بريق قيادة تيلرسون للخارجية يخفت خلف البيت الأبيض

رفض مرافقة الصحافيين له في طائرته الخاصة خلال جولته الآسيوية

وزير الخارجية الأميركي خلال اجتماع في مقر وزارته هذا الشهر (نيويورك تايمز)
وزير الخارجية الأميركي خلال اجتماع في مقر وزارته هذا الشهر (نيويورك تايمز)
TT

بريق قيادة تيلرسون للخارجية يخفت خلف البيت الأبيض

وزير الخارجية الأميركي خلال اجتماع في مقر وزارته هذا الشهر (نيويورك تايمز)
وزير الخارجية الأميركي خلال اجتماع في مقر وزارته هذا الشهر (نيويورك تايمز)

وجود هنري كيسنجر في وزارة الخارجية الأسبوع الماضي لتناول الغداء على عجل بمكتبه القديم مع ريكس تيلرسون، المدير التنفيذي السابق لشركة «إكسون موبيل»، الذي فضل البقاء بعيداً عن الأضواء في الأسابيع الستة الأولى وزيراً للخارجية.
وفي حديثه عن انطباعاته في مقابلة شخصية، راعى كيسنجر الذي قد يعد أشهر مهندسي الاستراتيجيات الدبلوماسية الأميركية على الإطلاق، اختيار كلماته بروية، ليقول: «أول ما تميل لفعله عندما تتقلد منصباً كهذا هو أن تحاول أن ترتقي بقدرتك على الرؤية وأن تظهر للآخرين أنك موجود وأنك مسؤول». وأضاف: «لقد سعى (تيلرسون) للاطلاع على جميع الفوارق الدقيقة، وأعجبت كثيراً بالاعتداد بالنفس والثقة التي أظهرها».
لكن في واشنطن في عهد دونالد ترمب، حيث غالباً ما تنشر التصريحات السياسية أولاً على «تويتر»، وحيث لا يزال مستشارو البيت الأبيض يصارعون لضمان مكانتهم، فإن هذا النهج قد يبدو إما عبقرياً، أو محيراً، أو دليلاً على الضعف.
فقد أضاع تيلرسون جميع الفرص التي أتيحت له لتقديم رؤيته للناس أو توجيه الدبلوماسيين الأميركيين بالخارج، واكتفى بالإدلاء بالتصريحات المقتضبة المكتوبة في بيانات، كما امتنع عن الاستماع إلى أسئلة الصحافيين، ولم يبدِ اعتراضاً على اقتراح البيت الأبيض لتقليص ميزانية وزارة الخارجية بواقع 37 في المائة من دون الرجوع إليه.
وأفاد مسؤولو الخارجية الأميركية بأن تيلرسون تألم في صمت من المكالمة التي تلقاها من الرئيس ترمب يبلغه فيها برفضه لمرشحه لنائب وزير الخارجية. ولم يحضر تيلرسون اللقاءات التي عقدت في البيت الأبيض مع كبار قادة دول العالم. وحتى عندما أصدر البيت الأبيض تقريره السنوي عن حقوق الإنسان - وهي عادة اللحظة التي تتصدى فيها الولايات المتحدة لتجاوزات حقوق الإنسان في جميع دول العالم - تغيّب الرجل عن لحظة الإعلان وقراءة التقرير.
ويقول المدافعون إن تيلرسون ينجز كثيراً من خلف الكواليس. وبحسب السيناتور بوب كروكر، رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ، الذي أدلى بتصريحات في مقابلة شخصية، فإن تيلرسون «يعد خططاً للبدء في مواجهة سلوك بوتين الشائن»، وهي الخطوات الأولى للإدارة الجديدة في مواجهة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وتابع: «فقد حاز (تيلرسون) على احترام