يحصل معي، أعقبتْ إيرينا من دون تردُّد.
ظنّ هانس واغ أنَّ الشابَّة تمزح معه، فضحك بسرور، وهو يتلمَّس روح الدعابة والصبر اللذين يتحلَّى بهما عمّالُه.
في حديقة الأشجار القديمة كانت تتجوَّل هناك، بكلِّ ثقة، سناجبُ كثيرة، وكذلك أيائلُ كثيرة. أوضح لها هانس واغ أنَّ إناث الأيائل تلد هناك، وتعتني بصغارها إلى أن يشتدّ عودها. وأضاف أن المكان كذلك ملاذ للطيور، خصوصاً طيور القبَّرة Sky - larks، التي اشتُقّ منها اسم الدار: لارك هاوس. كانت هناك عدَّة غرف استراتيجيَّة، يتمّ التجسُّس من خلالها على الحيوانات في الطبيعة، وكذلك على العجزة المعرَّضين للتيه ولحوادث مفاجئة. لم تكن لارك هاوس تتوفَّر على شروط السلامة. ففي النهار، كانت الأبواب تظلُّ مفتوحة، ولم يكن هناك حارسان أعزلان يقومان بالدوريَّات المعتادة. كانا من الشرطة المتقاعدين، وكان عمرهما يتراوح بين السبعين والرابعة والسبعين. لم تكن الحاجة ملحَّةً إلى حرَّاس آخرين، فاللصوص لن يضيِّعوا وقتهم في مهاجمة عَجَزة بلا دخل.
مرُّوا بمجموعة من النساء القابعات في الكراسي المتحرِّكة، وبمجموعة أخرى تحمل منصَّات الرسم وعلب الصباغة، تأهُّباً لحضور درس في الهواء الطلق، وكذلك ببعض النزلاء الذين أخرجوا كلاباً جدّ معطوبة مثلهم في نزهة. كان النزل متاخماً للخليج، وعند حالة الجَزْر، يمكن الخروج للتنزُّه في الزوارق، وهذا ما كان يفعله بعضُ النزلاء الذين لم تنهكهم بعدُ آهاتُ الكِبَر وآلامُه.
«هكذا أحبّ أن أعيش»، تنهَّدتْ إيرينا، مستنشقةً رائحة شجر الصنوبر الزكيَّة، وهي تقارن روعة هذه المَرافق بالجحور الموبوءة التي جالت في كنفاتها منذ أن كان عمرها خمس عشرة سنة.
- وأخيراً، آنسة باثيلي، من واجبي أن أُخبرك بوجود أشباح، لأن هذا سيكون بالتأكيد أول ما سيحذِّرك منه أحد الموظَّفين المنحدرين من جزيرة هايتي.
- لا أومن بالأشباح، سيِّد واغ.
- أهنِّئك، وأنا كذلك. أشباح لارك هاوس: امرأة شابَّة بفستان ذي سدائل ورديَّة، وطفل قد يصل عمره إلى ثلاث سنوات. إنَّها إيميلي Emily، ابنة شهير الشوكولاته. المسكينة إيميلي توفّيتْ حسرةً على ابنها الذي غرق في المسبح، في نهاية الأربعينات. بعد هذه الفاجعة المؤلمة، غادر السيِّد المنزل وأنشأ هذه المؤسَّسة.
- هل غرق الولد في المسبح الذي عرَّفتني إليه الآن؟
- نعم، نفسه. وعلى حسب علمي، لا أحد بعده لقي حتفَه هناك.
لاحقاً غيَّرت إيرينا مواقفَها من الأشباح، لأنَّها اكتشفت أنَّ كثيراً من العجزة كانوا دائماً وأبداً مصحوبين بموتاهم، ولم تكن إيميلي وابنُها الروحيْن الوحيدتيْن المُقيمتيْن هناك.
في الساعة الأولى من اليوم الموالي، حضرتْ إيرينا إلى عملها مرتديةً أحسن ما لديها: بنطلونَ جينز وقميصاً محتشماً. لاحظت أنَّ الأجواء العامَّة في لارك هاوس كانت مريحة، وأنَّ الإقامة تبدو وكأنَّها مدرسة جامعيَّة لا دار للعجزة. كان الأكل مطابقاً للوجبات التي يقدِّمها أي مطعم محترم في كاليفورنيا، فأطباقه كانت شهيَّة وعضويَّة. الخدمات كانت معتبرة، وموظَّفو العناية والتمريض كانوا شديدي اللطف، وفوق كلّ التوقُّعات. في أيام قليلة، حفظتْ إيرينا أسماء زملائها في العمل وعاداتهم، وكذا الأمر بالنسبة إلى المقيمين التابعين لها. وساعدتها الجملُ الإسبانيَّة والفرنسيَّة، التي باتت تلوكها، على كسب تقدير الموظَّفين المنحدرين، في غالبيَّتهم، من المكسيك وغواتيمالا وهايتي. لم يكن الراتب الشهري مناسباً مقارنةً بصعوبة العمل الذي يزاولونه، لكنْ قلَّما تجد أحداً بوجه متجهِّم عبوس. «يجب التعامل مع الجدَّات بنوع من الدلع، من دون الإخلال بالاحترام، والشيء نفسه بالنسبة للأجداد، لكنَّ الحذر واجب، إذ تنتابهم أحياناً نوبات مزعجة فيتعاملون بشكل فظيع»، هذا ما أوصتها به رئيسةُ فريق النظافة لوبيتا فارياس Lupita Farias، وهي امرأة مكتنزة، قصيرة القامة، ذات وجهٍ منحوت نَحْتَ «الأولميك». ولمَّا كانت قد قضت زهاء اثنتين وثلاثين سنة في لارك هاوس، وكانت تلج كلّ الغرف، فقد باتت تعرف وبشكل دقيق كلَّ مُقيمٍ على حدة، وتعرف كيف كانت حياتهم، حتى إنَّها كانت تستطيع أن تتكهَّن بنوباتهم العصبيَّة، كما كانت ترافقهم في همومهم.
