ترمب يعد بهزيمة «داعش» مع الحلفاء المسلمين

أكد رغبته في إصلاح اقتصاد بلاده والتركيز على نظام الهجرة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي أول خطاب له أمام الكونغرس الأميركي في واشنطن (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي أول خطاب له أمام الكونغرس الأميركي في واشنطن (إ.ب.أ)
TT

ترمب يعد بهزيمة «داعش» مع الحلفاء المسلمين

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي أول خطاب له أمام الكونغرس الأميركي في واشنطن (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلقي أول خطاب له أمام الكونغرس الأميركي في واشنطن (إ.ب.أ)

قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب في أول كلمة له أمام الكونغرس فجر اليوم (الأربعاء)، إنه منفتح على إصلاح واسع النطاق لنظام الهجرة في الولايات المتحدة في تحول عن لهجته المتشددة خلال الحملة الانتخابية.
وفي خطابه لبلد لا يزال منقسماً في شأن قيادته، أكد ترمب رغبته في التركيز على المشكلات في الداخل بتعزيز الاقتصاد من خلال إصلاحات ضريبية واستثمارات بقيمة تريليون دولار في البنية التحتية وإصلاح قانون الرعاية الصحية الذي صدر في عهد الرئيس السابق باراك أوباما.
وبعد شهر أول في السلطة هيمنت عليه المعركة في شأن الحظر المؤقت الذي فرضه على سفر مواطني سبع دول ذات غالبية مسلمة إلى الولايات المتحدة سعى ترمب إلى تجاوز فترة فوضوية ألقت بشكوك حول قدرته على الحكم بفاعلية.
وارتفعت الأسهم الأميركية في التعاملات الآجلة في بداية كلمة ترمب قبل أن تقلص مكاسبها في وقت لاحق من الخطاب.
وقال ترمب إن من الممكن إعداد خطة إصلاح موسعة في شأن الهجرة إذا رغب الجمهوريون والديمقراطيون في الكونغرس في الوصول إلى حل وسط. وأضاف أن الهجرة إلى الولايات المتحدة ينبغي أن تقوم على نظام يستند إلى الجدارة وليس على الاعتماد على المهاجرين الأقل مهارة.
وقال إن الإصلاحات من شأنها زيادة الأجور ومساعدة الأسر التي تواجه صعوبات على الانضمام إلى الطبقة المتوسطة.
وقال الرئيس الجمهوري الذي تبنى نهجاً متشدداً ضد المهاجرين غير القانونيين في حملته الانتخابية في 2016: «أعتقد أن من الممكن إحداث إصلاحات حقيقية وإيجابية في شأن الهجرة... ما دمنا نركز على الأهداف التالية: تعزيز الوظائف والأجور للأميركيين.. تقوية أمن بلدنا.. وإعادة الاحترام إلى قوانيننا».
وأعلن ترمب عزمه العمل مع الدول المسلمة «الحليفة» من أجل «القضاء» على تنظيم داعش. وقال: «كما وعدت، طلبت من وزارة الدفاع تنفيذ خطة لتدمير تنظيم داعش والقضاء عليه (...) سنعمل مع حلفائنا، خصوصاً أصدقاءنا وحلفاءنا في العالم الإسلامي للقضاء على هذا العدو البغيض».
وأطلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وعداً بإقامة «تحالفات جديدة» وتكوين «صداقات جديدة».
ومن دون أن يسمّي بالاسم روسيا، التي كان عبّر عن نيته في تحسين العلاقات معها، قال الرئيس الجمهوري في خطابه إن «أميركا حريصة على تكوين صداقات جديدة، وإقامة تحالفات جديدة، عندما نتقاسم المصالح نفسها».
كذلك ندد ترمب بشدة أمام الكونغرس بعمليات «التخريب» الأخيرة التي طالت مقابر يهودية وبـ«التهديدات» التي تم توجيهها إلى مراكز للمجتمع اليهودي في كل أنحاء الولايات المتحدة.
وقال ترمب في بداية خطابه أمام الكونغرس إن «أحدث التهديدات التي استهدفت مراكز للمجتمع اليهودي وتخريب المقابر اليهودية (...) تذكرنا بأنه إذا كنا ربما أمّة منقسمة عندما يتعلق الأمر بالسياسة، إلا أننا بلد موحد لإدانة الكراهية والشر بكل أشكاله».
وتعهد الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمام الكونغرس بأن تبدأ «قريباً» عملية بناء جدار «كبير» على الحدود مع المكسيك، وهو الوعد الأكثر رمزية ضد الهجرة الذي أطلقه خلال حملته الانتخابية.
وأكد ترمب في أول خطاب له أمام الكونغرس: «علينا إعادة فرض السلامة وتطبيق القانون على حدودنا. لهذا السبب، سنبدأ قريباً بناء جدار كبير على طول حدودنا الجنوبية»، وهو وعد تسبب بأزمة دبلوماسية بين واشنطن ومكسيكو.
وسعى ترمب لإعادة طمأنة الحلفاء الذين ما زالوا قلقين مما قاله أثناء حملته الانتخابية عام 2016 بشأن الالتزام بشؤون الدفاع لديهم ومواصلة الدور القيادي العالمي للولايات المتحدة. لكنه أوضح أيضاً أنه يتوقع من تلك الدول أن تتحمل المزيد فيما يتعلق باحتياجاتها الأمنية تكراراً لما ورد ضمن رسائل حملته بأن بعض الحلفاء استفادوا من كرم واشنطن التي منحتهم مظلة أمنية.
وكان بعض منتقدي ترمب اتهموه بعدم إدراك الفائدة التي عادت على الولايات المتحدة من وجود حلفاء ديمقراطيين أقوياء في دعم استقرار مناطق مضطربة مثل الشرق الأوسط وأوكرانيا وجنوب آسيا.
وجاء خطاب ترمب بعد إيفاده في وقت سابق من هذا الشهر لعدد من وزرائه إلى بروكسل وبون وميونيخ في ألمانيا بهدف تهدئة المخاوف الأوروبية.
ورغم أنه بدأ يعالج بعض المخاوف لدى حلفاء الولايات المتحدة، أكد ترمب بوضوح أنه يطلب منهم فعل المزيد. وقال:«نتوقع من حلفائنا سواء في حلف شمال الأطلسي أو الشرق الأوسط أو المحيط الهادي القيام بدور مباشر وذي مغزى في العمليات الاستراتيجية والعسكرية ودفع نصيبهم العادل في التكلفة».
داخليًا، وعد ترمب بتخصيص تريليون دولار من الاستثمارات العامة والخاصة من أجل تطوير البنية التحتية في الولايات المتحدة.
وقال ترمب في خطاب أمام الكونغرس: «بهدف بدء إعادة إعمار البلاد، سأطلب من الكونغرس الموافقة على التشريعات التي ستطلق استثمارات بقيمة تريليون دولار في البنية التحتية في الولايات المتحدة، سيتم تمويلها بفضل رؤوس أموال من القطاعين العام والخاص، وهو ما سيخلق ملايين الوظائف». وأضاف أن «أميركا أنفقت زهاء ستة تريليونات دولار في الشرق الأوسط، في حين تفككت البنية التحتية لدينا. بتلك التريليونات الستة من الدولارات كان بإمكاننا إعادة بناء بلدنا مرتين وحتى ثلاث مرات لو كان لدينا زعماء يملكون القدرة على التفاوض»، من دون أن يخوض في مزيد من التفاصيل حول شروط هذه الخطة الاستثمارية.
واستغل ترمب أسابيعه الأولى في السلطة لتكرار الوعود ببناء جدار على طول الحدود مع المكسيك وتكثيف عمليات ترحيل المهاجرين غير القانونيين الذين يرتكبون جرائم.
في الوقت نفسه، عبر عن تعاطفه مع الأطفال الذين دخلوا البلاد عندما عبر آباؤهم الحدود دون وثائق سليمة.
وعبر ترمب عن الحاجة لإقناع الأميركيين بالاحتشاد خلف جدول أعماله بعد انتخابات شهدت منافسة مريرة، إذ دعا لتأييد جهوده من أجل «فصل جديد من العظمة الأميركية». وقال إنه يريد تقديم «تخفيضات ضريبية هائلة» للطبقة المتوسطة وخفض ضرائب الشركات. لكنه لم يذكر تفاصيل.
وبدا خطابه كلمة رئاسية أكثر تقليدية من خطاب التنصيب في 20 يناير (كانون الثاني) الماضي، الذي رسم فيه صورة قاتمة للولايات المتحدة.
ودعا ترمب الكونغرس الذي يهيمن عليه الجمهوريون إلى إلغاء ووضع بديل لقانون الرعاية الصحية الذي صدر في عهد أوباما مع إصلاحات توسع الخيارات المتاحة وتزيد الاستفادة بالرعاية الصحية وتقلص التكاليف.
ولا يزال الجمهوريون منقسمين في شأن كيفية تحقيق هذا الهدف بينما يعارض الديمقراطيون بشدة أي تدخل في النظام الذي يوفر الرعاية الصحية لملايين الأميركيين ذوي الدخل المنخفض.
وجدد ترمب دعم بلاده لحلفائها الأمنيين القدامى حول العالم، لكنه أكد أن الأصدقاء والشركاء بدءا من أوروبا والشرق الأوسط وانتهاء بالمحيط الهادي عليهم «دفع نصيب عادل للتكلفة».



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended