كشفت وثائق جديدة نشرت في تل أبيب، أمس، أن رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، كان قد قطع شوطاً طويلاً باتجاه قبول مبادرة السلام العربية والتوجه نحو مفاوضات لتحقيق السلام الإقليمي الذي يشمل تسوية القضية الفلسطينية أيضاً. لكنه تراجع عن ذلك بشكل فاضح، جعل المفاوضين معه يفقدون احترامهم له.
وجاء في الوثائق الرسمية التي نشرتها صحيفة «هآرتس»، أمس، أن مبادرة السلام الإقليمي الأولى طرحها وزير الخارجية الأميركي السابق جون كيري، والثانية طرحها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي. وكلاهما، كانا يدركان أن نتنياهو محكوم لليمين المتطرف في حكومته، فتوجها إلى زعيم المعارضة الإسرائيلي يتسحاق هرتسوغ حتى يدخل في الائتلاف الحكومي ويوفر لنتنياهو ما يحتاجه من دعم أكثرية أعضاء الكنيست (البرلمان الإسرائيلي).
وعندما طلب هرتسوغ شيئا مكتوباً، حتى لا يتهرب نتنياهو في المستقبل، عرض رئيس الحكومة عليه، فقط قبل ستة أشهر، وثيقة خطية تضمنت تصريحاً مشتركاً كان يفترض أن يحرك مبادرة السلام الإقليمية، ويشكل قاعدة لحكومة وحدة. وتتضمن الوثيقة، التي نشرت أمس للمرة الأولى، استعداد نتنياهو لتقبل تسويات إقليمية على أساس حل الدولتين، وكبح البناء في المستوطنات بشكل ملموس.
وكتبت الوثيقة باللغة الإنجليزية، كي يفهمها كيري، وتضمنت ثماني نقاط، هي: «نشكر الرئيس السيسي على استعداده للقيام بدور فاعل في دفع السلام والأمن في المنطقة، وإعادة تدشين العملية السلمية»، و«نعرب مجدداً عن التزامنا بحل الدولتين للشعبين ونصرح برغبتنا بدفعه»، و«إسرائيل تطمح لوضع حد للصراع وإنهاء المطالب كلها، والحصول على اعتراف متبادل بين الدولتين القوميتين، وترتيبات أمنية متواصلة وحل إقليمي متفق عليه، يعترف أيضاً بوجود مراكز السكان القائمة»، و«في إطار البحث عن السلام، تمد إسرائيل يدها للفلسطينيين وتطلب البدء بمفاوضات مباشرة، ثنائية الجانب، من دون شروط مسبقة»، و«إسرائيل تنظر بالإيجاب إلى الرياح العامة لمبادرة السلام العربية والمركبات الإيجابية التي تشملها. وترحب ببدء محادثات مع دول عربية حول هذه المبادرة، بهدف عكس التغييرات الدرامية التي طرأت على المنطقة خلال السنوات الأخيرة، والعمل معاً على دفع حل الدولتين والسلام الواسع في المنطقة».
وجاء في النقطة السادسة، تعهد غامض بـ«تطبيق النشاط الإسرائيلي في مستوطنات يهودا والسامرة بشكل يسمح بالحوار الإقليمي من أجل السلام، في سياق استئناف جهود السلام، ويسمح بتحقيق هدف الدولتين للشعبين». ويمكن اعتبار هذه الصياغة المعقدة إعراباً عن استعداد نتنياهو لـ«تجميد هادئ» وليس رسمياً للبناء في المستوطنات المعزولة التي لا تقع داخل الكتل التي تريد إسرائيل ضمها في إطار الاتفاق الدائم. ورفض نتنياهو إعلان هذا التجميد رسمياً، في إطار الاتصالات التي استؤنفت بعد تحويل الوثيقة إلى هرتسوغ، طالب الأخير بتحديد البند وشطب عبارة «في سياق استئناف جهود السلام»، بهدف تأكيد أن سياسة الاستيطان لن تكون مرتبطة بوجود المفاوضات مع الفلسطينيين، ووافق نتنياهو على ذلك.
أما النقطة الثامنة، فتضمنت التزام إسرائيل «بالعمل مع السلطة الفلسطينية بشكل كبير من أجل تحسين الأوضاع الاقتصادية والتعاون الاقتصادي، بما في ذلك في المنطقة ج، وتوثيق التنسيق الأمني». وخلال الاتصالات التي جرت بين نتنياهو وهرتسوغ، طلب الأخير تحديد هذا البند وتوضيح أن إسرائيل ستسمح للفلسطينيين بالبناء ودفع مشاريع في المنطقة ج، ووافق نتنياهو على ذلك. ونص البند الأخير على أن «إسرائيل معنية بالاستقرار طويل الأمد في غزة، بما في ذلك الترميم الإنساني وترتيبات أمنية ناجعة».
لكن، وبعد ثلاثة أسابيع من تحويل الوثيقة إلى هرتسوغ، وبعد الاتفاق المبدئي عليها، بدأ نتنياهو بالتراجع على خلفية الأزمة السياسية التي شهدتها الحكومة بسبب اضطرارها إلى تنفيذ قرار قضائي بإخلاء بؤرة الاستيطان «عمونة». ووصلت الاتصالات بين الجانبين إلى باب موصد، ومن ثم آلت نهائياً إلى الفشل في منتصف أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.
وكتبت «هآرتس» أن «الوثيقة التي حولها نتنياهو إلى هرتسوغ في 13 سبتمبر (أيلول)، بعد يومين من الاتصالات بينهما، كانت مسودة لبيان مشترك كان يفترض أن يلقياه خلال قمة في القاهرة أو في شرم الشيخ مع الرئيس المصري، وربما مع العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني أيضاً، كان يفترض أن تنعقد بعد ثلاثة أسابيع في مطلع أكتوبر، لتكون قمة ثانية بينهم، الأولى تمت في فبراير (شباط) 2016 ونشر عنها الأسبوع الماضي فقط. وكان من المتوقع أن تشكل هذه القمة بداية لمبادرة سلام إقليمية، وبعدها، كان ينوي نتنياهو وهرتسوغ فتح مفاوضات حثيثة لتشكيل حكومة وحدة».
وكانت سلسلة من الجهات الدولية ضالعة في الخطوة، وتم تحويل الوثيقة إلى مسؤولين في الحكومتين المصرية والأردنية، وكذلك إلى رئيس الحكومة البريطانية السابق توني بلير الذي كان ضالعاً في الاتصالات، وأيضاً إلى وزير الخارجية الأميركي السابق جون كيري، وبعض مستشاريه.
ويتضح من النشر أن نتنياهو تلاعب بالمبادرتين. فمن جهة حاول الظهور بتأييد مبادرة كيري ومن جهة ثانية حاول دفع مبادرة الرئيس السيسي. ففقد ثقة كليهما. ومما ذكره تقرير الصحيفة أن نتنياهو التقى في 26 يونيو (حزيران) الماضي مع كيري على وجبة عشاء في مطعم «بيير لويج» في روما. واستغرق اللقاء بضع ساعات. وروى مسؤول أميركي سابق ما حدث خلال اللقاء والمحادثة التي جرت بين كيري ونتنياهو. وسأل الأول الأخير: «ما خطتك بالنسبة إلى الفلسطينيين؟ ما الذي تريد حدوثه الآن؟ وكرر نتنياهو قوله بأنه معني بدفع مبادرة إقليمية مع دول عربية على أساس النقاط الخمس التي عرضها في قمة العقبة، قبل أربعة أشهر. فقال كيري إن الخطوات التي أبدى استعداده للقيام بها لن تكفي لجعل دول عربية تنضم إلى مبادرة سلام إقليمية، وأن التصريح الإيجابي الغامض عن مبادرة السلام العربية والخطوات الرمزية على الأرض لن تساعد على إحضار العرب إلى الطاولة. أنا أعرف ذلك لأنني سألتهم. ليس لديك مسار للعودة إلى المفاوضات المباشرة مع الفلسطينيين، وليس لديك مسار إلى الدول العربية. وصلت إلى السقف الزجاجي. ما خطتك؟».
واقترح كيري على نتنياهو مبادرة إقليمية مماثلة لتلك التي عرضها في العقبة. وفي مطلع يونيو (حزيران) الماضي، عقد في باريس لقاء بمشاركة 30 وزير خارجية، كجزء من مبادرة السلام الفرنسية. وكره نتنياهو الخطوة الفرنسية. لكن كيري قال له إن المبادرة التي يقترحها عليه ستستبدل مبادرة السلام الفرنسية وتشمل المركب الإقليمي الذي رغب فيه نتنياهو كثيراً. واقترح كيري عقد المؤتمر تحت المبادئ الستة للمفاوضات حول الحل الدائم الذي عرضه في قمة العقبة، وشمل الاعتراف بدولة يهودية. وقال كيري لنتنياهو إن «إسرائيل والفلسطينيين لن يلزموا بتبني المبادئ بل يمكنهم التحفظ عنها على الملأ. لكن عقد القمة سيقود إلى استئناف المفاوضات المباشرة، وتأسيس قناة محادثات مع دول عربية، تشمل نقاشات حول الترتيبات الأمنية الإقليمية التي تطرحها إسرائيل، واعتراف دول عربية وغربية كثيرة بمبادئ مهمة لنتنياهو كالاعتراف بالدولة اليهودية».
