الرواية بين نزع الأساطير والإبحار في عالم صوفي

الفعالية الثقافية الأولى لمعرض الرياض الدولي للكتاب

جانب من معرض الرياض الدولي للكتاب
جانب من معرض الرياض الدولي للكتاب
TT

الرواية بين نزع الأساطير والإبحار في عالم صوفي

جانب من معرض الرياض الدولي للكتاب
جانب من معرض الرياض الدولي للكتاب

في الفعالية الثقافية الأولى لمعرض الرياض الدولي للكتاب، شارك الروائي الإريتري حجي جابر، الذي قدم من قبل ثلاثة أعمال روائية هي: «سمراويت» - 2012. و«مرسى فاطمة» - 2013 (طُبعت أربع مرات ويجري ترجمتها للغة الإيطالية)، و«لعبة المغزل» - 2015، التي وصلت القائمة الطويلة لجائزة الشيخ زايد للكتاب، كما شاركت الدكتورة هيفاء الفريح، التي تعمل كأستاذ مساعد في قسم الأدب، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلاميّة، في الندوة بورقة عنوانها: «الشخصية الصوفية في نماذج من الخطاب الروائي المعاصر»، وهي كاتبة وقاصة نشرت الكثير من قصصها القصيرة والقصيرة جداً في بعض الصحف المحلية وبعض المجلات الأدبية. صدر لها عن المركز الثقافي العربي كتاب بعنوان: (تقنيات الوصف في القصة القصيرة السعودية)، ولها قيد الطبع مجموعة قصصية بعنوان: (قدر)، وقصة للناشئة بعنوان: (حكاية قارئ).
وتغيب (لظرف صحي) الروائي السعودي عبده خال.
أدارت الندوة الروائية والكاتبة السعودية رحاب أبو زيد، التي قالت في مقدمتها للندوة، إن «المعرض يمتلأ بالروايات والقصص والإصدارات العتيقة والحديثة، وقد قيل إن الألم مبراة للقلم الحر الجاد في الكتابة، ففسد الكثيرون مع قليل من الاستثناءات والكثير من التحديات أمام من بقوا صامدين بوجه التحولات الخطيرة التي مرت بها الآيديولوجيات والمفاهيم والقيمة خلف القضبان... بتهمة الشفافية، القيمة في عمل ما هي المجد للروائي الجاد والظفر للقارئ الحصيف»...
وتساءلت: في البدء لماذا كانت الرواية ولماذا هي الفن المستمر والدائم في كل الأزمان والأماكن، لعشق الناس للحكايات علاقة بقصص الجدّات منذ عبق سني الطفولة الأولي، إلاّ أن هذا العشق لا يفتأ يكبر مع ثرثرات المارة ونميمة الأشجار عن بعضها البعض، بل وتكبر معنا في أحاديثنا السرية كلما أطلنا البحلقة في الجدران والمرايا...
* ‏أساطير حول الرواية
في ورقته بعنوان «‏أساطير حول الرواية»، يقول حجي جابر: برأيي أن ثمة أساطير، وليكن عددها عشراً، تحيط بالرواية كتابة ونشراً وتلقياً من قبل القراء قد يفاجأ بها من يخوض مجال الكتابة للمرة الأولى. وهو ربما أكثر من يحتاج للتفكير فيها واستحضارها قبل أي شيء.
سأقوم بإيراد هذه الأساطير بشكل متتال. ولكني قبل ذلك بحاجة للتأكيد على صعوبة التعميم هنا بطبيعة الحال، فالاستثناء حاضر ووجهات النظر المخالفة مرحب بها بكل تأكيد.
أولى هذه الأساطير هي «الوقت المناسب للكتابة»، وهنا أقصد أن يتأخر الواحد في كتابة روايته انتظاراً للحظة غير معلومة على وجه الدقة يعتقد أنه يكون فيها قد بلغ الجاهزية الكاملة. هذه اللحظة المناسبة قد لا تأتي إلى الأبد، فالوقت المناسب دائماً هو الآن. ولعل أحد أسباب هذا الانتظار هو الحرص على الاقتراب من الأعمال العظيمة التي يقرأها الشخص في حياته ويستصعب أن يأتي بنصوص دونها في الجودة. لكن يفوته هنا أنّ غالب أصحاب هذه الأعمال لم يبدأوا من القمة إذ لا قمة في الكتابة إنما هي مشوار طويل يبدأ ويتدرج في التطور.
الأسطورة الثانية هي «الإلهام»، وهي حيلة أخرى لتجنّب الكتابة ورهقها برهنها للمزاج وتقلباته، بينما يجدر بالكاتب أن يملك مشروعاً ويلتزم ويتفانى في إنجازه بعيداً عن تلك التقلبات. وهنا من المهم أن نورد مقولة ماركيز الذي يعتقد أنه لا يوجد شيء اسمه إلهام، وأن الأمر يقتصر على مجرد الجلوس والكتابة. نعم هكذا بكل بساطة يقول ماركيز أجلس واكتب دون الالتفات لفكرة واهمة هي ضرورة انتظار الإلهام والبقاء تحت رحمته.
الأسطورة الثالثة تقول: «إن الموهبة وحدها تكفي». الموهبة قد تصنع رواية أولى، لكنها لا تضمن بناء مشروع. لا تضمن الاستمرار. رحلة الكتابة بحاجة إلى حفر واشتغال وتعلّم وتمرين. هي نجارة كما يقول ماركيز. على الكاتب أن يسابق قارئه، وألا يتخلى عن فكرة إدهاشه... وهذه أمور لا تضمنها الموهبة وحدها.
الأسطورة الرابعة التي تحيط بعالم الرواية وكتابتها هي «بلوغ ذروة التجويد»، وهنا ينبغي أن يعرف كل مقبل على الكتابة أن عملية مراجعة النص وتجويده لن تصل إلى نهاية أبداً، وأننا سندفع بالكتاب إلى المطبعة دون بلوغه تلك الذروة.
الأسطورة الخامسة هي أن «الكتاب يشقّ طريقه وحيداً» هناك من يتشبث بالفعل بهذه الفكرة. تنتهي علاقته بكتابه بمجرد صدوره، لا يأتي على ذكره، لا يتحمّس للنقاشات حوله. هو يتمنى نجاح العمل... هذا صحيح، لكنه في المقابل يرفض فكرة السوق، وأن الكتاب سلعة خاضعة لتلك الفكرة.
الأسطورة السادسة هي أن «الناشر سيوصل كتابك لكل قارئ». لنتخيّل هنا السيناريو التالي: سيقرأ الناشر الكتاب وهو بالضرورة على تماس حقيقي بالأدب، سيعيده إليك في زمن معقول مع عدد من الملاحظات الجوهرية ليأخذ موافقتك قبل أن يدفع به إلى محرر الدار الذي سيغربل الكتاب ليخرجه في صورة مثالية. بعد ذلك ستجد حملة ترويج كبيرة، سيقام لك حفل تدشين، وستجد اسمك في وسائل إعلام مختلفة. والأهم أنه لن تجد مكتبة ليس فيها هذا الكتاب.
الأسطورة السابعة وهي أن «الناقد سينتشلك من العَتمة» سيخرج الناقد من بيته إلى جنوب المدينة، وهناك وفي شارع فرعي سيوقف سيارته ليمشي في شارع أصغر لا يسع السيارة. سيجد مكتبة صغيرة بالكاد ينتبه لها المارة. لن يتضايق من الكتب المبعثرة، ولا من الغبار. سيتجه من فوره إلى آخر الممر وكأنه يتبع خريطة الكنز... سيجثو على ركبتيه ليلتقط كتابك المدفون في الرف الأخير. سيزيل عنه الغبار ويقرأه ثم يقدمك إلى العالم كاكتشاف أصيل.
الأسطورة الثامنة هي أن «الاعتراف يحدث بمجرد صدور عملك» وأقصد بالاعتراف هنا أن تجد نفسك تلقائياً قد انخرطت في عالم الروائيين فتدعى إلى المؤتمرات ومعارض الكتب ويصبح الاسم متداولا... الاعتراف غالباً لن يحدث مع كتابك الأول... ولا العاشر بالمناسبة. هو يحدث حين تحصل على جائزة.
الأسطورة التاسعة... تتعلّق بالقارئ، ففي غياب الاعتراف الذي غاب بدوره لأن الناقد الذي تعرفون لم يخرج من بيته إلى جنوب المدينة... ربما تعتقد أن القارئ وحده سيجسر الهوة ويصل إليك. هذا لا يحدث في الغالب.
الأسطورة العاشرة أنك «ستغتني من عوائد كتابك». هذا لن يحدث غالباً. الأمر هنا لا علاقة له بطبيعة عقدك مع الناشر، ولا بضعف القدرة الشرائية في بلدك، ولا بانصراف القراء إلى أمور أخرى ولا بقرصنة الكتب. الأمر يتعلق بالدرجة الأولى في أنك ستكون قادراً على معرفة شيفرة المفاعلات النووية في كوريا الشمالية، وفي فك لغز وفاة الليدي ديانا، وفي فهم الطريقة التي ارتقى فيها ماجد عبد الله عاليا جدا جدا وأحرز هدفه الشهير بالرأس في الهلال. لكنك في المقابل، لن تكون قادراً على معرفة كم طبع الناشر من كتابك بالفعل!
* الشخصية الصوفية
