تركيا تتهم هولندا بالتورط في مجزرة سربرنيتسا... وتهددها بعقوبات جديدة

إردوغان: الاتحاد الأوروبي يمارس ديمقراطية انتقائية... وميركل: اتهامات الرئيس التركي سخيفة

إردوغان خلال تجمع خطابي في أنقرة أمس (رويترز)
إردوغان خلال تجمع خطابي في أنقرة أمس (رويترز)
TT

تركيا تتهم هولندا بالتورط في مجزرة سربرنيتسا... وتهددها بعقوبات جديدة

إردوغان خلال تجمع خطابي في أنقرة أمس (رويترز)
إردوغان خلال تجمع خطابي في أنقرة أمس (رويترز)

هدد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، في لقاء مع الأطباء الأتراك أمس، في إطار حملته لدعم التعديلات الدستورية، بفرض مزيد من العقوبات على هولندا، واتهمها بالتورط في قتل 8 آلاف مسلم خلال مجزرة سربرنيتسا ضد مسلمي البوسنة عام 1995.
وشدد إردوغان على أن بلاده لن تكتفي فقط بالاعتذار من جانب هولندا، وأنه يجب معاقبتها على ما فعلته بحق الوزراء والمواطنين الأتراك، وقال بهذا الخصوص إن «نهضة تركيا التي شكلت أملا لكثيرين أصبحت كابوسا لآخرين مثل ألمانيا وهولندا». وعلى الفور رد رئيس الوزراء الهولندي مارك روته على تصريحات إردوغان حول «مجزرة سربرنيتسا»، التي ارتكبتها قوّات صرب البوسنة بحقّ 8 آلاف مسلم عام 1995، واعتبرها «تزويرا بغيضا للتاريخ»، وقال روته إن «إردوغان يُواصل تصعيد الوضع، لكن لن ننزل إلى هذا المستوى. فهذا أمر غير مقبول على الإطلاق».
وكانت الحكومة التركية أعلنت على لسان المتحدث باسمها نعمان كورتولموش أنها قررت «تعليق العلاقات رفيعة المستوى، والاجتماعات المخطط لها مع هولندا، حتى تصحح الأخيرة ما قامت به»، وقال كورتولموش عقب اجتماع مجلس الوزراء إن بلاده لن تسمح للسفير الهولندي، الذي يقضي إجازة خارج البلاد، بالعودة إلى تركيا حتى تنفذ هولندا مطالبها، كما لن تسمح تركيا للرحلات الدبلوماسية الهولندية باستخدام أجوائها، موضحا أن هذا الإجراء لا يشمل المواطنين الهولنديين، كما قررت الحكومة تقديم توصية إلى البرلمان لإلغاء جمعية الصداقة التركية - الهولندية.
وكانت هولندا قد سحبت السبت الماضي تصريح هبوط طائرة وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو على أراضيها، ورفضت دخول زميلته وزيرة الأسرة والشؤون الاجتماعية فاطمة بتول صيان كايا إلى مقر القنصلية التركية بمدينة روتردام، لعقد لقاءات مع الجالية ودبلوماسيين أتراك، ثم أبعدتها لاحقا إلى ألمانيا.
وأمس قال رئيس وزراء هولندا مارك روته معلقا على إعلان هذه الإجراءات، إن العقوبات التي فرضتها تركيا على الحكومة الهولندية في أعقاب خلاف دبلوماسي «ليست بهذا السوء» لكنها غير متناسبة لأن الهولنديين لديهم أسباب أكثر للغضب».
وتضمنت العقوبات تجميد كل الاتصالات الدبلوماسية، لكنها لا تشمل أي إجراءات اقتصادية.
من جهته، قال وزير التجارة والجمارك التركي بولند توفنكجي أمس إن بلاده تكتفي حاليا بفرض عقوبات سياسية وقانونية على هولندا، لافتا النظر إلى أنه يمكن مناقشة فرض عقوبات اقتصادية في وقت لاحق، وأضاف موضحا أن «مجلس الوزراء التركي أعلن سابقا العقوبات السياسية والقانونية التي سيفرضها على هولندا، لكن من الممكن مناقشة العقوبات الاقتصادية في وقت لاحق».
في غضون ذلك، واصل إردوغان هجومه أمس على ألمانيا، حيث اتهم المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل بمهاجمة تركيا بالطريقة ذاتها، التي استخدمت بها الشرطة الهولندية الكلاب ومدافع المياه لتفريق متظاهرين أتراك خارج القنصلية التركية في روتردام. وقال إردوغان إن ميركل «لا تختلف عن هولندا» التي اتهمها بممارسة إرهاب الدولة، ودعا المهاجرين الأتراك لعدم التصويت «للحكومة والعنصريين» في الانتخابات الأوروبية المقبلة. ومن جانبه قال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو أمس «يساورنا قلق كبير حيال وضع القارة الأوروبية الحالي، ونراها تتجه شيئا فشيئا إلى الهاوية وإلى فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية».
واعتبر جاويش أوغلو أن عددا من الدول الأوروبية أصبحت تخشى تركيا ونهضتها، كما تخشى تشتت الاتحاد الأوروبي، وهو ما يدفعهم لمؤازرة بعضهم البعض حتى لو على حساب الحقيقة والقيم والحريات، حسب تعبيره.
