وثائق إسرائيلية تكشف إجهاض نتنياهو مبادرتين للسلام الإقليمي

إحداهما مصرية اقترحت تشكيل حكومة وحدة إسرائيلية تمهد لاستئناف المفاوضات مع الفلسطينيين

رئيس لجنة الأمن القومي في مجلس النواب الأميركي رون ديسانتس خلال مؤتمر صحافي أمس بعد لقاء وفد يرأسه مسؤولون إسرائيليون لمناقشة نقل سفارة بلاده إلى القدس الذي توقع إتمامه قبل نهاية مايو المقبل (إ.ب.أ)
رئيس لجنة الأمن القومي في مجلس النواب الأميركي رون ديسانتس خلال مؤتمر صحافي أمس بعد لقاء وفد يرأسه مسؤولون إسرائيليون لمناقشة نقل سفارة بلاده إلى القدس الذي توقع إتمامه قبل نهاية مايو المقبل (إ.ب.أ)
TT

وثائق إسرائيلية تكشف إجهاض نتنياهو مبادرتين للسلام الإقليمي

رئيس لجنة الأمن القومي في مجلس النواب الأميركي رون ديسانتس خلال مؤتمر صحافي أمس بعد لقاء وفد يرأسه مسؤولون إسرائيليون لمناقشة نقل سفارة بلاده إلى القدس الذي توقع إتمامه قبل نهاية مايو المقبل (إ.ب.أ)
رئيس لجنة الأمن القومي في مجلس النواب الأميركي رون ديسانتس خلال مؤتمر صحافي أمس بعد لقاء وفد يرأسه مسؤولون إسرائيليون لمناقشة نقل سفارة بلاده إلى القدس الذي توقع إتمامه قبل نهاية مايو المقبل (إ.ب.أ)

كشفت وثائق جديدة نشرت في تل أبيب، أمس، أن رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، كان قد قطع شوطاً طويلاً باتجاه قبول مبادرة السلام العربية والتوجه نحو مفاوضات لتحقيق السلام الإقليمي الذي يشمل تسوية القضية الفلسطينية أيضاً. لكنه تراجع عن ذلك بشكل فاضح، جعل المفاوضين معه يفقدون احترامهم له.
وجاء في الوثائق الرسمية التي نشرتها صحيفة «هآرتس»، أمس، أن مبادرة السلام الإقليمي الأولى طرحها وزير الخارجية الأميركي السابق جون كيري، والثانية طرحها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي. وكلاهما، كانا يدركان أن نتنياهو محكوم لليمين المتطرف في حكومته، فتوجها إلى زعيم المعارضة الإسرائيلي يتسحاق هرتسوغ حتى يدخل في الائتلاف الحكومي ويوفر لنتنياهو ما يحتاجه من دعم أكثرية أعضاء الكنيست (البرلمان الإسرائيلي).
وعندما طلب هرتسوغ شيئا مكتوباً، حتى لا يتهرب نتنياهو في المستقبل، عرض رئيس الحكومة عليه، فقط قبل ستة أشهر، وثيقة خطية تضمنت تصريحاً مشتركاً كان يفترض أن يحرك مبادرة السلام الإقليمية، ويشكل قاعدة لحكومة وحدة. وتتضمن الوثيقة، التي نشرت أمس للمرة الأولى، استعداد نتنياهو لتقبل تسويات إقليمية على أساس حل الدولتين، وكبح البناء في المستوطنات بشكل ملموس.
وكتبت الوثيقة باللغة الإنجليزية، كي يفهمها كيري، وتضمنت ثماني نقاط، هي: «نشكر الرئيس السيسي على استعداده للقيام بدور فاعل في دفع السلام والأمن في المنطقة، وإعادة تدشين العملية السلمية»، و«نعرب مجدداً عن التزامنا بحل الدولتين للشعبين ونصرح برغبتنا بدفعه»، و«إسرائيل تطمح لوضع حد للصراع وإنهاء المطالب كلها، والحصول على اعتراف متبادل بين الدولتين القوميتين، وترتيبات أمنية متواصلة وحل إقليمي متفق عليه، يعترف أيضاً بوجود مراكز السكان القائمة»، و«في إطار البحث عن السلام، تمد إسرائيل يدها للفلسطينيين وتطلب البدء بمفاوضات مباشرة، ثنائية الجانب، من دون شروط مسبقة»، و«إسرائيل تنظر بالإيجاب إلى الرياح العامة لمبادرة السلام العربية والمركبات الإيجابية التي تشملها. وترحب ببدء محادثات مع دول عربية حول هذه المبادرة، بهدف عكس التغييرات الدرامية التي طرأت على المنطقة خلال السنوات الأخيرة، والعمل معاً على دفع حل الدولتين والسلام الواسع في المنطقة».
وجاء في النقطة السادسة، تعهد غامض بـ«تطبيق النشاط الإسرائيلي في مستوطنات يهودا والسامرة بشكل يسمح بالحوار الإقليمي من أجل السلام، في سياق استئناف جهود السلام، ويسمح بتحقيق هدف الدولتين للشعبين». ويمكن اعتبار هذه الصياغة المعقدة إعراباً عن استعداد نتنياهو لـ«تجميد هادئ» وليس رسمياً للبناء في المستوطنات المعزولة التي لا تقع داخل الكتل التي تريد إسرائيل ضمها في إطار الاتفاق الدائم. ورفض نتنياهو إعلان هذا التجميد رسمياً، في إطار الاتصالات التي استؤنفت بعد تحويل الوثيقة إلى هرتسوغ، طالب الأخير بتحديد البند وشطب عبارة «في سياق استئناف جهود السلام»، بهدف تأكيد أن سياسة الاستيطان لن تكون مرتبطة بوجود المفاوضات مع الفلسطينيين، ووافق نتنياهو على ذلك.
أما النقطة الثامنة، فتضمنت التزام إسرائيل «بالعمل مع السلطة الفلسطينية بشكل كبير من أجل تحسين الأوضاع الاقتصادية والتعاون الاقتصادي، بما في ذلك في المنطقة ج، وتوثيق التنسيق الأمني». وخلال الاتصالات التي جرت بين نتنياهو وهرتسوغ، طلب الأخير تحديد هذا البند وتوضيح أن إسرائيل ستسمح للفلسطينيين بالبناء ودفع مشاريع في المنطقة ج، ووافق نتنياهو على ذلك. ونص البند الأخير على أن «إسرائيل معنية بالاستقرار طويل الأمد في غزة، بما في ذلك الترميم الإنساني وترتيبات أمنية ناجعة».
لكن، وبعد ثلاثة أسابيع من تحويل الوثيقة إلى هرتسوغ، وبعد الاتفاق المبدئي عليها، بدأ نتنياهو بالتراجع على خلفية الأزمة السياسية التي شهدتها الحكومة بسبب اضطرارها إلى تنفيذ قرار قضائي بإخلاء بؤرة الاستيطان «عمونة». ووصلت الاتصالات بين الجانبين إلى باب موصد، ومن ثم آلت نهائياً إلى الفشل في منتصف أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.
وكتبت «هآرتس» أن «الوثيقة التي حولها نتنياهو إلى هرتسوغ في 13 سبتمبر (أيلول)، بعد يومين من الاتصالات بينهما، كانت مسودة لبيان مشترك كان يفترض أن يلقياه خلال قمة في القاهرة أو في شرم الشيخ مع الرئيس المصري، وربما مع العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني أيضاً، كان يفترض أن تنعقد بعد ثلاثة أسابيع في مطلع أكتوبر، لتكون قمة ثانية بينهم، الأولى تمت في فبراير (شباط) 2016 ونشر عنها الأسبوع الماضي فقط. وكان من المتوقع أن تشكل هذه القمة بداية لمبادرة سلام إقليمية، وبعدها، كان ينوي نتنياهو وهرتسوغ فتح مفاوضات حثيثة لتشكيل حكومة وحدة».
وكانت سلسلة من الجهات الدولية ضالعة في الخطوة، وتم تحويل الوثيقة إلى مسؤولين في الحكومتين المصرية والأردنية، وكذلك إلى رئيس الحكومة البريطانية السابق توني بلير الذي كان ضالعاً في الاتصالات، وأيضاً إلى وزير الخارجية الأميركي السابق جون كيري، وبعض مستشاريه.
ويتضح من النشر أن نتنياهو تلاعب بالمبادرتين. فمن جهة حاول الظهور بتأييد مبادرة كيري ومن جهة ثانية حاول دفع مبادرة الرئيس السيسي. ففقد ثقة كليهما. ومما ذكره تقرير الصحيفة أن نتنياهو التقى في 26 يونيو (حزيران) الماضي مع كيري على وجبة عشاء في مطعم «بيير لويج» في روما. واستغرق اللقاء بضع ساعات. وروى مسؤول أميركي سابق ما حدث خلال اللقاء والمحادثة التي جرت بين كيري ونتنياهو. وسأل الأول الأخير: «ما خطتك بالنسبة إلى الفلسطينيين؟ ما الذي تريد حدوثه الآن؟ وكرر نتنياهو قوله بأنه معني بدفع مبادرة إقليمية مع دول عربية على أساس النقاط الخمس التي عرضها في قمة العقبة، قبل أربعة أشهر. فقال كيري إن الخطوات التي أبدى استعداده للقيام بها لن تكفي لجعل دول عربية تنضم إلى مبادرة سلام إقليمية، وأن التصريح الإيجابي الغامض عن مبادرة السلام العربية والخطوات الرمزية على الأرض لن تساعد على إحضار العرب إلى الطاولة. أنا أعرف ذلك لأنني سألتهم. ليس لديك مسار للعودة إلى المفاوضات المباشرة مع الفلسطينيين، وليس لديك مسار إلى الدول العربية. وصلت إلى السقف الزجاجي. ما خطتك؟».
واقترح كيري على نتنياهو مبادرة إقليمية مماثلة لتلك التي عرضها في العقبة. وفي مطلع يونيو (حزيران) الماضي، عقد في باريس لقاء بمشاركة 30 وزير خارجية، كجزء من مبادرة السلام الفرنسية. وكره نتنياهو الخطوة الفرنسية. لكن كيري قال له إن المبادرة التي يقترحها عليه ستستبدل مبادرة السلام الفرنسية وتشمل المركب الإقليمي الذي رغب فيه نتنياهو كثيراً. واقترح كيري عقد المؤتمر تحت المبادئ الستة للمفاوضات حول الحل الدائم الذي عرضه في قمة العقبة، وشمل الاعتراف بدولة يهودية. وقال كيري لنتنياهو إن «إسرائيل والفلسطينيين لن يلزموا بتبني المبادئ بل يمكنهم التحفظ عنها على الملأ. لكن عقد القمة سيقود إلى استئناف المفاوضات المباشرة، وتأسيس قناة محادثات مع دول عربية، تشمل نقاشات حول الترتيبات الأمنية الإقليمية التي تطرحها إسرائيل، واعتراف دول عربية وغربية كثيرة بمبادئ مهمة لنتنياهو كالاعتراف بالدولة اليهودية».
وقال دبلوماسي أميركي رفيع إن نتنياهو «لم يرد بالإيجاب على اقتراح كيري ولم يرفضه، واكتفى بالقول: إنه سيفكر فيه». ويضيف أن المبادرة الفرنسية، إلى جانب الخطوة الجديدة التي طرحها كيري، ضغطتا على نتنياهو وجعلتاه يجدد اتصالاته مع السيسي ومع بلير، لإعادة طرح فكرة دفع خطوة إقليمية تلتف على إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، ولا تلزم إسرائيل بتقبل نقاط كيري الست.
وفي 10 يوليو (تموز) الماضي، وصل وزير الخارجية المصري سامح شكري بشكل مفاجئ إلى تل أبيب. وكانت هذه أول زيارة يقوم بها وزير خارجية مصري لإسرائيل منذ عشر سنوات، وسبقتها زيارات عدة قام بها مبعوث نتنياهو المحامي يتسحاق مولخو إلى القاهرة. وفي ذلك اليوم، اجتمع شكري مع نتنياهو وكذلك مع هرتسوغ. وقال مسؤول إسرائيلي مطلع على القضية إن شكري وصل ليعرف ما إذا كان نتنياهو لا يزال ملتزماً بما قاله للرئيس المصري قبلها بشهرين، وهو أنه يرغب في أن تحاول مصر دفع المحادثات بين إسرائيل والفلسطينيين بدعم عربي. وقال شكري لنتنياهو إن مصر مستعدة للاستثمار في هذه الخطوة، لكنه أكد أن الكرة متواجدة في الملعب الإسرائيلي. وأوضح له أن مصر تريد معرفة الخطوات التي يوافق نتنياهو على القيام بها من أجل دفع مبادرة سلام. ونقل شكري هذه الرسالة إلى هرتسوغ أيضاً.
وفي الأسابيع التالية، ساد هدوء معين على مستوى الاتصالات الدولية، خصوصاً بسبب عطلة الصيف في الولايات المتحدة وأوروبا. ومع ذلك، واصل كيري إجراء محادثات هاتفية أسبوعية مع نتنياهو وجهات أخرى كثيرة في المنطقة. وحسب دبلوماسي أميركي رفيع في إدارة أوباما، فقد رفض كيري التخلي عن الفكرة، رغم أن مساعديه والبيت الأبيض قالوا له إن نتنياهو ليس جدياً، وأن هذه الخطوة خاطئة. وأوضح الدبلوماسي: «قال لي البيت الأبيض إن الرئيس أوباما يريد ترك نتنياهو والرئيس الفلسطيني محمود عباس ينضجان في العصير الذي أعداه. لكن كيري واصل الموضوع لأنه بالغ الأهمية بالنسبة إليه».



«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
TT

«المركزي اليمني» يقود تحركات لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والنقدي

العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)
العملة اليمنية استعادت بعض قيمتها بعد أن تعرضت لتدهور كبير خلال الأعوام الماضية (أ.ف.ب)

أقرّ مجلس إدارة البنك المركزي اليمني، في اجتماعه المنعقد بالعاصمة المؤقتة عدن برئاسة المحافظ أحمد غالب، حزمة من الإجراءات النقدية والتنظيمية للتعامل مع ظاهرة شح السيولة من العملة الوطنية في الأسواق، في خطوة تعكس سعي السلطات المالية إلى احتواء الضغوط المتزايدة على الاقتصاد في ظل ظروف داخلية وخارجية معقدة.

وجاءت هذه القرارات بعد تقييم شامل للتدخلات السابقة التي نفذها البنك لضخ السيولة، والتي تمت وفق معايير اقتصادية تهدف إلى الحفاظ على الاستقرار النقدي دون التسبب في اختلالات إضافية، خصوصاً في ظل استمرار فجوة السيولة وتأثيرها على الأنشطة التجارية والمعيشية.

وبحسب الإعلام الرسمي، ناقش المجلس جملة من الخيارات المتاحة لمعالجة أزمة السيولة، وأقر حزمة إجراءات موزعة بين تدابير فورية وأخرى قصيرة ومتوسطة الأجل، مع تكليف الإدارة التنفيذية بتنفيذها ومتابعة نتائجها بشكل مستمر. كما شدد على أهمية التقييم الدوري للأوضاع النقدية واتخاذ خطوات تصحيحية بالتنسيق مع الجهات ذات العلاقة.

جانب من اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي اليمني في عدن (إعلام حكومي)

وأكد المجلس التزام البنك المركزي بمواصلة تبني سياسات نقدية احترازية متحفظة، تستهدف الحفاظ على استقرار سعر صرف العملة الوطنية وكبح الضغوط التضخمية، مع تجنب الاستجابة لتوقعات غير مبنية على أسس اقتصادية، خصوصاً في ظل بيئة إقليمية ودولية غير مستقرة.

وأشار إلى عزمه استخدام كل الأدوات المتاحة، بما في ذلك السياسات النقدية والإجراءات الإدارية والوسائل القانونية، لضمان تحقيق أهداف الاستقرار المالي والنقدي، وهو ما يعكس توجهاً أكثر تشدداً في إدارة السياسة النقدية خلال المرحلة المقبلة.

تحديات اقتصادية

واستعرض مجلس إدارة البنك المركزي اليمني خلال الاجتماع، مؤشرات الأداء المالي والاقتصادي الأولية للربع الأول من العام الحالي، بما في ذلك وضع الموازنة العامة ومستوى الاحتياطيات الخارجية والالتزامات المالية، إلى جانب تقييم آفاق الاقتصاد الوطني في ضوء التطورات الإقليمية والدولية المتسارعة.

وأورد الإعلام الرسمي أن النقاش سلط الضوء على التداعيات الاقتصادية للتوترات الإقليمية، التي أسهمت في رفع تكاليف النقل والتأمين وأسعار الطاقة، إضافة إلى اضطرابات سلاسل الإمداد العالمية، وهي عوامل تضغط بشكل مباشر على الاقتصادات الهشة، ومنها الاقتصاد اليمني الذي يعاني أساساً من اختلالات هيكلية وعجز مزمن في الموارد.

طفل يمني يحمل ورقة نقدية من فئة 500 ريال في مأرب (أ.ب)

وفي هذا السياق، اطلع المجلس على الجهود الحكومية الرامية إلى التخفيف من آثار هذه التحديات، بدعم من القيادة السياسية، بما في ذلك التنسيق مع الشركاء الدوليين لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والحد من تداعيات الأزمات الخارجية.

وضمن مساعي تحديث البنية التحتية المالية، أقر المجلس عدداً من القرارات التنظيمية؛ أبرزها اعتماد معيار وطني موحد لخدمة رمز الاستجابة السريع لجميع المؤسسات المالية، بما يسهم في تسهيل المعاملات وتعزيز الشمول المالي.

كما أقر ربط المحافظ الإلكترونية ضمن منظومة موحدة ترفع كفاءة التشغيل، إلى جانب مساهمة البنك المركزي بوصفه مسهماً رئيسياً في شركة تشغيل نظام المدفوعات الفورية، في خطوة تهدف إلى تسريع التحول نحو الاقتصاد الرقمي وتقليل الاعتماد على النقد.

وفد من البنك الدولي

ورحب مجلس الإدارة بالتطورات الإيجابية في علاقات اليمن مع المؤسسات المالية الدولية، مشيراً إلى زيارة وفد البنك الدولي رفيع المستوى إلى عدن، وإلى عرض تقرير مشاورات المادة الرابعة مع اليمن على مجلس إدارة صندوق النقد الدولي، وهو ما يعكس تنامي الانخراط الدولي في دعم الاقتصاد اليمني.

وفي السياق ذاته، بحثت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي، أفراح الزوبة، مع نائب رئيس البنك الدولي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، عثمان ديون، سبل توسيع الدعم التنموي وتعزيز أولويات التعافي، مع التركيز على تحسين الخدمات الأساسية والبنية التحتية وبناء القدرات المؤسسية.

اجتماع يمني في عدن مع وفد من البنك الدولي (إعلام حكومي)

وأكدت الزوبة أهمية مواءمة برامج الدعم مع أولويات الحكومة لعام 2026، داعية إلى زيادة التمويلات المخصصة لليمن، خصوصاً في قطاعات الصحة والتعليم والمياه وخلق فرص العمل، إلى جانب تمكين النساء اقتصادياً.

وشدد الجانبان على ضرورة الانتقال التدريجي من التدخلات الإنسانية إلى مشاريع تنموية مستدامة، مع استمرار دعم الفئات الأكثر احتياجاً، والتركيز على القطاعات الحيوية كالكهرباء والبنية التحتية والتعليم، بما يضمن تحقيق أثر طويل الأمد على الاقتصاد والمجتمع.


مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
TT

مخاوف يمنية بعد انخراط الحوثيين في الحرب دعماً لإيران

دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)
دخان يتصاعد في صنعاء عقب ضربات أميركية سابقة (رويترز)

مع إعلان الجماعة الحوثية انخراطها في الحرب دفاعاً عن النظام الإيراني، دخلت العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرتها مرحلة جديدة من التوتر والقلق، انعكست مباشرةً على الحياة اليومية لملايين السكان، الذين يواجهون اليوم سيناريوهات مفتوحة على احتمالات أمنية واقتصادية معقدة.

ففي صنعاء، تتجلَّى ملامح القلق في تفاصيل الحياة اليومية. الشوارع أقل ازدحاماً في ساعات النهار، وحركة الأسواق تشهد تراجعاً ملحوظاً، فيما يفضِّل كثير من السكان البقاء قرب منازلهم.

وبالرغم من غياب أي موجة نزوح واسعة حتى الآن في صنعاء، فإنَّ شهادات محلية تشير إلى تحركات فردية لعائلات بدأت بمغادرة أحياء ومناطق قريبة من مواقع حساسة. في المقابل، يلجأ كثيرون إلى ما يمكن وصفه بـ«الاستعداد الصامت» يتضمن تخزين بعض الغذاء وتوفير كميات إضافية من المياه، وتجهيز خطط بديلة في حال تدهور من الأوضاع.

مسلحون حوثيون خلال حشد في صنعاء دعا إليه زعيمهم (أ.ف.ب)

ويخشى السكان في صنعاء من أن يؤدي انضمام الحوثيين للدفاع عن إيران إلى مزيد من المعاناة، خصوصاً وأن الملايين من اليمنيين يعيشون منذ سنوات ظروفاً متدهورة جرَّاء الانقلاب والحرب واستمرار سياسات الفساد والنهب والتجويع الحوثية.

وأبدى سكان العاصمة المختطفة رفضهم لهذه التحركات التي قد تستدعي، بحسبهم، ضربات عسكرية جديدة تطال ما تبقى من البُنى الحيوية دون اكتراث للمعاناة.

توقع ردود انتقامية

ويُحذِّر مراقبون من أن انخراط الحوثيين في الحرب قد يضع صنعاء وبقية مدن سيطرتهم ضمن بنك أهداف مُحتمل لقوى مثل الولايات المتحدة أو إسرائيل، خاصة إذا استمرت وتيرة ارتباط عمليات الجماعة بتطورات ميدانية في الصراع الإقليمي.

ويقول مراد، وهو مواطن يعيش في شمال صنعاء لـ«الشرق الأوسط»: «نحن لا نعرف حجم ما سيحدث، لكننا متأكدون أن الأمور لن تبقى كما هي. كل الاحتمالات واردة».

ويضيف: «إن القلق لا يرتبط حالياً بالخوف من ردة فعل أمريكية - إسرائيلية انتقامية ومُحتملة، بل أيضاً بانعدام وضوح المستقبل، في ظل تصاعد الخطاب العسكري للجماعة باستمرار شن مزيد من الهجمات باتجاه إسرائيل، وصولاً إلى معاودة استهداف السفن التجارية في البحر الأحمر وباب المندب».

الحوثيون رفعوا صوراً لخامنئي في شوارع صنعاء (إ.ب.أ)

أما أم محمد، وهي ربه منزل تقطن حي قريب من موقع عسكري غرب صنعاء، فتقول: «فكرت مع عائلتي بترك منزلنا بعد دخول الحوثيين في الحرب، لكن إلى أين نذهب؟ الإيجارات مرتفعة، والوضع صعب. وإن بقينا فالخوف لن يُفارقنا، خصوصاً على الأطفال».

وتشير إلى أن أطفالها أصبحوا أكثر توتراً، خصوصاً مع تداول أخبار التصعيد الحوثي عبر الهواتف ووسائل التواصل.

ولا تقتصر هذه الحالة على صنعاء، بل تمتد إلى مدن عدة خاضعة تحت سيطرة الحوثيين، حيث يُبدي كثير من السكان مخاوف مُشابهة، وإن كانت أقل حدة.

تصعيد تدريجي

ويرى محللون أن المرحلة المقبلة قد تشهد نمطاً من «التصعيد التدريجي»، الذي يسمح للجماعة بالمشاركة دون الانجرار إلى مواجهة شاملة، غير أن هذا التوازن يبقى، حسبهم، هشاً وقابلاً للانهيار.

وبحسب هذه التقديرات فإنَّ الحوثيين وضعوا أنفسهم جرَّاء هذا التحرك أمام معادلة صعبة، حيث أنهم يسعون لتعزيز موقعهم ضمن محور تقوده إيران، لكنهم يدركون في الوقت نفسه أن التصعيد المفرط قد يستجلب ردوداً عسكرية قاسية.

حفرة أحدثها سقوط صاروخ حوثي استهدف إسرائيل (أرشيفية - أ.ف.ب)

ويشير ناشطون يمنيون إلى أن المخاوف الحالية لا تقتصر على الجانب العسكري، مؤكدين أن سكان صنعاء وبقية المدن لا يخافون فقط من الضربات، بل أيضاً من أي إجَّراءات داخلية قد تشمل الاعتقالات أو التضييق، بتهم التخابر مع من تصفهم الجماعة بـ«الأعداء».

ويتخوف المراقبون من أنه في حال استمرار انخراط الحوثيين في الحرب بوتيرة عالية، قد تتجه الأوضاع في اليمن نحو مرحلة أكثر تعقيداً، فالخوف يتصاعد، والضغوط المعيشية والاقتصادية تتزايد، والسيناريوهات تبقى مفتوحة على احتمالات متعددة.

وكانت الجماعة الحوثية أعلنت، السبت، إطلاق دفعتين من الصواريخ باتجاه إسرائيل، في إطار ما تسميه نصرة إيران، بينما أعلنت الأخيرة اعتراض صاروخين أطلقا من اليمن، دون التسبب في أية أضرار.


هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

مع انقضاء الشهر الأول للحرب بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

هذا التدخل الذي لم يكن مفاجئاً في سياق ارتباط الجماعة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، يفتح الباب أمام تحولات ميدانية وسياسية عميقة داخل اليمن؛ إذ يرى محللون أنه قد يسرِّع إعادة تشكيل خريطة المواجهة، ويدفع نحو استئناف عمليات عسكرية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة على ساحل البحر الأحمر، وربما أبعد من ذلك.

ويأتي ذلك بالتزامن مع قرار الأمم المتحدة إنهاء مهمة بعثتها لدعم اتفاق الحديدة (أونمها) بنهاية مارس (آذار) الجاري، ما يعزز التقديرات بعودة جبهة الساحل الغربي إلى مربع الصراع المسلح، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية وتراجع مسارات التهدئة.

وتتصاعد المخاوف الإقليمية والدولية من احتمال إقدام جماعة الحوثي على إغلاق مضيق باب المندب، في خطوة قد تأتي امتداداً لتحركات طهران في مضيق هرمز، بما يعكس اتساع نطاق الضغط على الممرات البحرية الحيوية.

يقول عدنان الجبرني، المتخصص في الشؤون العسكرية، إن «مغادرة البعثة الأممية بالتزامن مع دخول الحوثيين في حرب جديدة لصالح إيران، وما قد يترتب على هذا الانخراط من تداعيات على مستقبل اليمن والمنطقة، يجعل جميع الاحتمالات مفتوحة».

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن «انخراط الحوثيين يؤكد أن محركات الجماعة وأولوياتها مرتبطة بشكل أساسي بإيران ومحورها، وهو ما يشكل تحدياً خطيراً لليمنيين ومصالحهم ومستقبلهم، وكذلك للمنطقة عموماً، رغم حرص الجماعة على توظيف خطاب إسرائيل والقضية الفلسطينية».

انخراط الحوثيين في الحرب الإقليمية قد يؤدي لعملية محتملة لتحرير محافظة وميناء الحديدة (وكالات)

وحسب الجبرني، فإن «الحوثيين وصلوا داخلياً إلى حالة من الانسداد والانكشاف؛ حيث بلغ السخط الشعبي ضدهم وعزلتهم المجتمعية مستويات غير مسبوقة»، مضيفاً أن «ذلك يدفعهم نحو مزيد من الانخراط في معارك خارجية، وهو ما قد يرتد بتكلفة عالية على الجماعة ومستقبلها».

من جهتها، لم تستبعد المهمة الأوروبية (أسبيدس) استهداف الحوثيين السفن في البحر الأحمر وخليج عدن، داعية السفن العابرة في هذه المنطقة إلى توخي الحذر.

في المقابل، يرى مروان نعمان، الباحث في مركز واشنطن للدراسات اليمنية لدى الأمم المتحدة، أن «الأوان قد حان لتحرير مدينة الحديدة من الميليشيات الحوثية»، مشيراً إلى أن «قرار نقل السلطة في عام 2022، الذي تم بموجبه تشكيل مجلس القيادة الرئاسي، أكد أن حل الأزمة في اليمن سيكون سلماً أو حرباً».

ولفت نعمان -في تعليق لـ«الشرق الأوسط»- إلى أن «الرئيس رشاد العليمي دعا مؤخراً إلى تشكيل تحالف دولي لمواجهة التهديدات الحوثية في البحر الأحمر»، مضيفاً أن «التطورات الجديدة في المنطقة تجعل من تحرير مدينة الحديدة أمراً لازماً».

وأكد أن «انخراط الجماعة، بتوجيه من (الحرس الثوري) الإيراني، في خدمة أجندة إيران التوسعية الهادفة إلى زعزعة الاستقرار في المنطقة، يدق المسمار الأخير في نعشها».

الجماعة الحوثية تعيش أسوأ حالاتها حسب محللين (إ.ب.أ)

من جانبه، يتفق الكاتب السياسي اليمني همدان العليي على أن «انتهاء اتفاق استوكهولم، ومغادرة البعثة الأممية، يمثلان فرصة حقيقية لليمنيين والإقليم والمجتمع الدولي، لاستعادة مؤسسات الدولة في الحديدة، وصولاً إلى صنعاء».

ويرى العليي أن «أي عملية لتحرير الحديدة ومينائها ستسهم في حماية الممرات البحرية في باب المندب من الهجمات الحوثية، التي يُتوقع أن تتصاعد خلال الفترة المقبلة»، مضيفاً: «يبدو أننا أمام مواجهة جديدة (...) وأي خرق جديد من الحوثيين يعني الدخول في مرحلة مختلفة قد تقود إلى تحرير هذه المنطقة الجغرافية المهمة».

بدوره، يؤكد المحلل السياسي اليمني عبد الله إسماعيل، أن «هناك كثيراً من المؤشرات التي تدل على أن معركة تحرير الحديدة واليمن قادمة»، ولكنه يرى أن الإشكالية تكمن في التوقيت. وقال: «في تقديري، فإن معركة تحرير الحديدة والمناطق الأخرى قادمة، ولكن تحديد موعدها يخضع لجملة من المعايير والترتيبات التي تحول دون استفادة الحوثيين من عمليات التحشيد أو استغلالها في تغرير اليمنيين».

وأضاف: «نحن أمام متغيرات واضحة، وربما تكون الانتفاضة من الداخل اليمني هي الحاسمة، بينما يرى كثيرون أن الجماعة تحفر قبرها بيدها».

من الناحية العسكرية، يرى العقيد محمد جابر، مستشار قائد العمليات اليمنية المشتركة، أن «المعطيات المحلية والإقليمية الحالية تشير إلى أننا مقبلون على معركة (كسر عظم) مع مشروع نظام الملالي».

وأشار -في تصريح لـ«الشرق الأوسط»- إلى أنه «بعد سقوط اتفاق استوكهولم سياسياً وعسكرياً، تبرز مؤشرات واضحة على فتح جبهة الحديدة والساحل الغربي، وتحولها إلى ساحة مواجهة مفتوحة خلال الأيام المقبلة».

قوات تابعة للمقاومة الوطنية في الساحل الغربي (الجيش اليمني)

وحذَّر جابر من أن «الحوثيين استبقوا هذا التحول بتحشيد عسكري غير مسبوق منذ بداية عام 2026، بهدف تحويل الساحل إلى قاعدة صاروخية تخدم النظام الإيراني في صراعه الإقليمي، واستخدام باب المندب كورقة للمقايضة السياسية».

ووفقاً لوزير الإعلام اليمني معمر الإرياني، فقد وصلت قيادات وخبراء إضافيون من «الحرس الثوري» إلى صنعاء خلال الأسبوع الماضي، بالتزامن مع التصعيد الأخير.

وأوضح جابر أن «التحركات الأخيرة للحكومة الشرعية واللجنة العسكرية، بإشراف المملكة العربية السعودية، تعكس وجود ترتيبات جادة لتوحيد الجبهات تحت قيادة مشتركة، والاستعداد لسيناريو ردع جماعة الحوثي واستعادة المواني».

وأضاف: «اختار الحوثيون الانخراط في المعركة الإقليمية بإرادتهم، وقدَّموا أنفسهم كأداة تنفيذية ضمن غرفة عمليات مرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، مقدِّمين أولويات الصراع الإقليمي على حساب مصلحة اليمن واليمنيين، هذا القرار سيضعهم أمام مواجهة داخلية مع اليمنيين، ومواجهة مباشرة مع البيئة الإقليمية والدولية، بما قد يعجِّل بنهايتهم».