الإدارة الأميركية الحالية تشهد أبطأ مرحلة انتقالية منذ عقود

فريق ترمب تأخر في ترشيح أكثر من 500 مسؤول في وزاراته

الرئيس الأميركي يوقع أمراً تنفيذياً في «البنتاغون» برفقة نائبه ووزير الدفاع في 27 يناير الماضي (رويترز)
الرئيس الأميركي يوقع أمراً تنفيذياً في «البنتاغون» برفقة نائبه ووزير الدفاع في 27 يناير الماضي (رويترز)
TT

الإدارة الأميركية الحالية تشهد أبطأ مرحلة انتقالية منذ عقود

الرئيس الأميركي يوقع أمراً تنفيذياً في «البنتاغون» برفقة نائبه ووزير الدفاع في 27 يناير الماضي (رويترز)
الرئيس الأميركي يوقع أمراً تنفيذياً في «البنتاغون» برفقة نائبه ووزير الدفاع في 27 يناير الماضي (رويترز)

في مقر وزارة الخارجية الأميركية التي يفترض أنها تموج بالحركة والنشاط، يخيم صمت تام على المكاتب التي باتت شبه خالية. وفي البنتاغون، تدار البعثات العسكرية في أكثر مناطق العالم اضطراباً عبر وزير دفاع يفتقد إلى كبار المسؤولين في إدارته. وفي وزارات أخرى مثل الخزانة، والتجارة، والصحة، والخدمات الإنسانية، فالكثير من المناصب العليا لا تزال شاغرة رغم تكليفها رسمياً بمهام كبيرة، مثل إعادة تأسيس نظام الرعاية الصحية للمواطنين.
وأفاد نيكولاس بيرنس، مسؤول سابق في الخارجية الأميركية خدم في عهد رؤساء من الحزبين الديمقراطي والجمهوري وكان جزءا من الفترات الانتقالية التي شهدتها الولايات المتحدة منذ عام 1988، بأن «ما يجري، من دون شك، يعتبر أسوأ مرحلة انتقالية مرت بها البلاد في العقود الأخيرة. ما يحدث يعتبر خطأ كبيرا. الأمور يجب أن تسير لأن العالم لا يحترم الفترات الانتقالية». فالرئيس ترمب يصر على أن العدد الضئيل لأعضاء حكومته لا يعني نقصا في العدد، بل يعني مؤشرا لطبيعة الخطة القادمة التي تهدف إلى تقليص حجم البيروقراطية الحكومية.
والشهر الماضي، صرح ترمب لقناة «فوكس نيوز» بقوله إن «الكثير من تلك الوظائف، التي لا أود تسميتها، غير ضرورية. ماذا يفعل كل هؤلاء الناس؟ لسنا في حاجة إلى كل هذه الوظائف». لكن الرئيس لم يقترح أي خطط لإلغاء بعض المناصب العليا، فيما أفادت المتحدثة باسم البيت الأبيض ليندسي والترز، بأن ترمب قرر في النهاية شغل تلك المناصب. تكمن مشكلة الرئيس ترمب الشخصية في عدم فعالية الجهود خلال الفترة الانتقالية، حيث لم تعرض عليه أسماء مرشحين جاهزين تخطوا مراحل الاستعلام الأمني والتحري.
وفي الأسابيع الماضية، تضاعفت المشكلات بسبب عراقيل وضعها ترمب في طريقه بنفسه، مثل اختبار الولاء الذي ابتدعه، والذي كان سببا في بعض الأحيان في استبعاد كفاءات حقيقية. كما عرقل قرار منع الموظفين في حكومته من ممارسة أعمال سياسية لصالح جهات خارجية بعد مغادرتهم مناصبهم لفترة 5 سنوات، ترشيح أسماء كثيرة. ناهيك عن الإحساس العام بالانقلاب داخل البيت الأبيض الذي تسبب في عزوف الكثير من السياسيين عنه. وتحدث في هذا الشأن بعض المسؤولين ممن كانوا جزءا مما يجرى ومطلعين على الأوضاع عن كثب، لكنهم تحدثوا شرط عدم ذكر أسمائهم كي لا يتهموا بالاستخفاف بقدرات ترمب وإدارته. لكن الأرقام دوما أصدق وأقدر على رسم صورة غير مغلوطة.
فبرغم نجاح ترمب باعتماد الكونغرس لنحو 18 عضوا في مرشحيه في مجلس الوزراء، لم يرشح ترمب حتى الآن أسماء لشغل نحو 500 منصب مهم لا يزال شاغرا، وتأخر كثيرا عن سلفه من الرؤساء في شغل مناصب الصفين الثاني والثالث التي تدير أغلب المهام الوظيفية الحكومية اليومية. وبدءا من الأحد الماضي، أرسل ترمب أسماء 36 مرشحا لمناصب حساسة، أي نصف العدد الذي أرسله بارك أوباما (70 مرشحا)، رغم أن الأخير واجه أيضا انتقادات لتأخيره في إرسال الترشيحات في هذه الفترة نفسها من عام 2009. وفق أرقام أعلنها مركز «المرحلة الانتقالية الرئاسية».