كما هاجم إردوغان في مقابلة تلفزيونية الاتحاد الأوروبي، واتهمه باتباع سياسة المماطلة فيما يخص انضمام تركيا إلى عضويته، مشيرا إلى وجود عدد من دول الاتحاد الأوروبي أصبحت لا تستطيع تقبّل نهضة تركيا وتطورها، مبرزا أنّ ألمانيا التي تقدّم الدعم للإرهابيين تتقدّم تلك الدول، حسب رأيه. وقال إردوغان بلهجة غاضبة «فلتساند السيدة ميركل الموقف الهولندي كما تشاء، فأنت أساسًا تقدمين الدعم للإرهابيين، فنحن قدمنا لك 4.500 ملف حول قضايا تتعلق بالإرهاب، ولم تبلغينا بأي شيء عن تلك القضايا، وفي الوقت الذي نخوض فيه غمار الاستعدادات للاستفتاء على دستور جديد، يقوم التلفزيون الرسمي الألماني بتنظيم حملات تدعو الأتراك للتصويت بـ«لا» خلال الاستفتاء». لكن ميركل وصفت اتهامات الرئيس التركي بـ«السخيفة» بحسب ما قال المتحدث باسمها ستيفن سيبرت مساء أول من أمس. كما انتقد إردوغان ميركل بسبب الدعم الذي قدمته لرئيس الحكومة الهولندية مارك روته خلال الأزمة الدبلوماسية الأخيرة بين هولندا وتركيا، وأصر الزعيم التركي على اتهام ألمانيا بالعودة إلى النازية بقوله «بإمكاننا أن نسمي هذا نازية أو نازية جديدة.. إنه توجه جديد لدى النازية».
ومن جانبه، اعتبر وزير الداخلية الألماني توماس دي ميزيير أمس أن الحكومة التركية تسعى عبر «استفزازاتها» لأوروبا إلى لعب دور «الضحية» للتأثير على نتيجة الاستفتاء المرتقب الشهر المقبل حول توسيع صلاحيات الرئيس رجب طيب إردوغان، وقال عن الانتقادات التركية إنها «سخيفة وليس لها سوى هدف واحد، وهو وضع تركيا في موقع الضحية لإثارة حركة تضامن لدى هؤلاء المتحفظين» على هدف الاستفتاء المرتقب في 16 أبريل (نيسان) المقبل.
ولم تكتف أنقرة بانتقاد هولندا وألمانيا، بل وسعت دائرة هجماتها لتطال الاتحاد الأوروبي، وذلك بسبب بيان مشترك أصدرته الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي فيديريكا موغيريني، ومفوض الاتحاد يوهانس هان، حول التوتر بين هولندا وتركيا، وصفته الخارجية التركية في بيان أمس بأنه «قصير النظر ولا قيمة له وينطوي على تقييمات خاطئة»، مشددة على أنه «من المؤسف جدا» وقوف الاتحاد إلى جانب هولندا التي انتهكت حقوق الإنسان والقيم الأوروبية بشكل صارخ، تعبيرا عن التضامن مع دولة عضو. كما أدانت الخارجية التركية بشدة نشر صحيفة سويسرية إساءات ضد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، ومعلومات مغلوطة عن الاستفتاء الشعبي حول التعديلات الدستورية، المزمع إجراؤه في 16 أبريل المقبل.
وانتقد المتحدث باسم الخارجية التركية حسين مفتي أوغلو، في بيان له تقرير صحيفة «بليك» السويسرية، وقال إنه يعبر عن انحياز الصحيفة لطرف معين، ودعوة المواطنين الأتراك للتصويت لصالحه بشكل صريح، خلال الاستفتاء وتبنيها أحكاما مسبقة، ومواقف منحازة، إلى جانب استخدام إساءات ضد الرئيس التركي، ليس له علاقة بحرية الإعلام، وبمهنة الصحافة.
كما رفضت تركيا أمس تقريرا قانونيا أوروبيا يصف التعديلات الدستورية المقترحة فيها بأنها انتكاسة كبيرة للديمقراطية، وقالت إن اللجنة التي وضعته أصبحت مسيسة، وإن التقرير لطخ سمعتها.
وكانت لجنة البندقية، التي تضم خبراء قانونيين في مجلس أوروبا، قد ذكرت يوم الجمعة الماضي أن التغييرات المقترحة التي ستعزز كثيرا من صلاحيات الرئيس التركي رجب طيب إردوغان تمثل «خطوة خطيرة للوراء» بالنسبة للديمقراطية. لكن وزير العدل التركي بكر بوزداغ رد على ذلك بالقول إنه «لا قيمة ولا قدر لهذا التقرير السياسي وغير الموضوعي على الإطلاق من وجهة النظر التركية... وبهذا التقرير تتخلى لجنة البندقية عن موضوعيتها وخبرتها، وتفقد حياديتها وتصبح مسيسة وتلطخ سمعتها».
وفي سياق متصل، أعلن رئيس وزراء النمسا كريستيان كيرن منع الوزراء الأتراك من تنظيم اجتماعات في بلاده. كما ألغت السلطات البلجيكية فعاليتين لحزب الحركة القومية التركي المعارض، الذي يؤيد التعديلات الدستورية الجديدة. وفي الوقت نفسه، حذر الكاتب التركي من أصل أرميني أتيان محجوبيان؛ الذي عمل كبيرا لمستشاري رئيس الوزراء السابق أحمد داود أوغلو، من أن التطورات الجارية من الممكن أن تقود تركيا إلى الاصطدام بالحائط باقتصادها وسياستها ونظامها العام خلال مدة أقصر مما نتوقعه.
ولفت الكاتب الصحافي في مقال له نشرته صحيفة «قرار» التركية القريبة من الحكومة إلى خطأ إصرار المسؤولين الأتراك على الذهاب إلى هولندا لإقامة مؤتمرات سياسية، على الرغم من أنها هي الأخرى تتوجه لانتخابات، وأكد أن هذا الموقف التركي المصرّ والمهدد دفع هولندا إلى منع هذه المؤتمرات.



متى يصبح السلام هو القاعدة لا الاستثناء؟

الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
TT

متى يصبح السلام هو القاعدة لا الاستثناء؟

الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)

صار مألوفاً بين المحللين القول إننا دخلنا نظاماً عالمياً جديداً، حلّ فيه منطق «حق القوة» بدل «قوة الحق»، وأفل نجم النظام الدولي القديم القائم على القواعد الراسخة. هكذا بتنا نرى أن العلاقات الدولية تُدار بمنطق القوة والنفوذ بدلاً من التوافق والتعددية. ولا شك في أن هذا النظام يتشكل من خلال إمبراطوريات متفاوتة الأحجام، تسعى إلى توسيع دوائر النفوذ ومصادر الثروة باستخدام القوة، بدلاً من الاعتماد على الاتفاقات الدولية التي تجمع بين الدول الكبرى والصغرى على أساس المساواة.

وغني عن القول أن الهدف الأول لأي نظام عالمي تشاركي هو البحث عن السلام المستدام. وعن ذلك قال الفيلسوف الهولندي (البرتغالي الأصل) باروخ سبينوزا (1632 - 1677)، إن «السلام فضيلة وحالة ذهنية تقوم على الإحسان والثقة والعدالة». فيما أكد ألبرت آينشتاين (1879 - 1955)، أن «السلام لا يمكن فرضه بالقوة؛ بل يتحقق بالتفاهم». ومنذ القدم، أدرك أفلاطون أن «إقامة السلام والصداقة هي أسمى واجبات المواطن والمشترع»، وأكد أرسطو أن «الانتصار في الحرب لا يكفي، بل الأهم هو إرساء السلام». أما غاندي (1869 - 1948)، فجزم بأن «السلام لا يولد من الصدام المسلّح؛ بل من عدالة تُمارَس حتى في وجه التحديات».

