سيبقى الشرق يسحر الغرب ويلهمه مهما تقدمت تقنيات النسيج وابتكاراته الحديثة في أوروبا وأميركا. وها هو المتحف الوطني الفرنسي للفنون الآسيوية، المعروف بـ«غيميه»، يأخذ زواره في رحلة ممتعة عبر تاريخ «الكيمونو»، هذا الزي التقليدي الحريري والملون الذي اشتهر به اليابانيون. إنه يعادل الساري الهندي، والجلابية المصرية، والقفطان المغربي، والهاشمي الخليجي، والفساتين ذات التنورات المنفوخة التي ارتدتها الغربيات في القرون الماضية. وتمتد الرحلة التاريخية من بدايات القرن السابع عشر حتى أواخر التاسع عشر.
معرض يستمر حتى 22 من مايو (أيار) المقبل، يكشف عن ثراء مدهش من الحرائر والأنسجة المطبوعة والمطرزة التي تستلهم الطبيعة بكافة تقلباتها، وكأن كل قطعة هي قصيدة «هايكو» يشهق أمامها المتفرج. ولا يقتصر العرض على مجموعة أردية الكيمونو النادرة بل يقدم ما يرافقها من عدة العروس وتسريحاتها وقباقيبها وجواربها ومراوحها وزينتها. وكذلك استخدمت للعرض الحواجز القماشية والخشبية الشفافة التي تستخدم لتقسيم فضاء البيت الياباني. وبهذا فإن الزيارة هي جولة في تاريخ الجزر اليابانية وتنوعاتها الجمالية.
لا يمكن للزائر، وهو يمتع البصر بما يرى، إلا أن يلاحظ الدقة والهشاشة التي تميز المعروضات. كأن النساجين والخياطات والحرفيين التقليديين كانوا يشتغلون على أجنحة الفراشات وقشور البيض. ونظراً لرقة بعض الأردية الحريرية المعروضة فإن القائمين عليها يرفعونها، بين يوم وآخر، ويستبدلون غيرها بها، لأنها لا تحتمل الخروج إلى النور والهواء طويلاً. إن كل قطعة منها لا تقدر بثمن، لأنها محفوظة عبر قرون ومصانة بشكل علمي مدروس. كأن كلاً منها تدعو المتفرج إلى الرفق بالقوارير. كما يفاجأ الزائر بأن الكيمونو ليس ثوباً يابانياً في الأصل، بل هو مستورد من الصين بحدود القرن السابع عشر. لكن اليابانيين طوروا استخدامه من ثوب داخلي إلى رداء خارجي، عدا عن أنهم منحوه من الاهتمام ما جعله قطعة نبيلة من الثياب.
يبدو تفصيل الكيمونو بالغ السهولة لأنه يشبه حرف T بالإنجليزية. لكنه يحتاج إلى قطع واسعة مستطيلة من النسيج، وهو بخلاف طريقة تفصيل الثياب الأوروبية، لا يسعى للتناسب مع مقاسات الجسم والالتصاق به بل يلفه لفاً فضفاضاً باستخدام حزام لطيف متهدل. وليس هناك اختلافات بين القصات، سواء بين الكيمونو النسائي أو الرجالي، بل تتميز كل قطعة عن غيرها بالألوان والنقوش فحسب. وبهذا وحده يمكن معرفة الجنس الذي ارتداها. ولهذا التفصيل البسيط يعود الفضل في تحويل الكيمونو إلى ثوب مختلف عن غيره، وهو سواء كان مصنوعاً من الحرير أو القطن أو الكتان، فإنه ثقيل بسبب بطانته وطول أكمامه التي تصل أطرافها، أحياناً، حتى الأرض. ولهذا لا بد لمن يرتديه من التحلي بنوع من الحركات المناسبة للزي، في المشي والجلوس وفي القيام من الركوع على الركبتين. وللسيطرة على الكيمونو فلا بد أيضاً من أن يكون مصحوباً بـ«أوبي»، أي الحزام الحريري الذي يحفظ فتحة الرداء ويربطها على وسط لابسها.
بالنسبة للنساء، يرتفع هذا الحزام العريض حتى أسفل الصدر مباشرة. وهو بهذا يسند الظهر مستقيماً ويسيطر على حركة الجسم بشكل أكبر. وهناك أنواع من العقد أو أشكال الربط تطورت على مدى العصور، وعددها اليوم ستة، لكل نوع منها حجمه.
والسؤال الذي لا بد أن يخطر على ذهن الزائر وهو يتابع تلك الملاحظات: هل تشعر المرأة بالراحة والسعادة وهي تتخذ من الكيمونو زياً لها؟ يمكن القول إن هذا الرداء، على بساطته وثقله في آن، لعب دوراً في تحديد مفهوم الأناقة والرفعة والليونة النسائية أكثر من أي زي آخر عبر التاريخ. وفي العرض يتأكد الزائر وهو يعبر من صالة إلى صالة، أن الكيمونو الياباني «قضية» وليس مجرد قطعة قماش قليلة الخياطة. وهو تقليد محلي شعبي في حد ذاته، له شروطه وقواعده. كما أن لكل قطعة منه اسمها المختلف، وخياطته هي فن يطلب الكثير من المهارات. ولكل مرحلة من مراحل الخياطة قواعدها وقوانينها. ولكل لون أو نقش وظيفته ومغزاه. وهناك لكل موسم رداؤه، ففي الشتاء يكون الرداء وقماشه أكثر صرامة من الأقمشة الرقيقة في الصيف، ومن العقد المعقدة للحزام. ولكل سن رداء يناسبها، وكذلك لكل مناسبة. ففي الأعراس يفضل أن يخلو كيمونو من التطريز أو النقش كيفما اتفق. ومن نقوش الأعراس المفضلة الأزهار وأشجار الخوخ، لأنها ترمز للفأل الحسن للعروسين. ولأردية التجار نقوش وألوان تختلف عن أردية المحاربين..
ومهما كانت التنويعات التقليدية، فقد استلهم المصممون الفرنسيون وغيرهم هذا الرداء الياباني وبتنا نراه معروضاً في الواجهات، مع شيء من التبسيط في الطول والاتساع، لكي يتحول إلى ما يشبه السترة المفتوحة المريحة الخالية من الأزرار.
10:45 دقيقه
الأوروبيات يسرقن أزهار الربيع من «كيمونو» اليابانيات
https://aawsat.com/home/article/874951/%D8%A7%D9%84%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D9%8A%D8%B3%D8%B1%D9%82%D9%86-%D8%A3%D8%B2%D9%87%D8%A7%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%B9-%D9%85%D9%86-%C2%AB%D9%83%D9%8A%D9%85%D9%88%D9%86%D9%88%C2%BB-%D8%A7%D9%84%D9%8A%D8%A7%D8%A8%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7%D8%AA
الأوروبيات يسرقن أزهار الربيع من «كيمونو» اليابانيات
معرض للزي التقليدي الآسيوي يلهم مصممي باريس
ستة أنواع من ربطات الحزام - أردية كيمونو تتغير كل يومين للحفاظ عليها من النور والتلوث - صبغة النيل والطبيعة
الأوروبيات يسرقن أزهار الربيع من «كيمونو» اليابانيات
ستة أنواع من ربطات الحزام - أردية كيمونو تتغير كل يومين للحفاظ عليها من النور والتلوث - صبغة النيل والطبيعة
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