في ورقتها بعنوان: «الشخصية الصوفية في نماذج من الخطاب الروائي المعاصر»، تقول الدكتورة الفريح: أحاول من خلال هذه الورقة أن أفهم سرّ هذا التهافت عبر بضاعتي (السرد)، لا سيما أن الروائيين التفتوا إلى تلك الشخصيات ببعثها من مرقدها وجعلها الشخصية الرئيسية في رواياتهم؛ الأمر الذي زاد من شغفي في السعي لمعرفة سر إحياء تلك الشخصيات في الأدب خاصة، وترديد مقولاتها في مواقع التواصل الاجتماعي عامة.
وهذا الأمر ليس خاصاً بعالمنا العربي، فجلال الدين الرومي وصفته الـ«بي بي سي» سنة 2007 بأكثر الشعراء شعبية في الولايات المتحدة الأميركية. وإعادة ترجمة المثنوي إلى لغات عدة يثبت ذلك الاهتمام. ومع شهرة إليف شافاق الروائية التركية، وتأليفها لروايات عدة؛ فإن أكثر رواياتها مبيعاً رواية «قواعد العشق الأربعون».
وتضيف: لا يفوتني التنويه على أني لا أتحدث عن الخطاب الصوفي في الرواية؛ فذلك الخطاب عرف منذ زمن عند الفرنسي جيلبرت سيونيه في «اللوح الأزرق»، وعند نجيب محفوظ في بعض رواياته كـ«رحلة ابن فطومة» 1983. والطاهر وطار في «الحوات والقصر» وجمال الغيطاني في «كتاب التجليات». واستمر في الأدب المعاصر كـ«عرس الزين» للطيب صالح، «سيدي وحدانة» و«مسرى يارقيب» لرجاء عالم. و«مجنون الحكم» لسالم بن حميش، و«منافي الرب» لأشرف الخمايسي، و«ممالك تحت الأرض» لعبد الواحد الأنصاري، و«شوق الدرويش» لحمور زيادة، و«سيدي براني» لمحمد صلاح العزب، و«الظل الأبيض» لعادل خزام.
وتشير إلى أن ورقتها لا تبحث في الخطاب الصوفي الذي طُرق مرارا. إنما تركز على الشخصية الصوفية بوصفها الشخصية الرئيسة التي تقوم الرواية عليها. ولأن وقت الورقة قصير فقد حصرت المدونة على ثلاثة نماذج لروائيين متنوعي الأقطار وعن شخصيات صوفية مختلفة:
الرواية الأولى عالمية: «قواعد العشق الأربعون» للكاتبة التركية «إليف شافاق»، وعن شخصيتين صوفيتين هما: جلال الدين الرومي وشمس التبريزي،
الرواية الثانية عربية: «الجنيد: ألم المعرفة» للكاتب المغربي عبد الإله بن عرفة، وهي عن شخصية الجنيد البغدادي.
الرواية الثالثة: محلية «موت صغير» للروائي محمد حسن علوان، وهي عن شخصية ابن عربي.
هذا التوجه المحموم من قبل العالم نحو الصوفية برموزها نحاول فهمه ومن ثم نرى إلى أي مدى أسهمت الرواية في تعزيز ذلك التوجه.
وتلخصت محاور ورقتها في ثلاثة محاور: الشخصية الصوفية بين الخطابين التاريخي والتخيلي. والرموز الصوفية في ملامح الشخصية. وخصائص خطاب التصوف.
وفي ختام الورقة تتساءل: لماذا بعثت الشخصيات الصوفية من مرقدها؟ لتجيب بأن الأدب لا يعود إلى الماضي إلا لكي يطرح أسئلة الحاضر.
وتشرح ذلك قائلة: لقد شهد القرن الثالث الهجري فتنا عدة منها السياسي: كفتنة القرامطة، ومنها الثقافي كفتنة خلق القرآن، ومثله القرن السابع الهجري حيث النزاعات السياسية بالدويلات الإسلامية المتفرقة ففي بغداد الخلافة العباسية، وفي الأندلس الموحدون والمرابطون، والدولة الأيوبية في مصر والشام، والسلاجقة في تركيا. وفي الغرب احتل الصليبيون القسطنطينية وهم في طريقهم لاحتلال القدس، وفي الشرق انتشرت جيوش المغول. والمسيحيون كانوا يقاتلون المسيحيين والمسلمون يقاتلون المسيحيين ويتقاتلون فيما بينهم. ومثل القرنين السابقين قرننا هذا الذي يشهد حروبا سياسية طاحنة، كم مضى على الحرب في سوريا؟! متى تهدأ الصراعات بين السنة والشيعة في العراق وغيرها؟! أي دين أتاح لـ«داعش» حثهم قتل الابن لأبيه والجار لجاره؟...
لتختم بالقول: أليس في العودة تلك الشخصيات (الصوفية) الداعية إلى الحب، وإلى السلام دعوة مبطنة من الأدباء إلى أن نحيي معها الإنسان المحب للسلام في دواخلنا؟



الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني
TT

الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني

في ملف خاص نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية تحت عنوان «الكُتَّاب في مواجهة الحرب في الشرق الأوسط»، يقول الروائي والقاص طالب الرفاعي: «الكتابة صارت عبئاً لا يُحتمل وضرورة لا غنى عنها في آنٍ واحد: فمع كل قذيفة تسقط تشعر أن الكلمات تُخذلك، ومع كل ضحية تُدفن تحس أن الصمت خيانة. إن الكاتب في زمن الحرب لا يختار بين الكتابة والصمت، بل بين ضربين من الموت: موت الجسد أو موت الذاكرة».

وفي الملف ذاته، يُسهم الروائي اللبناني شريف مجدلاني بشهادة تستعيد ما كتبه في يومياته «بيروت 2020، يوميات الانهيار» (الصادرة عن دار أكت سود الفرنسية). يقول: «إن الحرب لا تُدمّر المباني وحدها، بل تُدمّر ما هو أشد هشّاشة، ذلك القاموس الداخلي الذي يُقنع به الإنسان نفسه بأن الغد ممكن...» ويذهب مجدلاني إلى أن الكاتب في بيروت المنهكة لم يكن يُدوّن تاريخاً سياسياً، بل كان يُحاول إنقاذ «السرديات الصغيرة» للحياة اليومية: دكّانة الحي وصوت المولِّد، وقصّص سكان الحّي من السمكري إلى عامل الكهرباء وحتى تلك السخافات البيروقراطية التي تثبت بطريقتها المفجعة أن الحياة لا تزال تدور...».

آذر نفيسي

ولفهم عمق هذه المعضلة، الكتابة والحرب، لا بد من الوقوف عند الفيلسوف الألماني فالتر بنيامين، الذي كتب مقالته «الراوي» عام 1936 أي في خضم صعود الفاشية الأوروبية وعلى مشارف الحرب العالمية الثانية. ولاحظ بنيامين فالتر بأن جنود تلك الحرب الكبرى عادوا من الخنادق صامتين وعاجزين عن وصف ما رأوا، لا لأنهم لم يُعيشوا شيئاً، بل لأنهم عاشوا ما لا يسعه لسان، مضيفاً: «عاد الرجال من ساحة المعركة صامتين، لا أكثر غنى بالتجربة بل أكثر فقراً في القدرة على نقلها». وقد رأى الفيلسوف الألماني في ذلك أزمة حضارية عميقة، لأن الحضارة لا تقوم على المؤسسات وحدها، بل على قدرة الإنسان على نقل تجربته جيلاً بعد جيل، فحين تُدمّر الحرب هذه القدرة، فهي تُدمّر الحضارة في عمقها السّردي قبل أن تُدمّرها في بنيتها المادية. والمقلق أن هذا التشخيص الذي وضعه الفيلسوف الألماني قبل تسعين عاماً يبدو أشد راهنية اليوم، حين تصل الصور من غزة ولبنان وطهران وكييف في ثوانٍ، ومع ذلك تظل التجربة الإنسانية الحقيقية وراء الشاشات عصيّةً على الرواية. تتجلى هذه المعضلة في أقوى صورها عند الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش الذي كتب قصيدته «حالة حصار» عام 2002 وهو يعيش حصار رام الله، حين كانت الدبابات تطوّق البيوت، في تلك اللحظة التي يفقد فيها الإنسان سيطرته على المكان وسرديته على الزمن. صاغ درويش عبارته الأكثر دلالة: «كن حاضراً في غيابك» وهي ليست مفارقة شعرية بلاغية، بل وصف دقيق لحالة وجودية يصنعها الحصار: أن تكون جسداً حاضراً في مكانك بينما يتعامل معك المحاصِر على أنك معدوم، غير مرئي، بلا حقوق ولا اسم ولا رواية. وقد وثّق الروائي الفلسطيني عاطف أبو سيف، وزير الثقافة في السلطة الفلسطينية، هذه الحالة بيومياته التي نشرت مقتطفاتها صحف «نيويورك تايمز» و«الغارديان» وكذالك «لوموند» تحت عنوان: «لا تلتفت يساراً: يوميات الإبادة في غزة»، إذ ظّل خمسة وثمانين يوماً في غزة يُدوّن قوائم الضحايا ورحلات البحث عن الماء و الطعام، وحياة العائلات داخل الخيام، ليصّرح بعدها بمدة في معرض فرانكفورت للكتاب: «كنت أكتب كي أتأكد أني لست ميتاً يسير في قرية من الأموات»