سلام الاستثناء

في مقابل هذه الرؤى الحكيمة، تكشف التجربة التاريخية أن السلام كان الاستثناء لا القاعدة؛ فخلال ما بين 3500 و5000 عام من التاريخ البشري المدوّن، لم يعرف العالم سوى نحو من 230 إلى 268 عاماً خالية تماماً من الحروب الكبرى؛ أي أقل من 10 في المائة من تاريخه. وهذا يعني أن الصراع هو السمة الغالبة على العلاقات الإنسانية على المستويين الفردي والجماعي.

مضيق هرمز مسرح لصراع كبير (رويترز)

ولا بدّ من التمييز في هذا السياق بين «النظام الدولي» و«النظام العالمي»؛ فالنظام الدولي يصف آليات «عمل» العالم من حيث الفاعلين والقوى والدوافع والقيود، بينما يُعدّ النظام العالمي بناءً سياسياً ومؤسساتياً وثقافياً يتشكّل عبر التفاوض أو التعاون أو حتى الإكراه (كما حصل بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية اللتين انتهى كل منهما بغالب ومغلوب). والنظام العالمي ليس معطًى ثابتاً؛ بل هو نتيجة خيارات واعية تتخذها القوى الفاعلة لتنظيم العالم وإدارته.

ومن المنصف القول إن النظام العالمي الذي تبلور بعد الحرب العالمية الثانية حقق نجاحات؛ إذ تراجعت احتمالات الحروب العالمية الشاملة، وانتهت الإمبراطوريات التقليدية ذات المدى الجغرافي الواسع، وازداد مستوى الرفاه والازدهار بشكل غير مسبوق، وأُرسيت دعائم السيادة الوطنية لدول عديدة بناءً على مفاهيم «صلح وستفاليا». غير أن هذا النظام لم يعد يلبّي متطلبات التحولات العميقة التي يشهدها العالم اليوم، وهو ما يفسر الإحساس المتزايد بالأزمة وذلك الشعور بالضيق العام على المستوى العالمي، والقلق الجدّي من نشوب حرب عالمية ثالثة محفوفة بأخطار «الجنون النووي».

تحوّلات ونماذج بديلة

في العقود الأخيرة، شهدنا إعادة توزيع للنفوذ في الكرة الأرضية، مع صعود قوى جديدة تتحدى الهيمنة الغربية التي قامت على الثروة المادية والتقدّم العلمي - التكنولوجي؛ مثل دول مجموعة «بريكس» التي باتت تؤدي دوراً متزايد التأثير اقتصادياً وسياسياً. ولا يقتصر هذا التحول على انتقال عناصر القوة؛ بل يمتد إلى تغيّرات فكرية وثقافية عميقة، مع سعي ملموس من الدول غير الغربية إلى تأكيد هوياتها الخاصة وتقديم نماذج بديلة للحكم والتنمية.

وتشهد هذه المرحلة، التي توصف أحياناً بـ«ما بعد الغرب»، تحديات كبرى وجودية للغرب نفسه ولمنافسيه، تتطلب تعاوناً دولياً أوسع، خصوصاً في مواجهة قضايا عابرة للحدود مثل التغير المناخي، والأمن السيبراني، والهجرة، والجريمة المنظمة، والإرهاب... غير أن هذا التحول لا يخلو من التوترات؛ إذ تسعى القوى الصاعدة إلى تعزيز مصالحها، الأمر الذي يؤدي إلى احتكاكات مع القوى التقليدية، خصوصاً في العلاقات التجارية وأحياناً في مواجهات ميدانية، ويعقّد المساعي إلى بناء توازن عالمي مستقر.

مصنع للسيارات الكهربائية في مدينة جينهوا الصينية... قوة صاعدة بسرعة كبيرة (رويترز)

ويُضاف إلى ذلك أن صعود النزعات القومية والشعبوية يشكّل سبباً آخر من أسباب الاضطراب، لأن هذه التيارات المتطرفة تنحو بطبيعتها المشكِّكة إلى تقويض التعاون الدولي وتغليب المصالح الضيقة، مما يضعف المؤسسات الدولية ويهدد الاستقرار العالمي. وتزيد النزاعات الإقليمية والتنافس بين القوى الكبرى؛ مثل التوترات بين الولايات المتحدة والصين، هذا التفكك حدةً.

ومن أبرز التحديات أيضاً ضرورة إيجاد توازن بين القيم العالمية والخصوصيات الوطنية؛ إذ لا يمكن فرض معايير دولية بشكل أحادي دون مراعاة التنوع الثقافي والسياسي. ولذلك، يصبح الحوار البنّاء والدبلوماسية الشبكية المرنة (لا الهرمية الجامدة) أمرين ضروريين لإيجاد أرض صلبة مشتركة لتشييد «مبنى» السلام.

امتحان التكيّف والتعاون

خلاصة القول؛ إن النظام الدولي الحالي يمرّ بمرحلة تحول عميقة، تتداخل فيها عوامل صعود قوى جديدة، وتراجع النفوذ الغربي، وتصاعد النزاعات، وتزايد التحديات العالمية، والسعي المحموم إلى الحصول على «غنائم» اقتصادية تعزّز الموقع وتحصّن السيادة. ويعتمد مستقبل هذا النظام على قدرة الفاعلين الدوليين على التكيف والتعاون، وبناء شراكات جديدة، والانفتاح على رؤى متعددة لفهم تعقيدات العالم.

وفي هذا السياق، لا يجوز النظر إلى بروز سرديات بديلة بوصفه تهديداً؛ بل فرصة لفهم أعمق لعالم متعدد الأقطاب. فالنظام الدولي الذي يتشكل اليوم يعكس انتقالاً تاريخياً مهماً، حيث لم يعد الغرب مركز القوة الوحيد؛ بل بات واحداً من عدة مراكز.

إن الطريق نحو نظام عالمي أكثر تعقيداً وتداخلاً، تتعايش فيه نماذج مختلفة من الحوكمة العالمية، ارتسم بالفعل. غير أن التعامل في هذا الواقع الجديد وسلوك دروبه الوعرة يتطلبان فكراً مبتكراً ومنفتحاً على التغيير، مع الحفاظ في الوقت ذاته، على ما أثبتت التجربة أهميته من هياكل ومؤسسات قائمة؛ في مقدّمتها الأمم المتحدة التي تحتاج إلى إصلاح هيكلي يجنبها التداعي والسقوط. وفي النهاية، يبقى بناء عالم أكثر عدلاً وسلاماً واستدامة مرهوناً بإرادة جماعية قادرة على التوفيق بين الاختلاف والتعاون.

اقرأ أيضاً


حرب إيران تكشف نقطة ضعف لترمب: الضغط الاقتصادي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
TT

حرب إيران تكشف نقطة ضعف لترمب: الضغط الاقتصادي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)

لم تفلح 7 أسابيع من الحرب في إسقاط حكام إيران، أو إجبارهم على تلبية جميع مطالب الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لكنها بالنسبة لخصوم الولايات المتحدة وحلفائها، كشفت واحدة من نقاط ضعفه الرئيسية؛ وهي الضغط الاقتصادي، وفق تحليل لوكالة «رويترز».

وحتى مع إعلان إيران أمس (الجمعة)، أنها ستعيد فتح مضيق هرمز أمام الملاحة، ​فقد كشفت أزمة الشرق الأوسط حدود استعداد ترمب لتحمل الألم الاقتصادي الداخلي.

وانضم ترمب إلى إسرائيل في مهاجمة إيران في 28 فبراير (شباط)، مستنداً إلى ما وصفه بتهديدات أمنية وشيكة، لا سيما بخصوص ما يتعلق ببرنامجها النووي. لكن الآن، ومع ارتفاع أسعار الوقود في الولايات المتحدة وتزايد التضخم وانخفاض شعبيته، يسابق ترمب الزمن لإبرام اتفاق دبلوماسي من شأنه أن يخفف من حدة التداعيات في الداخل.

ناقلة نفط ترفع علم مالطا تقترب من العراق بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)

ويقول محللون إن إيران تلقت ضربة عسكرية قاسية، لكنها أثبتت قدرتها على فرض تكاليف اقتصادية استخف بها ترمب ومساعدوه، مما أدى إلى أسوأ صدمة طاقة عالمية على الإطلاق.

* تكاليف الطاقة وخطر الركود

كثيراً ما تجاهل ترمب علناً المخاوف الاقتصادية المحلية الناجمة عن الحرب، خصوصاً أن الولايات المتحدة لا تعتمد على خُمس شحنات النفط العالمية التي حُجبت فعلياً بسبب سيطرة إيران على مضيق هرمز، غير أن ارتفاع أسعار الطاقة قد أثر سلباً على المستهلكين الأميركيين. ويزيد تحذير صندوق النقد الدولي من خطر حدوث ركود عالمي من حدة هذا الوضع القاتم.

وهكذا، تزايدت الضغوط لإيجاد مخرج من هذه الحرب التي لا تحظى بتأييد في الولايات المتحدة؛ إذ يدافع المنتمون إلى حزب ترمب الجمهوري، عن أغلبيتهم ‌الضئيلة بالكونغرس في ‌انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني).

ولا يخفى أي شيء من هذا عن قادة إيران الذين استغلوا السيطرة على مضيق ​هرمز ‌لدفع ⁠فريق ترمب ​إلى ⁠الجلوس على طاولة المفاوضات.

ويقول المحللون إن الصين وروسيا قد يستخلصان درساً مماثلاً؛ إذ إنه بينما أظهر ترمب رغبة في استخدام القوة العسكرية في ولايته الثانية، فإنه يبحث عن مخرج دبلوماسي بمجرد أن يصبح الوضع الاقتصادي مؤرقاً في الداخل.

وقال بريت بروين، وهو مستشار سابق للسياسة الخارجية في إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، ويترأس حالياً شركة «غلوبال سيتويشن روم» الاستشارية: «يشعر ترمب بالضائقة الاقتصادية، وهي نقطة ضعف في هذه الحرب».

وذكر المتحدث باسم البيت الأبيض كوش ديساي، أنه فيما تعمل الإدارة على التوصل إلى اتفاق مع إيران لحل مشاكل سوق الطاقة «المؤقتة»، فإنها «لم تفقد تركيزها أبداً على تنفيذ أجندة الرئيس المتعلقة بالقدرة على تحمل التكاليف والنمو».

* التحوّل

جاء تحول ترمب المفاجئ في 8 أبريل (نيسان)؛ من الغارات الجوية إلى الدبلوماسية، بعد ضغوط من الأسواق المالية وبعض المؤيدين لسياساته.

ويقع جزء من المعاناة الاقتصادية على عاتق المزارعين الأميركيين، وهم قاعدة انتخابية رئيسية لترمب، بسبب تعطل شحنات الأسمدة. وينعكس ذلك أيضاً في ارتفاع أسعار تذاكر الطيران نتيجة لزيادة أسعار وقود الطائرات.

ومع اقتراب انتهاء ⁠أسبوعَي وقف إطلاق النار، يبقى أن نرى ما إذا كان الرئيس الأميركي الذي يتبنى نهجاً لا يمكن توقعه، سيتوصل ‌إلى اتفاق يلبي أهدافه من الحرب، أو يمدد الهدنة إلى ما بعد 21 أبريل أو يجدد حملة القصف.

لكن أسعار ‌النفط العالمية انخفضت بشكل حاد في حين ازدهرت الأسواق المالية، التي غالباً ما يعدّها ترمب مقياساً لنجاحه، أمس (الجمعة)، ​بعد أن قالت إيران إن المضيق سيظل مفتوحاً للفترة المتبقية من هدنة منفصلة مدتها ‌10 أيام بين إسرائيل ولبنان بوساطة أميركية.

مزارعان يجهّزان أسمدة لاستخدامها في حقل قمح بمقاطعة هينان الصينية (رويترز)

وسارع ترمب إلى إعلان أن مضيق هرمز آمن، مشيداً باتفاق قيد الإعداد مع إيران قال إنه سيُبرم قريباً وبمعظم شروطه. لكن ‌مصادر إيرانية صرّحت لـ«رويترز»، بأن بعض الثغرات لا يزال بحاجة إلى حل.

وحذر خبراء من أنه حتى لو انتهت الحرب قريباً، فإن إزالة الأضرار الاقتصادية قد تستغرق أشهراً إن لم تكن سنوات.

ويبقى السؤال الرئيسي حول ما إذا كان أي اتفاق سيحقق الأهداف التي حددها ترمب، بما في ذلك إغلاق الطريق أمام إيران نحو امتلاك سلاح نووي، وهو ما تنفي طهران منذ فترة طويلة سعيها إليه.

وتمتلك إيران مخزوناً من اليورانيوم عالي التخصيب يُعتقد أنه دُفن بعد غارات أميركية إسرائيلية في يونيو (حزيران). وصرح ترمب لـ«رويترز» أمس (الجمعة)، بأن الاتفاق الذي يجري إعداده يدعو الولايات المتحدة إلى التعاون مع إيران لاستعادة هذه ‌المواد ونقلها إلى الولايات المتحدة. ونفت إيران الموافقة على نقل اليورانيوم إلى أي مكان في الخارج.