وفي الغالبية العظمى من الحالات، لم تشرع إدارة ترمب في عملية المسح الشامل للأسماء، وهي المرحلة التي ربما تستغرق عدة شهور، ويتعين على المرشحين استكمالها قبل النظر في اعتماد تلك الأسماء من قبل مجلس الشيوخ. وبحسب أرقام نشرتها صحيفة «نيويورك تايمز»، فقد حصل «مكتب المبادئ الحكومية» المستقل الذي يجرى مراجعات مالية لكل مرشح رئاسي، على 63 تقريرا فقط عن مرشحين للانضمام لإدارة ترمب بدءا من 5 مارس (آذار) الجاري، أي أقل من ثلث العدد المطلوب، حيث أرسلت إدارة أوباما أسماء 228 مرشحا في تلك الفترة نفسها من عام 2009.
وفي وزارة الخارجية، لا يزال منصبا نائب الوزير شاغرين، ناهيك عن 6 مناصب لوكيل وزارة الخارجية، و22 مساعدا للوزير. وفي وزارة الخزانة، لم يرسل ترمب حتى الآن أسماء مرشحي منصب نائب الوزير، ولا المستشار العام أو المدير المالي، أو أيا من وكلاء الوزارة وتسعة من مساعدي الوزير. وفي وزارة الأمن الداخلي، وهي إحدى جهات ثلاث قام الرئيس بقديم ترشيحات لمنصب نائب الوزير، لم يقم الرئيس حتى الآن بإرسال ترشيحات بأسماء أربعة وكلاء للوزارة، وثلاثة مساعدين للوزير وغيرها من المناصب المهمة، مثل منصب مدير إدارة المواطنة والهجرة، ومدير إدارة الجمارك وحماية الحدود.
ونفت ليندزي والترز، المتحدثة باسم البيت الأبيض، حدوث تأخير مؤثر في تعيينات الحكومة بقولها: «ليس هناك تعطيل»، مضيفة أن «الإدارة تقوم بمسح على نطاق واسع لتحديد المرشحين المحتملين». وقدر أحد كبار مسؤولي البيت الأبيض الرقم بنحو 130 مرشحا سيعلن عنهم قريبا لشغل المناصب الحساسة. وأضاف المسؤول، الذي تحدث بشرط السرية لأنه غير مخول بالحديث بشأن النقاشات الداخلية، أنه منذ يوم التنصيب ترك البيت الأبيض مساحة للتفكير في ملء المناصب الشاغرة التي تناظر المناصب المتعارف عليها في الإدارات السابقة، وأن الإدارة باتت تتحرك الآن بأقصى سرعة ممكنة لكن مع تحري الدقة. فالحملة الانتخابية للرئيس ترمب جاءت محكمة وجرت على نطاق ضيق، ولذلك لم يكن لديه هذا العدد من المعاونين السياسيين الذين كانوا يحيطون غيره من الرؤساء في العقود الأخيرة والذين كثيرا ما حصلوا على المناصب بسخاء، بحسب المسؤول.
يعكس التأخير في إعلان أسماء المرشحين نقص خبرة ترمب في العمل الحكومي وفي شكه العميق في كل من يتمتع بتلك الخبرة، وهما عاملان حاسمان تسببا في تأخير إتمامه للعملية الانتقالية. هناك سبب آخر تسبب في التأخير، وهو محاولة الرئيس تطبيق النموذج الذي اتبعه في إدارة مشاريعه لعقود طويلة في قيادة الحكومة الفيدرالية؛ حيث وضع كل ثقته في فريق صغير منعزل.
وفي هذا السياق، قال كالروس غوتيريز، الذي شغل منصب وزير التجارة في عهد الرئيس جورج بوش: «إن افتقدت الجهات الحكومية للقادة الذين يفهمون طبيعة مهامهم والسياسات المطلوبة، وكان كل ما يمتعون به من مؤهلات هو ثقة الرئيس، فسوف نفاجأ بأن عمل الجهاز التنفيذي للدولة برمته قليل الفاعلية ومحدود الكفاءة». أضاف كارلوس: «فهذه مشكلة كبيرة لأن الجهات الحكومية لن تكون ممثلة بالشكل المطلوب أو غير ممثلة على الإطلاق، وذلك لعدم تعيين من يديرها. فخارج الجهات الحكومية، هناك دبلوماسيون أجانب ورجال أعمال وغيرهم ممن لا يعلمون حتى الآن من يخاطبون لإنجاز أعمالهم». وربما يتسبب هذا البطء أيضا في تقليص نفوذ ترمب عالمياً، فعندما يجتمع وزراء التجارة بدول المحيط الهادئ، ومنهم الصين، الأسبوع الجاري في تشيلي، سوف تكون الولايات المتحدة ممثلة بسفيرها لدى تشيلي، كالروس بيريز، والذي يشغل منصبا دبلوماسيا، والسبب أنه لم يجر تعيين مسؤول رفيع حتى الآن.
وفي البنتاغون، يتولى وزير الدفاع جيم ماتيس الإشراف على المهام في العراق وأفغانستان واليمن من دون فريق قيادة معاون. وهناك بعض المرشحين مثل الملياردير فينسنت فيولا الذي اختاره ترمب لشغل منصب سكرتير عام الجيش، لكنه اضطر إلى الانسحاب بعد أن أظهرت التحريات - التي كان من المفترض الانتهاء منها قبل أسابيع - مشكلات مالية لا يمكن التغاضي عنها، مما جعل ترمب يبقي على روبرت ورك الذي شغل منصب نائب وزير الدفاع في عهد أوباما، ناهيك عن غيره من كبار الموظفين الحكوميين.
*خدمة «نيويورك تايمز»



هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.