هذه الجملة المرعبة تُحدّد وظيفة الكتابة في سنوات الحرب: الكاتب يكتب كي يُثبت لنفسه أولاً أن الزمن السّردي لم يتوقف.

عاطف أبو سيف

وفي أوكرانيا، تأخذ المسألة بُعداً آخر. فالشاعر والروائي سيرهي جادان أبرز أصوات الأدب الأوكراني المعاصر والحائز على جوائز دولية عديدة، لم يكتفِ بالكتابة عن الحرب، ففي عام 2024 انخرط طوعاً في الخدمة العسكرية ضمن لواء خاركيف المعروف بـ«خارتيا»، وهو لواء اشتُهر بضمه جنوداً من المثقفين والناشطين المدنيين. وقد آثر جادان أن يكون شاهداً بجسده لا بقلمه وحده، حاملاً سلاحاً بيد وقلماً بأخرى، حيث كتب في مجموعته القصّصية «لن يطلب أحد شيئاً» ما يلي: «الشيء الوحيد الذي يملؤنا اليوم هو ضعفنا: كلي، مؤلم... لا نهاية له، في زمن الحرب تصبح الكلمات ناقصة وعاجزة أمام الواقع العنيف».

أما الروائي أندريه كوركوف فقد أفصح في حوار مع مجلة «بوليتيس» الفرنسية بعنوان: «الحرب هي حياتي الآن» بأنه تحول إلى صحافي ونسي عمله الروائي، إذ لم يتمكّن خلال سنتين إلا من كتابة ثلاثين صفحة من روايته المعلّقة، معبراً عن شعوره بأن الكتابة الروائية قد فقدت معناها في زمن الحرب، لأن هذه الحقبة تتطلب من الكاتب أن يكون راوياً للشهادة بدل كونه مبتكراً للقصّص».

الذين يكتبون اليوم من داخل إيران أو من المنفى يؤدّون نفس وظيفة شهرزاد في «ألف ليلة وليلة»... يروون كي يبقوا أحياء

آذر نفيسي

وقد جاءت حرب إيران في فبراير (شباط) 2026 لتُضيف فصلاً جديداً ومؤلماً. ففي ملف لوموند المشار إليه سابقاً تتقاطع شهادتان إيرانيتان من الشتات لتكملة هذه الصورة، حيث تقول ليلى أعظم زنكنه، وهي كاتبة فرنسية من أصل إيراني: «حرب إيران وضعت أبناء الشتات أمام نوع فريد من التمزق، نحن من نكتب، ولا أحد من الداخل يستطيع الكتابة الآن، نحن من يحمل أصواتهم ونتساءل في كل جملة: هل أنا وفيّ لما يُعيشونه؟... وهو تساؤل يحمل في طيّاته خوفاً مزدوجاً: الخوف من الصمت والخوف من الخيانة عبر الكلام...».

وتضيف مواطنتها آذر نفيسي صاحبة رواية «أن تقرأ لوليتا في طهران» على صفحات «لوموند» أيضاً ما يلي: «الإيرانيون الذين يكتبون اليوم من الداخل أو من المنفى يؤدّون نفس الوظيفة التي أدَّتها شهرزاد في (ألف ليلة وليلة) يروون كي يبقوا أحياء....».