وقال مسؤول كبير في إدارة ترمب إن الولايات المتحدة تحافظ على «عدة خطوط حمراء» في المفاوضات مع إيران.

وفي الوقت نفسه، لم يلقَ النداء الذي وجهه ⁠ترمب في بداية الحرب للإيرانيين للإطاحة بحكومتهم، أي ⁠استجابة.

وفي البداية، صُدم حلفاء للولايات المتحدة من أوروبا إلى آسيا بقرار ترمب خوض الحرب دون استشارتهم، أو مراعاة الأخطار التي قد يتعرضون لها بسبب إغلاق إيران للمضيق.

وقال غريغوري بولينغ، خبير الشؤون الآسيوية في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن: «جرس الإنذار الذي يدق للحلفاء الآن هو كيف أبرزت الحرب أن الإدارة (الأميركية) يمكن أن تتصرف بشكل غير منتظم، دون مراعاة كبيرة للعواقب».

وبعد غزو روسيا لأوكرانيا عام 2022، كان الرئيس الأميركي السابق المنتمي للحزب الديمقراطي جو بايدن، حذراً في فرض عقوبات على قطاع الطاقة في موسكو خشية تقليل إمدادات النفط وتضخيم أسعار الغاز في الولايات المتحدة.

لكن ترمب، الذي تعهد عند الترشح لولاية ثانية بتوفير بنزين بتكلفة منخفضة وتقليل التضخم، أبدى أنه يتأثر بالاتهامات الموجهة إليه بأن سياساته ترفع الأسعار. ومن الأمثلة على ذلك خفض الرسوم الجمركية على الصين العام الماضي، بعد أن ردت على الرسوم المرتفعة بالمثل.

* أخطاء في التقدير

مثلما أخطأ ترمب في تقدير رد بكين في الحرب التجارية، يبدو أنه أخطأ في تقدير رد إيران اقتصادياً من خلال مهاجمة البنية التحتية للطاقة في المنطقة، وإغلاق الممر المائي الاستراتيجي في المنطقة.

رجل يملأ سيارته وقوداً في لوس أنجليس (أ.ب)

وقال مسؤولون أميركيون في مناقشات مغلقة، إن ترمب اعتقد خطأ أن الحرب ستكون عملية محدودة؛ مثل الغارة الخاطفة التي شنها على فنزويلا في 3 يناير (كانون الثاني)، والضربات التي استهدفت المواقع النووية الإيرانية في يونيو. لكن هذه المرة، جاءت التداعيات أوسع نطاقاً.

وقد تكون الرسالة الموجهة إلى الحلفاء الآسيويين؛ مثل اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان، أنه من الممكن توقع أن يسعى ترمب، الذي يتطلع إلى علاقات أكثر وديةً مع الصين، ​إلى تحقيق أهدافه الإقليمية مع إيلاء اهتمام أقل بأمنهم الجيوسياسي والاقتصادي.

ويعتقد المحللون أن ​تلك الحكومات ستتكيف مع أي شيء يطرأ؛ مثل محاولة الصين الاستيلاء على تايوان، بدافع القلق إزاء مصداقية ترمب.

والأمر نفسه ينطبق على الشرق الأوسط؛ حيث يريد الجميع حلاً دبلوماسياً إنما مع ضمانات أمنية تحفظ استقرار المنطقة بشكل مستدام.


سفير أميركا في أنقرة: لا نمانع عودة تركيا إلى برنامج مقاتلات «إف - 35»

السفير الأميركي لدى تركيا توم براك متحدثاً في إحدى جلسات «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الجمعة (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى تركيا توم براك متحدثاً في إحدى جلسات «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الجمعة (أ.ف.ب)
TT

سفير أميركا في أنقرة: لا نمانع عودة تركيا إلى برنامج مقاتلات «إف - 35»

السفير الأميركي لدى تركيا توم براك متحدثاً في إحدى جلسات «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الجمعة (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى تركيا توم براك متحدثاً في إحدى جلسات «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الجمعة (أ.ف.ب)

قال السفير الأميركي لدى تركيا توم براك إن واشنطن لا تمانع عودة تركيا إلى برنامج إنتاج وتطوير مقاتلات «إف - 35»، متوقعاً أن يتم معالجة مسألة العقوبات الأميركية المفروضة عليها بسبب شرائها منظومة الدفاع الصاروخي الروسية «إس - 400» قريباً.

وفي تكرار لتصريحات أطلقها في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، قال براك، خلال جلسة في «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الذي انطلقت دورته الخامسة، الجمعة، في مدينة أنطاليا جنوب تركيا،: «أعتقد أن مشكلة منظومة (إس – 400) ستحل قريباً، ومن وجهة نظر رئيسي (دونالد ترمب)، لا مانع من قبول تركيا في برنامج طائرات (إف - 35)».

وأخرجت الولايات المتحدة تركيا من برنامج مقاتلات «إف - 35»، التي تنتجها شركة «لوكهيد مارتن»، عقب حصولها على منظومة «إس - 400» في صيف عام 2019، لتعارضها مع منظومة حلف شمال الأطلسي (ناتو)، وفرض عليها ترمب عقوبات بموجب قانون «كاتسا» في أواخر عام 2020، فيما اعتبرته تركيا قراراً غير عادل، لا سيما أنها دفعت نحو 1.4 مليار دولار لشراء مقاتلات «إف - 35».

منظومة «إس - 400» الروسية (موقع الصناعات الدفاعية التركية)

وعلى الرغم من اتجاه تركيا للبحث عن بدائل مثل طائرات «يوروفايتر تايفون» الأوروبية أو إنتاج بدائل محلية، فإنها تواصل السعي لرفع العقوبات الأميركية والحصول على مقاتلات «إف - 35».

وفي ديسمبر الماضي، قال براك، إن أنقرة باتت أقرب إلى التخلي عن المنظومة الروسية، متوقعاً إمكانية حل هذا الملف خلال فترة تتراوح بين 4 و6 أشهر، لافتاً إلى أن القانون الأميركي لا يسمح لتركيا بتشغيل أو حيازة المنظومة الروسية إذا أرادت العودة لبرنامج إنتاج وتطوير المقاتلة الأميركية.

واقترحت تركيا، في مارس (آذار) الماضي، تشغيل منظومة «إس - 400» بشكل مستقل عن أنظمة حلف شمال الأطلسي (ناتو) لحل الخلاف مع الولايات المتحدة، وإنهاء أزمة استبعادها من مشروع إنتاج وتطوير مقاتلات «إف - 35» والحصول عليها.

وزير الدفاع التركي يشار غولر (الدفاع التركية)

ولم تفعّل تركيا المنظومة الروسية منذ حصولها عليها، بموجب الصفقة التي وقعت مع روسيا في عام 2017، أو نقلها إلى مكان آخر أو بيعها لدولة أخرى.

وقال وزير الدفاع التركي، يشار غولر، «إن الحل الذي اقترحته تركيا بات واضحاً، تم إبلاغ نظرائنا الأميركيين بفكرة تشغيل منظومة (إس – 400) كنظام مستقل، دون دمجها في أنظمة الناتو، وإن هذا هو الحل الأمثل».

وعن مسار العلاقات التركية - الأميركية، قال براك إن العلاقات بين أنقرة وواشنطن شهدت تقدماً ملحوظاً خلال الـ16 شهراً الماضية يفوق ما تحقق خلال الـ15 عاماً الماضية.

ولفت إلى إحراز تقدم في مجالات السياسة الخارجية والاستخبارات والشؤون العسكرية والتجارية، لا سيما في ظل العلاقات الجيدة بين الرئيسين، رجب طيب إردوغان ودونالد ترمب.

براك متحدثاً عن العلاقات التركية - الأميركية خلال منتدى أنطاليا الدبلوماسي الجمعة (إعلام تركي)

وأضاف براك: «يجري إعادة تشكيل التحالف بين البلدين، ما حدث في سوريا (منذ سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر 2024) كان في صالح تركيا إلى حد كبير، تستحق تركيا والسعودية ثناءً كبيراً لدعمهما هذا «الهيكل الناشئ» في سوريا.

وتابع أنه «حتى مع وجود بعض العيوب؛ في الواقع، كانت تركيا العامل الحاسم في هذه العملية، العلاقات بين البلدين أفضل من أي وقت مضى، أعتقد أنه سيتم التوصل إلى حل لمسألة منظومة (إس – 400) قريباً، ومن وجهة نظري، فإن إعادة قبول تركيا في برنامج (إف - 35) أمر ممكن أيضاً».