أسبوع باريس لخريف 2017 وشتاء 2018 يتبنى القضية النسوية

أسبوع باريس لخريف 2017 وشتاء 2018 يتبنى القضية النسوية

تصاميم تضمن للمرأة استقلاليتها وتحفظ لها حقوقها المهددة
الخميس - 11 جمادى الآخرة 1438 هـ - 09 مارس 2017 مـ
من عرض جون غاليانو لـ«ميزون مارجيلا» - من اقتراحات بشرى جرار مصممة دار «لانفان» - من عرض «سيلين» - من عرض «كلوي» - من عرض «سان لوران» وتصميم فاكاريللو
باريس: جميلة حلفيشي
انتهت دورة الموضة لخريف 2017 وشتاء 2018 في باريس بعد شهر حافل بدأ في نيويورك وانتقل إلى لندن ثم ميلانو. شهر لم تثًر فيه الموضة على السياسات التفريقية فحسب، بل ثارت فيه حتى على نفسها وعلى الصورة النمطية التي رسمتها في الأذهان لعقود طويلة. فإلى جانب أنها احتفلت بالبدانة بشكل واضح في عروض عدة، فإنها تبنت لأول المرة الحجاب بالاستعانة بعارضة أزياء من أصول مسلمة، وأيضا بالمرأة المتقدمة في السن، فيما لم يكن يخطر على البال قبل ثلاث سنوات مثلا.
وإذا كانت تفاصيل القصة في نيويورك سياسية حُبكت كردة فعل على قرارات دونالد ترمب، وفي لندن اقتصادية؛ تحسبا لقُرب خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وفي ميلانو إنسانية بسبب أزمة اللاجئين، فإنها في باريس تركزت على حقوق المرأة ومحاولة الحفاظ على ما اكتسبته عبر العقود. ظهر هذا التوجه منذ اليوم الأول مع كل من أوليفييه تيسكينز وجاكوموس و«سان لوران» وتعزز في عروض كل من «لانفان» و«ديور» وغيرهما. سبب هذا التركيز هو الخوف على استقلالية المرأة ومُكتسباتها في وقت تظهر فيه بوادر تراجع وسحب لبعض هذه الحقوق. ولعل ماريا غراتزيا تشيوري كانت أكثر من عبر عن هذا الخوف وضرورة تكاثف الجهود لمحاربة كل المحاولات الرامية إلى إعادة المرأة إلى بداية القرن الماضي. فقد أهدت الحضور منديلا وضحت فيه رأيها هذا. وتجدر الإشارة إلى أن تشيوري بدأت حملتها النسوية في الموسم الماضي، وكل ما في الأمر أنها زادت الجرعة هذا الموسم برفعها شعارات مماثلة تطالب فيها بذوق رفيع بحقوق المرأة ومساواتها مع الرجل في الحياة الاجتماعية والسياسية.
وإذا كانت المصممات، من تشيوري، مصممة دار «ديور»، وفيبي فيلو مصممة «سيلين» وبُشرى جرار، مصممة «لانفان» عبرن عن آرائهن بشكل مباشر، فإن همّ بعض المصممين الآخرين، انصب على ضمان أناقتها وأنوثتها. من هؤلاء نذكر أنطوني فاكاريللو الذي قدم في اليوم الأول من الأسبوع ثاني تشكيله له لدار «سان لوران» كانت مفعمة بالإثارة، رغم افتقادها الجديد بالمعنى الثوري. فقد اكتفى بالنغمة نفسها التي عهدناها إلى حد ما في عهد هادي سليمان، وهي نغمة ترقص على أضواء الديسكو وتغازل الجيل الجديد أولا وأخيرا. كل ما في الآمر، أنه أضاف إليها جرعة عصرية تجلت في الفتحات العالية والتنورات القصيرة جدا والكشاكش، في حين حافظ على روح الثمانينات التي ظهرت في الأكتاف والأكمام المنفوخة، كما في الألوان المعدنية.
أما المصمم أوليفييه تيسكينز فرسم صورة بورجوازية أنثوية باللون الأسود في أول تشكيلة تحمل اسمه الخاص. كانت غنية بالفساتين المحددة على الجسم والجاكيتات المفصلة والمشدودة بحزام لتحديد الخصر، نسقها مع تنورات حينا ومع بنطلونات ضيقة حينا آخرا. في المقابل، تبنى جاكوموس جرأة أكبر من خلال أشكال وخطوط تتميز بأكتافها العريضة وأكمامها المُبتكرة، مع احتفال واضح بالخصر المشدود مثله مثل تيسكينز.
اللافت طوال أسبوع تعالي نغمات من حقبة الثمانينات في الكثير من العروض. وسواء كان الأمر مدروسا ومتعمدا أم مجرد صدفة، فإن دلالات هذا التوجه تستحضر التغيرات التي شهدتها المرأة في هذه الفترة التي شهدت اقتحامها مجالات عمل كانت حكرا على الرجل من قبل، وترجمتها الموضة بالتايورات المفصلة والأكتاف الصارمة. ويبدو أن تأثيرها هذا العام لم يقتصر على الأكتاف وامتد إلى ربطات العنق. فقد ظهرت في عروض كل من «التو» الدار الفنلندية و«جوروني» و«فيكتوريا وتوماس»، حيث أخذت ربطات العنق أشكالا وألوانا عدة في محاولة لتأنيثها من دون إلغاء ما تعنيه من قوة وجدية. الثلاثي وراء ماركة «جور - ني» مثلا نسقوها مع جاكيتات سموكينغ وتايورات بسترات بصف أزرار مزدوجة أو بفساتين قصيرة «ريترو». أما توماس ميريكوسكي، مصمم دار «التو» فتقيد بالأسلوب الكلاسيكي وربطها مع تايورات مقلمة أضفت على العارضات مظهرا ذكوريا لا يمكن تبريره سوى بأنه محاولة لتسليح المرأة بالقوة حتى تُثبت نفسها من جديد، بعد أن ظنت أنها حققت ذلك ولم تعد في حاجة إلى ذلك. فيكتوريا فيلدما وتوماس بيرزين مصمما ماركة «فيكتوريا وتوماس» لم يُخفيا نيتهما في توفير أزياء عصرية للمرأة استوحياها من أساسيات رجالية، وقالا إن «كل ما قمنا به أننا جعلناها مناسبة لمقاييسها الجسدية». ترجمتهما كانت أنهما تركاها مفتوحة ومنسدلة على الجانبين عوض عقدها بالأسلوب الكلاسيكي المتعارف عليه. لكن لا يمكن أن ننسى أن اليوم الأول في كل أسابيع الموضة يكون عادة بمثابة «تسخين» وتحضير لما هو آت؛ فالإيقاع لا يزداد قوة سوى بعد اليوم الأول أو الثاني. وهذا ما حصل تحديدا.
في اليوم الثاني مثلا كان اللقاء مع «ميزون مارجيلا» و«لانفان» ودريز فإن نوتن» وفي الثالث كان مع «بالمان» و«باكو رابان» وفي الرابع مع «ديور» وهكذا.
مجرد الإشارة إلى «ميزون مارجيلا» تجرنا للحديث عن جون غاليانو، مصممها الحالي. فهو يقفز إلى الأمام بخطوات واسعة ليؤكد للعالم بأنه تصالح أخيرا مع وضعه وتأقلم مع أسلوبها. أمر لاحظناه في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي خلال أسبوع الـ«هوت كوتير» وتأكدنا منه في الأسبوع الماضي. فقد نجح في صهر قدراته الإبداعية مع قدراتها الاختبارية ليُبدع تشكيلة ذكرتنا بالذي مضى وبالأيام التي كان يُتحفنا فيها بنظرته الفنية. أيام لا تزال الغالبية منا تتحسر عليها؛ لأنه كان من قلة تُؤمن بأن الموضة فن أولا وأخيرا. ومع ذلك لا يختلف اثنان أن بدايته في «ميزون مارجيلا» شهدت تخبطا خفيفا لم يدم سوى فترة قصيرة لحسن الحظ، حيث تبلور أسلوبه بشكل يشير إلى أنه استرجع ثقته بنفسه بعد صدمة خروجه من «ديور» مطرودا. تشكيلته الأخيرة تشهد على هذه الثقة بألوانها وتصاميمها، واللافت فيها أنها أيضا تتمتع بجانب تجاري.
من الأحداث المهمة التي شهدها الأسبوع عرض المصممة البريطانية كلير وايت كيلر لـ«كلوي». فقد كان آخر عرض تقدمه للدار الفرنسية. والطريف فيه وجود المغنية المخضرمة ماريان فايثفول بين نجمات كثيرات، فما بدا غريبا ونشازا إلى حد ما بالنظر إلى أن التشكيلة كانت تخاطب شريحة الشابات أكثر، ولم يكن فيها الكثير مما يمكن أن يناسب جيل ماريان فايثفول. إلى جانب التنورات والفساتين التي تجلس فوق الركبة، كانت هناك أيضا قمصان بياقات تُعقد على شكل فيونكات بأكمام منفوخة، فضلا عن نقشات «بايزلي» أو طبعات ورود وكائنات طبيعية أخرى. كل ما فيها كان يشي بالانطلاق فيما فاحت من بين ثنياتها وجوانبها رائحة البراءة لأن المصممة وجهتها لبنات زبوناتها. وربما أرادت أيضا أن تكون الخاتمة بالنسبة لها مجرد بداية لفصل جديد ستكتبه دار «كلوي» من بعدها، لهذا لعبت على بعض المعالم المألوفة مثل الرومانسية والخطوط المنسدلة والأحجام الناعمة. نقطة الاختلاف فيها أنها جاءت تتأرجح بين الـ«سبور» والذكوري فيما يمكن اعتباره توجه سائد في الكثير من العروض الباريسية لخريف 2017 وشتاء 2018.
فبشرى جرار أيضا لعبت على الذكوري والأنثوي في ثاني تشكيلة تقدمها لدار «لانفان». صحيح أن التركيز فيها كان على مناسبات السهرة والمساء من خلال تصاميم بتفصيل ناعم وألوان محدودة تتباين بين الأبيض الكريمي والأسود والقليل من الوردي الخفيف، فإنها كانت تضج بالقوة. فكعادتها استعرضت المصممة المغربية الأصل مهارتها في التفصيل من خلال مجموعة من البنطلونات عالية الخصر والتنورات المستقيمة، إضافة إلى مجموعة من الجاكيتات المفصلة زينتها بالكشاكش والتول والتطريز حتى تزيد من جاذبيتها.
اليوم الرابع من الأسبوع كان يوم ماريا غراتزيا تشيوري بلا منازع. فقد قدمت لـ«ديور» لوحات فنية متنوعة كان القاسم المشترك بينها هو اللون الأزرق. فقد قرأت بالصدفة مقولة كتبها كريستيان ديور في عام 1947 يصف فيها هذا اللون بأنه المنافس الوحيد للأسود. وبما أنها تعشق اللون الأسود وتُدمنه في حياتها الخاصة، فإن هذه المقولة على بساطتها، ألهمتها أن تلعب على هذا اللون وتستعمله أساسا لبناء تشكيلة قوية من الناحية التجارية. ورغم أنها ليست أول من تقدم تشكيلة مكونة من عشرات الاقتراحات بلون واحد، فقد سبقها إلى ذلك فالنتينو غارافاني حين قدم تشكيلة كاملة باللون الأبيض، وإيلي صعب عندما قدم تشكيلة كاملة باللون الذهبي تحية لبيروت، فإنها ربما تكون الأكثر جرأة لأنها تلعب برموز دار ليست ملكها. وهذا يعني أن المحاذير أكبر ويمكن أن تُكبل يديها وخيالها. ما يُحسب لها أنها درست الموضوع من كل الجوانب حتى تأتي النتيجة مُرضية على الصعيدين الإبداعي والتجاري، علما بأنه من الظُلم الحكم على ماريا تشيوري، وما إذا كانت نجحت في فهم شخصية الدار الفرنسية أم لا لأنها لا تزال جديدة عليها. المهم في الأمر أنها تجتهد لكي تفهمها وتجعلها مناسبة لجيل بناتها. فهذا الجيل مثلا يميل للألوان لأنها ضرورية لكي تأتي الصورة التي ينشرها على صفحات وسائل التواصل الاجتماعي موفقة. فقد تكون للأسود جماليات كثيرة، لكنه لا يخدم الصورة مقارنة بالألوان المتوهجة والنقشات المتضاربة. من هذا المنطلق قد يكون الأزرق حلا وسطا يُرضي كل الأطراف، ولا سيما أن الخطوط الغالبة في تشكيلتها الأخيرة «سبور» وهو ما سيُقربها أكثر من هذا الجيل. بالنسبة للمصممة الإيطالية، فإن الأزرق قبل أن يكون منافسا للأسود في عالم الأناقة ومناسبات السهرة والمساء، هو أيضا لون المساواة. فهو الزي المدرسي مثلا، كما أنه زي البحارة والطبقات البروليتارية؛ الأمر الذي يمنحه عملية ويجعله أداة مهمة في حملة ماريا غراتزيا تشيوري النسوية؛ إذ «ليس هناك شيء يعبر عن المساواة في الحياة من الزي الموحد» حسب قولها. وتضيف أن للألوان لغة قوة ودلالات لا يُستهان بها. فهي تُستعمل للتفريق بين الجنسين مثلا، بدليل أن «الأزرق يرتبط بالذكور منذ ولادتهم، بينما يرتبط الوردي بالإناث» عدا أنه «يعبر عن الأحاسيس والمزاج، سواء تعلق الأمر بالحزن أو بصفاء النفس».
أكثر ما برهنت عليه ماريا غراتزيا تشيوري في وقت وجيز، كأول مصممة فنية تدخل «ديور» أنها عقلانية وتعرف حدودها. فقد لا تكون مطالبة ببيع مبادئها والتنازل عنها، إلا أنها مطالبة ببيع الأزياء والإكسسوارات التي تقدمها. بعبارة أخرى، فإن دورها الأساسي في الدار، ليس تغذية نرجسيتها أو خدمة آراءها الشخصية بقدر ما هو خلق توازن بين وجهة نظرها وبين إرث الدار. وهذا تحديدا ما أكدته باعتمادها على إكسسوارات وتفاصيل مُبهرة، البهارات تُخفي بين طياتها إبداع يسهل تسويقه للعالم لأن. إبداع يبدو بسيطا بملامحه الـ«سبور»، لكنه يتضمن ذوقا رفيعا يظهر في كل قطعة وإن كانت مجرد «تي - شيرت» كتبت عليه كلمة حب أو جُملة تعبر عن التكاثف.
لم يكن عرض «سيلين» مناسبا لمن يصاب بالدوران بسهولة، لكن كان مناسبا لكل أنيقات العالم بغض النظر عن أعمارهن وجنسياتهن. ما إن بدأ حتى شعر الحضور بحركة غير عادية. فالمدرجات التي جلسوا عليها بدأت تدور بشكل دائري وببطء شديد لتصل مع نهاية العرض إلى نقطة البداية. فكرة المصممة فيبي فيلو كانت رسم صورة لامرأة قوية ومستقلة وواثقة من زوايا عدة؛ وهو ما تجسد في هذه الحركة كما في مشية العارضات، اللواتي كن يتحركن بسرعة في كل الجهات، أحيانا فرادى وأحيانا جماعات. كانت هناك بلبلة لذيذة تجعلك تتساءل إن كان الزي نفسه قد تكرر أمام ناظريك مرتين أو ثلاثا، أم أن الأمر مجرد تشابه وخلط بين الأمور بسبب دوران الكراسي؟... لكن مع ذلك تخرج بنتيجة أن ما قدمته فيبي فيلو كان قويا رغم أنها لم تقدم جديدا يختلف عما تقدمه عادة. ومع ذلك، فإن لا أحد يُنكر أن تشكيلتها للخريف والشتاء المقبلين تتمتع بترف كلاسيكي وتفصيل عال، وبابتكار واضح في التفاصيل والأحجام. لسان حالها كان يصرخ بأن امرأتها كانت ولا تزال مستقلة وواثقة؛ ما يجعلها واحدة من المصممات العضوات في الحملة النسوية التي تشهدها الموضة حاليا. الفرق بينها وبين غيرها أنها متمرسة في توظيف تصاميمها للحياة اليومية. وهذا ما ظهر في كل قطعة منفصلة اقترحتها، سواء كان معطفا من الصوف أو كنزة مقلمة، أو «تي - شيرت» بسيط أو بنطلون بسحابات يظهر من تحته حذاء أبيض بكعب لا يقل ابتكارا عن الأكتاف التي ظهرت في الأزياء. كانت هناك أيضا مجموعة تظهر فيها العارضات بتايورات «توكسيدو» وهن يحملن ما يشبه بطانيات صوفية وكأنهن يُردن التذكير بأن امرأة اليوم دائمة السفر والترحال. ورغم أن الثقة والاستقلالية كانتا دائما سمة لصيقة بفيبي فيل، بل يمكن القول إنهما ماركتها المسجلة، فإنهما اكتسبا هذا الموسم دلالات تتماشى مع رسالة الأسبوع الداعية لاستكشاف الحياة وخوض غمارها بكل ما أوتيت المرأة العصرية من أسلحة أنيقة. كل ما في الأمر، أنها أضافت إلى هذه الرسالة أنه أصبح لزاما على المرأة ألا تتوقف في مكانها؛ لأن الحياة تتطلب الاستكشاف من كل الزوايا والاتجاهات.

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة