في بينالي الشارقة تتنفس شوارع المدينة الهادئة فنا، تمتد الأعمال الفنية عبر المدينة فمن ساحة المريجة حيث تتحول مجموعة من البيوت التراثية إلى معارض فنية تضم في غرفها وباحاتها عددا من الأعمال المشاركة في البينالي. وبعيدا عن وسط المدينة تتخذ استوديوهات الحمرية على شاطئ البحر موقعا فريدا لعرض المزيد من الأعمال بينما تعرض الأفلام في الساحة الخارجية المكشوفة التي تتناثر فيها المقاعد المريحة. إلى جانب ذلك كله يقف بيت السركال التاريخي الذي أصبح مقرا للفنون والفعاليات التي ترافق بينالي الشارقة. داخل البيت التراثي يتنافس التاريخ والبناء التراثي مع الأعمال الفنية المعاصرة التي تشغل عددا كبيرا من غرفه وساحاته.
ولكن عودة للفن، وإن كنا لم نبتعد كثيرا، فالبداية يجب أن تكون من ساحة المريجة حيث تعقد جلسات الحوار التابعة لـ«لقاء مارس»، وحول القاعة الرئيسية تتفرع الغاليريهات المنفصلة التي تضم أعمالا فنية من جميع أنحاء العالم. شارك في البينالي 70 فنانا وفنانة من جميع أنحاء العالم، وتتوزع أعمالهم على عدة مساحات عرض في المدينة منها ساحة المريجة واستوديوهات الحمرية والقبة السماوية وما يطلق عليه «فلاينغ سوسار» (الطبق الطائر)، وهو مبنى قديم تم تجديده ليستضيف بعض الأعمال المشاركة.
متحف فلسطين
في أحد الغاليريهات نجد أنفسنا أمام لافتة «المتحف الفلسطيني لتاريخ الطبيعة والإنسان - فلسطين بعد فلسطين» وهو للفنان الفلسطيني خليل رباح. داخل الغاليري تتوزع أقسام «المتحف»، فهناك قسم كوكب الأرض والمجموعة الشمسية، ثم قسم علم الجيولوجيا وقسم علوم النباتات. في مقدمة دليل المعرض يقول الفنان: «يشكل المتحف الفلسطيني لتاريخ الطبيعة والإنسان مشهدا (تكعيبيا) مستحيلا، فهو رازح تحت الاحتلال، منفي داخل وطنه وأينما كان في الشتات».
ألتقي الفنان في حوار قصير، يشير إلى أقسام المتحف بأنها «متخيلة» كل منها له علاقة بجغرافية فلسطين، «أتخيل هنا معنى الهوية ومعاني الأشياء»، في قسم الجيولوجيا الأرض والمجموعة الشمسية نمر على حديقة خلفية بها منحوتات تحمل رقمي 48 في المائة و67 في المائة، وعبرها يتأمل الفنان في المحطات الرئيسية في تاريخ فلسطين، ففي عام 48 «ذهبت نصف الأراضي الفلسطينية، وفي عام 67 استولى الاحتلال على ما يقارب الثلاثة أرباع، أتخيل هذا المكان وكأنه حديقة تذكارية وكأن الزائر يشهد على وقت تاريخي». في إحدى الغرف تنتظم كرات مصنوعة من الخيوط المعدنية المطلية باللون الذهبي في صفوف، وفي نهاية الغرفة إناء ضخم بحمل زيت الزيتون الذي يبدو وكأنه ذهب سائل، على الجانب هناك خريطة تحددت حدودها ومعظم أراضيها بالمسامير، يشير رباح للأجزاء الفارغة البيضاء قائلا: «هنا مكان الذهب محاط بالمستعمرات، أقصد بالذهب أشجار الزيتون وزيتها، وهو بمثابة الدم في عروق الفلسطينيين».
نقود من صدف
ومن الأعمال التي تستوقف الزائر في أحد غاليريهات ساحة المريجة عمل للفنانة تالوي هافيني من أستراليا التي تطلق عليه اسم «نقود من صدف». وهو أحد أشكال العملة المصنوعة من الأصداف البحرية والتي يطلق عليها «البيروانة» وكانت متداولة في إقليم بوغانفيل المستقل في بابوا غينيا الجديدة. تلقي هافيني الضوء من خلال عملها المتدلي من السقف على هيئة دوائر متدرجة في الاتساع، على الفرق بين النظم المالية القديمة التي كانت تعتمد على المقايضة والنظم المالية الحديثة الجامدة. خلال حديث سريع مع الفنانة أشارت إلى أن عملية صنع البيروانة تستغرق وقتا طويلا وتمر بمراحل تبدأ من جمع الأصداف وطحنها وتشكيلها يدويا. تشير أيضا إلى أن البيروانة تحمل مكانة خاصة، حيث تتوارثها العائلات ويتم استخدامها للزينة في الاحتفالات.
ما خلف الدروع السوداء
وفي الساحة المواجهة لمتحف الشارقة وتجاور بيت السركال التاريخي نجد أنفسنا أمام مجموعة من الدروع السوداء مثل تلك التي يستخدمها البوليس في جميع دول العالم لمقاومة الشغب والاضطرابات، الدروع متراصة فوق بعضها لتكون حائطا يمتد على مسافة كبيرة يحيط بحديقة صغيرة. نسترق النظر للحديقة من خلال المستطيلات الشفافة على الدروع. المشهد يدعو للتوقف، ربما لما لتلك الدروع السوداء من إيحاءات مقلقة، تنفرج السواتر السوداء عن طريق ضيق يتسع لشخص واحد ليستطيع الدخول لما خلف الغلالة السوداء ولرؤية ما الذي تحجبه أو ما الذي تحميه. ألتقي مع الثنائي الفني وراء العمل ين وو وإيريك تشن من تايوان، ويدور حديث حول المعاني المختلفة للعمل. تبدأ ين بالحديث حول العمل والإيحاءات ورائه، تقول إن المظاهرات السلمية التي شهدتها تايوان منذ خمسة أعوام أثارت لديهما الكثير من الأفكار، وأضافت الصدفة لذلك عندما استطاعا الحصول على الدروع السوداء عبر أحد الأصدقاء. العمل كما تشير من الممكن رؤيته بشكل سلبي أو إيجابي إذا اعتبرنا أن الدروع تحمي الحديقة من العوامل الخارجية. أتساءل: «دروع بوليس مقاومة الشغب في العادة لا تستدعي للذهن أحاسيس إيجابية بالضرورة، هل باعتقادك أن ذلك لن يؤثر على طريقة تقبل المتفرج للعمل الذي قد يرى أنها تقمع الأفكار بدلا من أن تحمي الحديقة؟ تقول: «نستطيع رؤية العمل بنظرة متفائلة أو عكسها، نحن نريد للمتفرجين أن يكونوا أفكارهم الخاصة بالعمل سواء كانت تلك السواتر السوداء تحمي النباتات في الحديقة وتساعدها على النمو أو على العكس تمنعها من النمو». يريد الفنانان أن يثير العمل مشاعر وأفكار مختلفة في كل مكان يعرض فيه: «أعتقد أن الجمهور يجب أن يكون لديه الكثير من الأسئلة حول العمل، فعلى سبيل المثال من الممكن أن يرى الشخص أمامه شبكة من السواتر السوداء ولكن بمجرد العبور للداخل قد يختلف الأمر. يمكن النظر للعمل على أنه يمثل حاجز يبدو مخيفا ولكنه يدعوك لعبوره والنظر من الجانب الآخر».
وليد سيتي «الرايات الزائفة» «أرض الأشباح»
في استوديوهات الحمرية يعرض الفنان العراقي الكردي وليد سيتي عملين بعنوان «الرايات الزائفة» و«أرض الأشباح». يكاد يتفق كل من عبر هذه الغرفة على الإعجاب بالعمل الموحي المحمل بإحباطات وأحلام الوطن. على أرض الحجرة تمتد ما يبدو وكأنه خريطة صنعت من المصيص والجص وألوان الأكريليك يستكشف الفنان عبرها ما أطلق عليه «التشكيل البدائي» مشاعر فقد وإحباطات كثيرة.
«الرايات الزائفة» التي نراها معلقة متتالية، بيضاء متشابكة، وأشكال آدمية صغيرة تتسلق عليها، يشير دليل المعرض في وصف العمل: «يتأمل عمل سيتي ارتباطنا الهش بتلك الرموز الأيقونية التي تعبر عن الهوية. لا يوحي عنوان العمل بأن الرايات تقف عاجزة في كثير من الأحيان عن تصوير مشاعر الفخر لشعب ما فحسب، بل إن مكانتها الرمزية قد باتت مسخرة في خدمة الدولة والنزاع على الأرض الذي تمليه مصالح قوى بعيدة».
نص أوبرالي ملون
وعلى واجهة متحف الشارقة للفنون تتدلى قطع قماش ملونة تشكل ستارة ضخمة من قطع الأقمشة المخاطة سويا منتهية بـ«شراشيب» ذهبية يجعلها تشبه ستارة المسرح. التأثير البديع الذي تتركه تلك القطعة لا يمكن تجاهله، فهي تضفي على الشارع كله إحساس بالحياة والجمال والمرح يستمر مع المشاهد طوال يومه. العمل للفنان جو نعمه، الذي استوحى فيه خبرته في عالم المسرح والأوبرا. وللتحضير للعمل أجرى الفنان دراسة حول تأثير الأوبرا على الموسيقى في العالم العربي. يطلق على العمل عنوان «نص أوبرالي ى - ى: تصميم ستار في ضوء الشمس المشرقة مليء بالحب».
{بينالي} الشارقة 13... سواتر سوداء ونص أوبرالي ملون
التماوج ما بين الأعمال الفنية والشوارع والبنايات
ساحة المريجة وبيوتها التراثية - نص أوبرالي: تصميم ستار في ضوء الشمس المشرقة مليء بالحب لجو نعمة - أحد أعمال الفنان خليل رباح - في ساحة الفنون «الجماعية» للثنائي رين وو وإيريك تشين - «بيروانة» نقود من صدف للفنانة تالوي هافيني
{بينالي} الشارقة 13... سواتر سوداء ونص أوبرالي ملون
ساحة المريجة وبيوتها التراثية - نص أوبرالي: تصميم ستار في ضوء الشمس المشرقة مليء بالحب لجو نعمة - أحد أعمال الفنان خليل رباح - في ساحة الفنون «الجماعية» للثنائي رين وو وإيريك تشين - «بيروانة» نقود من صدف للفنانة تالوي هافيني
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

