ازدياد التوترات بين العملاقين الآسيويين

التبت وتايوان والتقارب مع إسلام آباد نقاط ساخنة بين بكين ونيودلهي

استضافة الهند للزعيم الروحي التبتي المنفي الدالاي لاما في إحدى المناطق الحدودية شديدة الحساسية التي تسيطر عليها الهند الشهر المقبل يغضب الصين (إ.ب.أ)
استضافة الهند للزعيم الروحي التبتي المنفي الدالاي لاما في إحدى المناطق الحدودية شديدة الحساسية التي تسيطر عليها الهند الشهر المقبل يغضب الصين (إ.ب.أ)
TT

ازدياد التوترات بين العملاقين الآسيويين

استضافة الهند للزعيم الروحي التبتي المنفي الدالاي لاما في إحدى المناطق الحدودية شديدة الحساسية التي تسيطر عليها الهند الشهر المقبل يغضب الصين (إ.ب.أ)
استضافة الهند للزعيم الروحي التبتي المنفي الدالاي لاما في إحدى المناطق الحدودية شديدة الحساسية التي تسيطر عليها الهند الشهر المقبل يغضب الصين (إ.ب.أ)

يبدو أن العملاقين الآسيويين، الهند والصين، الكبيرين في الموارد البشرية والاقتصادية، يتجهان إلى مواجهة دبلوماسية جديدة مع استضافة الهند للزعيم الروحي التبتي المنفي الدالاي لاما، في إحدى المناطق الحدودية شديدة الحساسية التي تسيطر الهند عليها ولكن تزعم الصين أحقيتها فيها، وهي منطقة أروناتشال براديش.
وخلال العام الماضي، تصاعدت التوترات بين البلدين إلى مستويات حذر الخبراء من أنها قد تهدد الأمن والسلام الهش الذي حافظت عليه الدولتان منذ عقد الثمانينات من القرن الماضي. فلقد لعبت الهند، بين الحين والآخر، بورقة التبت لمواجهة التحركات الاستراتيجية الصينية. ولذا، فإن الخطوة الجديدة المتخذة من جانب الهند يمكن ربطها، وعلى نحو سريع، بمحاولة نيودلهي الانتقام من بكين لمضيها قدما في طريق تشييد الممر الاقتصادي في باكستان، والذي يمر عبر المنطقة التي تسيطر عليها باكستان من إقليم كشمير المتنازع عليه مع الهند، الأمر الذي أعلنت الهند احتجاجها عليه بصورة رسمية.
كما تعمدت بكين كذلك وضع العراقيل في طريق انضمام الهند إلى مجموعة الموردين الدوليين للمواد النووية، وأقامت كثيرًا من مشروعات البنية التحتية في كل من سريلانكا، وباكستان، وبنغلاديش، مثل الموانئ، والطرق السريعة، وخطوط السكك الحديدية، الأمر الذي يثير مخاوف الهند التي تعتبر المحيط الهندي مثل الفناء الاستراتيجي الأساسي لها.
يقول الدبلوماسي الهندي المتقاعد، إم آر بهانداركار، معلقا: «تجدد اهتمام الحكومة الهندية بإقليم التبت في ضوء الإدارة الأميركية الجديدة في البيت الأبيض. فلقد لمح الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى إنهاء الولايات المتحدة لما يُسمى بسياسة (الصين الواحدة). وسوف تستمر قضية إقليم التبت في احتلال مركز الصدارة كلما ثار هناك خلاف استراتيجي كبير بين نيودلهي وبكين».
ولقد حذرت الصين جارتها بشكل رسمي من الأضرار الجسيمة على العلاقات المتبادلة، وتنامي حالة عدم الاستقرار الإقليمي، إذا ما قام الدالاي لاما بزيارة المنطقة في الرابع من أبريل (نيسان) المقبل.
وتزعم الصين أن أغلبية المنطقة هي جزء مما تطلق عليه التبت الجنوبي. ويعتبر دير تاوانغ القديم الذي يبلغ عمره 430 عاما في منطقة أروناتشال براديش، من أقدم وأقدس الأديرة البوذية في العالم بعد المقعد التقليدي للدالاي لاما في قصر بوتالا في لاسا بإقليم التبت. وتعلن الصين احتجاجها الديني في كل مرة يزور مسؤول هندي أو حتى أجنبي هذه المنطقة.
