بريق قيادة تيلرسون للخارجية يخفت خلف البيت الأبيض

رفض مرافقة الصحافيين له في طائرته الخاصة خلال جولته الآسيوية

وزير الخارجية الأميركي خلال اجتماع في مقر وزارته هذا الشهر (نيويورك تايمز)
وزير الخارجية الأميركي خلال اجتماع في مقر وزارته هذا الشهر (نيويورك تايمز)
TT

بريق قيادة تيلرسون للخارجية يخفت خلف البيت الأبيض

وزير الخارجية الأميركي خلال اجتماع في مقر وزارته هذا الشهر (نيويورك تايمز)
وزير الخارجية الأميركي خلال اجتماع في مقر وزارته هذا الشهر (نيويورك تايمز)

وجود هنري كيسنجر في وزارة الخارجية الأسبوع الماضي لتناول الغداء على عجل بمكتبه القديم مع ريكس تيلرسون، المدير التنفيذي السابق لشركة «إكسون موبيل»، الذي فضل البقاء بعيداً عن الأضواء في الأسابيع الستة الأولى وزيراً للخارجية.
وفي حديثه عن انطباعاته في مقابلة شخصية، راعى كيسنجر الذي قد يعد أشهر مهندسي الاستراتيجيات الدبلوماسية الأميركية على الإطلاق، اختيار كلماته بروية، ليقول: «أول ما تميل لفعله عندما تتقلد منصباً كهذا هو أن تحاول أن ترتقي بقدرتك على الرؤية وأن تظهر للآخرين أنك موجود وأنك مسؤول». وأضاف: «لقد سعى (تيلرسون) للاطلاع على جميع الفوارق الدقيقة، وأعجبت كثيراً بالاعتداد بالنفس والثقة التي أظهرها».
لكن في واشنطن في عهد دونالد ترمب، حيث غالباً ما تنشر التصريحات السياسية أولاً على «تويتر»، وحيث لا يزال مستشارو البيت الأبيض يصارعون لضمان مكانتهم، فإن هذا النهج قد يبدو إما عبقرياً، أو محيراً، أو دليلاً على الضعف.
فقد أضاع تيلرسون جميع الفرص التي أتيحت له لتقديم رؤيته للناس أو توجيه الدبلوماسيين الأميركيين بالخارج، واكتفى بالإدلاء بالتصريحات المقتضبة المكتوبة في بيانات، كما امتنع عن الاستماع إلى أسئلة الصحافيين، ولم يبدِ اعتراضاً على اقتراح البيت الأبيض لتقليص ميزانية وزارة الخارجية بواقع 37 في المائة من دون الرجوع إليه.
وأفاد مسؤولو الخارجية الأميركية بأن تيلرسون تألم في صمت من المكالمة التي تلقاها من الرئيس ترمب يبلغه فيها برفضه لمرشحه لنائب وزير الخارجية. ولم يحضر تيلرسون اللقاءات التي عقدت في البيت الأبيض مع كبار قادة دول العالم. وحتى عندما أصدر البيت الأبيض تقريره السنوي عن حقوق الإنسان - وهي عادة اللحظة التي تتصدى فيها الولايات المتحدة لتجاوزات حقوق الإنسان في جميع دول العالم - تغيّب الرجل عن لحظة الإعلان وقراءة التقرير.
ويقول المدافعون إن تيلرسون ينجز كثيراً من خلف الكواليس. وبحسب السيناتور بوب كروكر، رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ، الذي أدلى بتصريحات في مقابلة شخصية، فإن تيلرسون «يعد خططاً للبدء في مواجهة سلوك بوتين الشائن»، وهي الخطوات الأولى للإدارة الجديدة في مواجهة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وتابع: «فقد حاز (تيلرسون) على احترام الرئيس، واحترام ماك ماستر، ويتحدث طوال الوقت مع جارد»، مشيراً إلى مستشار الرئيس للأمن القومي الجنرال إتش آر ماك ماستر، وجارد كوشنر، زوج ابنة ترمب، الذي برز اسمه أخيراً كصوت مسموع في السياسة الخارجية الأميركية. وفي وصفه لتيلرسون، قال كروكر عضو الحزب الجمهوري عن ولاية تينسيسي: «هو لا يبالي مطلقاً بنسج كل تلك القصص حوله. فعندما يكون جاهزاً للحديث، ستعجب كثيراً بما يقول».
ومن المقرر أن ينطلق تيلرسون الثلاثاء المقبل لأداء أول مهامه الدبلوماسية النشطة، وسيستهلها برحلة اليابان، وكوريا الجنوبية، والصين، في وقت تزايدت فيه احتمالات انفجار صراع مفتوح مع كوريا الشمالية، ناهيك أيضاً باستعدادات الإدارة الأميركية لعقد أول لقاء لترمب مع الرئيس الصيني شي جين بينغ.
تكتسب تلك الزيارة أهمية كبيرة لدرجة أن «لجنة المبادئ» بمجلس الأمن الدولي قررت الانعقاد الاثنين المقبل لمناقشة تهديدات كوريا الشمالية وأسلوب التعامل مع الصين، وذلك لكي يتمكن تيلرسون من الحديث استناداً إلى حالة إجماع. لكن من غير المتوقع سماع المزيد عن هذه الاستراتيجية قبل وصوله إلى آسيا، فقد أبلغت الخارجية الأميركية المراسلين أنهم لن يتمكنوا من مرافقته على الطائرة نفسها.
ويبدو هذا القرار غير مسبوق بالنسبة لرحلة دبلوماسية، فحتى منذ نحو 4 عقود عندما كان كيسنجر يقوم برحلة دبلوماسية مكوكية في الشرق الأوسط استهلها بالصين، اصطحب معه مراسلين صحافيين على الطائرة نفسها، ليعطي دروساً في الدبلوماسية. وأكد نيكولاس برنس الذي عمل متحدثاً لوزارة الخارجية وسفيراً ونائباً لوزير الخارجية في ظل إدارتي الحزبين الجمهوري والديمقراطي، بقوله: «جميع من سبقوه سافروا بصحبة المراسلين. وسوف يشجع امتناعه عن مواصلة ذلك وزارة خارجية الدولة التي يزورها على القيام بهذا الدور، خصوصاً في دولة مثل الصين».
جاءت بداية تسلم تيلرسون (64 عاماً)، لمهام منصبه مبشرة، حيث قوبل بترحاب شديد من طاقم العاملين في يومه الأول بالوزارة. وتحدّث تيلرسون عن نشأته وعن أن زوجته قالت كثيراً إنه كان يعد نفسه لهذا المنصب طيلة حياته. لكن قلة قليلة هي من سمعت منه أي تصريحات بعد ذلك، ويقول المقربون منه إنه مدير ذو تأثير كبير فيمن حوله ويعرف كيف يدير الاجتماعات، وإنه يتقبل مختلف الآراء، حتى وإن اختلفت عن رأيه. «ويجبر الجميع على اختصار ما يقدمونه في مذكراتهم الرسمية في صفحة أو اثنتين، وهذا يدفعهم إلى التأني فيما يكتبون»، بحسب مسؤول تعامل معه عدة مرات الأسابيع الأخيرة. وأضاف: «تقابل بالفعل مع مسؤولين صينيين كبيرين، ويعلم عن بعض الدول ما لا يعرفه غيره من وزراء الخارجية»، ومن تلك الدول إندونيسيا وغيرها التي تمتلك أصولاً كبيرة في الطاقة. كذلك يفهم الرجل دور السفارات جيداً لأن شركة «إكسون موبيل» كثيراً ما اعتمدت على سفارات بلادها طلباً للمساعدة.
في المقابل، يعتبر تيلرسون شخصية انطوائية إلى حد ما ومتحفظ، ولم يتقابل بصفة شخصية مع سلفه جون كيري. غير أن أحد المسؤولين بالوزارة قال: «هؤلاء الرجال جاءوا ليجففوا المستنقع. ومن الواضح أنهم يخضعون لأوامر بعدم التعاون مع المخلوقات التي تعيش بهذا المستنقع». ولذلك، يرمق الآلاف في وزارة الخارجية تيلرسون في رعب كشبح جاء محملاً بتوجيهات للتخلص من بعض المناصب العليا بالوزارة.
فبعض كبار المسؤولين الذين توقعوا البقاء في مناصبهم لفترات طويلة تعرضوا للإقصاء في الأسبوع الثاني لتولي تيلرسون لمنصبه. ويتحدث تيلرسون إلى الكونغرس بشأن مزيد من التقليص، ورغم وجود كثير من فرص تقليص الوظائف في وزارة لم تشرع في عمل تغييرات تكنولوجية كبيرة تجعلها تستغني عن شريحة كبيرة من العاملين بها، فإن عمليات التقليص التي اقترحتها الوزارة كانت بلا طائل.
وأكثر ما يقلق الدبلوماسيين والكثيرين في الكونغرس هو أنه عندما يتحدث ترمب عن تعزيز التزام الولايات المتحدة بأمنها القومي، فإنه لا يأخذ الدبلوماسية في الاعتبار. فالدبلوماسيون المخضرمون كثيراً ما يقتبسون عبارة محددة ليرسلوها للمراسلين الصحافيين. تلك العبارة صاغها وزير الدفاع الجديد، جيمس ماتيس، منذ نحو 4 سنوات عندما كان مسؤولاً عن «القيادة المركزية» للجيش الأميركي. وتقول العبارة: «إن لم تمول وزارة الخارجية جيداً، فسوف أحتاج لشراء مزيد من السلاح». وقال دبلوماسي تقابل عدة مرات مع تيلرسون منذ توليه مهام منصبه، إن «ريكس يتفق تماماً مع ذلك، لكنه لا يود أن يقولها صراحة». كما لفت مسؤول رفيع بالخارجية الأميركية إلى أن تيلرسون قال ذلك لترمب خلال تناولهما العشاء منذ أكثر من أسبوع مضى.
وفي رحلته الأولى لأوروبا، خرج تيلرسون عن عادته ليؤكد لحلفاء الولايات المتحدة التزام بلاده بدعم حلف الناتو، وإن لم يكرر عبارة «أميركا أولاً» التي ابتدعها ترمب. وفي آسيا، من المقرر أن يزور تيلرسون المنطقة منزوعة السلاح على الحدود مع كوريا الشمالية، ويبدو من غير المتوقع أن يكرر التحذير الذي نطق به ترمب عندما كان مرشحاً أن الولايات المتحدة قد تنسحب من المنطقة.
في الحقيقة، استمتع الكثيرون ممن تولوا منصب وزير الخارجية من الحزبين الديمقراطي والجمهوري بلعب دور المتحدث الأعلى باسم القيم الأميركية. فمثلاً مادلين أولبرايت لمع اسمها بعدما وصفت بلادها بـ«الدولة التي لا غنى عنها» التي تحتاج البلقان إلى تدخلها. وتولى كولين باول زمام المبادرة بغزو العراق (رغم أنه ندم على تلك الكلمات لاحقاً)، وهيلاري كلينتون، في عهد باراك أوباما، أكدت على حقوق الإنسان بصفة خاصة، وجون كيري كثيراً ما تحدث عن دوره بوصفه المفاوض الصعب، وأحياناً رأيناه يستعين بملاحظات دوّنها بخط يده ليتلوها بصوت مرتفع عندما كان يساوم بشأن الاتفاق النووي الإيراني وإزالة الأسلحة الكيماوية من سوريا. وفي لحظات سهو، تحدث عن اختلافه في الرأي مع أوباما، خصوصاً فيما يخص سوريا.

* خدمة «نيويورك تايمز»



هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.