- حذاري من الاكتئاب، إيرينا، فهو شائع هنا. فإذا لاحظتِ أنَّ أحدهم بات معزولاً، حزيناً، يظلّ وحده في الفراش بلا سبب، أو توقَّف عن الأكل.. فأخبريني بسرعة. مفهوم؟
- وماذا تصنعين في هذه الحالة يا لوبيتا؟
- على حسب كلِّ حالة. أداعبهم بلطف، وهذا أمر يثمِّنونه كثيراً، لأن الشيوخ في حاجة إلى مَنْ يربِّت على كتفهم. أُقحمهم في مسلسل تلفزيونيّ، فلا أحد يريد الموت قبل أن يتعرَّف إلى النهاية. البعض يروِّح عن نفسه بالصلاة، لكن يوجد هنا الكثير من الملحدين، وهؤلاء طبعاً لا يصلُّون. الأهم أن لا ندعهم وحدهم. فإذا لم أكن موجودة، اتصلي بكاتي Cathy، تعرف تماماً ما يجب فعله.
كانت الدكتورة كاثرين هوب Catherine Hope، القاطنة في الطابق الثاني، هي أول من رحَّب بقدوم إيرينا باسم كلِّ المقيمين. وفي عمر يشارف الثمانية والستِّين ربيعاً، كانت كاترين أصغر النزلاء. ومنذ أن لازمت الكرسي المتحرِّك، اختارت المساندة والصحبة الممنوحتين من لارك هاوس، حيث قضت بضع سنين، تحوَّلت خلالها إلى روح المؤسَّسة.
«كبار السنِّ هم أكثر الناس تسليةً في العالم. عمَّروا كثيراً، يقولون ما يعشقون، وهم في ذلك لا يبالون بأحد. لن تشعري بالملل هنا أبداً، قالت لإيرينا. نُزلاؤنا أناس مهذَّبون، لا يزالون يواصلون البحث والتحصيل، إذا سمحتْ لهم بذلك حالتُهم الصحِّيَّة. ننعم هنا بكثير من المحفِّزات، هكذا نستطيع أن نقضي على أسوأ كابوس للشيخوخة: الوحدة».
كانت إيرينا على اطلاع تامٍّ على النَفَس التقدُّمي الذي يفوح من لارك هاوس، وهو نَفَسٌ شكَّل أكثر من مرَّة مادَّةً دسمةً للكثير من نشرات الأخبار. كانت لوائح الانتظار لولوج المؤسَّسة عريضة جدّاً، وتمتدُّ لسنوات، ولو لم يقضِ كثير من المترشِّحين نحبهم قبل أن يأتيهم دورهم، لما انتهت هذه القوائم. شيوخ لارك هاوس شكَّلوا دليلاً قاطعاً على أنَّ عامل السنِّ، بكلِّ إكراهاته، لم يكن ليشكِّل حجر عثرة أمام التمتُّع بمباهج الحياة، والمشاركة في ضجيج الوجود. فكثير منهم كانوا أعضاء نشطين في حركة «شيوخ من أجل السلام»، يخرجون إلى الشارع صباح كلَّ جمعة للتنديد بالخروقات، ومناهضة الظلم الذي تمارسه إمبراطوريَّة الولايات المتَّحدة الأميركيَّة في العالم.
كان النشطاء، ومن بينهم سيِّدة يصل عمرها إلى مائة سنة وسنة، يلتقون دائماً في ركن من ساحة الحي أمام ثكنة بوليسيَّة، فيحضرون بعصيِّهم ودرَّاجاتهم وكراسيهم المتحرِّكة، رافعين لافتات مناوئة للحرب أو الاحتباس الحراريّ، في حين كان جمهور الناس العابرين يساندونهم بالضغط طويلاً على أبواق سيَّاراتهم، أو يوقِّعون لهم عريضة يضعها الأجداد الغاضبون بين أيديهم. وكثيراً ما بثَّ التلفاز صوراً لمشاغبين تتوسَّطهم الشرطة محاولةً في منظر سخيف فكَّ الاعتصام، ومهدِّدةً باستعمال الغاز المسيِّل للدموع.
كان هانس واغ شديد التأثُّر، وهو يعرض على إيرينا نُصُباً تذكاريّاً وُضع في الحديقة على شرفِ موسيقي في السابعة والتسعين، كان قد لقي حتفه سنة 2006 جرَّاء إصابته بجلطة دماغيَّة قاتلة، وهو يندِّد تحت وطأة الشمس الحارقة بالحرب على العراق.



كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ألبير كامو
ألبير كامو
TT

كراسات ألبير كامو تُنشر كاملةً للمرة الأولى

ألبير كامو
ألبير كامو

صدر المجلد الأول من مذكرات ألبير كامو عام 1963، بعد ثلاث سنوات من وفاته في حادثة سيارة عن 46 عاماً. وحظي الكتاب، الذي يضمّ مذكرات كامو بين عامي 1935 إلى 1942، بمراجعتين بارزتين باللغة الإنجليزية، من كاتبين مختلفين.

جاءت المراجعة الأولى بقلم إيه. جي. ليبينغ، الصحافي في مجلة «نيويوركر». وكان ليبينغ قد ربطته أواصر الصداقة بكامو، عندما زار الكاتب الفرنسي ـ الجزائري أميركا عام 1946. وأُعجب ليبينغ، المولع بالثقافة الفرنسية، بشكل خاص بأعمال كامو خلال الحرب العالمية الثانية، بصفته محرراً لمجلة المقاومة «كومبا». ووصف ليبينغ مذكرات كامو بأنها «ممتعة وعميقة»، و«كتاب يمكن للمرء أن يعود إليه، في أي صفحة تقريباً، وهو على يقين من أنه سيشعر بمتعة».

أما المراجعة الثانية، فجاءت بقلم سوزان سونتاغ، في دورية «نيويورك ريفيو أوف بوكس». استهلت سونتاغ مراجعتها بعبارة مثيرة للجدل: «الكتاب العظماء إما أزواجاً أو عشاقاً». وكان كامو، بفضل هدوئه وعقلانيته الظاهرية، كما أشارت سونتاغ، «الزوج المثالي بين الأدباء المعاصرين». (لم يكن بمقدور سونتاغ معرفة هذا على وجه اليقين، فحسب سيرته الذاتية اللاحقة، فإنه خان زوجتيه مراراً، الممثلة سيمون هييه وعازفة البيانو فرانسين فور).

أما بقية مراجعة سونتاغ، فحملت نقداً لاذعاً لكامو بصفته روائياً وفيلسوفاً. وكتبت سونتاغ: «هل كان كامو مفكراً ذا شأن؟» «الجواب: لا». وبعد ذلك، كالت مزيداً من الانتقادات اللاذعة إلى كتاب «الدفاتر الكاملة» نفسه، واصفةً إياه بالسطحية وافتقاره إلى الطابع الشخصي و«غير الجيد».

ظهرت مجلدات أخرى من دفاتر ملاحظات كامو على مرّ السنين، وجُمعت كاملةً للمرة الأولى في كتاب «الدفاتر الكاملة». عندما أمسكت بالكتاب، كانت أصوات ليبينغ وسونتاغ المتضاربة تتردد في ذهني. وبعد أن أنهيت قراءة صفحاته التي تقارب 700 صفحة، فوجئت بأنني، وأنا من أشدّ المعجبين بليبينغ، أميل إلى سونتاغ وأتفق معها.

ولكن ينبغي الخلط بين دفاتر كامو، التي امتدت من عام 1935 إلى 1959، وبين اليوميات، فهي تكاد تخلو تماماً من أي شيء يخص أصدقائه أو عائلته، أو تجاربه خلال الحرب، أو الكثير عن حياته الشخصية. بوجه عام، فقد كان كامو رجلاً شديد الخصوصية، ينفر من النميمة والاعترافات.

في الواقع، عندما نال جائزة نوبل في الأدب عام 1957، في الـ44 من عمره، وكان أحد أصغر الكتاب الذين حصلوا عليها، كتب في دفتر ملاحظاته: «خائف مما يحدث لي، مما لم أطلبه». وذكر أنه كان يعاني من نوبات هلع. وبعد بضعة أيام كتب: «لا تتحدث أبداً عن عملك» و«أولئك الذين لديهم حقاً ما يقولونه لا يتحدثون عنه أبداً».

تحتوي هذه المذكرات على ملاحظات فلسفية لرواياته المنشورة خلال حياته -«الغريب»، و«الطاعون»، و«السقوط». كتب تُعدّ استكشافات فريدة من نوعها، وهي لا تقتصر على عبثية الوجود فحسب، بل تتناول كذلك العزلة والشعور بالذنب والخلاص والصمود. وقد رُويت هذه الملاحظات بوضوح وعمق مؤثر.

مثل كثير من القراء، عدتُ إلى رواية «الطاعون» (عنوانها بالفرنسية «La Peste» أكثر رعباً وضوحاً) خلال جائحة كوفيد-19، فوجدتُ فيها بعضاً من العقلانية المرتبطة بالحياة الزوجية، التي وصفتها سونتاغ. على سبيل المثال، ينفي طبيب يعمل بشجاعة ودأب في البلدة الجزائرية التي تفشَّى فيها الطاعون، عن نفسه صفة البطولة. وقال بكلمات تعكس كذلك لحظة من تلك التي عشناها عام 2020: «الأمر برمته لا يتعلق بالبطولة. قد يبدو الأمر فكرة سخيفة، لكن السبيل الوحيد لمكافحة الطاعون هو التحلي بالأخلاق».

علاوة على ذلك، تحتوي دفاتر كامو على مقتطفات من قراءاته المتعمقة، لأعمال كتّابٍ من أمثال ميلتون وغوته إلى فوكنر وروزا لوكسمبورغ -اقتباسات تُشكّل دفتراً شخصياً للملاحظات. كان كامو في حالة بحث دائم عن جوهر الأشياء، وعاش في عالمه الداخلي أكثر من معظم الناس. وما يبرز بشكل خاص إحساسه بالرسالة الأدبية، فقد كان يُحفّز نفسه باستمرار. ومن بين المقولات النموذجية المعبرة عنه: «انعزل تماماً واركض في طريقك الخاص».

وتبدو هذه الدفاتر، في هذه الترجمة لريان بلوم، كثيفةً وتحمل منظوراً داخلياً، ولا يُفترض أنها مُعدّة للنشر العام. (مع أنه حرّر الدفاتر الأولى، فإنه من غير الواضح موقفه من نشر كل شيء دفعةً واحدة). إنها ليست مناسبةً للقارئ العادي.

مع ذلك، فقد سُرّ هذا القارئ العادي بالاطلاع عليها، حتى وإن كان البحث عن الأجزاء الأكثر وضوحاً وإثارةً للاهتمام أشبه بالتنقيب عن الذهب. ومن بعض أشهر ما ورد هنا، سرد لرحلات كامو في الولايات المتحدة عام 1946 وفي أميركا اللاتينية عام 1949، سبق نشره في كتب أخرى، أولها بعنوان «يوميات أميركية» (1987)، ثم في ترجمة جديدة بعنوان «رحلات في الأميركتين» (2023).

ثمة مواد أخرى جديرة بالثناء هنا. من حين لآخر، كان كامو يعلق بين الحين والآخر على منتقديه، فكتب عام 1942: «ثلاث سنوات لكتابة كتاب، وخمسة أسطر للسخرية منه - مع اقتباسات غير دقيقة». وكتب في وقت لاحق: «الحقد هو الصناعة الوحيدة في فرنسا التي لا تعاني من البطالة». أما عن السياسة، فقد قرر: «أُفضّل الأشخاص الملتزمين على الأدب الملتزم».

وجاءت بعض التعليقات ساخرة ومضحكة. مثلاً، كتب عام 1949: «أتساءل دائماً: لماذا أجذب النخبة الاجتماعية. كل تلك القبعات؟!».

أما البعض الآخر من الملاحظات فيُثير مشاعر جيّاشة: «متعة بناء روابط بين الرجال. متعة خفية تتمثل في إشعال سيجارة أو طلبها -نوع من التواطؤ، أشبه بجماعة سرّية حول السيجارة». كان كامو يبدو أكثر أناقةً وهو يدخن سيجارة من معظم رجال عصره. إلا أنه بسبب إصابته بمرض السل -خصوصاً أن الشعور بالمرض موضوع متكرر في هذه الدفاتر- كان من المفترض ألا يدخن على الإطلاق.

وتتجلى روح كامو المرتبطة بنشأته في إقليم حوض البحر المتوسط، خصوصاً في حبه للسباحة والشمس. كان يحب السفر، لكنه لم يكن يُحب الترف المُبهرج. وكتب في إحدى مذكراته المبكرة: «الخوف هو ما يجعل السفر ذا قيمة» -ينبغي أن يكون «تجربة زاهدة». كما كان يزدري المطاعم الفاخرة في الغالب، مشيداً بمدينة وهران الجزائرية، بوصفها مكاناً «لا يزال بإمكانك فيه العثور على مقاهٍ استثنائية ذات طاولات مطلية بطلاء مُتسخ، مُغطاة بأجزاء ذباب: ساق، جناح، حيث تُقدَّم لك المشروبات في أكواب مُتشققة».

وتشبه دفاتر كامو إلى حد ما تلك الطاولات. لم يتبقَّ لنا سوى الأغصان والبذور، كما كان يقول مدمنو الحشيش -أو كما فعل جيمس فنتون في قصيدته الرائعة التي تحمل نفس العنوان. إلا أنه حتى وإن كانت هذه الدفاتر فوضوية بعض الشيء، ثمة فكرة صادقة تظهر. وكتب كامو، بينما كان في الرابعة والعشرين، في إحدى أمسيات الربيع: «هناك أيام يكذب فيها العالم، وأيام أخرى يقول فيها الحقيقة».

* خدمة: «نيويورك تايمز»


أمير قُصير عمرة متربعاً على عرشه

الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة
الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة
TT

أمير قُصير عمرة متربعاً على عرشه

الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة
الأمير متربعاً على عرشه في لوحة من جداريات قصير عمرة مع رسم توثيقي حديث لهذه اللوحة

شُيّد قُصير عمرة في بادية الأردن خلال القرن الثامن، وتحوّل مع الزمن إلى خربة مهجورة إلى أن خرج من الظلمة إلى النور في مطلع القرن العشرين، فتوالت الدراسات التي تناولت جدارياته وسعت إلى تحليلها وفك أسرارها. بقيت هوية صاحب هذا القصير الفريد موضع بحث إلى أن ظهر اسمه خلال حملة ترميم جرت في مايو (أيار) 2012، وبات من المؤكّد أن الوليد بن يزيد بن عبد الملك أقام في هذا المبنى يوم كان ولياً للعهد في زمن خلافة هشام بن عبد الملك. يظهر هذا الأمير في لوحتين تحتلان موقعاً رئيسياً في الجداريات التي تزيّن قاعة الاستقبال المؤلّفة من ثلاثة إيوانات معقودة. نراه ممدّداً وسط ديوانه في الإيوان الغربي، ونراه متربّعاً على عرشه في ركن يقع في عمق الإيوان الأوسط.

يُعرف هذا الركن بـ«ركن العرش»، وفيه يظهر الأمير على الحائط الجنوبي تحت قبة تزينها مجموعة من القامات المنتصبة. فقدت هذه اللوحة الكثير من عناصرها للأسف، وما تبقّى منها يكشف عن رجل يتربّع على عرش وثير، وفقاً لطراز كلاسيكي يُعرف بالطراز «الإمبراطوري». شاع هذا الطراز في العالم الروماني كما في العالم البيزنطي الذي تبنّاه من بعده، وتشكّل لوحة قصير عمرة استمرارية مبتكرة لهذا النسق الذي انتشر بشكل واسع في سائر أنحاء ضفّتي العالم المتوسّطي. يحضر الأمير جالساً في وضعية المواجهة على أريكة عريضة تعلو عرشاً شُيّدت قواعده من الخشب المرصّع بالأحجار، كما توحي شبكة النقوش التي تزيّنها. ظهْرُ هذا العرش مستطيل، ويعلوه قوس يشكّل مساحة نصفة دائرية يرتفع في وسطها رأس الأمير. تحيط بهذه الهامة هالة دائرية، ترمز في الفن الروماني إلى السلطة الملكية، وقد دخلت في هذا المعنى في الفن المسيحي الأول، ثمّ تحوّلت إلى رمز للقداسة في القرن الخامس، ويبدو أن الفن الأموي تبنّاها بمعناها الأوّل في هذه الجدارية.

وجه الأمير مشوّه، ويكشف الرسم التوثيقي عن وجه ملتح ضاعت ملامحه، يعلوه شعر أسود تحدّه مساحة دائرية بيضاء رفيعة، تبدو أشبه بعمرة بسيطة. يبدو اللباس كذلك بسيطاً، وقوامه جبة طويلة حمراء تزيّنها شبكة من المكعبات المرصوفة، يعلوها معطف أزرق، ينسدل على الكتفين، ويمتدّ أفقياً بين الذراعين. ترتفع اليد اليمنى نحو الصدر، وتقبض على صولجان يتمثّل هنا بعصا قصيرة ونحيلة. ترتفع اليد اليسرى في حركة موازية، وتظهر أصابعها ملتفّة على راحتها. تخرج القدم اليمنى من خلف طرف الجبّة الأسفل، كاشفة عن حذاء مزخرف بنقوش هندسية، وتبدو القدم الأخرى ممحوة، وما تبقّى من أثرها الطفيف يوحي بأنّها صُوّرت في وضعيّة مماثلة. يرتفع العرش الملكي وسط عمودين يعلو كلاً منهما تاج عريض، وتعلو هذه العناصر المعمارية خطوط ملتوية تحاكي شكل الرخام الأحمر. يشكّل هذان العمودان قاعدةً لقوس يُعرف في قاموس الفن الكلاسيكي باسم «قوس المجد»، وهو هنا على شكل مساحة زرقاء تعلوها كتابة بالخط الكوفي ضاع جزء كبير من أحرفها، ويشير نصّ ما تبقّى منها إلى دعاء بالعافية والرحمة للولي الجالس على العرش، ونصّه يقول: ««اللهـ(م) أ(غفر) لولي (عـ)هد المسلمين والمـ(سلـ)مات (...) وعافية من الله ورحمة (...)». عند طرفي هذا القوس، يظهر طائران متواجهان صوّرا في وضعية جانبية، ويوحي تكوينهما بأنّهما من فصيلة الدراج.

يحوط بهذا الأمير المتربّع على عرشه شابان أمردان يقفان في وضعية نصف جانبية، في حركة واحدة جامعة، يرفع كل من هذين الخادمين فوق هامة الأمير مروحة تتألّف من قضيب طويل ونحيل، تعلوه رزمة من الريش. تفوق مقاييس الأمير في حجمها قامتَي خادميه مما يعمّق صورة مكانته، ويعكس هذا الأسلوب طرازاً معروفاً اتّبع في الشرق القديم، كما في العالمين الروماني والبيزنطي. يتشابه هذا الخادمان بشكل كبير، وتبدو صورتاهما واحدة. الوجه فتي ونضر، تحيط به خصل من الشعر الأسود، تعلوها عمرة بيضاء بسيطة. يتكوّن اللباس من جبة طويلة زرقاء يعلوها معطف فضفاض، ويزيّن طرف أعلى هذا الرداء شريط يأخذ شكل طوق تعلوه سلسلة من الدوائر اللؤلؤية. يحضر الأمير وسط خادميه في بناء تعادلي محكم، ويحيط بهذه اللوحة إطار مقوّس تزيّنه سلسلة طيور متراصة بلغ عددها العشرين. تحضر هذه الطيور في وضعية جانبية ثابتة، وتماثل في تكوينها صورة الطيرين المتواجهين عن طرفي قوس المجد.

تستقر هذه اللوحة فوق لوحة مستطيلة ممحوة، ويتبيّن أن هذه اللوحة دخلت متحف الفن الإسلامي ببرلين، بعد أن حملتها معها البعثة التشيكية التي قامت باستكشاف قصير عمرة في مطلع القرن. فقدت هذه العينة الكثير من معالمها، وما تبقّى منها يشير إلى منظر طبيعي بحري، يشابه مناظر أخرى تحضر في أماكن متعدّدة من قصير عمرة، وحضور هذه المشاهد البحرية في برنامج هذا الموقع التصويري الشاسع يثير الحيرة، ودلالاته الافتراضية تبقى موضع بحث مستمر.

يظهر الأمير ممدّداً وسط ديوانه في الإيوان الغربي، ويظهر من أمامه خادم يرفع من فوقه مروحة، ويعكس تأليف هذا المشهد أثر الفن الساساني الإيراني، غير أن الأسلوب المتبع في التجسيم يبدو أقرب إلى الأسلوب المتوسّطي. في المقابل، يحضر الأمير في «ركن العرش» في تأليف روماني صرف شاع في العالم البيزنطي، ويحلّ هنا في قالب محلّي مبتكر. تعكس هاتان الصورتان تعدّدية المنابع التي نهل منها مصورو جداريات قصير عمرة، وتشهدان للاستمرارية الخلاقة التي تميّز بها الفن الأموي بفروعه المتنوّعة.

تستقرّ لوحة الأمير المتربّع على عرشه تحت قبّة تأخذ شكل قنطرة زيّن سقفها وجدارها بحلّة تصويرية حافظت على العديد من عناصرها التشكيلية. تحتاج هذه الحلّة إلى قراءة متأنيّة، وليس بالأمر السهل استنباط معانيها ودلالتها متعدّدة الأوجه، نظراً لغياب أي كتابات تسمّي مجموعة الأشخاص الحاضرة فيها.


معجب العدواني: صراع الأنواع الأدبية أصبح وجودياً

معجب العدواني
معجب العدواني
TT

معجب العدواني: صراع الأنواع الأدبية أصبح وجودياً

معجب العدواني
معجب العدواني

يُعد الناقد الأكاديمي السعودي الدكتور معجب العدواني من أصحاب البصيرة النقدية النافذة، التي تتجلى في متابعته للمشهد الثقافي العربي، وقضايا التراث، ومستجدات النظرية الأدبية الغربية، وتطورات المناهج النقدية الحديثة. صدر له عدد من المؤلفات المهمة، منها «إعادة كتابة المدن العربية»، و«قراءات في السرد العربي»، و«بلاغة الإعاقة البصرية»، و«مفهوم العامة»، و«الحداثة في الأدب السعودي»، وله أكثر من كتاب عن التناص... هنا حوار معه عن أبرز مؤلفاته، ورؤيته للمشهد الثقافي العربي.

> بدا كتابك «مفهوم العامة: الجلي والخفي» منشغلاً بإزالة الصورة السلبية عن العامة... فكيف ترى تقسيم العالم لثنائية ضدية بين النخبة والعامة؟

- ربما حرص ذلك المدخل الطويل إلى حدّ ما في كتاب «مفهوم العامة: الجلي والخفي» على إبراز تلك العيوب الناتئة في وجه ثقافتنا العربية، ولم يتجاهل غيرها من الثقافات؛ ذلك أن التقسيم هنا كان نتيجة فعل منهجي، يتلمس تحديد تلك العيوب كي يكشفها عن فئة ما، قد يكون هذا الكشف صعباً أو مستحيلاً، طالما بقي مفهوم العامة مستنداً -في موقعه التاريخي- إلى تلك الثنائية التي تتشكل من العامة والنخبة، إنها الثنائية التي أجادت تحييده ثقافياً، ونجحت في خلق فجوة ليس من السهل ردمها، فأكدت استمرار صرامتها بتفعيل ما وُصف بالمركز، وإهمال ما وُصم بالمهمش؛ لذا يمكن القول: إن كسر تلك الثنائية يقتضي إزالة الشوائب السلبية التي تحجب النظر عن أولئك، مقابل فحص الإيجابيات التي تؤكد أهمية هؤلاء، وتدعم مركزيتهم الثقافية.

> في مقدمة كتابك عن الحداثة في الأدب السعودي، انتقدت تحول الكثيرين إلى كتابة الرواية، لكن هناك توجهاً «جماهيرياً» من «عامة القراء» نحو قراءتها... فكيف ترى هذه المفارقة؟

- لم يكن النقد في هذه الإشارة، التي اقتنصتها، موجهاً إلى القراء، بل كان متجهاً إلى بعض الكتاب، أولئك الذين بُني وعيهم الفني بصورة أحاديّة، على التعامل مع الكتابة الإبداعية بوصفها منتجاً استهلاكياً، فأرادوا التوجه إلى كتابة الرواية، لا لحاجتهم إليها، وإنما لمحاكاتهم غيرهم، فكانت تجربتهم قاصرة؛ إذ لم تفلح في استنطاق الجنس الروائي بتعدده واختلافه، ولم تذهب عمقاً في الاشتغال على الأشكال التي ألِفوها من قبل، كي يحدثوا بعداً إبداعياً لتطويرها، أو تقديمها بصورة استثنائية.

أظن أن تلك القفزات الأفقية لا تضيف إلى الإبداع في معظم التجارب؛ ومع أنها ستسهم في لصق مصطلح «الأديب» على ذلك المتحول، لكنها ستبعد عنه مسافة الكشف الرأسي في عمق التجربة، ومن ثم فلن يكون شاعراً مبدعاً أو روائياً متميزاً أو قاصاً خلاقاً. ولا يتعارض ذلك مع مبدأ حرية الاختيار، ذلك المبدأ الذي يستند إليه شرط الكتابة؛ لأن تلك الحرية ستصبح إشكالاً مضاعفاً في تنقل الكاتب بين الأجناس، وكأنه يخرج من سجن كتابي إلى آخر، فيعجز عن فك أسره في كليهما، وفقاً لحالة الرواج التي تحدث، فيترك الأول، ويفقد كسر المعتاد من قوانينه، ويجعل منه ذلك التنقل معتاداً على الأبنية التي يقدمها «السجن» الجنس الأدبي.

> الآن انقلبت الآية، وأصبحت كلمات مثل «نخبة» و«نخبوي» بمثابة سُبة... فكيف يمكن ضبط المسافة بين النخبة والجماهير بحيث لا تهمش إحداهما الأخرى أو تقصيها وتدينها؟

- هذا صحيح، فاللحظة المعاصرة قادت إلى التخفيف من وهج فئة على حساب أخرى، وذلك نتيجة عوامل أبرزها اهتزاز العوامل الثقافية والاقتصادية التي تشكل هذين المكونين، ومع أن المسافة مهما ضاقت بين النخبة والجماهير تبقى عبئاً ثقافياً، ومسألة إشكالية ينبغي ألا تميل، غير أن اللحظة المعاصرة نجحت في خلخلة التوازنات، وكسر الثوابت، ومن ثم أرجو أن مشكلة الفروق تبدو مترسخة في أذهان الأفراد فحسب، كي تؤكد أن ذلك الانحياز السلبي قد فقد بوصلته في هذا الاتجاه.

> كيف ترى صراع الأنواع الأدبية وما يقال عن تراجع الشعر والقصة القصيرة في مقابل صعود «زمن الرواية» أو أنها أصبحت «ديوان العرب»؟

- يبدو لي أن هذا الصراع لا تنحصر نتائجه في قائمة أعداد القراء فحسب، لكنه صراع وجودي للجنس الأدبي نفسه، يتصل بالبعد الحضاري، فالشعر مهما حدث فسيظل له بعده التجذيري التأصيلي القابع في روح الأمة، والرواية حاملة مشعل التنوير سيظل لها بعدها الحداثي التنويري، الذي لا ينكره أحد. وهنا، لا يمكن مقارنة القصة القصيرة بقطبي الأدب: الشعر والرواية، كثير من المثقفين يصرّ على أن المشكلة ليست موجودة، لكنها مشكلة جلية، تستدعي التوقف عندها والتأمل فيها، حتى الكاتبة الكندية أليس مونرو، الفائزة بجائزة نوبل عام 2014م، أشارت إلى بهجتها بذلك الفوز، وأملها في أن يتزايد القراء الذين يتابعون القصة القصيرة، فقالت بُعيد الإعلان عن الجائزة، إنها تأمل «أن تكون الجائزة جالبة لمزيد من القراء لأعمالي، كما آمل أن يحدث هذا ليس لي فحسب، بل للقصة القصيرة عامة». وفي هذا وعي دقيق بحجم قرائها، يتباعد عن المبالغات التي نتبناها في أعداد قراء القصة القصيرة، ومع ذلك سأكون سعيداً جداً لو ثبت لي أن القصة القصيرة لم تتراجع، وأنها محط اهتمام القراء.

> «احتباس الضوء: بلاغة الإعاقة البصرية» كتاب شائق من عنوانه... لكن هل ثمة فارق جوهري بين بلاغة وجماليات النص الذي يكتبه المبصر وغير المبصر... بما يكفي لتدشين نظرية؟

- لا أزعم أن هذا الكتاب يضم نظرية مكتملة، إنه محاولة نقدية تأبى تصنيف التجارب الإبداعية في رفٍّ واحد، وتدعو إلى وجوب التشكيك في ادعاء أن حالة إبداعية لكفيف تماثل نظيرتها لمبصر... وتصل إلى أن كل تجربة لكفيف تستحق أن تُدرس على حدة، وفي هيئة مستقلة، وأن تتشكل أدواتها بما يلائمها، أو لنقل: بما يحايثها، من أجل مزيد من نجاعة الفحص النقدي؛ لذا يضم الكتاب سلسلة من درس الحالات التي بنيت على نبذ الآخرية التي أقيمت استهلالاً؛ لتستند إلى تلك المصطلحات التي قد يكون مبعثها الشفقة، وتهدف إلى التخفيف والمواساة، فنتبناها، ومن ثم تؤمن بها بعض المؤسسات الثقافية، مثل: «أصحاب الهمم» أو «ذوي الاحتياجات». إن هذا التمييز لا يُلغي التصنيف، الذي يقود إلى آخرية مُدَّعاة، أو مبتغاة من نوع ما، وهذا المستوى الأول يشكل أساساً أولياً للتمييز المستتر، ومن ثم كانت إقامة القراءات النقدية مستوى آخر لا ينبغي تجاهله.

> لك كتابات كثيرة عن التناص، مثل «القراءة التناصية الثقافية» و«الكتابة والمحو» و«الموروث وصناعة الرواية»، فكيف ترى حوار الشاعر الراهن مع أشباح سلفه الشاعر القديم؟

- التناص، في معظم ما كتبت، كان حالة مركبة لها عدد من الأوجه، وتتنافى مع الحالات الجزئية كالاقتباس أو غيره، لكنها تتوافق مع «النص» بوصفه جزءاً من المصطلح الدال على التداخل والتفاعل، وباكتماله تبدأ دورة ترحله من ثقافة إلى أخرى، فرسم الطيور المتناثرة في لوحة فن تشكيلي، تتفق في كونها طيوراً، ولا فرق بين ما كان يطير منها منفرداً أو بصورة جماعية؛ لأن كلتا الحالتين تجعل الطير حاضراً. وتنبغي الإشارة إلى أن التناص يظل حالة «هدمية» قد نراها متحققة في دراسة هارولد بلوم عن قلق التأثير، فالنص التالي هادم افتراضي لما أنتج في النص الأول، أما التعامل الجزئي مع التناص بصورة جزئية فيظل نظراً إلى شظايا نصية لدينا من المصطلحات التراثية ما يفي بمعالجتها. هل نجح شعراؤنا في التفاعل مع منتج أسلافهم؟ الإجابة ستكون: نعم، ولكن بصورة جزئية في أغلب ما جرى توظيفه.

> بوصفك مفكراً منشغلاً بالحداثة وما بعدها، هل مجتمعنا العربي مواكب لهذه التطورات العالمية أم أنه يقف عند حدود «التحديث» المادي وليس الحداثة؟

- لديّ اهتمام لا بأس به بالحداثة وما بعدها، لكنه لا يصنفني مفكراً، كل قراءة عن هذه العوالم تسوغ التوافق مع ما تفضلت بالإشارة إليه عن المجتمع العربي، في كونه يدخل في التحديث المادي. لقد نجح مصطلح الحداثة وما بعدها في عالمنا العربي مرتين؛ مرة بذلك التوافق العلمي عليه، والأخرى بكونه جاء متوازياً، إلى حد ما، مع ما هو شائع في العالم الغربي، وفي رأيي إن الإشكال النقدي يتمثل في غياب النظر إلى أن الحداثة وما بعدها طائران لا يقومان إلا على جناحين: أولهما ما يتصل بالفلسفة والانتماء، والآخر ما يتمثل في الاتكاء على المصطلحات والإسهام مع الأسماء التي لها منجزها في النظرية وتطبيقاتها.

> كتابك المهم «إعادة كتابة المدينة العربية» يحاول كشف التمثيل الاستعماري للمدن العربية... لماذا يرانا العالم الغربي بهذه الصورة وكيف يمكن تغييرها؟

- تبنّى هذا الكتاب التتبع النقدي لظاهرة سائدة في عدد من الأعمال الروائية المكتوبة بالإنجليزية؛ وهي الكتابة السلبية عن المدن في الشرق الأوسط، ومن ثمّ كان الوقوف على النماذج والتصنيفات التي يمكن أن تخضع لها في إطار مفاهيم منهجيّة محددة، في أعمال صدرت بين عامي 1957م و2013م، كانت جنسيات كتّابها البريطانية والأميركية، لكنها تتفق في الارتهان إلى خطاب يميل إلى إنتاج تمثيلات سلبية عن الشرق عامة، وقد خصص الكتاب لتلك المساءلة جانبين: الأول فرعي، ويتصل بتمثيلات القبح والتقبيح، والتمثيلات الشبقية، والغرائبية، وكان الجانب الآخر مركزياً عالج تمثيلات الكراهية التي تعود جذورها إلى الخطابات الدينية والسياسية والاقتصادية، وعليّ أن أضيف: إنه يتبدّى أن تلك الرؤية الغربية ليست مقتصرة على المدن العربية فحسب، لكنها تمتد إلى المدن الشرقية بصورة عامة، نتيجة خطاب استعماري له جذوره التاريخية.

> أخيراً، ما رؤيتك للمشهد الثقافي العربي مع بزوغ عصر «السوشيال ميديا» وتراجع دور المثقف التقليدي؟

- هناك تراجعات كبيرة للأدوار التقليدية في المرحلة الحالية من مثقف أو غيره، وبدا لي أن «السوشيال ميديا» أضحت مقرونة مع عوالم الذكاء الاصطناعي في حياتنا جزء من تعاظم آلي، يقابله تراجع لم يعد خاصاً بالمثقف وحده، بل امتد إلى الإنسان الذي بات متصلاً بالأجهزة الصناعية؛ التي تحيط به، وتلقنه، وتقدم له ما يحتاج إليه من عشرات المثقفين في لحظة واحدة، ويضيف إلى ذلك قدرته على إدارة حوار بينها، ومناظرة؛ إذ أصبح الإنسان الحالي كائناً معدلاً يجمع بين الإنسان والتقنية (السايبورغ)، وهي الظاهرة التي نعيشها في أدق تفاصيلها، بما يتصل بنا من تقنية تحيط بنا وتشكّلنا، أما إيجابياتها فتتجلى في كونها سترفع مستوى الوعي عالياً، ليعود هذا الإنسان «الاستثنائي» فيكتب مزيداً من الإنتاج الثقافي أو العلمي، كي يُضيف بوصفه آلة إلى ما لدى الآلات المحيطة، وهكذا نصبح في دوامة من التقنية التي يُخشى أن تُسهم في تغييب شمس الإنسان وانحسار صوته رمزياً.