وقال دبلوماسي أميركي رفيع إن نتنياهو «لم يرد بالإيجاب على اقتراح كيري ولم يرفضه، واكتفى بالقول: إنه سيفكر فيه». ويضيف أن المبادرة الفرنسية، إلى جانب الخطوة الجديدة التي طرحها كيري، ضغطتا على نتنياهو وجعلتاه يجدد اتصالاته مع السيسي ومع بلير، لإعادة طرح فكرة دفع خطوة إقليمية تلتف على إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، ولا تلزم إسرائيل بتقبل نقاط كيري الست.
وفي 10 يوليو (تموز) الماضي، وصل وزير الخارجية المصري سامح شكري بشكل مفاجئ إلى تل أبيب. وكانت هذه أول زيارة يقوم بها وزير خارجية مصري لإسرائيل منذ عشر سنوات، وسبقتها زيارات عدة قام بها مبعوث نتنياهو المحامي يتسحاق مولخو إلى القاهرة. وفي ذلك اليوم، اجتمع شكري مع نتنياهو وكذلك مع هرتسوغ. وقال مسؤول إسرائيلي مطلع على القضية إن شكري وصل ليعرف ما إذا كان نتنياهو لا يزال ملتزماً بما قاله للرئيس المصري قبلها بشهرين، وهو أنه يرغب في أن تحاول مصر دفع المحادثات بين إسرائيل والفلسطينيين بدعم عربي. وقال شكري لنتنياهو إن مصر مستعدة للاستثمار في هذه الخطوة، لكنه أكد أن الكرة متواجدة في الملعب الإسرائيلي. وأوضح له أن مصر تريد معرفة الخطوات التي يوافق نتنياهو على القيام بها من أجل دفع مبادرة سلام. ونقل شكري هذه الرسالة إلى هرتسوغ أيضاً.
وفي الأسابيع التالية، ساد هدوء معين على مستوى الاتصالات الدولية، خصوصاً بسبب عطلة الصيف في الولايات المتحدة وأوروبا. ومع ذلك، واصل كيري إجراء محادثات هاتفية أسبوعية مع نتنياهو وجهات أخرى كثيرة في المنطقة. وحسب دبلوماسي أميركي رفيع في إدارة أوباما، فقد رفض كيري التخلي عن الفكرة، رغم أن مساعديه والبيت الأبيض قالوا له إن نتنياهو ليس جدياً، وأن هذه الخطوة خاطئة. وأوضح الدبلوماسي: «قال لي البيت الأبيض إن الرئيس أوباما يريد ترك نتنياهو والرئيس الفلسطيني محمود عباس ينضجان في العصير الذي أعداه. لكن كيري واصل الموضوع لأنه بالغ الأهمية بالنسبة إليه».
وثائق إسرائيلية تكشف إجهاض نتنياهو مبادرتين للسلام الإقليمي
إحداهما مصرية اقترحت تشكيل حكومة وحدة إسرائيلية تمهد لاستئناف المفاوضات مع الفلسطينيين
رئيس لجنة الأمن القومي في مجلس النواب الأميركي رون ديسانتس خلال مؤتمر صحافي أمس بعد لقاء وفد يرأسه مسؤولون إسرائيليون لمناقشة نقل سفارة بلاده إلى القدس الذي توقع إتمامه قبل نهاية مايو المقبل (إ.ب.أ)
وثائق إسرائيلية تكشف إجهاض نتنياهو مبادرتين للسلام الإقليمي
رئيس لجنة الأمن القومي في مجلس النواب الأميركي رون ديسانتس خلال مؤتمر صحافي أمس بعد لقاء وفد يرأسه مسؤولون إسرائيليون لمناقشة نقل سفارة بلاده إلى القدس الذي توقع إتمامه قبل نهاية مايو المقبل (إ.ب.أ)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة










