الحرب الـ13 بين تركيا وإيران دونها «المخاوف المشتركة»

رغم خلافاتهما الكبيرة حول سوريا والعراق واليمن والخليج العربي

الحرب الـ13 بين تركيا وإيران دونها «المخاوف المشتركة»
TT

الحرب الـ13 بين تركيا وإيران دونها «المخاوف المشتركة»

الحرب الـ13 بين تركيا وإيران دونها «المخاوف المشتركة»

تشهد العلاقات التركية - الإيرانية موجة جديدة من التوتر الكبير، مدفوعة بعوامل الاختلاف الكبيرة بينهما حول ملفات المنطقة، وأبرزها سوريا. لكن هذه الموجة قد لا تكون بداية «الجولة الـ13» من القتال بينهما، فالمتابعون للعلاقة بينهما ما زالوا مقتنعين بأن «ضوابط» العلاقة الاستثنائية بين الطرفين ما زالت قائمة، وأن هذا الحدث الجديد لن يؤدي بهما إلى مواجهة ما... بانتظار حدث آخر. ويرى مراقبون أن العلاقة بين الطرفين تصلح لأن تكون نموذجًا يدرس حول كيفية حماية تغليب المصالح على عوامل الصراع الكثيرة والكثيرة بين البلدين اللذين يختلفان في كل شيء تقريبًا.. إلا واقعيتهما وبراغماتيتهما. لكن الباب يبقى مفتوحًا على خيار المواجهة بينهما في ظل تصاعد التوتر في المنطقة إلى حد قد لا تصلح معه براغماتية المائتي عام الماضية في عدم تكرار الحروب بينهما، وآخرها معركة جالديران في عام 1514، التي دار نقاش في تركيا حول إحياء مئويتها الثانية في عام 2014، لكن غض النظر عنه تفاديًا للتوتير مع إيران، خصوصًا أن التوتر بين البلدين كان مرتفعًا آنذاك.
حول النزاع التركي - الإيراني المتجدد، يقول أسعد حيدر، الباحث والكاتب اللبناني المتخصص بالشأن الإيراني إن تاريخ العلاقات بين البلدين كان دائمًا متوترًا وغنيًا بالمزاحمات والمنافسات، ويعود ذلك إلى نشأة الدولة الصفوية وتحولها إلى المذهب الشيعي بدفع من الإنجليز الذين عملوا على ذلك لإضعاف الفريقين، وعدم تحولهما إلى قوة إقليمية كبرى. ويشير حيدر إلى أن القرون الثلاثة الأولى من عمر العلاقات بين الجانبين حفلت بالحروب التي انتهت إلى التعادل في الانتصارات والخسائر، ففاز كل منهما بـ5 حروب وخسرا مثلها، كما انتهت حربان بلا غالب ولا مغلوب. وبعد نهاية آخر حرب بينهما في عام 1823 وتوقيعهما معاهدة سلام، انتقلت المنافسة إلى تحت سقف عدم المواجهة المباشرة، واستمر التعايش حتى يومنا هذا بسبب خوف الطرفين من عواقب المواجهة المسلحة.
تاريخيًا أبرم البلدان المعاهدات لتثبيت حدودهما واعتراف كل منهما بالآخر.. إيران للشيعة والدولة العثمانية للسنّة، وهو الأمر الذي تم في معاهدة زهاب الموقعة عام 1639، ليتحوّل الصراع على النفوذ «عقائديًا» في المنطقة بين الدولة الإيرانية الشيعية والدولة العثمانية السنّية، ومن بعدها وريثتاهما؛ الجمهورية الإسلامية الإيرانية والجمهورية العلمانية التركية.
ويتفق البلدان على تجنب المواجهة، لكنهما يختلفان في كثير من الملفات المتعلقة بالصراع على النفوذ بدءًا من جمهوريات آسيا الوسطى ووصولاً إلى العالم العربي، حيث تشكل الأزمة السورية عنوانًا فارقًا في العلاقات بين بلدين يتحالفان ويتصارعان في الوقت نفسه.
وبعد انهيار الدولة العثمانية ووصول العلمانيين إلى السلطة في تركيا بقيادة مصطفى كمال «أتاتورك»، تحوّلت العلاقة بين الطرفين إلى الدفء الشديد الذي غدا تحالفًا بين الطرفين المتمثلين بـ«أتاتورك» وخلفائه والشاه الإيراني رضا شاه في أواخر العشرينات وأوائل الثلاثينات. وفي 22 أبريل (نيسان) 1926، وقع البلدان في طهران «معاهدة صداقة» تنص مبادئها على الصداقة والحياد وعدم الاعتداء على بعضهما بعضًا. ونصت المعاهدة على إمكانية القيام بعمليات عسكرية مشتركة ضد «المجموعات في أراضي البلدين التي تسعى لتعكير صفو الأمن أو تحاول تغيير نظام الحكم في أي من البلدين»، في إشارة إلى الأقلية الكردية في البلدين.
وفي 23 يناير (كانون الثاني) 1932 وقع البلدان في طهران معاهدة ترسيم حدود نهائية. كذلك تقارب البلدان في مواجهة «الخطر السوفياتي» ووقفا سدًا أمام «التمدد الشيوعي» في المنطقة ووثقا تحالفهما مع الولايات المتحدة وتنامت قوتهما العسكرية إلى حد كبير ليصبح كل منهما «شرطيًا» في منطقته يهدد البلدان المجاورة، واعترفا معًا بإسرائيل ووثقا علاقتهما بها. وفي عام 1955 انخرطا معًا في تأسيس منظمة «الحلف المركزي» أو «حلف بغداد». وبعد فشل حلف بغداد، تأسس في عام 1964 مجلس التعاون الإقليمي للتنمية بهدف إقامة مشاريع اقتصادية مشتركة بين تركيا وإيران وباكستان.

الثورة الخمينية
في أواخر السبعينات تعرض البلدان لـ«ثورة» من جهة و«انقلاب» من جهة أخرى، إذ انتصرت ثورة الخميني في طهران عام 1979 وتصادم النظام الإيراني الجديد مع التحالف الدولي الذي تقوده واشنطن. وفي عام 1980 جاء الانقلاب العسكري في تركيا بقيادة كنعان إفرين الذي أصبح رئيسًا للجمهورية التركية لتعود العلاقات إلى مرحلة الفتور، لكن العلاقات عادت لتشهد نوعًا من الانتعاش بسبب الحرب العراقية - الإيرانية واضطرار إيران إلى استعمال تركيا كرئة تتنفس من خلالها اقتصاديًا، فعمدت إلى تمرير صادراتها ووارداتها عبر حدودها مع تركيا، التي تمتد من شمال غربي إيران وجنوب شرقي تركيا بطول 499 كيلومترًا.
ولكن بعد سقوط الاتحاد السوفياتي السابق وظهور الدول الآسيوية المستقلة عنه في منطقة آسيا الوسطى وبحر قزوين، ظهر صراع إقليمي جديد بين إيران وتركيا على مناطق النفوذ هناك. فهذه المنطقة الممتدة من كازاخستان شرقًا وأذربيجان غربًا تشكل امتدادًا جغرافيًا وثقافيًا للبلدين، وفيها ثروات نفطية وغازية كبيرة. فسارعت تركيا إلى توقيع اتفاقات اقتصادية وثقافية عدة، توجت باعتماد الصيغة التركية للأبجدية اللاتينية كأبجدية رسمية لدول آسيا الوسطى بدلاً من الأبجدية الروسية السلافية مع الاستبعاد النهائي للأبجدية الفارسية ذات الأحرف العربية التي تنازعت إيران مع تركيا عليها. وفي المقابل ترتبط إيران بعلاقات تاريخية مع تلك المناطق التي كان بعضها جزءًا من الإمبراطورية الفارسية التي فقدتها في حروبها مع روسيا كحال جمهورية جورجيا الحالية ومناطق كبيرة في أذربيجان. أما معاهدة غُلستان 1828 فقد سلخت من إيران كل الأراضي الواقعة شمال نهر آراس (أراكس) على تخوم القوقاز، ومنها يريفان عاصمة أرمينيا.
ولهذا كله لم يكن غريبًا أن ينفجر الصراع بين أرمينيا وأذربيجان على الأرض، أما اللافت فكان أن إيران وقفت إلى جانب أرمينيا المسيحية في حربها ضد أذربيجان المسلمة المدعومة من تركيا.

العراق وسوريا
في المقابل، أدى احتلال العراق لزيادة نفوذ إيران في المنطقة بتحكمها في العراق عبر الحلفاء. وهكذا استطاعت إيران تعويض خسائرها بعد أن كانت الكفة تميل لمصلحة أنقرة بعدما حسمت الصراع على طرق نقل أنابيب النفط من بحر قزوين وآسيا الوسطى لمصلحتها. ويأتي دور سوريا التي تراها إيران معبرًا استراتيجيًا لها إلى مواجهة إسرائيل والوصول إلى شواطئ البحر الأبيض المتوسط، فيما ترى فيها تركيا بوابة إلى العالم العربي تجاريًا واقتصاديًا وسياسيًا في ظل الحذر الذي قابلت به الدول العربية الأخرى العودة التركية إلى المنطقة. ويصف الكاتب التركي محمد زاهد غُل العلاقات التركية - الإيرانية بأنها «علاقات أخوية وتعاون بين دولتين إسلاميتين، تربطهما حدود وعلاقات جيوسياسية مهمة»، ويؤكد أن الحكومات التركية على الدوام سعت إلى علاقات اقتصادية قوية مع إيران، مشيرًا إلى أنه «لم تسؤ العلاقات بينهما إلا بسبب السياسة الطائفية للحكومات الإيرانية المعاصرة، وبالأخص، عندما دعمت إيران الأطراف السياسة في العراق وسوريا ولبنان واليمن وغيرها لأسباب طائفية فقط».
ويتابع غُل: «إيران عملت على صناعة محور سياسي وعسكري وطائفي في المنطقة أدى إلى توتير الأوضاع وزعزعة استقرار دول المنطقة، وقتلت ملايين المسلمين في هذه الدول منذ قيام الجمهورية الإيرانية، وهذا ليس في صالح إيران ولا الدول العربية والإسلامية في المنطقة، والسبب أن إيران أساءت قراءة الأحداث التي تبعت ما أطلق عليه ردات الربيع العربي، وما أطلق عليه من قبل (الفوضى الخلاقة) التي دعت إليها وزيرة الخارجية الأميركية السابقة كوندوليزا رايس عام 2006. إيران ظنت أن الظروف مواتية لها للتمدد السياسي تحت مساعدة التيارات السياسية والعسكرية الشيعية في المنطقة، وغرّ إيران السكوت أو الضوء الأخضر الأميركي لنشر ميليشياتها في المنطقة، وربما كان ذلك ضمن تفاهمات الاتفاق النووي الإيراني مع جون كيري. ولكنها الآن للأسف تحصد سلبيات ذلك، لأن إيران لا ولن تستطيع حكم شعوب المنطقة إطلاقًا ومهما قتلت منها، ولذلك فإن تركيا تريد علاقات صداقة صادقة مع إيران وضمن علاقات دولية صحيحة، إذا تعذر إقامتها على أساس أخوي، وليس على أسس طائفية ولا تدخل في شؤون الغير، وإلا تحولت العلاقات إلى ما لا تحمد عقباه».

مبادلات بالذهب... وفساد بالمليارات
وعودة إلى أسعد حيدر الذي يقول: «خلال الـ38 سنة التي تلت قيام الدولة الإيرانية الجديدة، كان هناك خوف من أن يصدم التوجه الديني للثورة الإسلامية مع العلمانية التركية، لكن الأمر لم يحصل. فالمقاطعة الاقتصادية، والمالية تحديدًا، التي قادتها الولايات المتحدة دفعت إيران مجبرة إلى الانفتاح أكثر على تركيا. وفي السنوات العشر الأخيرة تحولت تركيا إلى رئة اقتصادية لإيران مرت عبرها مختلف أنواع التجارة الإيرانية والنفط». ويضيف: «الطرفان تبادلا السلع بالذهب، حتى لا يدخلا بالتعقيدات المصرفية الناتجة عن العقوبات، وهذا أدى إلى نوع من الفساد في صفوف الطرفين، لأن العقود الضخمة بينهما فتحت المجال أمام هذه التجاوزات، وكان آخرها وأوضحها إعدام باباك ونجاني الذي كان سائقًا لدى أحد ضباط الحرس الثوري، وانتهى به الأمر خلال 10 سنوات إلى أن يصبح من أهم مليارديرات إيران. ولقد أعدم على عجل فيما يبدو أنه محاولة للتهرب مما قد تظهره محاكمته من أنه واجهة لفريق كبير من النافذين في الحرس الثوري» كما قيل آنذاك، على الرغم من محاولات الرئيس محمد روحاني تأجيل الإعدام والتوسع في المحاكمة.
ويوضح حيدر أن العلاقات مع تركيا كانت حجر الرحى في السياسة الاقتصادية لإيران خلال السنوات العشر الأخيرة، حتى ما قبل الاتفاق النووي مع الولايات المتحدة، ولذلك كان يتم بالتضحية بكثير من الشروط والقضايا في سبيل تخفيف الضغوط عن إيران. لكن عندما بدأت الحرب في سوريا ظهرت الهوة الكبيرة بينهما. وهذه الهوة تعمّقت وتوسعت والعمود الأساسي فيها كان مصير (رئيس النظام السوري بشار) الأسد الذي تعتبره طهران «الضلع الثالث» في «محور المقاومة» بعدها وبعد «حزب الله» اللبناني. وانطلاقًا من هذا مارست إيران أقصى درجات التشدد لإنقاذه، فكان من الطبيعي أن تختلف مع تركيا التي كان موقفها الأساس في سوريا «لا للأسد».
ويرى حيدر أن ما زاد في تعميق الأزمة حاليًا هو الانقلاب في الموقف التركي في سوريا، حيث حافظت أنقرة على موقفها من الأسد، لكنها اتجهت للاتفاق مع روسيا، فشعرت طهران أن الاتفاق تم على حسابها، وتأكدت شكوكها عندما بدأت روسيا تدخل تدريجيًا في الوضع السوري وتصبح الأولى في اتخاذ القرار، وغيران رغم كل ما قدمته من «تضحيات» الثانية، وهي التي كانت تتوقع أن تكون الأولى، خصوصًا أن الأسد في معادلة التفاضل بين روسيا وإيران، لا يضحي بإيران، لكنه لا يترك روسيا. وهذا التناقض أسهم في رفع التوتر مع تركيا. وزاد الأمر، أن تركيا رفعت من مستوى علاقاتها وتضامنها مع المملكة العربية السعودية، وهو ما ظهر في مواقف القادة الأتراك أخيرًا، فصعدت إيران.

التدخلات الإيرانية... والأكراد
ويرد زاهد غُل التوتر في العلاقات إلى «سبب واحد ووحيد، هو التدخل الإيراني في العراق وفي سوريا وفي اليمن وفي دول الخليج، لجعلها دولاً ضعيفة وتابعة لولاية الفقيه الإيراني في قُم وطهران. وللأسف، فإن السبب الوحيد يقوم على تفكير طائفي يضر بالدول الإسلامية قبل غيرها بما فيها إيران. وهذا السبب لا تستطيع إيران تكذيبه فهو أوضح من الشمس، فكل الألوية التي يعقدها الحرس الثوري في هذه الدول تحمل الأسماء الطائفية أولاً، ولا تقتل إلا من أبناء المسلمين السنة ثانيًا، والعلاقات المشبوهة بين الحرس الثوري الإيراني وتنظيم داعش لا تخفى على متابع!!!، والدول الأوروبية وأميركا التي شجعت إيران على هذا السلوك الإيراني العدواني مدركة لفائدته لها ولأمن إسرائيل».
لكن حيدر يجزم بأن إيران لن تدخل في حرب، أو مواجهة، أو حتى في حرتقات أمنية مع تركيا. ويرد ذلك إلى عامل أساسي هو الحدود المشتركة، والمشكلة المزدوجة مع الأكراد. فـ«الطرفان يتفقان على عدم استعمال الورقة الكردية في مواجهة أحدهما للآخر، لأن الأمر مضر لهما معًا، ولذلك يعملان على تأطير أي خلاف. كما أن الطرفين يتفقان على رفض تقسيم سوريا، لأنه قد يمتد إليهما، معتبرًا أن إيران وتركيا وضعتا خطوطًا حمراء وسقفًا محددًا لا يمكن تجاوزه في العلاقة بينهما بحيث لا تنفجر العلاقة وتتحول إلى صدام». ويشدد على أن الطرفين يحتاجان بعضهما اقتصاديًا، وهما يعملان على رفع التبادل التجاري بينهما إلى حدود 30 مليار دولار. ويخلص إلى أن الروابط المعقدة تجعل العلاقة مليئة بكثير من الضوابط لمنع تحولها إلى صدام مستقبلي بانتظار حصول حدث مستقبلي جديد.
أما غُل فيرى في المقابل، أن «العلاقات المستقبلية تقوم على حسن الجوار وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى»، منتقدًا «محاولات إيران دعم الميليشيات الحزبية التي تستهدف الأمن القومي التركي للخطر هو ضد تحسين العلاقات». ويوضح: «لا يمكن إخفاء أن إيران من خلال حرسها الثوري قدمت الدعم لحزب الاتحاد الديمقراطي في سوريا، ولحزب العمال الكردستاني في العراق، وهما حزبان يستهدفان الأمن التركي بالتفجيرات الإرهابية، وإضافة لذلك، فالإعلام الإيراني الرسمي لا يتوقف عن الإساءة إلى القيادة السياسية في تركيا وحزب العدالة والتنمية، وتقف إلى جانب المشككين بالدور التركي في المنطقة، وهذا يعني أن القيادة السياسية الإيرانية تضع تركيا في خانة الأعداء، وإلا لغيرت سياستها الإعلامية على الأقل، وتغير السياسة الإعلامية الإيرانية نحو تركيا يعني أن إيران غلبت المصالح الأخوية والاقتصادية على العوامل الآيديولوجية الطائفية الضيقة، وهو ما تأمله تركيا».



الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
TT

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة معقدة من العلاقات في المنطقة. فبكين، التي تحوّلت خلال العقدين الأخيرين إلى أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين في الشرق الأوسط، تجد نفسها اليوم أمام معادلة شديدة الحساسية: فمن جهة كيف تحافظ على شراكتها الاستراتيجية مع إيران، ومن جهة أخرى، وفي الوقت ذاته، كيف تصون علاقاتها العميقة مع دول الخليج، وتتجنب الإضرار بعلاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية مع إسرائيل.

معادلات الشرق الأوسط ليست سهلة. فهذه المنطقة بالنسبة للصين ليست مجرد مساحة جغرافية بعيدة، بل منطقة حيوية تتقاطع فيها ثلاثة عناصر أساسية في الاستراتيجية الصينية: أمن الطاقة، واستقرار طرق التجارة، وتوسّع «مبادرة الحزام والطريق». ولذا؛ فإن أي حرب واسعة في المنطقة لا تشكّل تهديداً سياسياً فحسب، بل تمسّ مباشرة مصالح الصين الاقتصادية والاستراتيجية.

من هذا المنطلق، يمكن فهم الموقف الصيني من الحرب على إيران بوصفه محاولة واعية للحفاظ على سياسة التوازن الدقيق بين أطراف متعارضة، دون الانخراط في الصراع أو التحول إلى طرف فيه.

إيران وموقعها في الاستراتيجية الصينية

تحتل إيران موقعاً مهماً في الرؤية الجيوسياسية الصينية، ليس فقط بسبب مواردها الطاقوية الكبيرة، بل أيضاً بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط آسيا الوسطى بالشرق الأوسط وأوروبا. وقد تعزّز هذا الموقع مع توقيع «اتفاقية التعاون الاستراتيجي الشامل» لمدة 25 سنة بين الصين وإيران في عام 2021، وهي الاتفاقية التي فتحت الباب أمام تعاون واسع في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل والاستثمار.

بالنسبة لبكين، تمثل إيران عقدة مهمة في مشروع «مبادرة الحزام والطريق»؛ ذلك أنها تشكل ممراً جغرافياً رئيساً يربط الصين بالأسواق الغربية عبر آسيا الوسطى والشرق الأوسط. ثم أن إيران، بحكم استقلالية قرارها السياسي عن الغرب، تُعد شريكاً بإمكان الصين التعامل معه خارج منظومة الضغوط والعقوبات الغربية، وهو ما يفسر استمرار التعاون الاقتصادي بين البلدين رغم القيود الدولية.

لكن في الوقت ذاته، لا تنظر الصين إلى علاقتها مع إيران بوصفها تحالفاً عسكرياً أو سياسياً موجّهاً ضد طرف آخر. إذ إن بكين تدرك أن الانحياز الكامل إلى طهران سيعرّض مصالحها الواسعة في المنطقة للخطر. ولذلك؛ تحرص دائماً على إبقاء العلاقة في إطار الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية من دون أن تتحول إلى اصطفاف جيوسياسي حاد.

وزير الخارجية السعودي الأميرفيصل بن فرحان مع نظيره الصيني وانغ يي (وزارة الخارجية الصينية)

الخليج: شريان الطاقة للصين

من جانب آخر، إذا كانت إيران شريكاً مهماً للصين، فإن دول مجلس التعاون الخليجي الخليج تمثل بالنسبة للقيادة الصينية الركيزة الأساسية لأمن الطاقة.

فالصين اليوم هي أكبر مستورد للنفط في العالم، ويأتي جزء كبير من وارداتها النفطية من دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر والكويت.

وهذا الاعتماد الكبير على الطاقة الخليجية جعل بكين تعمل خلال السنوات الماضية على تطوير علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول المنطقة بشكل غير مسبوق. وبالفعل، شهدت العلاقات الصينية الخليجية توسعاً كبيراً في مجالات الاستثمار والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

ثم أن التعاون بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي لم يعد مقتصراً على النفط، بل امتد إلى مشاريع كبرى في مجالات المواني واللوجيستيات والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي؛ وهو ما يعكس تحوّل العلاقة إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.

في هذا السياق، تدرك القيادة في بكين أن أي حرب واسعة النطاق في المنطقة قد تهدّد استقرار أسواق الطاقة العالمية، وتؤدي بالتالي إلى اضطرابات في إمدادات النفط والغاز؛ وهو ما قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الصيني. وبناءً عليه؛ ترى بكين اليوم في الاستقرار الإقليمي شرطاً أساسياً لحماية مصالحها الاقتصادية.

ولقد ظهر هذا التوجه بوضوح في الدور الذي لعبته بكين في رعاية الاتفاق التاريخي لاستئناف العلاقات بين السعودية وإيران في عام 2023، وهو اتفاق اعتبره كثيرون مؤشراً على صعود الدور الدبلوماسي الصيني في الشرق الأوسط.

العلاقة «المعقدة» مع إسرائيل

في الوقت عينه، طوّرت الصين خلال العقود الماضية علاقات اقتصادية وتكنولوجية مهمة مع إسرائيل. فقد أصبحت إسرائيل أحد الشركاء البارزين للصين في مجالات الابتكار والتكنولوجيا المتقدّمة، كما شاركت الشركات الصينية في تنفيذ مشاريع بنية تحتية مهمة داخل إسرائيل، بما في ذلك تطوير بعض المواني ومشاريع النقل.

هذه العلاقة تعكس اهتمام الصين بالاستفادة من القدرات التكنولوجية الإسرائيلية، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

لكن في ظل التصعيد العسكري في المنطقة، حرصت سلطات بكين على التأكيد أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً. وفي هذا السياق، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي اتصالات مع الأطراف المعنية، شدّد خلالها على «ضرورة وقف العمليات العسكرية وتجنب توسيع رقعة الحرب، والعمل على إعادة فتح المسارات الدبلوماسية، بما في ذلك تواصل مع الجانب الإسرائيلي ضمن مساعي التهدئة».

غير أن هذه العلاقة شهدت خلال السنوات الأخيرة بعض التعقيدات، خصوصاً في ظل الضغوط الأميركية على إسرائيل لتقليص تعاونها التكنولوجي مع الصين. كما أن التصعيد العسكري المتكرّر في المنطقة وضع بكين أمام تحدٍ إضافي في إدارة علاقاتها مع إسرائيل دون أن تبدو منحازة في الصراعات الإقليمية.

موقف الصين من الحرب

انطلاقاً من هذه الشبكة المعقدة من العلاقات، جاء الموقف الصيني من الحرب على إيران منسجماً مع نهج بكين التقليدي في السياسة الخارجية، لكنه في ضوء التطورات الأخيرة بات أكثر حذراً وواقعية.

ذلك أن التصعيد الذي شهدته المنطقة خلال الأيام الماضية، من ضربات واسعة واستهدافات مباشرة وردود متبادلة طالت مصالح وقواعد، وضع الصين أمام مشهد يتجاوز الحسابات التقليدية. والقصد هنا أن الحرب لم تعد مجرد احتمال، بل صارت مساراً قائماً يتّسع تدريجياً.

في هذا السياق، كثّفت بكين تحركاتها الدبلوماسية بشكل لافت، فأرسلت مبعوثها الخاص إلى الشرق الأوسط، حيث أجرى لقاءات مع عدد من المسؤولين، أبرزها مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في خطوة تعكس إدراك الصين لأهمية التنسيق مع القوى المحوَرية في استقرار المنطقة. وبالتوازي، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي سلسلة اتصالات مع أطراف إقليمية ودولية، شملت أيضاً تواصلاً مع الجانب الإسرائيلي، ركّز خلالها على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، ورفض توسيع دائرة الحرب، والدفع نحو إعادة فتح المسارات السياسية.

أيضاً شددت القيادة الصينية على أهمية «احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها»، ورفضت أي سياسات تقوم على تغيير الأنظمة بالقوة أو فرض الوقائع العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية.

غير أن ما يلفت في الموقف الصيني هو إدراكه أن هذه الحرب، إذا ما استمرت، لن تبقى محصورة في حدود إيران، بل ستصبح مرشحة لإعادة رسم توازنات المنطقة بأكملها، بما في ذلك الخليج وشرق المتوسط. وهذا الأمر، بالذات، يفسّر الحذر الشديد في الخطاب السياسي الصيني إزاء الحرب الراهنة، فهو من جهة يتجنب الانحياز العلني، لكنه من جهة ثانية - وفي الوقت ذاته - يرفض منطق الحسم العسكري.

بكين ترى أن هذه الحرب - إذا استمرت - لن تبقى محصورة في حدود إيران... بل ربما تؤدي لرسم توازنات المنطقة بأكملها

قراءات الصين بين الاستفادة والحذر

وسط هذا المشهد، يُطرح سؤال يتكرر في الأوساط السياسية: هل تُعدّ الصين الرابح من تعثر الولايات المتحدة في إدارة الحرب؟

الواقع أن الإجابة ليست بهذه البساطة.

إذ بكين تراقب، من دون أدنى شك، كيف تواجه واشنطن صعوبات في تحقيق حسم سريع، وما قد يرافق ذلك من «تآكل في صورة» القوة القادرة على فرض نتائجها. وبالطبع، هذا ربما يمنح الصين هامشاً سياسياً أوسع لتعزيز خطابها حول عالم متعدد الأقطاب، وإعادة طرح تساؤلات حول فاعلية السياسات القائمة على القوة العسكرية.

ولكن في المقابل، لا تنظر الصين إلى هذا التعثر بوصفه «نصراً» لها بقدر ما تراه مؤشراً على بيئة دولية أكثر اضطراباً وخطورة. ذلك أن «الحروب المفتوحة» في منطقة الشرق الأوسط لا تخدم المصالح الصينية، بل، بالعكس، تهدد مباشرة أمن الطاقة واستقرار طرق التجارة وسلاسل الإمداد التي يقوم عليها صعودها الاقتصادي.

لذلك؛ يمكن القول إن الصين ليست رابحاً مباشراً في هذه الحرب، بل فاعل حذر يستفيد من أخطاء الآخرين دون أن يتمنى استمرارها... ويدرك أن أي انفلات واسع في المنطقة قد يتجاوز الجميع ويعيد رسم قواعد اللعبة الدولية بشكل لا يمكن التحكم به.

الشرق الأوسط في الرؤية الصينية

خلال السنوات الأخيرة، بدأت الصين تنظر إلى الشرق الأوسط من منظور أوسع يتجاوز البُعد الاقتصادي وحده. فالمنطقة أصبحت ساحة مهمة في التنافس الدولي، لكنها - وفقاً للمسؤولين الصينيين - تمثّل في الوقت نفسه فرصة لبكين لتعزيز دورها كقوة دولية كبيرة تسعى إلى دعم الاستقرار والتنمية.

وفي هذا السياق، طرحت الصين مجموعة من المبادرات الدولية التي تهدف إلى إعادة صياغة آليات التعاون الدولي، من أبرزها: «مبادرة التنمية العالمية»، و«مبادرة الأمن العالمي»، و«مبادرة الحوكمة العالمية» التي تركز على إصلاح منظومة الحوكمة الدولية وتعزيز التعددية واحترام سيادة الدول.

وفق مسؤولين في بكين، تنسجم هذه المبادرات مع رؤية الرئيس الصيني شي جينبينغ، الذي يؤمن بأن العالم يحتاج إلى نظام دولي «أكثر توازناً وعدالة»، يقوم على «التعاون المتكافئ بين الدول واحترام خصوصياتها التنموية والثقافية».

«دبلوماسية التوازن»

في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن السياسة الصينية في الشرق الأوسط تقوم راهناً على ما يمكن تسميته «دبلوماسية التوازن». إذ إن الصين تحاول الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف الإقليمية، من دون الانحياز إلى محور ضد آخر. وهذه الدبلوماسية تقوم على ثلاث معادلات أساسية:

- الحفاظ على الشراكة مع إيران

- ضمان أمن الطاقة عبر الخليج

- الاستمرار في التعاون مع إسرائيل.

لكن مع اتساع رقعة التصعيد، لم يعُد هذا التوازن مجرّد خيار دبلوماسي مريح، بل تحوّل ضرورة استراتيجية معقدة، تتطلّب إدارة دقيقة لتفادي الانزلاق إلى مواقف قد تضرّ بمصالح الصين أو تقيّد حركتها في المنطقة.

وفي لحظة تتقدّم فيها لغة القوة على ما عداها، تحاول سلطات بكين أن تطرح رؤيتها كصوت مختلف، لا يملك أدوات الحسم العسكري، لكن لديه رؤية تقوم على منع الانهيار الشامل بدل من الاكتفاء بإدارة نتائجه. أخيراً، مع اتساع رقعة المواجهة في المنطقة، سيبقى اختبار بكين الحقيقي ليس فقط قدرتها على الحفاظ على توازن علاقاتها، بل في مدى نجاحها في تحويل هذا التوازن دوراً فاعلاً يمنع الانزلاق نحو حرب أكبر.

وبخاصة، أنه في شرق أوسط يشتعل على أكثر من جبهة، لم يعد التوازن خياراً دبلوماسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية... للصين وللعالم.

 

* رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث ورئيس الرابطة العربية الصينيةللحوار والتواصل


ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
TT

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة أُنهكت بالفضائح والاحتجاجات وسوء التواصل مع الكونغرس، بل عن شخصية تعكس، بأسلوبها وطباعها، المرحلة نفسها: صدامية، وهجومية، ومشدودة بالكامل إلى أولوية الهجرة والأمن الحدودي قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. فمَلين لا يأتي من مدرسة الأمن القومي التقليدية، ولا من أجهزة إنفاذ القانون أو الاستخبارات، بل من عالم الأعمال العائلية والرياضة القتالية والسياسة الشعبوية. لذا يبدو ترشيحه، في جوهره، رسالة سياسية أكثر منه تعييناً تكنوقراطياً. ترمب يريد وزيراً قادراً على الدفاع عن نهجه، وامتصاص غضب الجمهوريين من فوضى نويم، ومواجهة الديمقراطيين الذين يربطون تمويل الوزارة بإصلاحات تحدّ من أساليب وكالة الهجرة والجمارك (آيس)، وهيئة الجمارك وحماية الحدود (سي بي بي). لكن هذا الاختيار نفسه يفتح أسئلة ثقيلة منها: هل تصلح شخصية قتالية لإدارة جهاز ضخم يضم أكثر من 20 وكالة ومئات آلاف الموظفين؟ وهل يستطيع مَلين أن يكون رجل ضبط مؤسسي، لا مجرد رأس حربة سياسي؟

ماركواين مَلين، المولود في مدينة تولسا، ثاني كبرى مدن ولاية أوكلاهوما، عام 1977، هو أصغر الأبناء السبعة لجيم مارتن مولين وبريندا غايل موريس مَلين، وابن بيئة ريفية محافظة في أوكلاهوما، نشأ في مزرعة العائلة ببلدة وستفيل. وبصفته عضواً في «أمة الشيروكي»، أكبر قبيلة من شعوب أميركا الأصلية (الهنود الحُمر)، يُعد أول سيناتور من السكان الأصليين منذ تقاعد السيناتور بن نايتهورس كامبل عام 2005. كما أنه ثاني مواطن من «الشيروكي» يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ منذ عام 1925.

خلفية ريفية

خلال الفترة من 2013 إلى 2023، شغل مَلين منصب الممثل الأميركي عن الدائرة الانتخابية الثانية لولاية أوكلاهوما. وكان قد تخرج في مدرسة ستيلويل الثانوية بمدينة ستيلويل بأوكلاهوما، والتحق بكلية ميسوري فالي، إلا أنه تركها مؤقتاً في سن العشرين بعدما مرض والده، ليتولّى مع زوجته كريستي إنقاذ شركة العائلة «مَلين لأعمال السباكة»، ثم توسيعها إلى شبكة أعمال شملت مجالات أخرى.

ولاحقاً، تابع دراسته الجامعية في تكنولوجيا البناء بمعهد التكنولوجيا الملحق بجامعة ولاية أوكلاهوما، وبنى صورته السياسية على أنه «رجل من خارج المؤسسة» يعرف الاقتصاد الحقيقي والأعمال الصغيرة أكثر مما يعرف «بيروقراطية» واشنطن.

خلفيته هذه هي التي جعلته جذاباً داخل الحزب الجمهوري، وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين؛ فهو رجل ناجح، ريفي، متديّن، قريب من المزاج المحافظ في أوكلاهوما (أكثر ولايات أميركا محافظةً)، ويمكن تسويقه بسهولة بوصفه نموذجاً لـ«الأميركي المنتج» لا السياسي المحترف.

هذه السيرة الشخصية تحمل أيضاً عنصراً رمزياً مهماً: مَلين سيكون، إذا ثُبّت، من أبرز الشخصيات المنتمية إلى «أمة الشيروكي» في أعلى هرم السلطة الفيدرالية الأمنية.

غير أن هذا البُعد الرمزي لا يكفي وحده لرد الانتقادات؛ فخصومه لا ينازعونه في قصة الصعود الاجتماعي، بل في صلتها الفعلية بالمنصب الجديد. ومَن انتقل من السباكة والأعمال إلى مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، لم يمرّ عبر مسار مهني تقليدي في الأمن الداخلي، أو إدارة الحدود، أو الاستجابة للكوارث... وهذه ملفات تمثل عصب الوزارة التي سيقودها. ولهذا فإن ما يُحسب له انتخابياً بوصفه «قريباً من الناس»، قد يُحسب عليه إدارياً بوصفه نقصاً في الخبرة النوعية.

«المقاتل الخشن»

ما ميّز مَلين في واشنطن ليس فقط خطه المحافظ، بل أسلوبه الشخصي؛ فهو مقاتل فنون قتالية مختلطة سابق، وسيرته الرسمية تذكر سجلّه الاحترافي غير المهزوم، كذلك بُني حضوره العام طويلاً على صورة الرجل القوي، السريع الغضب، المستعد للمواجهة المباشرة.

هذه الصورة بلغت ذروتها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 حين تحدّى شون أوبراين، رئيس النقابة الدولية لعمال النقل (التيمسترز)، إلى عراك داخل جلسة استماع في مجلس الشيوخ، في مشهد تحوّل إلى اختصار رمزي لشخصيته السياسية: هجومية، واستعراضية، وغير معنية كثيراً بخطوط الوقار المؤسسي التقليدية.

حتى جلسة تثبيته نفسها لم تخلُ من هذا الإرث؛ إذ افتتحها رئيس لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية في مجلس الشيوخ السيناتور الجمهوري راند بول، بمواجهة شخصية قاسية، مذكّراً بخلافاتهما السابقة، وباللغة التي استخدمها مَلين بحقه، ما جعل الجلسة منذ بدايتها اختباراً للمزاج والطباع بقدر ما كانت اختباراً للسياسات.

هنا تكمن المعضلة الأساسية؛ فترمب يرى في «الصلابة» ميزة، وكثيرون من الجمهوريين يؤمنون بأن وزارة الأمن الداخلي، بعد شهور من الفوضى والارتباك، تحتاج إلى شخص «يمسكها بقبضة قوية». لكن ما يراه البيت الأبيض حزماً، يراه الديمقراطيون وبعض الجمهوريين اندفاعاً قد يزيد تأزيم وكالة تعمل أصلاً تحت ضغط سياسي ومالي وشعبي غير مسبوق.

«غموض» السيرة الأمنية

لكن أخطر ما يلاحق مَلين راهناً ليس افتقاره إلى الخبرة الإدارية فحسب، بل أيضاً الغموض الذي أحاط به شخصياً حول ما وصفه مراراً بأنه خبرات أو «مهمات خاصة» خارج وزارة الدفاع وفي الخارج؛ إذ تكلّم في مناسبات مختلفة عن وجوده في «بيئات حرب»، وعن «رائحة الحرب». وأشار بعد اقتحام «الكابيتول» يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2021 إلى أنه «دافع عن المبنى»؛ لأنه أدرك سريعاً خطورة الموقف؛ لأنه «كان في مثل هذه الظروف في الخارج» من قبل، بيد أنه أحجم مراراً عن تقديم تفاصيل. وعندما سُئل، عاد لمكتبه هذا الأسبوع ليقول إن الأمر يتعلق بأعمال تبشيرية ودعم معنوي للجنود الأميركيين العائدين، إضافة إلى رحلات وفود برلمانية اعتيادية. هذه الفجوة بين الإيحاء الأمني والتفسير المتأخر هي ما جعل منتقديه يتكلمون عن محاولة لصناعة «رصيد بطولة ضمني» لا تدعمه سيرة معلنة أو خدمة عسكرية فعلية.

تتصل بهذه النقطة أيضاً «حكاية أفغانستان» في صيف 2021، حين حاول مَلين - وكان آنذاك نائباً في مجلس النواب - الوصول إلى المنطقة للمساعدة في إجلاء أميركيين وحلفاء بعد الانسحاب الأميركي الفوضوي.

بالنسبة لمؤيديه، كانت تلك الحلقة دليلاً على نزعة فعلية للمبادرة والمخاطرة... ولكن بالنسبة لمنتقديه جسّدت ميلاً إلى الأداء الفردي الملتبس عند تقاطع الأمن والسياسة والاستعراض.

هذا السجال مهمٌّ؛ لأن المنصب المطروح اليوم ليس منصب «رسول أزمة»، بل رئاسة مؤسسة عملاقة تحتاج إلى وضوح في التسلسل القيادي، وتحديد قانوني دقيق للمهام، وانضباط في الخطاب العام.

6 يناير... والولاء لترمب

في السياسة، يُقرأ مَلين أولاً كحليف شديد الوفاء لترمب. صحيح أنه حاول بعد هجوم «الكابيتول» أن يقدّم نفسه كأحد الذين استشعروا الخطر وساعدوا شرطة «الكابيتول». والمشكلة ليست في تلك اللحظة وحدها، ولكن عندما لم يتحوّل بعد 6 يناير إلى جمهوري ناقد لترمب، بل بقي داخل الدائرة المخلصة له سياسياً.

هذا الولاء هو بالضبط ما يطمئن البيت الأبيض اليوم، ويجعل كثيراً من الديمقراطيين مقتنعين بأن تغيير الاسم على باب الوزارة لن يعني تغييراً حقيقياً في سياساتها. فمَلين، في ملفات الهجرة خاصة، كان في حالة تطابق شبه كامل مع خط الإدارة، ودافع عن عناصر «آيس» حتى بعد حوادث القتل التي فاقمت الغضب العام.

وهنا تأتي المفارقة: الرجل يُسوَّق جمهورياً على أنه بديل عن كيرستي نويم، لكنه يُفهم ديمقراطياً على أنه استمرار أكثر انضباطاً لنهجها، لا قطيعة معه، ثم إن الديمقراطيين لا يرون أن مشكلتهم كانت مع شخصية نويم وحدها، بل مع بنية القرار نفسها داخل البيت الأبيض، حيث لا يزال ستيفن ميلر، مستشار ترمب ونائب كبير موظفي البيت الأبيض، صاحب التأثير الأكبر في ملف الأمن الداخلي والهجرة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن مَلين قد ينجح في تحسين العلاقة مع الكونغرس، أو في إعادة شيء من الانضباط الإداري، لكنه لن يكون حراً في قلب فلسفة الوزارة، أو تخفيف القبضة على إنفاذ الهجرة.

ما الذي يرثه مَلين بعد نويم؟

خروج كيرستي نويم لم يكن مجرد تبديل روتيني؛ فبحسب «رويترز» ووسائل أميركية عدة، جاء بعد تراكم أزمات: مقتل مواطنين أميركيين في مينيابوليس خلال عمليات مرتبطة بإنفاذ الهجرة، وغضب من الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما)، وتأخر المساعدات، ومأزق إعلان حكومي ضخم بقيمة تفوق 200 مليون دولار ارتبط باسمها، وأثار امتعاض ترمب نفسه حين قال إنه لم يوافق عليه.

كذلك اشتكى جمهوريون من ضعف التواصل بين الوزارة والكونغرس، وهذه نقطة تكرّرت بقوة خلال الأيام التي سبقت جلسة مَلين. وبهذا المعنى، أُخرجت نويم بوصفها «كبش فداء» جزئياً، لكن أيضاً بوصفها عنواناً لفشل سياسي وإداري صار مكلفاً انتخابياً.

بالتالي، ما يرثه مَلين ليس جهازاً متماسكاً، بل وزارة مأزومة: نزاع أدى إلى تعطل تمويل بعض أنشطة الوزارة، وضغط ديمقراطي لفرض قيود على سلوك عناصر الهجرة، وتراجع في الرأي العام تجاه أساليب «آيس»، واستنزاف معنوي داخل أجهزة مثل إدارة أمن النقل (تي إس إيه) و«فيما». ففي استطلاع «رويترز - إبسوس» في يناير الماضي، قال 58 في المائة إن حملة «آيس» قد «ذهبت بعيداً»، في حين هبطت شعبية ترمب بموضوع الهجرة إلى 39 في المائة، رغم بقاء الجمهوريين متقدمين نسبياً على الديمقراطيين في ثقة الناخبين بهذه القضية.

هذه الأرقام تفسر سبب حاجة ترمب إلى شخصية قادرة على الجمع بين أمرين متناقضين ظاهرياً؛ أي مواصلة التشدد، لكن من دون إعادة إنتاج الفوضى البصرية والسياسية التي التصقت بنويم.

انتخابات نوفمبر

على الأرجح، لن يُقاس نجاح مَلين خلال الأشهر القليلة المقبلة بمعيار الإصلاح المؤسسي العميق، بل بثلاثة اختبارات أكثر مباشرة:

الأول، هل يستطيع تهدئة الجبهة الجمهورية الداخلية عبر تحسين إدارة «فيما»، والرد على شكاوى أعضاء الكونغرس من انقطاع التواصل؟

الثاني، هل ينجح في تمرير تمويل الوزارة، أو على الأقل تخفيف تكلفة الاشتباك مع الديمقراطيين حوله؟

والثالث، هل سيستطيع مواصلة حملة ترمب على الهجرة بطريقة أقل فوضى وأقل تكلفة دعائية؟

لكن حدود نجاحه واضحة أيضاً؛ فالديمقراطيون سيواصلون استخدامه منصة لإبراز ما يعتبرونه «قانونية منفلتة» داخل «آيس»، وهيئة الجمارك وحماية الحدود «سي بي بي»، لا سيما بعد حوادث مينيابوليس، ثم إن افتقاره إلى الخبرة المباشرة في ملفات الأمن الداخلي يمنح خصومه مادة جاهزة للتشكيك في قدرته على إدارة وزارة بهذا التعقيد. وإضافة إلى ذلك، فإن أي محاولة منه لتقديم نفسه مصلحاً معتدلاً ستصطدم بولائه السياسي لترمب، وأي انحياز كامل إلى خط البيت الأبيض سيعني تثبيت الانطباع بأنه مجرد منفذ سياسي لسياسات صاغها آخرون.

لذا يُرجَّح أن يكون مَلين «وزير احتواء» أكثر منه «وزير إعادة تأسيس»؛ أي رجل مهمته تنظيم الفوضى لا تغيير الاتجاه، وترميم صورة التشدد لا التخلي عنه.

في المحصلة، يختصر ماركواين مَلين مفارقة «الترمبية» في ولايتها الثانية: شخصيات من خارج الاختصاص تُدفع إلى مواقع سيادية؛ لأنها تتقن لغة الصدام السياسي والولاء الشخصي أكثر مما تتقن البيروقراطية الحكومية... قوته الحقيقية لا تكمن في خبرة أمنية مثبتة، بل في قدرته على تمثيل مزاج ترمب أمام الكونغرس والشاشات والقاعدة الجمهورية.


وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
TT

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب والهجمات العابرة للحدود، إلى الهجرة غير النظامية، والكوارث الطبيعية، والهجمات السيبرانية.

لقد أُنشئت الوزارة بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بهدف توحيد عمل أجهزة أمنية كانت موزّعة على عدة مؤسسات، بحيث تغدو الاستجابة أسرع، ويغدو التنسيق أقوى بين الأمن الحدودي، والاستخبارات، وإدارة الطوارئ، وحماية البنية التحتية. وحقاً تقول الوزارة إن مهمتها الأساسية هي «حماية الشعب الأميركي والوطن والقيم الأميركية»، وهذه مهمة تتجاوز المعنى التقليدي للأمن، لتشمل أيضاً ضمان استمرارية السفر والتجارة الشرعيين وحماية المؤسسات الحيوية.

تكمن أهمية الوزارة أيضاً في أنها لا تتعامل فقط مع الأخطار الخارجية، بل أيضاً مع التهديدات الداخلية التي قد تمسّ الحياة اليومية مباشرة، مثل أمن المطارات، وحماية الحدود البرية والبحرية، والاستجابة للأعاصير والفيضانات، وتأمين الانتخابات والبنية التحتية الرقمية، ومكافحة تهريب البشر والمخدرات، وحماية كبار المسؤولين. ولهذا فهي من أكثر الوزارات تشعّباً وحساسية سياسياً، إذ إنها تضم أكثر من 260 ألف موظف، وتعمل عند تقاطع الأمن، والهجرة، والحريات المدنية، وإدارة الأزمات.

أما أبرز أجهزة الوزارة ومكوّناتها الأمنية والتنفيذية فهي: هيئة الجمارك وحماية الحدود (سي ب بي) وهي المسؤولة عن المعابر والحدود، ووكالة الهجرة والجمارك (آيس) التي تتولى التحقيقات وعمليات الترحيل، وإدارة أمن النقل (تي إس إيه) المكلفة بأمن المطارات ووسائل النقل، وخفر السواحل الأميركي والخدمة السرية والوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما) ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية، بالإضافة إلى خدمات المواطنة والهجرة، ومكتب الاستخبارات والتحليل. وبذلك تُعد الوزارة مركزاً جامعاً للأمن الحدودي، والأمن الداخلي، وإدارة الكوارث، والدفاع عن البنية التحتية الحيوية في آنٍ واحد.