تكشف هذه الشهادات المتقاطعة أن ثمة مشتركاً عميقاً يجمع الكتّاب في سنوات الحرب رغم تباين لغاتهم وجغرافياتهم: كلّهم يُشيرون إلى أن الحرب تُهدّد قبل كل شيء القدرات الدنيا على التسمية، أن تقول: كان هذا، وعاش هؤلاء وحدث ذاك، هذه القدرة، وإن بدت عاجزة أمام حجم الكارثة، فهي الحدّ الفاصل بين الذاكرة والمحو، بين الشاهد والانهيار الكامل. وقد وضع الكاتب الكويتي طالب الرفاعي يده على هذه الحقيقة حين قال: «الكتابة هي خلاص للروح، أعيش بها وأعيش لها» وربما كانت هذه الجملة البسيطة في ومضتها الإنسانية الخالصة أكثر دقةً من كل التعريفات الفلسفية: الكتابة في زمن الحرب ليست مُتعةً ولا رفاهيةً ولا نضالاً بالمعنى الكبير، إنها ببساطة ما يُبقي الروح قادرةً على الاستمرار، وهو في نهاية المطاف أكثر ما تحتاجه الحضارة حين تتهدَّدها الحرب.


أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة
TT

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

يستشهد الباحث سليم كتشنر في كتابه «صفحات منسية في الثقافة المصرية»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، بوصف كارل ساجان، عالم الفلك الأميركي، لمكتبة الإسكندرية القديمة بأنها «عقل ومجد أعظم مدينة على الكوكب وأول مركز للأبحاث العلمية في تاريخ العالم»، لافتاً إلى أن تأكيد الموسوعة البريطانية بأن أغلب الاكتشافات الغربية الحديثة تمت دراستها ووضع أسسها في تلك المكتبة التي شيد لبنتها الأولى زملاء وخلفاء الإسكندر الأكبر في مصر في القرن الثالث قبل الميلاد.

ويشير إلى أن من قام بإنشاء المكتبة هو ديمتريوس الفاليري سياتسي، وهو فيلسوف أثيني زامل الإسكندر الأكبر في دراسته على يد أرسطو في مدرسة المشائين الفلسفية، لكنها في مرحلة لاحقة اكتسبت أهمية وحجماً كبيرين، وبالتالي أصبح من الضروري إنشاء ملحق لها. ويُعتقد أن الملحق أو المكتبة على هضبة حي «راكيتوس» والمعروف اليوم بحي «كرموز»، بعيداً عن شاطئ البحر المتوسط الذي شيدت المدينة على ضفافه وأصبحت تلقب بـ«عروس المتوسط».

جمع ديمتريوس الفاليري اليوناني نواة مكتبة الإسكندرية من المخطوطات النادرة وهو في بلاد اليونان، كما يمكن أن يطلق عليه مؤسس فكرة المكتبة، بينما كان زينودوتوس الأفيس على الأرجح هو أول أمين للمكتبة وكان على رأس الأشخاص الذين خدموا بالمكان ديمتريوس فاليروس بداية من عام 284 قبل الميلاد.

وكانت لفائف البردي في المكتبة تغطي موضوعات ومجالات القانون والأخلاق والتاريخ والجغرافيا والآداب والفنون من شعر ونثر وقصص وروايات ومسرحيات، فضلاً عن التعبير بالفنون البصرية والتشكيلية مثل النحت والرسم.

وتعددت فروع العلوم في المكتبة لشمل الرياضة والهندسة والميكانيكا والطب والتشريح والجراحة وسائر العلوم البيولوجية وعلم النبات والحيوان وعلوم الطبيعة والكيمياء، إلى جانب التطبيقات العملية لكل تلك العلوم للاستفادة منها في صناعات ذلك العصر وتطويرها.

نجح ديمتريوس فاليروس في اقتناء مجموعة ضخمة من لفائف البردي في مختلف العلوم بلغت نحو 200 ألف لفافة، ولكنه كان يأمل أن يزداد عددها بسرعة ليصل إلى نصف مليون لفافة بردية، وقد تولى خلفه كالماخوس تحقيق هذا الأمل بعد نفي ديمتريوس حيث أوكل إليه بطليموس الثاني مهمة توسيع المكتبة وتزويدها بالكتب الجديدة وعمل الفهارس لها فبلغ عدد لفائف البردي فيها نحو 490 ألف واستمرت مقتنيات المكتبة من المخطوطات في الازدياد حتى وصلت مع نهاية العصر البطلمي إلى نحو 700 ألف لفافة بردية.

ومن أبرز علماء المكتبة «أقليدس»، عالم الرياضيات الشهير، ومن كتبه «المعطيات»، و«عن القسمة»، و«البصريات»، و«الظواهر» وهناك كذلك العالم «هيروفيلوس» الذي ترك إرثاً كبيراً من العلوم الطبية، وكان أول من أثبت أن المخ وليس الكبد أو القلب هو مقر العواطف والذكاء، إلى جانب «أريستاركوس» الذي كان المسمار الأول في نعش نظرية أرسطو القائلة بأن الأرض مركز الكون والكواكب تدول حولها، إذ توصل إلى أن الشمس مركز الكون وليست الأرض، كما أن الكواكب تدور حول الشمس، سابقاً في ذلك كلاً من كوبرنيكوس وغاليليو غاليلي.

ومن أبرز علماء مكتبة الإسكندرية القديمة كذلك «أرازيستراتوس»، الملقب بـ«أبو علم وظائف الأعضاء»، والذي كان أول من اكتشف الفارق بين أعصاب الحركة وأعصاب الإحساس. وهناك أيضاً «أرشميدس» الذي يعد من أعظم علماء الرياضيات في العصور القديمة والملقب بـ«أبو الهندسة» وأعظم اكتشافاته قانون طفو الأجسام داخل المياه، والذي صار يعرف بقانون أرشميدس.


نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

TT

نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

نشرت صفحة «ثقافة وفنون» بتاريخ 24 فبراير (شباط) مقالاً للشاعر الناقد شوقي بزيع تناول فيه تجليات النزعة النرجسية في التراث الشعري العربي، ولم يكتفِ المقال برصد مظاهر الفخر والزهو في القصيدة، بل أشار إلى أن النرجسية ليست ظاهرة عابرة، بل تكاد تكون عنصراً مكوِّناً في طبيعة الشاعر ذاته. فالشاعر، في هذا التصور، لا يقف خارج تجربته بوصفه ناقلاً محايداً، وإنما يتكلم من داخل مركز ذاتي يرى العالم عبره ويعيد ترتيبه وفق حساسيته الخاصة.

استكمالاً للحديث أقول إن الشعر، بطبيعته، يجعل الأنا في الواجهة. القصيدة ليست وصفاً موضوعياً للوقائع، بل تشكيل جديد لها. وعندما يتصدر ضمير المتكلم النص، لا يكون مجرد أداة لغوية، بل إعلاناً عن حضور مركزي تُبنى حوله الرؤية كلها. الذات هنا هي محور تدور حوله الصور والمعاني. ومن ثم تبدو النرجسية في الشعر أكثر انكشافاً، لأنها تتجسد في صوت فردي صريح. ومع ذلك، لا يصح اختزال هذا الاعتداد في مجرد العُجب بالذات. فالفعل الإبداعي يحتاج إلى جرأة داخلية، وإلى إيمان عميق بأن ما يُقال يستحق أن يُقال. الشاعر الذي يشك في قيمة صوته لن يغامر بتجاوز السائد، ولن يحتمل عزلة التجربة.

كل نص شعري كبير يفترض ضمناً أن صاحبه يضيف شيئاً إلى العالم، وأن نبرته ليست تكراراً لما سبق. هذه الثقة قد تقترب من حدود التعالي، لكنها تظل شرطاً للإبداع، لا علامة على خلل بالضرورة.

النرجسية الشعرية، بهذا المعنى، ليست حباً للذات بقدر ما هي شعور طاغٍ بالتميز. الشاعر يشعر بأنه يرى ما لا يُرى بالطريقة نفسها عند غيره، وأن تجربته لا تُنقل إلا عبر صوته الخاص. من هنا تتحول الذات الفردية إلى منفذ يطل منه على المجال الإنساني العام. غير أن المشكلة تنشأ عندما تنقلب هذه القناعة إلى يقين مغلق، فيغدو العالم انعكاساً لصورة واحدة، ولا يعود في الآخر إلا صدى لذلك الصوت.

هذه البنية لا تتوقف عند حدود الشعر. فحين ننتقل إلى الفلسفة، نكتشف أن النرجسية قد تتخذ شكلاً أقل صخباً، لكنه أعمق أثراً. الفيلسوف لا يكتفي بالتعبير عن تجربة، بل يسعى إلى تحديد شروط إمكان التجارب جميعاً. إنه لا يروي ما يحدث، بل يطمح إلى بيان لماذا يحدث، وكيف ينبغي فهمه. وهنا ينتقل مركز الثقل من الصوت إلى المعيار، ومن التفرد إلى الحقيقة.

ليس كل مفكر يسعى إلى بناء نسق شامل، غير أن التاريخ الفلسفي عرف مشروعات حاولت أن تضم الوجود والعقل والتاريخ في حركة واحدة مترابطة. في مثل هذه المشروعات، يتجاوز الاعتداد حدود التعبير الفردي ليصبح ثقة في القدرة على صياغة صورة كلية للعالم. ويُعد هيغل مثالاً بارزاً على هذا الطموح. فمشروعه لم يكن معالجة قضية جزئية، بل سعي إلى فهم كليّ لتطور الفكر الإنساني بأسره ضمن مسار جدلي متكامل. الفكرة لديه ليست عنصراً ثابتاً، بل عملية تاريخية تبلغ وعيها بذاتها عبر التحولات.

هنا تظهر نرجسية الفيلسوف في صورتها الخاصة. فهي لا تتجلى في تباهٍ مباشر، بل في التماهي بين الذات والنسق. حين يشعر المفكر أن تصوره يمثل اللحظة الأكثر نضجاً في مسار الوعي، يغدو مشروعه أكثر من رأي بين آراء، ويقترب من صورة الحقيقة ذاتها. في هذه اللحظة، قد لا يقول الفيلسوف إن «الأعمى نظر إلى أدبه»، لكنه يتصرف كما لو أن رؤيته تمثل الأفق الأوسع للفهم.

ومع أن الجذر في الحالتين واحد، فإن الفارق بين النرجسيتين جوهري. نرجسية الشاعر جمالية وصوتية، تتمحور حول التفرد في التعبير. الشاعر يضخم ذاته ليقول «أنا مختلف»، وليؤكد أن صوته لا يشبه سواه. أما نرجسية الفيلسوف فهي معرفية وبنيوية، تتمحور حول الحقيقة والمعيار. الفيلسوف لا يكتفي بأن يكون مختلفاً، بل قد يميل إلى الاعتقاد بأن فهمه هو الأصح أو الأكمل. الشاعر يطلب الاعتراف بصوته، لا الاعتراف بدقته العلمية، بينما الفيلسوف يقترب من طلب الاعتراف بسلطته المعرفية. خطر الأولى يبقى في دائرة الذوق والجمال، أما الثانية فقد تمتد إلى تضييق أفق التفكير ذاته إذا تحولت الرؤية إلى معيار نهائي.

وتشتد نرجسية الفيلسوف عندما ينسى أن فكره جزء من التاريخ، لا نهايته. حين يتعامل مع نسقه كأنه الحقيقة الأخيرة، يصبح كل اختلاف معه خطأ، وكل نقد له سوء فهم. عندها يُختزل تنوع الآراء في مدى قربها أو بعدها عن فكرته. وغالباً لا يحدث ذلك بدافع عُجب صريح، بل لأن المفكر يندمج تماماً مع مشروعه، فلا يرى حدوده. وهنا تكمن المفارقة، فالفلسفة التي تسعى إلى تحرير العقل قد تنزلق إلى تضييق أفقه إذا أُغلقت على ذاتها.

في النهاية، يلتقي الشاعر والفيلسوف عند نقطة دقيقة لا تخلو من مفارقة. كلاهما يبدأ من الأنا، لكن أحدهما يحولها إلى نبرة، والآخر يحولها إلى نظام. الأنا في الشعر نافذة مفتوحة، قد يختلف معها القارئ لكنه يظل حراً في تأويلها، أما الأنا في الفلسفة فإذا تحولت إلى معيار شامل، فإنها تميل إلى رسم حدود لما ينبغي التفكير فيه.

ومع ذلك، لا يمكن تصور إبداع حقيقي من دون قدر من الجرأة الداخلية التي تضع الذات في مركز الرؤية. السؤال ليس في وجود النرجسية، بل في وعيها بذاتها. حين تدرك الأنا حدودها، تصبح قوة دافعة للخلق والاكتشاف، وحين تنسى تلك الحدود، تتحول إلى مرآة مغلقة لا تعكس إلا صاحبها. بين هذين الحدين تتحدد قيمة الشاعر وقيمة الفيلسوف، ويتحدد أيضاً مقدار انفتاحهما على العالم الذي يزعمان فهمه أو إعادة صياغته.

* كاتب سعودي