وتزعم بكين بصورة رسمية أن قواتها قد حررت التبت في عام 1950، وتعتبر الراهب البالغ من العمر 80 عاما والحائز على جائزة نوبل للسلام، من الانفصاليين. والدالاي لاما الذي هرب من التبت في عام 1959 حينما كان يبلغ من العمر 23 عاما، بعد الانتفاضة الفاشلة ضد الحكم الصيني، كان قد حصل على الملاذ الآمن في الهند. ولقد ساعدت الهند الدالاي لاما على إقامة مقره الديني في دارامسالا في ولاية هيماشال براديش في الهيمالايا الهندية. ومن هناك، يواصل الدالاي لاما إذكاء روح النضال في التبت والمحافظة على التقاليد اللغوية والثقافية والدينية التي تميزهم. ولقد تحول مقعد الدالاي لاما في دارامسالا إلى منارة لجذب سكان التبت الذين يفرون من الاضطهاد الديني والعرقي الصيني المزعوم. وخلال العقود الستة الماضية، اجتذبت الهند ما يزيد على 200 ألف لاجئ من سكان التبت إلى أراضيها.
* التحذير الصيني
قال المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية الصينية جينغ شوانغ، في مؤتمر صحافي: «شارك الدالاي لاما ومنذ فترة طويلة في أنشطة انفصالية ضد الصين. ويدرك الجانب الهندي على نحو جيد أهمية وخطورة قضية الدالاي لاما وحساسية الحدود الصينية الهندية حيال هذه المسألة. وفي هذه الحال، إذا ما دعا الجانب الهندي الدالاي لاما إلى المناطق التي هي محل نزاع على الأراضي بين الصين والهند، فمن شأن ذلك أن يؤثر بصورة شديدة على السلام والاستقرار، ويلحق الأضرار البالغة بالعلاقات الصينية الهندية».
وأصدرت صحيفة «غلوبال تايمز» الصينية، الموالية للحزب الشيوعي الصيني الحاكم، تحذيرا مماثلا بنبرة أشد كما هي العادة. وقالت: «لفترة طويلة، يعتبر بعض الهنود الدالاي لاما من أصولهم الاستراتيجية. ومع ذلك، فإنهم يبالغون في تقدير القيمة السياسية للدالاي لاما وجماعته، في حين يسيئون تقدير العزم والتصميم الصيني في الحفاظ على مصالح البلاد الأساسية».
* التحدي الهندي
يقول وزير الداخلية الهندي كيرين ريجيجو، وهو من أبناء منطقة أروناتشال براديش، والمبعوث الخاص لرئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي لشؤون التبت، إنه سوف يقابل الدالاي لاما الذي يقوم بزيارة دير تاوانغ البوذي القديم. ومن غير أي لهجة عدائية أشار ريجيجو قائلا: «إننا لا نخضع لهيمنة أي شخص، كما أننا لا نُخضع أي جار من جيراننا لسيطرتنا. ولكنها المصالح الهندية التي تحتل المقام الأول من اهتمامنا».
وأردف قائلا: «إنه سوف يذهب إلى هناك كزعيم ديني، وليس هناك من سبب لمنعه. وإضافة إلى ذلك، فإن الهند دولة ديمقراطية علمانية، ولن تحول بينه وبين السفر إلى أي مكان يرغب في زيارته من البلاد».
ويقول المحللون في نيودلهي، إن الضوء الأخضر الممنوح لزيارة الدالاي لاما، وخطة الوزير الاتحادي بالحضور أثناء زيارته للدير القديم، يشيران إلى الموقف الأكثر صلابة وحزما المتخذ من قبل حكومة مودي، والذي أصبحت علاقات حكومته مع الجانب الصيني تشهد توترات ملحوظة منذ فترة.
يقول مانوج جوشي، المحلل لدى مؤسسة «أوبزرفر» البحثية ومقرها في نيودلهي: «تهدف الزيارة في الأساس إلى اتخاذ موقف صارم حيال الصين. فلقد كان موقفهم يتسم بالجرأة الشديدة إزاء قضية الدالاي لاما. وربما تعتقد الحكومة الهندية أنه يمكنها تأمين قدر من النفوذ من وراء هذا الأمر».
* الهند تستخدم ورقة التبت
تراجعت حكومات هندية كثيرة، في الماضي، عن فكرة عقد الاجتماعات العلنية مع قادة التبت في الهند، على الرغم من انعقاد بعض من هذه الاجتماعات معهم، ولكن على نحو خاص غير معلن. ومع ذلك، بعد انتخاب ناريندرا مودي رئيسا لوزراء الهند، اتخذت الهند موقفا أكثر حزما، ثم أعلنت عن تفاعلها العام مع قادة التبت المنفيين، وهو التغيير الواضح الذي انتهجته الحكومة الحالية بعد تردد من الحكومات السابقة، خشية إثارة غضب بكين.
وفي الآونة الأخيرة، استقبل الرئيس الهندي براناب موخرجي الدالاي لاما في مقر إقامته الرسمي مع الحائزين الآخرين على جائزة نوبل، وكان هذا أول لقاء رسمي يجمع الدالاي لاما مع رئيس الهند منذ 60 عاما. ومن الجدير بالذكر في هذا المقام أن الصين قد حذرت الهند بشكل مماثل في ديسمبر (كانون الأول) من عام 2016، عندما سمحت الهند للرئيس الـ17 لطائفة كارما كاجيو البوذية، ويدعى أورغين ترينلي دورجي ويحمل لقب كارمابا، بزيارة دير تاوانغ القديم في منطقة أروناتشال براديش. وكارمابا الذي يأتي في المرتبة الدينية بعد الدالاي لاما، يعتبر أهم زعيم روحي ديني في البوذية التبتية، وكان قد فر إلى الهند في عام 1999 عندما كان يبلغ من العمر 19 عاما، هربا من القيود التي تفرضها الحكومة الصينية على دراساته الدينية في التبت. وجذبت زيارة كارمابا إلى دير تاوانغ القديم الاهتمام الدبلوماسي، حيث كان يرافقه في تلك الزيارة أيضا وزير الداخلية الهندي كيرين ريجيجو. ووجود الوزير الاتحادي الهندي خلال زيارة كارمابا للدير اعتبر إشارة إلى الدعم الذي تقدمه نيودلهي إليه. وكانت تلك الزيارة هي الأولى من نوعها لزعيم تلك الطائفة منذ نحو 9 قرون كاملة. كما غرد وزير الداخلية الهندي عبر موقع «تويتر» إبان زيارة كارمابا للدير المقدس.
تربط بين العملاقين الآسيويين، الهند والصين، حدود مشتركة يبلغ طولها نحو 3000 كيلومتر، وهي الحدود التي اندلع بسببها صراع مسلح بين البلدين في عام 1962. الحرب التي انتصرت فيها بكين على نيودلهي. وهناك بُعد يتعلق بإقليم التبت في ذلك الصراع الحدودي، حيث إن أغلب خط الحدود المشترك يمر عبر المناطق ذات الأغلبية التبتية من السكان. وفي الماضي، تعمدت الصين مضايقة الهند عن طريق إصدار جوازات سفر معلقة للمواطنين الهنود من سكان منطقة أروناتشال براديش، أو حتى القول إن سكان هذه المنطقة لا يحتاجون إلى تأشيرات للسفر إلى الصين.
* الهند تلامس الأوردة الصينية الرئيسية
لا يتعلق الأمر بإقليم التبت فحسب، فلقد كانت الهند تلوح أيضا بورقة تايوان في مواجهة الصين. ففي الشهر الماضي، وفي خطوة اعتبرت من النوادر، استضافت الهند وفدا برلمانيا من تايوان في نيودلهي. وأعربت بكين عن انزعاجها لتلك الزيارة، ووصفت تصرفات الهند بأنها «استفزازية»، ووجهت الاتهامات إلى نيودلهي باللعب بالنار عن طريق استضافة الوفد البرلماني التايواني على أراضيها. وتعتبر بكين تايوان من الأقاليم الصينية الانفصالية، والذي يمكن إعادة ضمه إلى البر الصيني الرئيسي بالقوة إذا لزم الأمر.
وتعرضت بكين لمزيد من السخرية عندما أيدت الهند موقف إندونيسيا الذي يطالب الصين بالالتزام بحكم المحكمة الدولية في لاهاي عام 2016، والذي يقضي برفض مطالبات الصين في بحر الصين الجنوبي. وفي نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2016، سهلت الهند زيارة الزعيم الروحي الدالاي لاما إلى دولة منغوليا. ومما لا يثير الاستغراب، استنكرت بكين على منغوليا الاندفاع وراء هذه الخطوة الخاطئة من دعوة الدالاي لاما. وفي ردة فعل انتقامية من جانب الصين، قامت بكين بإلغاء مفاوضات القروض بينها وبين منغوليا، وفرضت الرسوم الجمركية على الحدود معها، وألغت أيضا المحادثات الثنائية الرئيسية بين البلدين. ولقد شهدت الهند تهديدات مماثلة صادرة عن الصين، عندما قام ناريندرا مودي رئيس الوزراء الهندي بزيارة رسمية إلى فيتنام.



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended