هيو جاكمان لـ«الشرق الأوسط»:‬ أستطيع تحمل أي فشل مهني

الممثل والمنتج الأسترالي يفكر في «الإلياذة»... ويودع «وولفرين»

لقطة من «لوغان»  -  هيو جاكمان في دور «وولفرين»
لقطة من «لوغان» - هيو جاكمان في دور «وولفرين»
TT

هيو جاكمان لـ«الشرق الأوسط»:‬ أستطيع تحمل أي فشل مهني

لقطة من «لوغان»  -  هيو جاكمان في دور «وولفرين»
لقطة من «لوغان» - هيو جاكمان في دور «وولفرين»

عندما حطّ هيو جاكمان، في الخامس عشر من شهر فبراير (شباط) الماضي في مطار تيغل البرليني لكي يحضر فيلم الختام للدورة السابعة والستين لمهرجان برلين السينمائي الدولي، كان يحمل في يده، كما قال لي في اليوم التالي، سيناريو فيلم مأخوذ عن «إلياذة هوميروس».
«قرأتُ معظمه على الطائرة. هذا أفضل وقت للقراءة. وعندما أعود إلى لوس أنجليس عليَّ أن آخذ قراراً فيما لو كنت أريد أن أكون طرفاً في هذا الفيلم».
السيناريو نفسه، تحت عنوان «الإلياذة»، موجود على الطاولة بيننا. كتبه منذ عامين بيتر كريغ الذي كتب كذلك الجزأين الأول والثاني من «ألعاب الجوع»، لكنه أجرى عليه تعديلات آخرها في شهر سبتمبر (أيلول) الماضي:
«إنه سيناريو رائع عن مجموعة أشعار مذهلة فيما تتناوله من فكر وعاطفة في فترة من تاريخ الحروب الإغريقية. وإذا ما تمت معالجته جيداً فإن تخميني هو أنه سيكون من أفضل ما تم إنتاجه منذ فترة طويلة».
لدى هيو جاكمان سيناريوهات عدة غير هذا السيناريو معظمها ينتظر قراره. هناك ما سينتجه منها وهناك ما سيمثله. لكن وصل إلى برلين لحضور عرض فيلم الختام «لوغان» الذي هو آخر فيلم من بطولته، وتم افتتاحه يوم الخميس الماضي حول العالم بنجاح ملحوظ، إذ جمع في أيامه الثلاث الأولى 88 مليون دولار في كل من كندا والولايات المتحدة، ويتجاوز هذه الأيام سقف الـ180 مليون دولار حول العالم.
سيكون كذلك الفيلم التاسع والأخير من سلسلتي «رجال إكس» و«وولفرين» التي انبثقت عنها. بعد 17 سنة على تحقيق الجزء الأول سنة 2000 حيث شارك جاكمان البطولة مع هالي بيري وجيمس مارسدن وفامكي جانسن وإيان مكيلين وباتريك ستيوارت، آن الأوان للتوقف كما يقول جاكمان:
«أعتقد أنه الوقت الصحيح للتوقف عن هذه السلسلة، بالنسبة لي على الأقل وأنا سعيد إذ اختير الفيلم ليكون ختاماً لمهرجان برلين».
** نهاية مرحلة
* ما الدافع الحقيقي لاتخاذ القرار بالتوقف عن تمثيل السلسلة؟
- أشعر بأن الوقت صحيح لذلك. في كل مرّة مثلت فيها دور وولفرين (الرجل الذي ينقلب إلى ما يشبه الذئب) كنت أبحث عن جانب جديد لهذه الشخصية. وهذا يزداد صعوبة من فيلم لآخر لأن الشخصية من الشخصيات التي لا تمتلك هامشاً عريضاً تستطيع الانتقال فيه. لكني كنت دائماً حريصاً على أن أجد هذا الجانب وأعتقد أني فعلت ذلك. عندما التقيت والمخرج (جيمس مانغولد) لنبحث الفيلم كان سؤالي الأول له، كيف يمكن أن نقدم وولفرين جديد.
* قرأت حديثاً له يقول فيه إنكما أردتما تقديم جزء يدمج الترفيه بدراما جادة.
- تماماً. أردنا أن نقدم ما ينتظره منا الجمهور وفي الوقت نفسه أن يختلف هذا الفيلم عن الأفلام السابقة من هذه السلسلة. مثلاً، كيف سيبدو العالم في المستقبل، وما هو المنتظر من وولفرين في الغد؟ أي وولفرين وكيف يعمل على الحفاظ على نفسه وسط عالم جانح ومضطرب.
* هل تعتقد أن السلسلة قالت كل شيء يمكن قوله عن هذه الشخصية أو عن الشخصيات الأخرى فيه؟
- المسألة في نظري ليست هكذا. نعم، هو قال كل شيء أو ربما معظم ما يمكن الإتيان به من جديد، لكن المسألة هي إذا ما كان على الفيلم الأخير أن يقول هذا كل ما عندنا، تصبحون على خير. كنا على اتفاق على أنه يجب أن نختم شخصية وولفرين بفيلم لا يجيب عن كل التساؤلات. يترك الباب مفتوحاً مثل نهاية «غير المسامح» لكلينت إيستوود. أنهى مهمّته، وعاد إلى مزرعته، لكن ماذا بعد ذلك؟
* «غير المسامَح» كان نهاية ظهور كلينت إيستوود في أفلام الوسترن...
- رائع أنك ذكرت ذلك، لأن الحديث بيني وبين المنتجين والمخرج تطرق إلى نهاية مناسبة تشبه تلك التي في «غير المسامَح». لقد انتهت بذلك الفيلم مرحلة من حياة بطله ومخرجه، وهو استمرَّ بعد ذلك كممثل وكمخرج لكن «غير المسامَح» كان مثل أنشودة الوداع لمرحلة أخرى.
* هل من دواعي التوقف عن المسلسل الإجهاد البدني الذي عادة ما يصيب الممثلين في شخصيات «السوبرهيرو»؟
- على العكس. في الأجزاء الأولى من «رجال إكس» كنت مجهداً أكثر مما في الأجزاء التالية. أعتقد أنني لم أحقق الشخصية حسبما أريد. لم أستطع خلقها كما يجب أو كما أريدها أن تكون. لاحقاً أصبحتُ أشعر بأنني أفعل ذلك. تبلورت الشخصية من كل وجوهها، بما في ذلك المستوى البدني. هذه المرّة كنت مستعداً لأي جهد يُطلب مني وربما كنت مستعداً أكثر من أي وقت مضى.
** التنويع ضروري
* كل الإحصاءات الأولى تقول إن الفيلم مقدم على نجاح تجاري كبير... هل تعتقد ذلك؟
- نعم، أعتقد ذلك. لكن المفاجآت قد تقع ولن يكون الحق على الفيلم، لأنه فعلاً عمل جيد. انتظر حتى تراه.
* كان لديك نصيب من الأفلام التي فشلت نقدياً أو فشلت تجارياً. أي الفشلين أخف وطأة بالنسبة لك؟
- (يضحك). كونك وضعت السؤال على هذا النحو يجعل الجواب صعباً. لكن في العموم أستطيع تحمل أي فشل. من يعاني منه أكثر هو المخرج. هذا حدث مع دارن أرنوفسكي عندما أخرج «الينبوع». كان وقع ذلك عليه صعباً، لأنه أحب هذا الفيلم، وهذا لا يعني أن النقاد كانوا على حق أو أن الجمهور كان على حق. يعني أنه كان فيلماً جيداً لم يستحق، في رأيي، النتيجة التي نالها حين تم عرضه.
* هل تشعر بأن نجاح هذه السلسلة أدّى إلى رغبة الجمهور في مشاهدتك في مثل هذه الأدوار أساساً، وليس في أدوار درامية بعيدة؟
- نعم، هناك جزء من هذا الواقع، ليس معي وحدي بل مع كثير من الممثلين الذين يؤدون أدوارهم في مسلسلات ناجحة. هناك استعداد ربما أستطيع وصفه بالفطري موجود لدى غالبية الجمهور لمشاهدة أفلام من سلسلة «رجال إكس» أو «كابتن أميركا» أو سواها على أفلام أخرى لممثلين مشتركين في هذه الأفلام. لكن في الوقت ذاته التنويع ضروري، وإذا ما قرر الممثل التوقف عن لعب أدوار البطولة على هذا النحو، فإنها ليست النهاية على الإطلاق.