الرئيس، واحترام ماك ماستر، ويتحدث طوال الوقت مع جارد»، مشيراً إلى مستشار الرئيس للأمن القومي الجنرال إتش آر ماك ماستر، وجارد كوشنر، زوج ابنة ترمب، الذي برز اسمه أخيراً كصوت مسموع في السياسة الخارجية الأميركية. وفي وصفه لتيلرسون، قال كروكر عضو الحزب الجمهوري عن ولاية تينسيسي: «هو لا يبالي مطلقاً بنسج كل تلك القصص حوله. فعندما يكون جاهزاً للحديث، ستعجب كثيراً بما يقول».
ومن المقرر أن ينطلق تيلرسون الثلاثاء المقبل لأداء أول مهامه الدبلوماسية النشطة، وسيستهلها برحلة اليابان، وكوريا الجنوبية، والصين، في وقت تزايدت فيه احتمالات انفجار صراع مفتوح مع كوريا الشمالية، ناهيك أيضاً باستعدادات الإدارة الأميركية لعقد أول لقاء لترمب مع الرئيس الصيني شي جين بينغ.
تكتسب تلك الزيارة أهمية كبيرة لدرجة أن «لجنة المبادئ» بمجلس الأمن الدولي قررت الانعقاد الاثنين المقبل لمناقشة تهديدات كوريا الشمالية وأسلوب التعامل مع الصين، وذلك لكي يتمكن تيلرسون من الحديث استناداً إلى حالة إجماع. لكن من غير المتوقع سماع المزيد عن هذه الاستراتيجية قبل وصوله إلى آسيا، فقد أبلغت الخارجية الأميركية المراسلين أنهم لن يتمكنوا من مرافقته على الطائرة نفسها.
ويبدو هذا القرار غير مسبوق بالنسبة لرحلة دبلوماسية، فحتى منذ نحو 4 عقود عندما كان كيسنجر يقوم برحلة دبلوماسية مكوكية في الشرق الأوسط استهلها بالصين، اصطحب معه مراسلين صحافيين على الطائرة نفسها، ليعطي دروساً في الدبلوماسية. وأكد نيكولاس برنس الذي عمل متحدثاً لوزارة الخارجية وسفيراً ونائباً لوزير الخارجية في ظل إدارتي الحزبين الجمهوري والديمقراطي، بقوله: «جميع من سبقوه سافروا بصحبة المراسلين. وسوف يشجع امتناعه عن مواصلة ذلك وزارة خارجية الدولة التي يزورها على القيام بهذا الدور، خصوصاً في دولة مثل الصين».
جاءت بداية تسلم تيلرسون (64 عاماً)، لمهام منصبه مبشرة، حيث قوبل بترحاب شديد من طاقم العاملين في يومه الأول بالوزارة. وتحدّث تيلرسون عن نشأته وعن أن زوجته قالت كثيراً إنه كان يعد نفسه لهذا المنصب طيلة حياته. لكن قلة قليلة هي من سمعت منه أي تصريحات بعد ذلك، ويقول المقربون منه إنه مدير ذو تأثير كبير فيمن حوله ويعرف كيف يدير الاجتماعات، وإنه يتقبل مختلف الآراء، حتى وإن اختلفت عن رأيه. «ويجبر الجميع على اختصار ما يقدمونه في مذكراتهم الرسمية في صفحة أو اثنتين، وهذا يدفعهم إلى التأني فيما يكتبون»، بحسب مسؤول تعامل معه عدة مرات الأسابيع الأخيرة. وأضاف: «تقابل بالفعل مع مسؤولين صينيين كبيرين، ويعلم عن بعض الدول ما لا يعرفه غيره من وزراء الخارجية»، ومن تلك الدول إندونيسيا وغيرها التي تمتلك أصولاً كبيرة في الطاقة. كذلك يفهم الرجل دور السفارات جيداً لأن شركة «إكسون موبيل» كثيراً ما اعتمدت على سفارات بلادها طلباً للمساعدة.
في المقابل، يعتبر تيلرسون شخصية انطوائية إلى حد ما ومتحفظ، ولم يتقابل بصفة شخصية مع سلفه جون كيري. غير أن أحد المسؤولين بالوزارة قال: «هؤلاء الرجال جاءوا ليجففوا المستنقع. ومن الواضح أنهم يخضعون لأوامر بعدم التعاون مع المخلوقات التي تعيش بهذا المستنقع». ولذلك، يرمق الآلاف في وزارة الخارجية تيلرسون في رعب كشبح جاء محملاً بتوجيهات للتخلص من بعض المناصب العليا بالوزارة.
فبعض كبار المسؤولين الذين توقعوا البقاء في مناصبهم لفترات طويلة تعرضوا للإقصاء في الأسبوع الثاني لتولي تيلرسون لمنصبه. ويتحدث تيلرسون إلى الكونغرس بشأن مزيد من التقليص، ورغم وجود كثير من فرص تقليص الوظائف في وزارة لم تشرع في عمل تغييرات تكنولوجية كبيرة تجعلها تستغني عن شريحة كبيرة من العاملين بها، فإن عمليات التقليص التي اقترحتها الوزارة كانت بلا طائل.
وأكثر ما يقلق الدبلوماسيين والكثيرين في الكونغرس هو أنه عندما يتحدث ترمب عن تعزيز التزام الولايات المتحدة بأمنها القومي، فإنه لا يأخذ الدبلوماسية في الاعتبار. فالدبلوماسيون المخضرمون كثيراً ما يقتبسون عبارة محددة ليرسلوها للمراسلين الصحافيين. تلك العبارة صاغها وزير الدفاع الجديد، جيمس ماتيس، منذ نحو 4 سنوات عندما كان مسؤولاً عن «القيادة المركزية» للجيش الأميركي. وتقول العبارة: «إن لم تمول وزارة الخارجية جيداً، فسوف أحتاج لشراء مزيد من السلاح». وقال دبلوماسي تقابل عدة مرات مع تيلرسون منذ توليه مهام منصبه، إن «ريكس يتفق تماماً مع ذلك، لكنه لا يود أن يقولها صراحة». كما لفت مسؤول رفيع بالخارجية الأميركية إلى أن تيلرسون قال ذلك لترمب خلال تناولهما العشاء منذ أكثر من أسبوع مضى.
وفي رحلته الأولى لأوروبا، خرج تيلرسون عن عادته ليؤكد لحلفاء الولايات المتحدة التزام بلاده بدعم حلف الناتو، وإن لم يكرر عبارة «أميركا أولاً» التي ابتدعها ترمب. وفي آسيا، من المقرر أن يزور تيلرسون المنطقة منزوعة السلاح على الحدود مع كوريا الشمالية، ويبدو من غير المتوقع أن يكرر التحذير الذي نطق به ترمب عندما كان مرشحاً أن الولايات المتحدة قد تنسحب من المنطقة.
في الحقيقة، استمتع الكثيرون ممن تولوا منصب وزير الخارجية من الحزبين الديمقراطي والجمهوري بلعب دور المتحدث الأعلى باسم القيم الأميركية. فمثلاً مادلين أولبرايت لمع اسمها بعدما وصفت بلادها بـ«الدولة التي لا غنى عنها» التي تحتاج البلقان إلى تدخلها. وتولى كولين باول زمام المبادرة بغزو العراق (رغم أنه ندم على تلك الكلمات لاحقاً)، وهيلاري كلينتون، في عهد باراك أوباما، أكدت على حقوق الإنسان بصفة خاصة، وجون كيري كثيراً ما تحدث عن دوره بوصفه المفاوض الصعب، وأحياناً رأيناه يستعين بملاحظات دوّنها بخط يده ليتلوها بصوت مرتفع عندما كان يساوم بشأن الاتفاق النووي الإيراني وإزالة الأسلحة الكيماوية من سوريا. وفي لحظات سهو، تحدث عن اختلافه في الرأي مع أوباما، خصوصاً فيما يخص سوريا.

* خدمة «نيويورك تايمز»



النظام الدولي لإدارة البحار والمحيطات يواجه شبح الانهيار

ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)
ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)
TT

النظام الدولي لإدارة البحار والمحيطات يواجه شبح الانهيار

ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)
ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)

على مدى القرون الخمسة الماضية، كانت اليابسة محور التنافس والصراع بين المجتمعات البشرية، حتى أصبح كل شبر منها، باستثناء القارة القطبية الجنوبية، خاضعاً لسيادة دولة ما، في حين ظلت المحيطات والبحار خارج هذه السيطرة.

بنما سيتي مدينة تكتسب أهميتها من قناة بنما (أ.ف.ب)

وعندما حاول بعض الدول فرض السيطرة على البحار وتنظيمها، فشلت المحاولات لأنها كانت شاسعة للغاية، بحيث تعذرت السيطرة عليها لفترات طويلة. وخلال الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، في النصف الثاني من القرن العشرين، تجنبت القوى العظمى الدخول في سباق محموم للاستيلاء على المحيطات.

واتفقت معظم الحكومات على التعامل معها من خلال مجموعة من المعاهدات والهيئات التي سعت إلى ضمان حرية الملاحة في المياه الدولية، مع تخصيص مساحات من البحار للدول المطلة عليها بتصنيفها مياهاً إقليمية أو منطقة اقتصادية خالصة لكل دولة.

لكن ميشال ألبرتوس، أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو الأميركية، يقول في تحليل نشرته مجلة «فورين أفيرز»، إن هذا النظام الدولي للبحار والمحيطات ينهار الآن، حيث يعطّل الحوثيون في اليمن حركة الملاحة في مضيق باب المندب، فيما يدور صراع بمنطقة مضيق هرمز.

وفي يوليو (تموز)، طرح الرئيس الأميركي دونالد ترمب، فكرة تحصيل الولايات المتحدة رسوماً على المرور في «هرمز»، قبل أن يتراجع عن الخطة لاحقاً.

سفن راسية في مياه عُمان قرب مضيق هرمز (أ.ف.ب)

وفي الوقت نفسه، تتنافس حكومات أخرى للسيطرة على المياه الدولية والموارد البحرية؛ فتسعى روسيا لبسط سيطرتها على مساحات شاسعة من مياه القطب الشمالي وقيعان البحار، وتُنشئ الصين جزراً اصطناعية في بحر الصين الجنوبي، وتوسع الولايات المتحدة نطاق نفوذها في قيعان البحار خارج منطقتها الاقتصادية الخالصة، وتسعى دول عديدة لبدء استخراج المعادن النادرة الحيوية من المحيطات.

* توجه عالمي

يأتي هذا التوجه العالمي نحو السيطرة على الممرات البحرية أو مساحات شاسعة من البحار والمحيطات، بالتزامن مع تدهور قوة المؤسسات والمعاهدات الدولية التي حافظت على حرية الملاحة في المحيطات على مدى عقود. والآن تواجه التجارة العالمية تهديداً وجودياً إذا سارعت الحكومات إلى فرض سيطرتها على بحار الأرض، كما فعلت مع اليابسة، ليدخل العالم حقبة جديدة من الصراعات البحرية.

سفينة شحن راسية عند الساحل اليمني قرب باب المندب (أ.ف.ب)

ويقول ألبرتوس مؤلف كتاب «عودة الغزو» الذي لا يزال قيد الطبع، إن العالم الذي يتم فيه تقسيم المحيطات سيكون حتماً أفقر وأشد خطورة.

وبعد أن أعلنت إيران عزمها على فرض رسوم عبور في مضيق هرمز الذي تسيطر عليه وتغلقه عملياً منذ الهجوم الأميركي - الإسرائيلي عليها في نهاية فبراير (شباط) الماضي، لمّح وزير المالية الإندونيسي إلى احتمال فرض بلاده رسوم عبور في مضيق ملقا، قبل أن يتراجع عن تصريحه فيما بعد. ويعد مضيق ملقاً ممراً بحرياً حيوياً في جنوب شرقي آسيا يمر عبره نحو 29 في المائة من إمدادات النفط العالمية المنقولة بحراً.

كما أن الصين دأبت على تجاهل حكم ملزم صدر عام 2016 بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، يرفض مزاعمها الواسعة في بحر الصين الجنوبي. وتخالف بكين هذا القرار ببناء جزر اصطناعية على الشعاب المرجانية المتنازع عليها، والتعدي على المنطقة الاقتصادية الخالصة للفلبين، ومحاصرة تايوان.

أما روسيا، فتدور حولها شبهات بشأن استخدام سفن ذات هويات مخفية لقطع الكابلات البحرية، بوصف ذلك جزءاً من حملة أوسع لزعزعة استقرار الدول الأوروبية رداً على دعمها لأوكرانيا في حربها ضد روسيا.

* تغيّر المناخ

من المنتظر أن يؤدي تغير المناخ إلى نشوب نزاعات جديدة عبر المحيطات؛ فمع استمرار ذوبان الجليد في القطب الشمالي من المنتظر أن تنشط حركة الملاحة البحرية في الطريق البحري الجديد الذي ربط أوروبا وآسيا على طول الساحل الروسي المطل على القطب الشمالي. ومن الصعب تصور سماح موسكو بحرية المرور عبر هذا الطريق، علماً بأنها تجبر حالياً السفن الأجنبية التي تمر عبر هذا الطريق، على الخضوع لنظام معقد وخانق من التصاريح والتراخيص. كما أنها تعامل ممرات مائية، مثل مضيق فيلكيتسكي قبالة الساحل السيبيري، على أنها ممرات مائية داخلية تخضع للولاية القضائية الروسية، وليست مضائق دولية.

ولا تقتصر الصراعات على المحيطات على السيطرة على حركة الملاحة؛ فمع هيمنة الصين على الإمدادات العالمية الحالية من معادن الأرض النادرة واستغلالها لها ورقةَ ضغط قوية، تستكشف دول أخرى إمكانات استخراج المعادن من قيعان المحيطات؛ إذ تحتوي أراضي المحيطات في مناطق مثل منطقة كلاريون-كليبرتون في شمال المحيط الهادئ بين هاواي والمكسيك، وحوض المحيط الهندي الأوسط، وحوض بنرين في جنوب المحيط الهادئ، على كميات ضخمة من الأحجار التي تحتوي على معادن بالغة الأهمية.

غواصة تايوانية يظهر برجها في مياه مضيق تايوان (رويترز)

وقد أصدرت السلطة الدولية لقاع البحار، التابعة لاتفاقية الأمم المتحدة، عشرات عقود التنقيب التي تسمح للحكومات بمسح قاع المحيط ورسم خرائطه، وجمع البيانات البيئية، واختبار تقنيات الاستخراج. إلا أن الهيئة تحظر حالياً التعدين التجاري لعدم اتفاق أعضائها على المعايير البيئية أو قواعد الامتثال لها.

* ثروات في القاع

من المرجح أن تعترض الدول الموقعة على المعاهدات الدولية التي تقيد الأنشطة الاستخراجية في المحيطات والبحار، بما فيها الصين والهند وروسيا، إذا مضت الولايات المتحدة قدماً في إقامة مشروعات للتعدين في المحيطات المفتوحة. ورغم أن بكين وموسكو تتجاهلان قوانين البحار الأخرى، فإنهما ستستشهدان بتعدين الولايات المتحدة لتبرير قوانينهما الخاصة.

وكما الحال مع الأنظمة الأخرى القائمة على القواعد، لن ينهار النظام الدولي لإدارة المحيطات دفعة واحدة، لأن القوى العظمى ما زالت تستفيد من بعض القواعد؛ مثل تنظيم مصائد الأسماك، حتى لو كانت ستجني مكاسب من الفوضى بمجالات أخرى؛ بل من المرجح أن ينهار النظام تدريجياً.

وأخيراً يحذر ألبرتوس من تباطؤ حركة التجارة، في عالمٍ تتنازع فيه الدول السيطرة على المحيطات؛ إذ ستضطر السفن إلى اتخاذ مسارات متعرجة عبر البحار، ودفع رسوم متزايدة في المضائق، وسترتفع أسعار السلع، وتصبح سلاسل الإمداد أشد اضطراباً وأكثر عرضة للانقطاع. وقد يتطور غزو المحيطات في نهاية المطاف كما لو كان غزواً للأراضي، حيث تستحوذ الدول الأقوى - أو تلك التي تصل أولاً - على ملكية الموارد. وسيتضاعف عدد بؤر التوتر الجيوسياسي مع تسابق الحكومات للاستيلاء على أكبر حصة من المحيطات وحماية سيادتها المزعومة باستخدام القوة.


سيارة تصدم حشداً شمال سيدني... واستبعاد فرضية الإرهاب

عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)
عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)
TT

سيارة تصدم حشداً شمال سيدني... واستبعاد فرضية الإرهاب

عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)
عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)

أعلنت السلطات الأسترالية إصابة 10 أشخاص جراء اندفاع رجل ​بسيارته نحو حشد من الناس في مدينة نيوكاسل اليوم (السبت)، بعدما بدا أنه فقد السيطرة على المركبة، وفقاً لوكالة «رويترز».

وألقي القبض على السائق البالغ من العمر 18 عاماً في ‌مكان الحادث بضاحية وولسيند ​بالمدينة، ‌التي ⁠تبعد ​بنحو 110 ⁠كيلومترات إلى الشمال من سيدني عاصمة ولاية نيو ساوث ويلز.

وجاءت الواقعة بينما كان مشجعون قد اصطفوا في الشوارع لتوديع فريق نيوكاسل نايتس لدوري ⁠الرجبي، الذي من المقرر ‌أن ‌ينافس في نهائي الدوري الوطني ​للرجبي في ‌سيدني غداً (الأحد).

وقالت السلطات ‌إن اثنين من المصابين الذين نقلوا إلى المستشفى، وهما طفلة تبلغ من العمر 5 سنوات ورجل ‌يبلغ من العمر 67 عاماً، في حالة حرجة.

وأفاد جافين ⁠موريس ⁠رئيس بلدية نيوكاسل بأن السائق بدا أنه فقد السيطرة على السيارة التي صدمت الحشد. وقال موريس في تصريحات نقلها التلفزيون: «يبدو أنه كان يضغط على دواسة الوقود لتسريع المحرك بطريقة ما».

وأكدت الشرطة أن المؤشرات الأولية تفيد بأنه ​حادث لا ​علاقة له بالإرهاب.


قبل انطلاق الرصاص... التضليل الإعلامي في زمن التزييف العميق

زمن رقميّ قد تضيع فيه الوقائع خطأً أو عمداً (رويترز)
زمن رقميّ قد تضيع فيه الوقائع خطأً أو عمداً (رويترز)
TT

قبل انطلاق الرصاص... التضليل الإعلامي في زمن التزييف العميق

زمن رقميّ قد تضيع فيه الوقائع خطأً أو عمداً (رويترز)
زمن رقميّ قد تضيع فيه الوقائع خطأً أو عمداً (رويترز)

لم تعد الحرب تصل إلى الناس فقط عبر دويّ المدافع أو صور المدن المدمرة؛ ففي زمن الهاتف الذكي، قد تبدأ الحرب الحقيقية قبل أن تصل القذائف وينطلق الرصاص، وقد تستمر بعد توقفها، داخل الشاشات والعقول ووسائل التواصل الاجتماعي. روايات متناقضة، وصور مفبركة، ومقاطع فيديو خارج سياقها، وحسابات آلية، وأخبار كاذبة تتنافس جميعها على تشكيل صورة الصراع في أذهان الناس.

وهنا يبرز سؤال أكثر خطورة من مجرد عدد الحروب الدائرة في العالم: ماذا يحدث عندما تصبح الحرب خبراً عادياً؟ وهل يمكن أن يؤدي التكرار المستمر للعنف إلى إضعاف قدرتنا على الشعور بالصدمة والرفض والتعاطف؟

هل اعتمد أغسطس قيصر التضليل السياسي؟ (ويكيميديا)

* ظاهرة قديمة

ليست الحرب الدعائية ظاهرة جديدة؛ فمنذ روما القديمة، أدرك المتنافسون أن كسب المعركة لا ينفصل عن كسب الرأي العام؛ ففي القرن الأول قبل الميلاد، خاض أوكتافيان ومارك أنطوني صراعاً دعائياً موازياً لصراعهما السياسي والعسكري، واستخدم الطرفان العملات والقصائد والمنشورات والخطب لحشد التأييد.

ووجه أوكتافيان ضربة قاصمة إلى خصمه عندما تلا أمام مجلس الشيوخ ما قيل إنه وصية أنطوني، التي أظهرت، بحسب الرواية، ولاءه لكليوباترا ملكة مصر أكثر من ولائه لروما. ولا يزال المؤرخون يختلفون حول ما إذا كانت الوثيقة حقيقية أم ملفقة. لكن بصرف النظر عن حقيقتها، أدت الرواية دوراً في تعبئة الرأي العام ضد أنطوني، وانتهى الصراع بتحوّل أوكتافيان إلى حاكم وحيد لروما ليضطلع بدور حاسم في تحوّل الجمهورية الرومانية إلى الإمبراطورية الرومانية، ويكسب لقب «المبجّل» بقرار من مجلس الشيوخ ويصبح اسمه أغسطس قيصر.

 

*الأدوات الجديدة

المبدأ نفسه لم يتغير كثيراً، لكن أدواته تغيرت جذرياً.

واليوم، يملك أي شخص القدرة على إنتاج صورة أو مقطع أو رواية والوصول بها إلى ملايين الأشخاص خلال ساعات. وهنا يجب التمييز بين المعلومات المضللة؛ أي المعلومات الخاطئة التي تنتشر من دون قصد متعمد بالضرورة، والتضليل المتعمد، الذي يقوم على نشر معلومات كاذبة بهدف التأثير في الجمهور أو تضليله.

وفي الحروب، تصبح الحدود بين الإعلام والدعاية أكثر ضبابية؛ فكل طرف يسعى إلى تقديم نفسه بوصفه الضحية، وإظهار خصمه بوصفه المعتدي، واختيار الصور والأرقام والقصص التي تخدم روايته. ومع تكرار الرواية نفسها، يمكن أن تتحول المعلومة غير الدقيقة إلى «حقيقة» في أذهان بعض الناس؛ ليس بالضرورة لأنها مقنعة، بل لأنها أصبحت مألوفة، ولتلكؤ المتلقّي عن التدقيق لمعرفة الحقيقة.

عمال إنقاذ خارج مدرسة تضررت بالقصف في كييف... أين الحقيقة في حرب أوكرانيا؟ (أ.ف.ب)

وتشير الأبحاث النفسية إلى أن الإنسان لا يتعامل مع كل معلومة جديدة بوصفه محققاً؛ فهو غالباً ما يركز أولاً على فهم المعلومة وتحديد ما الذي ينبغي أن يفعله بناء عليها. وإذا كانت المعلومة الكاذبة معقولة ومتناغمة مع ما يؤمن به مسبقاً، فقد يصنّفها حقيقة ويتبنّاها.

وتزداد قابلية التصديق عندما تأتي المعلومة من مصدر ينتمي إليه الشخص أو يثق به، أو عندما تكون مشحونة بالخوف والغضب. كما أن تكرار الادعاء يزيد احتمال تصديقه، حتى عندما يتعارض مع المعرفة السابقة.

 

* منصّات وخوارزميات

هنا تلعب منصات التواصل الاجتماعي دوراً بالغ الأهمية؛ فالخوارزميات مصممة أساساً لجذب الانتباه والتفاعل، والمحتوى المثير للغضب أو الخوف أو الصدمة يمتلك غالباً قدرة أكبر على الانتشار من المادة الهادئة والمتأنية. وهكذا قد لا تنتصر الرواية الأكثر دقة، بل الرواية الأكثر قدرة على إثارة الانفعال.

ويضيف التطور التكنولوجي طبقة جديدة إلى المشكلة؛ فالذكاء الاصطناعي التوليدي جعل إنتاج الصور ومقاطع الفيديو المزيفة أكثر سهولة، وزاد صعوبة التمييز بين الحقيقي والمصطنع. وإذا كان الجمهور قد اعتاد على سيل متواصل من المعلومات المتضاربة، فإن ظهور «التزييف العميق» يجعل السؤال أكثر تعقيداً: ما الذي يمكن تصديقه عندما تصبح الصورة نفسها قابلة للتزوير، أو حتى للاختلاق من لا شيء؟

مسيّرة تابعة لقوات حلف شمال الأطلسي في سماء لاتفيا... الذكاء الاصطناعي في صلب أدوات الحرب الحديثة مع كل الإمكانات التي يوفرها لـ«ابتكار» المعلومات ونشرها (أ.ف.ب)

وهنا قد لا يكون الخطر في أن يصدق الناس كل شيء، بل في أن يصلوا إلى مرحلة لا يصدقون فيها شيئاً؛ فالتعرض المستمر للمعلومات المتناقضة والمفبركة يمكن أن يضعف الثقة بالإعلام والمؤسسات، ويزيد الاستقطاب، ويجعل الأفراد أكثر تشكيكاً في الحقائق المشتركة التي يحتاج إليها أي مجتمع لاتخاذ قراراته. وفي زمن الحرب، يمكن أن يكون لذلك ثمن إضافي: يصبح الضحايا أرقاماً، وتتحول المآسي إلى محتوى، ويتعامل الجمهور مع أخبار القتل والدمار كما يتعامل مع أي خبر آخر يمر على الشاشة ثم يختفي قبل أن يطويه النسيان.

 

* إرهاق جماعي

لكن الاعتياد لا يعني بالضرورة غياب التعاطف. وقد يكون ما يحدث أقرب إلى إرهاق جماعي من الأخبار؛ فحين تتراكم الأزمات والحروب والكوارث، قد يعجز الإنسان عن الاحتفاظ بالمستوى نفسه من الانفعال تجاه كل حدث؛ فالحرب التي كانت قادرة على إيقاف العالم للحظة قد تصبح، بعد أشهر أو سنوات، خبراً آخر بين أخبار الاقتصاد والرياضة والطقس...

(اللبنانيون - على سبيل المثال - عاشوا ذلك في فترة 2019 - 2020، بدءاً من اندلاع حرائق هائلة مجهولة الأسباب، مروراً بالانهيار المالي وامتلاء شوارع وساحات بناس منتفضين، وكذلك بـ«كوفيد»، وانتهاء بكارثة انفجار مرفأ بيروت).

وهنا تكمن المفارقة: كلما ازدادت قدرتنا على رؤية الحروب لحظة بلحظة، تقل قدرتنا على الاستمرار في الإحساس بوقعها.

ولا بدّ من القول إن المواجهة لا تبدأ فقط بالتحقق من الأخبار الكاذبة، بل أيضاً بتعليم الناس كيف يسألون: من نشر هذه المعلومة؟ وما مصدرها؟ وهل ثمة مصادر مستقلة تؤكدها؟ وهل الصورة حديثة فعلاً أم أُخرجت من سياق آخر وأعيد استخدامها؟

فالمعركة على الحقيقة ليست منفصلة عن المعركة على الحرب. وفي عالم يمكن فيه لصورة واحدة مفبركة أن تصل إلى ملايين الأشخاص، تصير القدرة على الشك والتحقق نوعاً من الدفاع المدني الرقمي.

الحرب السيبرانية جزء من الواقع الجديد (رويترز)

ربما لم يعتد العالم على العنف تماماً. لكنه ألِف، إلى حد ما، مشاهدة العنف.

والفارق بين الاثنين مهم. لأن الخطر الحقيقي لا يبدأ عندما نتوقف عن رؤية الحرب، بل عندما نتوقف عن طرح الأسئلة عنها... عندما تصير الجثث صوراً، والدمار خلفية، والضحايا مجرد أرقام، والحرب خبراً عادياً يمر أمام أعيننا قبل أن ننصرف إلى مشاغلنا اليومية.

 

* قالوا في التضليل

- توماس جيفرسون، الرئيس الثالث للولايات المتحدة، (1743 - 1826): «لم يعد بالإمكان تصديق أي شيء يُنشر في صحيفة؛ فالحقيقة نفسها تصبح موضع شك لمجرد وضعها في تلك الوسيلة الملوّثة».

- وينستون تشرشل، رئيس الوزراء البريطاني (1874 - 1965): «في زمن الحرب، تكون الحقيقة ثمينة إلى حدّ أنها ينبغي أن تحاط دائماً بحرس شخصي من الأكاذيب».

وسائل التواصل الاجتماعي... ملعب الروايات المتضاربة والشائعات (رويترز)

- باراك أوباما، الرئيس الأميركي بين 2009 و2017: «هناك مقدار هائل من المعلومات المضللة النشطة، وهي تُقدَّم بطريقة جيدة جداً... فإذا بدا كل شيء متشابهاً ولم نعد نميّز بين الأشياء، فلن نعرف ما الذي ينبغي لنا أن نحميه».

- الكاتب الآيرلندي جوناثان سويفت (1667 - 1745): «الباطل يطير، بينما تأتي الحقيقة وهي تجرّ أذيالها».

- الكاتب الآيرلندي جورج برنارد شو (1856 - 1950): «احذروا المعرفة الزائفة؛ فهي أخطر من الجهل».

- الصحافي الأميركي كارل بيرنستين (82 عاماً): «أدنى أشكال الثقافة الشعبية - انعدام المعلومات، والمعلومات المضللة، والمعلومات الكاذبة المتعمدة، وازدراء الحقيقة أو واقع حياة معظم الناس - قد اجتاح الصحافة الحقيقية».