أسبوع باريس لخريف 2017 وشتاء 2018 يتبنى القضية النسوية

تصاميم تضمن للمرأة استقلاليتها وتحفظ لها حقوقها المهددة

من عرض جون غاليانو لـ«ميزون مارجيلا» - من اقتراحات بشرى جرار مصممة دار «لانفان» - من عرض «سيلين» - من عرض «كلوي» - من عرض «سان لوران» وتصميم فاكاريللو
من عرض جون غاليانو لـ«ميزون مارجيلا» - من اقتراحات بشرى جرار مصممة دار «لانفان» - من عرض «سيلين» - من عرض «كلوي» - من عرض «سان لوران» وتصميم فاكاريللو
TT

أسبوع باريس لخريف 2017 وشتاء 2018 يتبنى القضية النسوية

من عرض جون غاليانو لـ«ميزون مارجيلا» - من اقتراحات بشرى جرار مصممة دار «لانفان» - من عرض «سيلين» - من عرض «كلوي» - من عرض «سان لوران» وتصميم فاكاريللو
من عرض جون غاليانو لـ«ميزون مارجيلا» - من اقتراحات بشرى جرار مصممة دار «لانفان» - من عرض «سيلين» - من عرض «كلوي» - من عرض «سان لوران» وتصميم فاكاريللو

انتهت دورة الموضة لخريف 2017 وشتاء 2018 في باريس بعد شهر حافل بدأ في نيويورك وانتقل إلى لندن ثم ميلانو. شهر لم تثًر فيه الموضة على السياسات التفريقية فحسب، بل ثارت فيه حتى على نفسها وعلى الصورة النمطية التي رسمتها في الأذهان لعقود طويلة. فإلى جانب أنها احتفلت بالبدانة بشكل واضح في عروض عدة، فإنها تبنت لأول المرة الحجاب بالاستعانة بعارضة أزياء من أصول مسلمة، وأيضا بالمرأة المتقدمة في السن، فيما لم يكن يخطر على البال قبل ثلاث سنوات مثلا.
وإذا كانت تفاصيل القصة في نيويورك سياسية حُبكت كردة فعل على قرارات دونالد ترمب، وفي لندن اقتصادية؛ تحسبا لقُرب خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وفي ميلانو إنسانية بسبب أزمة اللاجئين، فإنها في باريس تركزت على حقوق المرأة ومحاولة الحفاظ على ما اكتسبته عبر العقود. ظهر هذا التوجه منذ اليوم الأول مع كل من أوليفييه تيسكينز وجاكوموس و«سان لوران» وتعزز في عروض كل من «لانفان» و«ديور» وغيرهما. سبب هذا التركيز هو الخوف على استقلالية المرأة ومُكتسباتها في وقت تظهر فيه بوادر تراجع وسحب لبعض هذه الحقوق. ولعل ماريا غراتزيا تشيوري كانت أكثر من عبر عن هذا الخوف وضرورة تكاثف الجهود لمحاربة كل المحاولات الرامية إلى إعادة المرأة إلى بداية القرن الماضي. فقد أهدت الحضور منديلا وضحت فيه رأيها هذا. وتجدر الإشارة إلى أن تشيوري بدأت حملتها النسوية في الموسم الماضي، وكل ما في الأمر أنها زادت الجرعة هذا الموسم برفعها شعارات مماثلة تطالب فيها بذوق رفيع بحقوق المرأة ومساواتها مع الرجل في الحياة الاجتماعية والسياسية.
وإذا كانت المصممات، من تشيوري، مصممة دار «ديور»، وفيبي فيلو مصممة «سيلين» وبُشرى جرار، مصممة «لانفان» عبرن عن آرائهن بشكل مباشر، فإن همّ بعض المصممين الآخرين، انصب على ضمان أناقتها وأنوثتها. من هؤلاء نذكر أنطوني فاكاريللو الذي قدم في اليوم الأول من الأسبوع ثاني تشكيله له لدار «سان لوران» كانت مفعمة بالإثارة، رغم افتقادها الجديد بالمعنى الثوري. فقد اكتفى بالنغمة نفسها التي عهدناها إلى حد ما في عهد هادي سليمان، وهي نغمة ترقص على أضواء الديسكو وتغازل الجيل الجديد أولا وأخيرا. كل ما في الآمر، أنه أضاف إليها جرعة عصرية تجلت في الفتحات العالية والتنورات القصيرة جدا والكشاكش، في حين حافظ على روح الثمانينات التي ظهرت في الأكتاف والأكمام المنفوخة، كما في الألوان المعدنية.
أما المصمم أوليفييه تيسكينز فرسم صورة بورجوازية أنثوية باللون الأسود في أول تشكيلة تحمل اسمه الخاص. كانت غنية بالفساتين المحددة على الجسم والجاكيتات المفصلة والمشدودة بحزام لتحديد الخصر، نسقها مع تنورات حينا ومع بنطلونات ضيقة حينا آخرا. في المقابل، تبنى جاكوموس جرأة أكبر من خلال أشكال وخطوط تتميز بأكتافها العريضة وأكمامها المُبتكرة، مع احتفال واضح بالخصر المشدود مثله مثل تيسكينز.
اللافت طوال أسبوع تعالي نغمات من حقبة الثمانينات في الكثير من العروض. وسواء كان الأمر مدروسا ومتعمدا أم مجرد صدفة، فإن دلالات هذا التوجه تستحضر التغيرات التي شهدتها المرأة في هذه الفترة التي شهدت اقتحامها مجالات عمل كانت حكرا على الرجل من قبل، وترجمتها الموضة بالتايورات المفصلة والأكتاف الصارمة. ويبدو أن تأثيرها هذا العام لم يقتصر على الأكتاف وامتد إلى ربطات العنق. فقد ظهرت في عروض كل من «التو» الدار الفنلندية و«جوروني» و«فيكتوريا وتوماس»، حيث أخذت ربطات العنق أشكالا وألوانا عدة في محاولة لتأنيثها من دون إلغاء ما تعنيه من قوة وجدية. الثلاثي وراء ماركة «جور - ني» مثلا نسقوها مع جاكيتات سموكينغ وتايورات بسترات بصف أزرار مزدوجة أو بفساتين قصيرة «ريترو». أما توماس ميريكوسكي، مصمم دار «التو» فتقيد بالأسلوب الكلاسيكي وربطها مع تايورات مقلمة أضفت على العارضات مظهرا ذكوريا لا يمكن تبريره سوى بأنه محاولة لتسليح المرأة بالقوة حتى تُثبت نفسها من جديد، بعد أن ظنت أنها حققت ذلك ولم تعد في حاجة إلى ذلك. فيكتوريا فيلدما وتوماس بيرزين مصمما ماركة «فيكتوريا وتوماس» لم يُخفيا نيتهما في توفير أزياء عصرية للمرأة استوحياها من أساسيات رجالية، وقالا إن «كل ما قمنا به أننا جعلناها مناسبة لمقاييسها الجسدية». ترجمتهما كانت أنهما تركاها مفتوحة ومنسدلة على الجانبين عوض عقدها بالأسلوب الكلاسيكي المتعارف عليه. لكن لا يمكن أن ننسى أن اليوم الأول في كل أسابيع الموضة يكون عادة بمثابة «تسخين» وتحضير لما هو آت؛ فالإيقاع لا يزداد قوة سوى بعد اليوم الأول أو الثاني. وهذا ما حصل تحديدا.
في اليوم الثاني مثلا كان اللقاء مع «ميزون مارجيلا» و«لانفان» ودريز فإن نوتن» وفي الثالث كان مع «بالمان» و«باكو رابان» وفي الرابع مع «ديور» وهكذا.
مجرد الإشارة إلى «ميزون مارجيلا» تجرنا للحديث عن جون غاليانو، مصممها الحالي. فهو يقفز إلى الأمام بخطوات واسعة ليؤكد للعالم بأنه تصالح أخيرا مع وضعه وتأقلم مع أسلوبها. أمر لاحظناه في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي خلال أسبوع الـ«هوت كوتير» وتأكدنا منه في الأسبوع الماضي. فقد نجح في صهر قدراته الإبداعية مع قدراتها الاختبارية ليُبدع تشكيلة ذكرتنا بالذي مضى وبالأيام التي كان يُتحفنا فيها بنظرته الفنية. أيام لا تزال الغالبية منا تتحسر عليها؛ لأنه كان من قلة تُؤمن بأن الموضة فن أولا وأخيرا. ومع ذلك لا يختلف اثنان أن بدايته في «ميزون مارجيلا» شهدت تخبطا خفيفا لم يدم سوى فترة قصيرة لحسن الحظ، حيث تبلور أسلوبه بشكل يشير إلى أنه استرجع ثقته بنفسه بعد صدمة خروجه من «ديور» مطرودا. تشكيلته الأخيرة تشهد على هذه الثقة بألوانها وتصاميمها، واللافت فيها أنها أيضا تتمتع بجانب تجاري.
من الأحداث المهمة التي شهدها الأسبوع عرض المصممة البريطانية كلير وايت كيلر لـ«كلوي». فقد كان آخر عرض تقدمه للدار الفرنسية. والطريف فيه وجود المغنية المخضرمة ماريان فايثفول بين نجمات كثيرات، فما بدا غريبا ونشازا إلى حد ما بالنظر إلى أن التشكيلة كانت تخاطب شريحة الشابات أكثر، ولم يكن فيها الكثير مما يمكن أن يناسب جيل ماريان فايثفول. إلى جانب التنورات والفساتين التي تجلس فوق الركبة، كانت هناك أيضا قمصان بياقات تُعقد على شكل فيونكات بأكمام منفوخة، فضلا عن نقشات «بايزلي» أو طبعات ورود وكائنات طبيعية أخرى. كل ما فيها كان يشي بالانطلاق فيما فاحت من بين ثنياتها وجوانبها رائحة البراءة لأن المصممة وجهتها لبنات زبوناتها. وربما أرادت أيضا أن تكون الخاتمة بالنسبة لها مجرد بداية لفصل جديد ستكتبه دار «كلوي» من بعدها، لهذا لعبت على بعض المعالم المألوفة مثل الرومانسية والخطوط المنسدلة والأحجام الناعمة. نقطة الاختلاف فيها أنها جاءت تتأرجح بين الـ«سبور» والذكوري فيما يمكن اعتباره توجه سائد في الكثير من العروض الباريسية لخريف 2017 وشتاء 2018.
فبشرى جرار أيضا لعبت على الذكوري والأنثوي في ثاني تشكيلة تقدمها لدار «لانفان». صحيح أن التركيز فيها كان على مناسبات السهرة والمساء من خلال تصاميم بتفصيل ناعم وألوان محدودة تتباين بين الأبيض الكريمي والأسود والقليل من الوردي الخفيف، فإنها كانت تضج بالقوة. فكعادتها استعرضت المصممة المغربية الأصل مهارتها في التفصيل من خلال مجموعة من البنطلونات عالية الخصر والتنورات المستقيمة، إضافة إلى مجموعة من الجاكيتات المفصلة زينتها بالكشاكش والتول والتطريز حتى تزيد من جاذبيتها.
اليوم الرابع من الأسبوع كان يوم ماريا غراتزيا تشيوري بلا منازع. فقد قدمت لـ«ديور» لوحات فنية متنوعة كان القاسم المشترك بينها هو اللون الأزرق. فقد قرأت بالصدفة مقولة كتبها كريستيان ديور في عام 1947 يصف فيها هذا اللون بأنه المنافس الوحيد للأسود. وبما أنها تعشق اللون الأسود وتُدمنه في حياتها الخاصة، فإن هذه المقولة على بساطتها، ألهمتها أن تلعب على هذا اللون وتستعمله أساسا لبناء تشكيلة قوية من الناحية التجارية. ورغم أنها ليست أول من تقدم تشكيلة مكونة من عشرات الاقتراحات بلون واحد، فقد سبقها إلى ذلك فالنتينو غارافاني حين قدم تشكيلة كاملة باللون الأبيض، وإيلي صعب عندما قدم تشكيلة كاملة باللون الذهبي تحية لبيروت، فإنها ربما تكون الأكثر جرأة لأنها تلعب برموز دار ليست ملكها. وهذا يعني أن المحاذير أكبر ويمكن أن تُكبل يديها وخيالها. ما يُحسب لها أنها درست الموضوع من كل الجوانب حتى تأتي النتيجة مُرضية على الصعيدين الإبداعي والتجاري، علما بأنه من الظُلم الحكم على ماريا تشيوري، وما إذا كانت نجحت في فهم شخصية الدار الفرنسية أم لا لأنها لا تزال جديدة عليها. المهم في الأمر أنها تجتهد لكي تفهمها وتجعلها مناسبة لجيل بناتها. فهذا الجيل مثلا يميل للألوان لأنها ضرورية لكي تأتي الصورة التي ينشرها على صفحات وسائل التواصل الاجتماعي موفقة. فقد تكون للأسود جماليات كثيرة، لكنه لا يخدم الصورة مقارنة بالألوان المتوهجة والنقشات المتضاربة. من هذا المنطلق قد يكون الأزرق حلا وسطا يُرضي كل الأطراف، ولا سيما أن الخطوط الغالبة في تشكيلتها الأخيرة «سبور» وهو ما سيُقربها أكثر من هذا الجيل. بالنسبة للمصممة الإيطالية، فإن الأزرق قبل أن يكون منافسا للأسود في عالم الأناقة ومناسبات السهرة والمساء، هو أيضا لون المساواة. فهو الزي المدرسي مثلا، كما أنه زي البحارة والطبقات البروليتارية؛ الأمر الذي يمنحه عملية ويجعله أداة مهمة في حملة ماريا غراتزيا تشيوري النسوية؛ إذ «ليس هناك شيء يعبر عن المساواة في الحياة من الزي الموحد» حسب قولها. وتضيف أن للألوان لغة قوة ودلالات لا يُستهان بها. فهي تُستعمل للتفريق بين الجنسين مثلا، بدليل أن «الأزرق يرتبط بالذكور منذ ولادتهم، بينما يرتبط الوردي بالإناث» عدا أنه «يعبر عن الأحاسيس والمزاج، سواء تعلق الأمر بالحزن أو بصفاء النفس».
أكثر ما برهنت عليه ماريا غراتزيا تشيوري في وقت وجيز، كأول مصممة فنية تدخل «ديور» أنها عقلانية وتعرف حدودها. فقد لا تكون مطالبة ببيع مبادئها والتنازل عنها، إلا أنها مطالبة ببيع الأزياء والإكسسوارات التي تقدمها. بعبارة أخرى، فإن دورها الأساسي في الدار، ليس تغذية نرجسيتها أو خدمة آراءها الشخصية بقدر ما هو خلق توازن بين وجهة نظرها وبين إرث الدار. وهذا تحديدا ما أكدته باعتمادها على إكسسوارات وتفاصيل مُبهرة، البهارات تُخفي بين طياتها إبداع يسهل تسويقه للعالم لأن. إبداع يبدو بسيطا بملامحه الـ«سبور»، لكنه يتضمن ذوقا رفيعا يظهر في كل قطعة وإن كانت مجرد «تي - شيرت» كتبت عليه كلمة حب أو جُملة تعبر عن التكاثف.
لم يكن عرض «سيلين» مناسبا لمن يصاب بالدوران بسهولة، لكن كان مناسبا لكل أنيقات العالم بغض النظر عن أعمارهن وجنسياتهن. ما إن بدأ حتى شعر الحضور بحركة غير عادية. فالمدرجات التي جلسوا عليها بدأت تدور بشكل دائري وببطء شديد لتصل مع نهاية العرض إلى نقطة البداية. فكرة المصممة فيبي فيلو كانت رسم صورة لامرأة قوية ومستقلة وواثقة من زوايا عدة؛ وهو ما تجسد في هذه الحركة كما في مشية العارضات، اللواتي كن يتحركن بسرعة في كل الجهات، أحيانا فرادى وأحيانا جماعات. كانت هناك بلبلة لذيذة تجعلك تتساءل إن كان الزي نفسه قد تكرر أمام ناظريك مرتين أو ثلاثا، أم أن الأمر مجرد تشابه وخلط بين الأمور بسبب دوران الكراسي؟... لكن مع ذلك تخرج بنتيجة أن ما قدمته فيبي فيلو كان قويا رغم أنها لم تقدم جديدا يختلف عما تقدمه عادة. ومع ذلك، فإن لا أحد يُنكر أن تشكيلتها للخريف والشتاء المقبلين تتمتع بترف كلاسيكي وتفصيل عال، وبابتكار واضح في التفاصيل والأحجام. لسان حالها كان يصرخ بأن امرأتها كانت ولا تزال مستقلة وواثقة؛ ما يجعلها واحدة من المصممات العضوات في الحملة النسوية التي تشهدها الموضة حاليا. الفرق بينها وبين غيرها أنها متمرسة في توظيف تصاميمها للحياة اليومية. وهذا ما ظهر في كل قطعة منفصلة اقترحتها، سواء كان معطفا من الصوف أو كنزة مقلمة، أو «تي - شيرت» بسيط أو بنطلون بسحابات يظهر من تحته حذاء أبيض بكعب لا يقل ابتكارا عن الأكتاف التي ظهرت في الأزياء. كانت هناك أيضا مجموعة تظهر فيها العارضات بتايورات «توكسيدو» وهن يحملن ما يشبه بطانيات صوفية وكأنهن يُردن التذكير بأن امرأة اليوم دائمة السفر والترحال. ورغم أن الثقة والاستقلالية كانتا دائما سمة لصيقة بفيبي فيل، بل يمكن القول إنهما ماركتها المسجلة، فإنهما اكتسبا هذا الموسم دلالات تتماشى مع رسالة الأسبوع الداعية لاستكشاف الحياة وخوض غمارها بكل ما أوتيت المرأة العصرية من أسلحة أنيقة. كل ما في الأمر، أنها أضافت إلى هذه الرسالة أنه أصبح لزاما على المرأة ألا تتوقف في مكانها؛ لأن الحياة تتطلب الاستكشاف من كل الزوايا والاتجاهات.



صراع المعايير بين الموضة والإعلام...من يفرض صورة المرأة المثالية؟

النجمة ديمي مور في حفل «فانيتي فير» الأخير بوجه نحتته إجراءات تجميلية وجسد نحيل (أ.ف.ب)
النجمة ديمي مور في حفل «فانيتي فير» الأخير بوجه نحتته إجراءات تجميلية وجسد نحيل (أ.ف.ب)
TT

صراع المعايير بين الموضة والإعلام...من يفرض صورة المرأة المثالية؟

النجمة ديمي مور في حفل «فانيتي فير» الأخير بوجه نحتته إجراءات تجميلية وجسد نحيل (أ.ف.ب)
النجمة ديمي مور في حفل «فانيتي فير» الأخير بوجه نحتته إجراءات تجميلية وجسد نحيل (أ.ف.ب)

هذا العام، غُبن اليوم العالمي للمرأة إلى حد ما. لم يحظَ باحتفالات تليق بما تحققه من إنجازات، ولم تُفتح لها المنابر بما يكفي للتنديد بما تعانيه من نكسات والمطالبة بتصحيحها. فقد غطى التصعيد الأميركي الإيراني على نشرات الأخبار فتوارى الحدث خلف دخان حجب السماء وأعتم النهار.

لكن هذا لا يعني أنه لم تكن هناك محاولات إيجابية، ولو خجولة، لإبقاء الشعلة النسوية متقدة طوال الشهر مع تسليط الضوء على قضايا قديمة عادت لتشتعل من تحت الرماد بعد أن خُيِل للجميع أنه قُضي عليها. والمقصود هنا تحديداً تلك النظرة التي لا تنفصل عن جسد المرأة وتضعها تحت ضغوطات شتى.

فمنذ قرون، وهذا الجسد ساحة تُسقِط عليها المجتمعات تصوراتها عن الجمال والهوية والرغبات. من التماثيل الحجرية إلى منصات عروض الأزياء ومناسبات السجاد الأحمر، ومن لوحات كبار الفنانين إلى وسائل التواصل الاجتماعي، تغيَر شكل «المرأة المثالية» مراراً، وفي كل مرة يترك أثراً عميقاً في اللاوعي الفردي والجمعي على حد سواء.

الممثلة آن هاثاواي تلقي خطابا في الأمم المتحدة في اليوم العالمي للمرأة (أ.ف.ب)

في القرن الواحد والعشرين، تؤكد حالة النجمة ديمي مور أن هذه الإشكاليات النسوية لا تزال قائمة، بعد أن ظهرت مؤخراً بمظهر غيَّر ملامحها ووزنها بشكل مقلق تلبية لإملاءات هوليوود والموضة. حالتها ليست منفردة، فهي تختصر الضغوطات الخارجية وحالات التنمر التي تتعرض لها المرأة عموماً، إلى جانب خوفها من الإقصاء.

علاوة على ذلك، أفاد استطلاع بريطاني تم إجراؤه على مجموعة من الفتيات حديثاً، أنهن يشعرن بأن المجتمع يحكم عليهن بناء على مظهرهن أكثر من قدراتهن وكفاءاتهن. هذا الإدراك المبكر يربط القيمة بالهيئة، ويجعل أي انحراف عن الشكل المرسوم من قبل جهات خارجية، سواء هوليوود أو الموضة أو وسائل الإعلام، مصدر قلق على الصحة النفسية والجسدية، لا سيما عندما تتحول إلى شبه إدمان. فالنجاح في الكثير من الأوساط لا يزال يرتبط بالجمال، وليس أدل على هذا من مظهر السياسيات الجمهوريات في حكومة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بينما أصبح يعرف بوجه «مارا لا غو»: وجه مشدود، وابتسامة هوليوودية، وشعر أشقر، وماكياج واضح. كلما تقيَّدن بشروط جمال معيَن، ارتفعت فرصهن للحصول على مناصب مهمة.

أوبرا وينفري عانت لعقود طويلة من الوزن الزائد واعترفت أخيراً بأنها تدين برشاقتها للأدوية (أ.ب)

لكن هل هذه الصورة الجمالية جذابة فعلاً؟ سؤال صعب لأن الجمال في عين الناظر. لكن الخوف هنا لا يتعلق بالإجراءات التجميلية بل بالنحافة المفرطة، التي أصبحت سمة من سمات نجمات مثل أريانا غراندي، وديمي مور، وكيلي أوزبورن ومايلي سايروس وحتى أوبرا وينفري وغيرهن كثيرات. فمن لا يتذكر استماتة أوبرا وينفري لإنقاص وزنها بكل الوسائل. قهرت كل الصعاب التي مرَّت بها، لكن هاجس الرشاقة ظل يؤرقها لخمسة عقود تقريباً. ورغم أنها جرَّبت كل الحميات، لا تزال لحد اليوم تحارب من أجل الرشاقة. لهذا ليس غريباً أن يتوسَّع الأمر ليشمل المرأة العادية التي تتخذ من هؤلاء النجمات قدوة تحتذي بها.

نيكول كيدمان لدى حضورها عرض «سكياباريلي» للهوت كوتور (سكياباريلي)

النجمة ديمي مور لها تجارب متكررة مع شكلها. سبق واعترفت بخضوعها لعدة إجراءات تجميلية شملت أجزاء مختلفة من جسدها بما في ذلك ركبتيها. المفارقة أن مور نفسها تحدّثت علناً عن معاناتها السابقة مع صورة الجسد، وكيف أن كل الإجراءات التي خضعت لها لم تمنحها سوى سعادة مؤقتة. خلال الترويج لفيلمها «ذي سابستانس» The Substance، الذي جسَّدت فيه شخصية نجمة تجري وراء الشباب الدائم، تحدثت عن تجربتها في التسعينيات، حين كانت نحافة المرأة معياراً أساسياً للنجاح. وروت كيف تحوَّل التدريب الرياضي الصارم خلال تصوير فيلم «A Few Good Men» إلى هوس، وكيف دخلت في علاقة غير صحية مع الطعام استمرت حتى انتهائها من فيلم G.I.Jane. لاحقاً تحدثت عن لحظة وعي دفعتها إلى التصالح مع ذاتها، وكيف أنها لم تعد تعيش علاقة «عدائية» مع جسدها، بل تركز على النوم والتأمل وكتابة يومياتها، وتتبنى نظاماً غذائياً متوازناً.

ديمي مور في واحدة من إطلالاتها الأخيرة بعد التجميل والتنحيف (رويترز)

غير أن هذا التصالح مع الذات لم يدم طويلاً بالنظر إلى صورها في كل من ميلانو وباريس حديثاً. كان مظهرها مثيراً بباروكة بقصة «كاري». كانت الإجراءات التجميلية مُوفَقة إلى حد كبير، وفق قول د. خيسوس أوليفاس مينايو، المدير السريري ومدير المعهد البرتغالي لـ«الليبيديما»: «عند مقارنة صورها الحديثة بصورها قبل عدة سنوات، يبرز مدى الشد في ملامح وجهها، بحيث يبدو خط الفك أكثر تحديداً، والجلد أكثر تماسكا، كما تبدو ملامح الوجه بشكل عام أكثر نحتاً وتناسقاً». لكنه يضيف أن «تقلبات الوزن وإنقاصه بشكل كبير يمكن أن تؤثر على الوجه. فعندما تنخفض دهونه، تبرز البنية العظمية، غير أنها في الوقت ذاته تسبب ترهل الجلد أو ظهور فراغات، خصوصاً حول الجزء السفلي من الوجه وخط الفك. وغالباً ما يبدأ المرضى في هذه المرحلة بالبحث عن علاجات تعيد دعم البنية وتشد الجلد».

إطلالة ديمي مور تظهر فيها بنحافة مفرطة (أ.ف.ب)

الخوارزميات ودورها

وبغض النظر عن وجه ديمي مور وجمالياته، فإن جسدها النحيل بعظامه البارزة، أكثر ما أثار القلق وأدَّى إلى فتح ملفات قديمة اعتقد الجميع أنها طُويت للأبد.

فبعد أكثر من عقد من المناداة بالتنوع الجسدي وتقنين ظهور عارضات «أنوركسيات» على منصات عروض الأزياء، وسنوات من انتشار عبارات مثل «إيجابية الجسد» و«التصالح مع الذات» منحت نساء كثيرات الشجاعة على الظهور بأجساد لا تنتمي إلى القالب النمطي السابق، عاد الضغط ليطفو على السطح مرة أخرى. السبب على ما يبدو توفر وانتشار حقن «الأوزمبيك» و«مونجارو» في أوساط النخبة، مما جعل الخيط بين استعمالها لأسباب صحية أو فقط للحصول على الرشاقة رفيع للغاية. مؤخراً بدأت تنتشر محتويات على تطبيقات الـ«تيك توك» و«الإنستغرام» تمجِّد الرشاقة، بعناوين مثل «ماذا آكل في يومي»، و«كيف أفقد وزني» ونصائح حول «التنظيف الغذائي» وما شابه من آخر الحميات. كل هذا مرفوق بصور لأجساد نجمات وشخصيات معروفة تتراوح بين الرشاقة والنحافة. فهن دائماً ورقة رابحة في كسب التفاعلات. من هذا المنظور، تم تداول صور ديمي مور بفستان أسود من دون أكتاف بشكل مُكثَّف حوَل الحديث من ترشيحها عن مسلسل «لاندمان» إلى نحافتها، وما إذا كانت تعاني من مشكلة صحية أو تستخدم أدوية لإنقاص الوزن.

كيلي أوزبون أثارت مؤخرا موجة من القلق على صحتها بعد ظهورها بنحافة مفرطة (أ.ب)

أليكس لايت، مؤلفة كتاب «لستَ صورة (قبل): كيف تتصالحين مع جسدك أخيراً وإلى الأبد» You Are Not a Before Picture: How to Finally Make Peace with Your Body, for Good تقول إن هناك ارتفاعاً ملحوظاً في المحتوى الذي يروِج لثقافة النحافة على الإنترنت. أحياناً بطرق غير مباشرة، تحت مسميات «العافية» و«الانضباط» و«الأهداف الصحية اللطيفة»، لكن النتيجة واحدة وهي إعادة إنتاج «فكرة أن الجسد مشروع للتحسين والتصليح». وتوضح لايت أن أحد أهم الأسباب في انتشار هذه الظاهرة، أن الخوارزميات لا تكافئ المحتوى المتزن والمتوازن، بينما تكافئ الصور الصادمة والدراماتيكية. هذه الخوارزميات تُفسر أيضاً سبب عودة بعض المؤثرين الذين بنوا شهرتهم على خطاب حب الذات، لعرض تجارب مرتبطة بخسارة الوزن. لكن السؤال الجوهري بالنسبة لأليكس لايت هو «من يستفيد من الترويج لهذه النحافة؟» الإجابة بالنسبة لها غالباً ليست الفرد، بل صناع حميات تدر عليهم المليارات من الدولارات.

مسؤولية الموضة

ورغم أنها لم تُشر بأصابع الاتهام لصناعة الموضة فإن هذا لا يستثنيها. في تصريح سابق للمصممة البريطانية ستيلا مكارثني حول هذا الموضوع قالت إنها تُحمِل الموضة جزءاً كبيراً من المسؤولية. وهي على حق لأن نظرة على تاريخ الموضة تُثبت أنها في كل حقبة ترسخ نموذجاً جمالياً نحيلاً داخل اللاوعي، من خلال صور الإعلانات وعروض الأزياء والحملات المصورة، بغض النظر عما تجره من نتائج كارثية.

تتحمل الموضة جزء كبير من المسؤولية في الترويج للنحافة (ديور+ فندي)

قوانين صارمة ولكن

في الثمانينيات وبداية التسعينيات من القرن الماضي روَجت لمظهر «هيروين شيك» تظهر فيه العارضات بشكل «أنوريكسي» للغاية، الأمر الذي أثار قلقاً تداعى صداه في كل العالم في عام 2007 إثر وفاة إيزابيل كارو وهي عارضة أزياء فرنسية سابقة عن عمر يناهز 28 عاماً بسبب مرض فقدان الشهية. لم تكن إيزابيل حالة فردية إذ تعرضت عارضات أخريات إلى نفس المصير، بسبب ضغوطات تفرض عليهن فقدان أوزانهن بشكل مبالغ فيه.

بعد أن دقَّت الجهات الصحية نواقيس الخطر، وتسرَّب الخوف في النفوس من تأثيرات هذه الصور على صغار السن، حاول قطاع الموضة أن يُغيِر جلده ويحتضن الاختلاف. لكنه واجه مقاومة من قبل بعض المصممين، فتدخلت الحكومات على الخط، لتنص قوانين تُجرِم التعاون مع عارضات نحيفات بشكل مفرط أو صغيرات السن، وفرضت غرامات على وكالات الإعلان أو دور الأزياء في حال عدم التزامهم بهذا القانون، حسبما قالته وزيرة الصحة الفرنسية ماريسول تورين آنذاك. وقال الفرنسي أوليفييه فيران البرلماني الاشتراكي الذي صاغ التعديلين إن القانون سيفرض فحوصات منتظمة وغرامات مالية، وأضاف أنه سيتعيَن على العارضات تقديم شهادات طبية تظهر مؤشراً لكتلة الجسم لا يقل عن 18 - أو نحو 55 كيلوغراماً لطول قدره 1.75 متر - قبل التعاقد معهن. في عام 2017 أصبح لزاماً على العارضات الحصول على شهادة طبية إلزامية لمزاولة المهنة، في حين وقَّعت مجموعتا السلع الفاخرة «إل في إم إتش» و«كيرينغ» في العام نفسه وثيقة تلزم بإلغاء المقاس 32 كشرط للتقدم الاختبار الأداء للعارضات.

مع مرور الوقت تبيَّن أن معظمها مجرد إجراءات نظرية. فالمصممون يُفضلون ابتكار أزياء للأجسام الرفيعة والمقاييس الصبيانية. فكلما خلَّت هذه الأجساد من أي تضاريس أو منحنيات تُبرز جمال التصاميم أكثر. كما أن إنتاج وبيع الملابس بقياسات كبيرة إلى جانب أنه مكلف بالمقارنة، يتطلب مهارة أكبر ليأتي بالشكل المطلوب.

تعرضت المغنية أديل للتنمر بسبب وزنها الزائد في الماضي قبل أن تكتسب رشاقتها الحالية (غيتي)

حرب لاغرفيلد على البدانة

المصمم الراحل، كارل لاغرفيلد كان واحداً ممن أعلنوا الحرب على الوزن الزائد. عانى منه هو شخصياً لسنوات، قبل أن يتبع ريجيماً قاسياً قال إنه نبع من رغبته في ارتداء تصاميم هادي سليمان، مصمم دار «ديور» في القسم الرجالي، الذي طرح أول تشكيلة له في عام 2001، عبارة عن تصاميم رشيقة للغاية لا تناسب الرجل الممتلئ، فما البال بالسمين؟ كارل لاغرفيلد لم يكتفِ بهذا، بل استعمل كلمة «بدينة» لوصف المغنية أديل، مضيفاً أن كل من تنتقد رأيه أو لها رأي مخالف عن النحافة هي «امرأة كسولة ومتكاسلة».

صورة أرشيفية تعود إلى عام 2025 لديمي مور (إ.ب.أ)

المشكلة أنه حتى المرأة باتت مقتنعة بما تُمليه الموضة، مما جعل النيات الطيبة لفك ارتباط هذه الصناعة بالعارضات النحيفات ضعيفة، بدليل الصور التي باتت تطالعنا مؤخراً في عروض الأزياء وتُعزِزها صور نجمات هوليوود مثل ديمي مور ونيكول كيدمان وغيرهما.


جون غاليانو و«زارا»: هل ستنتقل عبقرية المسرح إلى شارع الموضة؟

المصمم و«زارا» سيجمعان عالمين مختلفين في لغة الخطاب والأدوات الفنية (موقع زارا - أ.ف.ب)
المصمم و«زارا» سيجمعان عالمين مختلفين في لغة الخطاب والأدوات الفنية (موقع زارا - أ.ف.ب)
TT

جون غاليانو و«زارا»: هل ستنتقل عبقرية المسرح إلى شارع الموضة؟

المصمم و«زارا» سيجمعان عالمين مختلفين في لغة الخطاب والأدوات الفنية (موقع زارا - أ.ف.ب)
المصمم و«زارا» سيجمعان عالمين مختلفين في لغة الخطاب والأدوات الفنية (موقع زارا - أ.ف.ب)

في خطوة غير متوقعة، أعلنت «زارا» عن شراكة تمتد لعامين مع المصمم البريطاني جون غاليانو. بموجبها سيُصمم مجموعات موسمية تصل إلى المستهلك في شهر سبتمبر (أيلول) المقبل. الكل يتوقع وينتظر كيف سيُترجم مصمم عبقري معجون ومسكون بالإبداع أرشيف محلات شعبية غيّرت ثقافة الموضة في العقود الأخيرة. فأقل ما يمكن أن يقال عن هذه الخطوة إنها تمثل لقاء بين عالم «هوت كوتور»، بكل ما يعنيه من تصاميم وأسعار خيالية، وموضة سريعة تخاطب العامة بأسعار معقولة.

تعاون جون غاليانو ومحلات «زارا» يثير ضجة في أوساط الموضة (أ.ف.ب)

ومع ذلك، فإن الخبر حدّد أن غاليانو لن يُصمم أزياء من بنات أفكاره. سيُعيد فقط لقطع من أرشيف «زارا» بريقها، أو بالأحرى «تأليفها»، بمعنى أنه سيُفككها ويعيد ترتيبها، مع استخدام خامات جديدة وتفاصيل مختلفة. كل هذا لا يهم متابعو الموضة. فالقصة السردية التي سيُوفِرها أقوى من كل القصات التي ستتضمنها هذه المجموعات. ففي عالم الموضة، أصبحت القصص المحكية، بنفس أهمية التصميم أو أكثر وسط هذا الكم من التصاميم التي تُطرح في كل موسم. فالجمهور حالياً لا يشتري مجرد قطع أزياء أو إكسسوارات أنيقة، بل يريد أن يشعر بالانتماء لتجربة معينة، والإحساس بأن القطعة تحمل معاني إنسانية.

بدأت «زارا» منذ سنوات جسّ نبض كل الطبقات بطرح تصاميم بأسعار وجودة متباينة (موقع زارا)

كل هذا سيجعل تجربة غاليانو الجديدة مُشوّقة، لأنه سيُحوِل منتجاً مستنسخاً بالأصل، كون «زارا» قائمة بالأساس على محاكاة وتقليد ما يُعرض على منصات عروض الأزياء العالمية وطرحها في الأسواق بسرعة، إلى قطعة تحمل بصمته الفنية. هذا التمييز بين النسخ والإبداع يزيد من نسبة الترقب. حتى إذا لم يكن المنتج جديداً بالمعنى المبتكر، فإنه سيكتسب قيمة مستمدة من اسم المصمم.

تحاول «زارا» مخاطبة كل الأذواق مع الحفاظ على جودة مقبولة (موقع زارا)

توقيت هذه الخطوة له ما يُبرره. فغاليانو خرج من دار «ميزون مارجيلا» منذ عام تقريباً، ورغم أن اسمه تردد في كثير من المناسبات وتمنى البعض ترشيحه لبيوت أزياء كبيرة، فإنها مجرد تكهنات ظلّت في خانة التمنيات. أما بالنسبة لـ«زارا» فهي تواجه منذ فترة منافسة شرسة من قبل شركات اتبعت استراتيجياتها في محاكاة الموضة العالمية بأسعار أقل، مثل «شي إن» و«تيمو» وغيرهما. الفرق أن أسعار المنافسين أقل من أسعارها، الأمر الذي أفقدها شريحة الفتيات الصغيرات ممن وجدن في هذه الأسعار ما يُلبي رغباتهن.

«زارا» عوض أن تُخفّض أسعارها لسدّ الأبواب على منافسيها، فضّلت أن ترتقي بتصاميمها عبر تحسين الجودة، وتطوير تجربة التسوق في متاجرها، والحفاظ على أسعارها، بل رفعها باستحداث خطوط جديدة تخاطب زبائن يتوقون لقطع راقية. هذه النقلة لمخاطبة شريحة أعلى كانت تحتاج لاسم بحجم جون غاليانو. فهو يمنحها شرعية ثقافية وإبداعية، كما يجعل المنتج الجماهيري أكثر جاذبية.

مقارنة تاريخية

تحاول «زارا» أن تكسب شريحة مقتدرة من النساء من خلال هذا التعاون (موقع زارا)

الخطوة تُذكر بتجربة الراحل كارل لاغرفيلد مع محلات «أتش أند إم» عام 2004. كانت جديدة وصادمة آنذاك. لكن لاغرفيلد كان واضحاً وشجاعاً، حيث صرّح بأن الوقت حان لكي تنزل الموضة الراقية من برجها العالي وتصبح أكثر ديمقراطية. نجاح تجربته في خلق تصاميم أنيقة بأسعار محدودة وصلت إلى جمهور أوسع، جعل التعاون مع مصممين كبار و«أتش أند إم» تقليداً سنوياً احتذت به محلات أخرى مثل «يونيكلو» حتى «زارا».

الفارق هنا أن كارل لاغرفيلد كان يتمتع بذكاء تجاري وفني، بينما يأتي غاليانو بخلفية مسرحية ودرامية أثقل، تجعل مهمته أكثر إثارة من ناحية التحدي. على الأقل، سنتابع مدى مقاومته لذلك الجنوح الذي يسكنه ويدفعه لخضّ المألوف، وكيف سيُروِّض عبقريته المسرحية لتناسب السوق الجماهيرية.

فهل يا ترى سيبقى غاليانو ضمن السيناريو المكتوب والمسجل في أرشيف «زارا» منذ زمن، أم سينفضه ويغيره؟ المشكلة أنه إذا لم يُدخل بصماته بشكل واضح، فقد تأتي المحاولة باهتة، تفتقد إلى هويته.

استراتيجية «زارا» تقوم على محاكاة آخر خطوط الموضة وطرحها بسرعة وبأسعار متاحة (موقع زارا)

التوقعات

أما في حال نجح في تحقيق المعادلة بين الجماهيري المتاح وبصماته الخاصة، فإن المتوقع أن القطع المنتقاة من أرشيف «زارا» ستكتسي أسلوباً مسرحياً، ولو بجرعات خفيفة، من خلال طبعات وتفاصيل غير متوقعة. هذا لا يعني أن كل القطع ستكون فاخرة بمستوى «هوت كوتور»، لكن على الأقل ستكون بخامات وتفاصيل أفضل من متوسط «زارا».


الموضة الكلاسيكية تفوز في أوسكار 2026

جيسي باكلي وفستان من «شانيل» (أ.ف.ب)
جيسي باكلي وفستان من «شانيل» (أ.ف.ب)
TT

الموضة الكلاسيكية تفوز في أوسكار 2026

جيسي باكلي وفستان من «شانيل» (أ.ف.ب)
جيسي باكلي وفستان من «شانيل» (أ.ف.ب)

في دورته الثامنة والتسعين، لم يكن ظهور النجمات في فساتين فخمة خلال حفل توزيع جوائز الأوسكار مجرد استعراض أو منافسة على الأضواء والعقود مع دور الأزياء والمجوهرات الكبيرة. كانت سجادته الحمراء منصة استراتيجية لتحديد اتجاهات الموضة للموسم المقبل ولترسيخ هوية كل دار. فالعديد من التصاميم تلونت بدرجات ربيعية مثل الفستان الذي ظهرت به جيسي باكلي الفائزة بأوسكار أفضل ممثّلة عن تأديتها دور زوجة ويليام شكسبير الثكلى في «هامنت». فستان بالزهري والأحمر من توقيع «شانيل» مستوحى من أزياء الخمسينات.

كذلك تشايس إنفينيتي التي كشفت موهبتها في فيلم «وان باتل أفتر أناذر»، وتألّقت بفستان ليلكي اللون بصدر ضيّق وذيل طويل من تصميم «لوي فويتون».

لم يغب الأسود والأبيض، فقد اعتمدته العديد من النجمات، منهن روز بيرن التي تألقت بفستان من توقيع «ديور» فيما تألّقت إيما ستون بفستان أبيض طويل مفتوح من الظهر بكمّين قصيرين من توقيع «لوي فويتون». كان الأبيض أيضاً خيار إيل فانينغ من خلال فستان صممته سارة بيرتون مصممة «جيفنشي» خصيصاً لها.

كايت هادسون: فستان من «أرماني بريفيه» وعقد بـ35 مليون دولار (رويترز)

لكن لم تُسلّط عدسات الموضة على النجمات المخضرمات فحسب، فقد تألقت نسبة عالية من النجمات الصاعدات بأزياء من بيوت عريقة. وربما هذا ما ميَز هذا العام بشكل خاص. فهو عام وصول مُبدعين شباب إلى بيوت عريقة مثل «ديور» و«شانيل» و«بوتيغا فينيتا» و«بالنسياغا» وغيرها، وبالتالي كان الحفل بالنسبة لهم فرصة لعرض رُؤاهم الإبداعية على منصة عالمية. فهذه أكثر تأثيراً من عروض الأزياء التقليدية، بدليل الأرقام التي أكدت أن التأثير الإعلامي هنا يصل إلى أضعاف ما يمكن أن تحققه العروض في العواصم العالمية.

الكيف قبل الكم

دوا ليبا في فستان من «سكياباريلي» (سكياباريلي)

أكبر دليل على هذا هو دار «سكياباريلي» التي حققت أكبر قيمة تأثير إعلامي في حفل «الغرامي» الماضي بزي وحيد على شكل «توكسيدو» ارتدته باد باني. وفي حفل الأوسكار الأخير، اكتفت العلامة بنجمتين فقط هما ديمي مور، وتيانا تايلور، ودوا ليبا في حفل «فانيتي فير»، الأمر الذي يعكس إدراك الدار أن «الكيف أهم من الكم» في هذه المناسبات. على الأقل حتى يبقى التركيز واضحاً. وبينما وجّه مصممون اهتمامهم على النجوم الواعدين، على أمل ربط علاقة بعيدة المدى معهم، من منطلق أن النجم الصاعد اليوم قد يصبح نجماً كبيراً في المستقبل، مسك بعضهم الآخر الحبل من الوسط. جوناثان أندرسون وماثيو بلازي، مثلاً حافظا على علاقات سبق وربطتها كل من ديور وشانيل مع نجمات لسنوات، لكنهما أضافا أسماء جديدة إلى لائحتهما، مثل إيديبيري وغراتسي أبرامز وميا جوث وميكي ماديسون وصوفي وايلد وإيفر أندرسون.

ميا غوث وفستان من ديور (ديور)

بدورهم تنقّل النجوم بين العلامات المختلفة، يختارون مرة من علامة، ومرة من أخرى، وكأنهم يجسون النبض للتعرف على ما يناسبهم منها أكثر، لا سيما أنه ليس بينهم عقود ملزمة لحد الآن. ارتدت روز بيرن مثلاً فستاناً مرصعاً من «ديور» وقبل ذلك ظهرت في فستان من شانيل في حفل «الغولدن غلوب» وجوائز الممثلين. جيسي باكلي أيضاً لم تلتزم بدار معينة. فقد ظهرت في تصاميم لشانيل وديور وبالنسياغا في مواسم الجوائز الأخيرة. في حفل الأوسكار الأخير اختارت «شانيل».

أما أوليفيا دين، فتألقت بتصميمين مختلفين: واحد من لوي فويتون والثاني من شانيل، فيما اختارت النجمة الصاعدة تشيس إنفينيتي فستاناً بنفسجياً متدرجاً من «لويس فويتون» تغطيه طبقات سخية من الأقمشة.

ديمي مور وفستان من «غوتشي» (أ.ف.ب)

هذه التغيرات كان لا بد منها بسبب التحولات التي تشهدها صناعة الموضة عموماً، وتضع المصممين الذين التحقوا بها حديثاً بهدف ضخها بدماء شبابية وإخراجها من ركودها، تحت ضغوط لتحقيق المعادلة بين الفني والتجاري. وما تابعناه من تصاميم في ليلة الأوسكار الأخيرة يشير إلى أنه من رحم هذه الضغوط يمكن أن تولد إبداعات في غاية الأناقة، حتى وإن كانت تفتقد إلى بعض الجُرأة الفنية. فأغلبها يميل إلى أنماط كلاسيكية مستوحاة من حقب سابقة مثل خمسينات وثمانينات وتسعينات القرن الماضي.

استمرار القواعد رغم التحولات

ومع ذلك فإن التحولات غير المسبوقة والآمال المعقودة على المصممين الجدد، لم تُغير القواعد المتعلقة بالتصميم. فقد استمر التركيز على الفخامة للإبقاء على الحلم مشتعلاً. النجمة كايت هادسون مثلاً ظهرت بعقد ثمين يقدر سعره بـ35 مليون دولار، الأمر الذي يؤكد أن الكلاسيكية لا تتنافى مع الفخامة، وغياب الجُرأة الفنية لم يأت على حساب الإبداع.

الاتجاه الكلاسيكي يهيمن

ديمي مور وفستان من «بالنسياغا» ظهرت به في حفل «فانيتي فير» (بالنسياغا)

حتى فيما يتعلق بالنجمات، كان هناك إقبال كبير من طرفهن على التصاميم الكلاسيكية، في حنين واضح إلى العصر الذهبي لهوليوود، منذ فترة. فقد سبق واختارت أيَو إيديبيري وسيلينا غوميز فساتين مخملية باللون الأسود من «شانيل» نسقنها مع تسريحات عزَزت هذا الأمر، بينما أعاد فستان ارتدته جيسي باكلي حديثاً إلى الأذهان فستان غريس كيلي في حفل الأوسكار عام 1956. كما قدَمت «بالنسياغا» فساتين من حقبة مهمة في تاريخ الدار، عندما كان مؤسسها يُعرف بـ«الأستاذ» ويرسم أشكالها بأحجام كبيرة تتناسق مع الجسد. لم تكتف كل من تيسا تومسون وليزلي مان وغيرهما بما تُبطِنه من حنين ونسَقنها مع قفازات أوبرا لإضفاء المزيد من الرقي والدراما على إطلالتهما.