* شخصيات «رجال إكس» مبنية على رجال ونساء لديهم قدرات خارقة للعادة. أي قدرة خارقة للعادة تحب أن تكون لديك؟
- لا أحب أن أكون خارقاً للمعتاد على الإطلاق. لا أريد أن أكون خارقاً للطبيعة مطلقاً. لا أريد أن أطير ولا أريد أن أتحوّل إلى ذئب أو أن أجمد الأشياء أو أشعل النار فيها. أكثر ما لا أريده هو أن أكون قادراً على قراءة الأفكار.
* لماذا؟
- أعتقد أن الغموض شيء مهم جداً في حياتنا. عندما كنت صغيراً كنتُ شاباً نحيفاً للغاية. كان سؤالي الدائم هو ما رأي الناس بي. لم أكن أريد أن أفكر بذلك لكني كنت دائماً أفكر بذلك. لهذا أقول إن آخر ما أهتمّ به هو أن أقرأ تفكير الناس. أن أقتحم خصوصياتهم لمجرد أنني أريد أن أعرف ماذا يفكرون بي.
** الماضي والمستقبل
* كيف تصف فترة شبابك على نحو عام؟
- لم يكن مميزاً كثيراً. كنت كسواي من المراهقين، لكني ربما كنت من بين الذين يسعون لاستكمال ثقافتهم في الحياة خارج المدرسة وليس فيها. لا أريد لأولادي ذلك، لكن هذا ما حدث معي. لم أحفظ الكثير مما تعلمته في المدرسة.
* هل التمثيل من بين ما تعلمته من الثقافة العامّة بعيداً عن المدرسة؟
- أعتقد ذلك، لكن لا بد لي أن أذكر أنني، على سبيل المثال، لم أكن أحفظ دروسي إلا في الدقائق الأخيرة قبل تأديتها. فزت في معظم امتحاناتي من دون تحضير مسبق. أقرأ سريعاً الدرس المطلوب مني تأديته وأحفظه سريعاً. هذا ولد عندي ثقة عندما بدأت التمثيل. إذا تم تغيير السيناريو وحواره في الساعات الأخيرة لا أنزعج... كوول... سأحفظ الحوار الجديد وألقيه في الوقت المناسب.
* تذكرت أنني قرأت أن أحد أسباب عزوفك عن متابعة مسلسل «وولفرين» أو «رجال إكس» تعرضك للإصابة بسرطان الجلد. صحيح؟
- الصحيح هو أنني أصبت به. هو أخف أنواع السرطان ومن الأنواع السهلة في التغلب عليه. لكن هذا لا علاقة له بالفيلم أو بالسبب الذي من أجله قررت أن يكون فيلمي الأخير.
* هذا الفيلم يأخذنا إلى المستقبل، لكن أي فترة تاريخية تتمنى لو كان بإمكانك زيارتها؟
- وُلدت سنة 1968. بالتالي أنا ابن الثمانينات فعلاً. ابن أفلام وموسيقى ومجتمع الثمانينات. لكن شخصية وولفرين سبعيناتية. هو نتيجة البيتلز ولد زبلينغ والرولينغ ستونز. إنه من الأشخاص الذين يتمنون لو أن العالم كله يقف عند السبعينات.
* هذا ما أتمناه بدوري.
- (يضحك) لكنك تعلم أن هذا مستحيل.
* ماذا عن المستقبل؟ هل تحب أن تزوره أو تعيش فيه؟
- أحب كثيراً أن أنتقل إليه كزيارة أو ربما للعيش إذا كان مسموحاً لي باصطحاب عائلتي معي. أفكر في كل المنجزات التي سيمتلكها الإنسان في الغد. هذه فانتازيا مثيرة.
* هل تعتقد أن الغد على هذه الصورة مضمون؟
- لا أدري. أتمنى جداً أن يكون أفضل من الحاضر واعتقد أن الحاضر، رغم كل ما فيه من مشكلات، هو أفضل من الأمس.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».