ما حيثيات اتهامات «الجنائية الدولية» لنتنياهو وغالانت والضيف؟

TT

ما حيثيات اتهامات «الجنائية الدولية» لنتنياهو وغالانت والضيف؟

المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي بهولندا (الموقع الرسمي للمحكمة)
المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي بهولندا (الموقع الرسمي للمحكمة)

أصدرت المحكمة الجنائية الدولية، اليوم الخميس، مذكرات اعتقال بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت، بخصوص «جرائم حرب في غزة»، وكذلك قائد «كتائب القسام»، الذراع العسكرية لحركة «حماس» محمد الضيف.

تأسس اتخاذ خطوة إصدار مذكرات الاعتقال التي تعطلت طويلاً، على ضوء اعتبارها مرتبطة أولاً بالوضع في دولة فلسطين.

والحاصل أن إسرائيل بوصفها دولة لم توقع على «نظام روما» الذي أنشأ المحكمة الجنائية الدولية، كانت ترى أن المحكمة غير مختصة بنظر أمر يتعلق بها. ولكن وفقاً لاتفاقية روما، إذا ارتكب شخص جريمة حرب في أراضي دولة طرف في الاتفاقية، حتى لو كان مواطناً أجنبياً، فإن المحكمة لها ولاية قضائية عليه.

  • انضم الفلسطينيون في عام 2014 بوصفهم أعضاء في المعاهدة كدولة، وبهذه الطريقة يحاولون تطبيقها على الإسرائيليين، ولهذا جاء قرار الغرفة التمهيدية الأولى للمحكمة الجنائية الدولية برفض «الطعون المقدمة من دولة إسرائيل بشأن الاختصاص»، وأصدرت أوامر اعتقال بحق نتنياهو وغالانت.

قبول إسرائيل ليس مطلوباً

بدا لافتاً على المستوى القانوني أن الغرفة التمهيدية الأولى للمحكمة الجنائية الدولية رأت أن قبول إسرائيل لاختصاص المحكمة ليس مطلوباً، حيث يمكن للمحكمة ممارسة اختصاصها على أساس الاختصاص الإقليمي لفلسطين.

وعلاوة على ذلك، رأت المحكمة أنه «لا يحق للدول الطعن في اختصاص المحكمة قبل إصدار أمر الاعتقال، وبالتالي فإن طعن إسرائيل سابق لأوانه».

ما الاتهامات لنتنياهو وغالانت؟

حددت «الجنائية الدولة» الفترة منذ 8 أكتوبر (تشرين الأول) 2023 وعلى الأقل حتى 20 مايو (أيار) 2024 (بوصفه اليوم الذي تقدم فيه ادعاء المحكمة لقضاتها بطلب إصدار مذكرات الاعتقال)، نطاقاً زمنياً لفترة توجيه الاتهامات لغالانت ونتنياهو بارتكاب «جرائم ضد الإنسانية، وجرائم حرب».

ووجدت المحكمة «أسباباً وجيهة» للاعتقاد بأن نتنياهو وغالانت يتحمل كل واحد منهما المسؤولية الجنائية عن الجرائم التالية بوصفهما ضالعَين بالاشتراك مع آخرين في ارتكاب «جريمة الحرب المتمثلة في التجويع كأسلوب من أساليب الحرب، وجرائم ضد الإنسانية متمثلة في القتل والاضطهاد وغيرها من الأعمال غير الإنسانية».

رأت المحكمة أن أسباباً وجيهة تدفع لاتهام نتنياهو وغالانت بأنهما يتحملان المسؤولية الجنائية بوصفهما رئيسين مدنيين عن جريمة الحرب المتمثلة في إدارة هجوم متعمد ضد السكان المدنيين.

  • شددت المحكمة على أن «الجرائم المزعومة ضد الإنسانية كانت جزءاً من هجوم واسع النطاق ومنهجي ضد السكان المدنيين في غزة».

  • نوهت إلى أن كلا الشخصين (نتنياهو وغالانت) «حرم، عن عمد وعن علم، السكان المدنيين في غزة مما لا غنى عنه لبقائهم على قيد الحياة، مثل الغذاء والماء والعقاقير والإمدادات الطبية، فضلاً عن الوقود والكهرباء».

  • حمّلت المحكمة في اتهامها نتنياهو وغالانت «المسؤولية الجنائية عن جريمة الحرب المتمثلة في التجويع كأسلوب من أساليب الحرب»، و«تقييد أو المنع المتعمد لوصول الإمدادات الطبية والعقاقير إلى غزة، ما يصبح الشخصان معه مسؤولَين أيضاً عن التسبب في معاناة كبيرة للمحتاجين للعلاج عبر أفعال غير إنسانية».

  • بات نتنياهو وغالانت، وفق المحكمة متهمَين بحرمان «السكان المدنيين في غزة من حقوقهم الأساسية، ومنها الحق في الحياة والصحة، وأن السكان استُهدفوا على أساس سياسي أو وطني أو كليهما».

ماذا عن الضيف؟

اتهمت «الجنائية الدولية» القيادي في «حماس» محمد الضيف بـ«الضلوع في جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب مزعومة على أراضي دولة إسرائيل ودولة فلسطين منذ السابع من أكتوبر 2023 على الأقل.

ووجدت المحكمة أسباباً وجيهة للاعتقاد بأن «الضيف مسؤول عن جرائم ضد الإنسانية تتمثل في القتل والإبادة والتعذيب والاغتصاب وأشكال أخرى من العنف الجنسي، فضلاً عن جرائم حرب تتمثل في القتل والمعاملة القاسية والتعذيب واحتجاز الرهائن والاعتداء على الكرامة الشخصية والاغتصاب وأشكال أخرى من العنف الجنسي».

وقالت المحكمة إنه في يوم السابع من أكتوبر 2023 «نفّذ أعضاء (حماس)، ولا سيما مقاتلي (كتائب القسام)، عمليات قتل جماعي داخل أو حول، أو داخل وحول، بلدات كفار عزة وهوليت ونير عوز وبئيري وناحال عوز، وكذلك في مهرجان سوبر نوفا... وتشكل عمليات القتل هذه جريمة ضد الإنسانية وجريمة حرب تتمثل في القتل».

وقالت المحكمة في حيثياتها إنه «في ضوء عمليات القتل المنسقة... لمدنيين في بضعة مواقع منفصلة، وجدت المحكمة أيضاً أن هذا السلوك وقع كجزء من عملية قتل جماعي لأعضاء من السكان المدنيين، ومن ثم خلصت إلى وجود أسباب وجيهة للاعتقاد بأن الجريمة ضد الإنسانية المتمثلة في الإبادة قد ارتكبت».

وأفادت المحكمة كذلك بأنه «في أثناء احتجازهم في غزة، تعرض بعض الرهائن، معظمهم من النساء، للعنف الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي، بما في ذلك الجماع القسري، والتعري القسري، والمعاملة المهينة والمذلة. وبناء على المواد المقدمة، وجدت المحكمة أسباباً وجيهة للاعتقاد بأن جرائم تعذيب ارتكبت كجريمة ضد الإنسانية وجريمة حرب، وأن الاغتصاب وأشكال العنف الجنسي الأخرى ارتكبت كجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، وأن المعاملة القاسية ارتكبت كجريمة حرب، والاعتداء على الكرامة الشخصية ارتكبت كجريمة حرب».


مقالات ذات صلة

الاتحاد الأوروبي يدعم «الجنائية الدولية» بعد العقوبات الأميركية

أوروبا رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا يتحدثان خلال اجتماع مع قادة الاتحاد الأوروبي على هامش قمة عُقدت في بروكسل ببلجيكا 18 يونيو 2026 (رويترز)

الاتحاد الأوروبي يدعم «الجنائية الدولية» بعد العقوبات الأميركية

عبّرت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين ورئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا، اليوم الأربعاء، عن دعمهما للمحكمة الجنائية الدولية.

«الشرق الأوسط» (أمستردام)
آسيا رئيسة المحكمة الجنائية الدولية توموكو أكاني (أ.ف.ب)

اليابان: العقوبات الأميركية على رئيسة «الجنائية الدولية» مؤسفة جداً

عدّت اليابان، اليوم (الأربعاء)، العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة على رئيسة المحكمة الجنائية الدولية توموكو أكاني «مؤسفة جداً».

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الولايات المتحدة​ صورة من أمام وزارة الخزانة الأميركية في العاصمة واشنطن (رويترز - أرشيفية)

«الخزانة الأميركية» تفرض عقوبات على رئيسة «الجنائية الدولية»

فرضت⁠ الولايات ​المتحدة، ⁠اليوم الثلاثاء، ⁠عقوبات ‌على القاضية ‌اليابانية ​توموكو ‌أكاني، ‌رئيسة ‌المحكمة الجنائية الدولية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (إ.ب.أ) p-circle

منظمات حقوقية أميركية تقاضي ترمب بسبب عقوباته على «الجنائية الدولية»

رفعت منظمات حقوقية أميركية، الثلاثاء، دعوى قضائية ضد الرئيس دونالد ترمب بسبب العقوبات التي فرضها على المحكمة الجنائية الدولية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (رويترز)

تصعيد الضغوط الأميركية لتفكيك «الجنائية الدولية»

دعا وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو إلى تفكيك المحكمة الجنائية الدولية التي شهدت موجة انسحابات من 5 دول، في ظل البحث عن بديل للمدعي العام المقال كريم خان.

علي بردى (واشنطن)

إدانة نتنياهو اعتداءات المستوطنين للتغطية على دعم حكومته لهم

مستوطنون يقذفون الحجارة في بلدة قصرة بالضفة الغربية يوم الأربعاء في لقطة مأخوذة من مقطع فيديو (رويترز)
مستوطنون يقذفون الحجارة في بلدة قصرة بالضفة الغربية يوم الأربعاء في لقطة مأخوذة من مقطع فيديو (رويترز)
TT

إدانة نتنياهو اعتداءات المستوطنين للتغطية على دعم حكومته لهم

مستوطنون يقذفون الحجارة في بلدة قصرة بالضفة الغربية يوم الأربعاء في لقطة مأخوذة من مقطع فيديو (رويترز)
مستوطنون يقذفون الحجارة في بلدة قصرة بالضفة الغربية يوم الأربعاء في لقطة مأخوذة من مقطع فيديو (رويترز)

أكدت مصادر سياسية في تل أبيب، الأحد، أن البيان الذي أصدره رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، مساء السبت، وقال فيه إنه «يدين بشدة» هجمات المستوطنين على بلدتي قصرة وجالود جنوب مدينة نابلس بالضفة الغربية المحتلة، جاء بوصفه لائحة دفاع عن النفس في وجه الاتهامات الدولية والنية لفرض عقوبات على إسرائيل في أوروبا وبطلب مباشر من الإدارة الأميركية.

ووصف نتنياهو المستوطنين الذين شاركوا في الهجمات على البلدتين بأنهم «مثيرو شغب ينتهكون القانون، ويعملون على عرقلة الجيش في أداء مهامه، والإضرار بمكانة إسرائيل في العالم».

وأضاف أن «قوات الأمن تحركت بسرعة وصادرت 3 مركبات وعملت على إنهاء الحدث في وقت وجيز»، وأنه يتوقع «من أجهزة إنفاذ القانون إلقاء القبض على مثيري الشغب وتقديمهم إلى القضاء في أقرب وقت».

تغطية الحقيقة

لكن هذا البيان يأتي في إطار التغطية على حقيقة أساسية هي أن حكومته هي التي تدفع نحو هذه الاعتداءات. فالحصار الذي يفرضه المستوطنون على قصرة وجالود طيلة 21 يوماً، تحت حماية الجيش، هو المشكلة، وليست اعتداءات المستوطنين.

والجيش نفسه يفرض منطقة عسكرية في المكان ويفترض في هذه الحالة أنه لا يحق لأي إسرائيلي أن يصل إليها.

جنود إسرائيليون يتجهون إلى قرية قصرة جنوب نابلس في الضفة الغربية المحتلة والتي شهدت تصاعداً في عنف المستوطنين الإسرائيليين (أ.ف.ب)

والجيش الذي يدعي بأنه عاجز عن وقف هذه الاعتداءات، لا يظهر أي عجز عن منع عشرات الإسرائيليين أنصار السلام الذين يأتون للتضامن مع الفلسطينيين. بل يعتقلهم ويسلمهم للشرطة أو يبعدهم عن المكان بعنف وفظاظة، مع أنه كان من بينهم عضو كنيست (عوفر كسيف من الجبهة).

2456 اعتداء

وحسب معطيات الجيش من جهة والفلسطينيين من جهة ثانية، تم تنفيذ أكثر من 2456 اعتداء على الفلسطينيين في الشهر الماضي، بينها 1458 اعتداء نفذها الجيش و798 اعتداء نفذها المستوطنون تحت حماية الجيش.

وأوضح مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية في الأراضي الفلسطينية، الأحد، أنه وثق أكثر من 1540 اعتداء للمستوطنين منذ بداية عام 2026، أسفرت عن إصابة نحو 1040 فلسطينياً.

وهذا يعني أن هذه الاعتداءات ليست من فعل «مثيري شغب ينتهكون القانون»، كما يدعي نتنياهو، بل اعتداءات منظمة من سلطة الاحتلال.

بؤرتان جديدتان

وكما يتضح من منشورات المستوطنين فإن الهدف الأساسي من هذه الاعتداءات هو إقامة بؤرتي استيطان جديدتين في قصرة وجالود، تضاف إلى ثلاث بؤر استيطانية أخرى قائمة هناك. والجيش ينتظر قراراً سياسياً يجيز هاتين البؤرتين. لذلك لا يسارع إلى إخلاء المستوطنين.

مستوطنون يدخلون إلى أملاك لفلسطينيين في بلدة قصرة المحاصرة بالضفة الغربية السبت (أ.ب)

يذكر أنه في الوقت الذي كانت الاعتداءات تتفاقم في قصرة وجالود، كانت قوات الاحتلال تقتحم بلدة المغير ترافقها مجموعة من المستوطنين المسلحين. واقتحامات أخرى شبيهة في غور الأردن.

طقوس تلمودية

وتجددت هذه الاعتداءات في مواقع أخرى في الضفة الغربية الأحد، مثل قرية عورتا جنوب شرقي نابلس، التي اقتحمها أكثر من 200 مستوطن بحماية قوات الاحتلال، وأدوا طقوساً تلمودية في مقامات إسلامية، بالتزامن مع إغلاق حواجز دير شرف وعورتا المحيطة بالمدينة.

وفي قصرة، أصيب شابان برضوض إثر هجوم شنه مستوطنون على منزل في منطقة رأس العين، تخلله إشعال حرائق في أراضٍ فلسطينية ومنع طواقم الإسعاف من الوصول إلى المكان.

جنود إسرائيليون يؤمّنون مبنى قيد الإنشاء بينما تُخلي سيارات الإسعاف مصابين عقب هجوم شنه مستوطنون في قرية قصرة (أ.ب)

استمرار الحصار

ويتواصل حصار العائلات في المنطقة لليوم الـ 22 على التوالي، مع فرض قيود مشددة على حركتها وعرقلة إدخال المواد الغذائية والمياه، إضافة إلى رفض طلبات تنسيق الزيارات العائلية. كما اعتدى مستوطنون في قرية جالود على محمود الطوباسي وزوجته وطاقم صحافي، وحطموا مركبتهم، فيما امتدت الاعتداءات إلى محافظة الخليل، حيث أصيب متضامن أجنبي بالاختناق ومواطنون بجروح خلال هجوم في خلة الحمص ببلدة يطا، بينما اختُطف ناشط أجنبي من قرية أم الخير قبل أن تعتقله شرطة الاحتلال.

جنود إسرائيليون يتجهون إلى قرية قصرة جنوب نابلس في الضفة الغربية المحتلة والتي شهدت تصاعداً في عنف المستوطنين الإسرائيليين (أ.ف.ب)

وفي محافظة جنين، أصيب مواطنون في بلدة عرابة جراء اعتداء مماثل، فيما هاجم مستوطنون منازل فلسطينيين في ياسوف بمحافظة سلفيت، ونفذوا جولات استفزازية في منطقة خلايل اللوز ببيت لحم.

وتأتي هذه الاعتداءات في ظل تصاعد الاقتحامات والقيود العسكرية في أنحاء الضفة الغربية، وسط مخاوف فلسطينية من اتساع نطاق اعتداءات المستوطنين وتحولها إلى وسيلة لفرض واقع جديد على الأرض.

وفد أوروبي

وكان وفد يضم ممثل الاتحاد الأوروبي لعملية السلام في الشرق الأوسط قد وصل إلى بلدة قصرة، الأحد، للاطلاع على أوضاع العائلات الفلسطينية المحاصرة وتقييم احتياجاتها الإنسانية.

وأجرى الوفد جولة في البلدة، التقى خلالها رئيس المجلس البلدي، كما تواصل مع إحدى العائلات المحاصرة، بهدف الوقوف على حجم المساعدات المطلوبة للسكان، إلى جانب الاطلاع على واقع الاستيطان والاعتداءات في المنطقة.


إسرائيل تبرم أكبر صفقة تسلح لليونان في تاريخها بـ3.6 مليار يورو

اليونان لشراء نظام دفاعي من إسرائيل (رويترز)
اليونان لشراء نظام دفاعي من إسرائيل (رويترز)
TT

إسرائيل تبرم أكبر صفقة تسلح لليونان في تاريخها بـ3.6 مليار يورو

اليونان لشراء نظام دفاعي من إسرائيل (رويترز)
اليونان لشراء نظام دفاعي من إسرائيل (رويترز)

في الوقت الذي تشهد فيه العلاقات التركية الإسرائيلية موجات توتر متلاحقة، ويقدر فيه كثيرون بأن هذا التوتر صاعد إلى طريق الصدام العسكري الحتمي، الذي يكون الحيد عنه أعجوبة، تستعد وزارتا الدفاع الإسرائيلية واليونانية للتوقيع على اتفاقية بيع أسلحة وخدمات عسكرية بقيمة 3.6 مليار يورو.

مظلة دفاعية

والغرض من هذه الصفقة هو دفع مشروع اليونان الدفاعي المعروف باسم «درع أخيل»، لإنشاء مظلة دفاعية متعددة الطبقات، يعزز قدراتها في مجالات الدفاع الجوي والصاروخي والبحري والسيبراني.

وقد حضر وزير الدفاع اليوناني نيكوس ديندياس، إلى تل أبيب لغرض التوقيع على الصفقة، الاثنين، سوية مع نظيره الإسرائيلي، يسرائيل كاتس. وسيستغرق تنفيذ الصفقة 35 شهراً من تاريخ توقيع الاتفاق، بالتعاون بين شركات السلاح الكبرى التابعة للجيش الإسرائيلي ووزارة الدفاع وبين شركات يونانية، التي ستتولى تنفيذ أعمال وإنتاج بعض الأسلحة الإسرائيلية بقيمة 700 مليون يورو من إجمالي قيمة المشروع.

وزير الدفاع اليوناني نيكوس داندياس (أ.ب)

وكشفت صحيفة «معاريف» أن المفاوضات بين البلدين استغرقت عدة شهور لكن التوقيع عليها تأجل عدة مرات بسبب إصرار اليونان على إدارة عملية استخدام هذه الأسلحة بالكامل، من دون أي تدخل إسرائيلي.

فعلى الرغم من أن اليونان تعد زبوناً عسكرياً رئيسياً لإسرائيل، حيث اشترت صواريخ وقنابل وطائرات مسيّرة من إسرائيلية عبر عدة سنوات، حاولت تل أبيب فرض رقابة تتيح لها منع وصول التقنيات إلى دول معادية، لكن اليونان رفضت.

«أجندة 2030»

وأفادت مصادر عسكرية في تل أبيب، وفقاً لصحيفة «جيروزاليم بوست»، بأن «درع أخيل» جاءت ضمن خطة يونانية بعنوان «أجندة 2030»، لمجابهة «التهديدات المحتملة من تركيا وإيران»؛ ولذلك فإن منسوب الهجوم الذي يشنه قادة أنقرة ضد إسرائيل يرتفع إلى درجات عالية. وإسرائيل تقدم عليه بحماسة؛ لأنها تعمل بشكل حثيث على تطوير صناعاتها العسكرية، ولأنها تتحول الى «دولة عظمى إقليمياً»، وعزز علاقاتها مع دول البحر المتوسط. ووصفت الصحيفة الإسرائيلية الاتفاق مع اليونان، «أكبر صفقة تصدير عسكرية في تاريخ إسرائيل»، حتى الآن، إذ إن أكبر صفقة أسلحة قبلها تمت مع ألمانيا، وشملت أول عملية بيع لنظام الدفاع الصاروخي الإسرائيلي مقابل 3.5 مليار دولار، التي تم توقيعها عام 2023.

«مقلاع داود»

والصفقة مع اليونان، تشمل بيعها شبكة دفاع متكاملة ومتعددة الطبقات، من أنظمة «مقلاع داود» لاعتراض الصواريخ الثقيلة والباليستية، وأنظمة «سبايدر» المتنقلة لمواجهة الطائرات المسيّرة، إضافة إلى نظام «باراك إم إكس» المصمم للدفاع ضد الطائرات والصواريخ. ويشمل الاتفاق أيضاً إنشاء مركز قيادة وتحكم في اليونان لتشغيل الأنظمة وإدارة عمليات الإطلاق، على غرار النظام المستخدم في إسرائيل، اعتماداً على قدرات الذكاء الاصطناعي.

نظام «مقلاع داود» للدفاع الجوي (أرشيفية - رويترز)

وفي تفاصيل الصفقة يظهر أن شركات الأسلحة الإسرائيلية «رفائيل» و«آلبيت»، و«آلتا» و«سبارك»، وشركة الصناعات الجوية، ستزود اليونان بطائرات مسيرة قتالية من طراز «هارون 1» و«في بات» وأقمار اصطناعية فضائية صغيرة من طراز «سار» وطائرات مسيرة مضادة للطائرات المسيرة المعادية، و3 طائرات نقل من طراز «ملينيوم سي 390» وصواريخ «هالفير»، التي يتم تفعيلها من طائرات أباتشي الأميركية بالليزر وعشر آليات بحرية تعرف على أنها شبه غواصة، كما تشمل الصفقة قيام الشركات الإسرائيلية بتحديث وترميم العديد من الآليات العسكرية البحرية.

حرب خفية

وقالت صحيفة «معاريف» إن إسرائيل واليونان تدركان أن تركيا لا تنظر بعين الرضا إلى هذه الصفقة، بل تعدها جزءاً من تعزيز التحالف العسكري اليوناني القبرصي الإسرائيلي ضدها وجزء من الحرب التي تديرها إسرائيل ضد تركيا بشكل خفي في المجال الاقتصادي، خصوصاً مشروع مد أنابيب نقل الغاز إلى أوروبا عبر اليونان بدلاً من الخط الذي يمر عبر تركيا.

ولذلك، عادت القيادة التركية إلى شن هجوم سياسي على إسرائيل واتهامها بالسعي إلى زعزعة استقرار المنطقة عبر ما وصفه بـ«الاستفزازات».

جنون الطرفين

وقد حذر العديد من الخبراء في تل أبيب من التدهور إلى صدام عسكري بين إسرائيل وتركيا، واعتبرته صحيفة «هآرتس» جنوناً من الطرفين. وكتب البروفيسور أيار زيسر، في صحيفة «يسرائيل هيوم» اليمينية أن «تركيا وإسرائيل تكسبان من الخصومة الصاخبة بينهما. ومع ذلك أبديا حتى الآن الحذر من الانتقال من الأقوال إلى الأفعال؛ لأن الأمر يتعارض مع كل منطق ومصلحة.

لكن المسار الذي صعدنا إليه هو مسار صدام محتم، من الصعب أن نتخيل أنه سيتم تفاديه، ولكن ينبغي الأمل في أن يكبحه أحد ما في اللحظة الأخيرة».


تراشق حاد بالبيانات والتصريحات بين تركيا وإسرائيل

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان (الرئاسة التركية)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان (الرئاسة التركية)
TT

تراشق حاد بالبيانات والتصريحات بين تركيا وإسرائيل

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان (الرئاسة التركية)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان (الرئاسة التركية)

دخلت أنقرة وتل أبيب في موجة جديدة من التراشق الحاد بالبيانات والتصريحات، على خلفية اتهامات إسرائيلية للرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، بـ«معاداة السامية».

وقالت وزارة الخارجية التركية، إن «الأكاذيب والافتراءات التي تستهدف الرئيس رجب طيب إردوغان تعكس العقلية (الجبانة والفاسدة) للمسؤولين في الحكومة الإسرائيلية، وفي مقدمتهم رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو».

وأضافت الوزارة، في بيان ليل السبت- الأحد رداً على بيان لوزارة الخارجية الإسرائيلية استهدف الرئيس التركي ووصفه بأنه من أشد المعادين للسامية، أن «الحصانة التي يتمتع بها نتنياهو وعصابته الإجرامية بدأت تزول سياسياً وقانونياً، بعد أن ألحقوا عاراً تاريخياً بالشعب الإسرائيلي عبر (ارتكاب إبادة جماعية) في غزة، فضلاً عن كونهم المسؤولين الرئيسيين عن عدم الاستقرار الإقليمي والعالمي، من خلال إظهار نزعة توسعية غير مسبوقة في تاريخ الشرق الأوسط الحديث».

اتهامات متبادلة

وعدَّ البيان الذي نشرته الخارجية التركية على حسابها في «إكس»، أن جهود المؤسسات الإسرائيلية التي قال إنها «تعمل بطريقة شبيهة بآلة الدعاية الخاصة بوزير الدعاية في ألمانيا النازية جوزيف غوبلز»، لم تعد تجدي نفعاً، مشدداً على أن المجتمع الدولي لم يعد يصدِّق أكاذيب حكومة نتنياهو.

ولفت البيان إلى أن تركيا، بقيادة إردوغان، تبنت موقفاً صادقاً وحازماً ضد الجرائم المرتكبة خلال عهد نتنياهو، وستواصل الدفاع عن الحقائق والجهر بها مستقبلاً أيضاً.

واتهم بيان وزارة الخارجية الإسرائيلية إردوغان بمعاداة السامية، قائلاً إن «إردوغان يسعى إلى تصعيد التحريض (الوحشي) ضد الدولة العبرية كل بضعة أيام، لصرف الأنظار عن أفعاله ضد شعبه والمنطقة. لقد دمَّر الديمقراطية التركية، وسجن معارضيه السياسيين، وآوى ودعم حركة (حماس)، وغزا دولاً مجاورة. وكأشرس معادين للسامية في التاريخ، يحاول نشر افتراءات دموية لا أساس لها من الصحة، لصرف الأنظار عن أفعاله (المشينة)».

دعم غزة

ورداً على البيان الإسرائيلي، قال رئيس دائرة الاتصال بالرئاسة التركية، برهان الدين دوران، إن إردوغان سيواصل الدفاع عن القضية العادلة للشعب الفلسطيني، واصفاً البيان الإسرائيلي بأنه «مثال على عقلية تلجأ إلى الافتراء والدعاية، بدلاً من مواجهة الحقائق».

وأضاف: «كما يفعلون دائماً، يحاولون الاختباء وراء مفهوم (معاداة السامية) للتستر على عدوانهم، والإبادة الجماعية، وجرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية التي يرتكبونها»، لافتاً إلى أن تركيا تعارض -بشكل قاطع- الاحتلال والقمع والمجازر والسياسات التي تتجاهل القانون الدولي، وأن إردوغان سيواصل الدفاع عن القضية العادلة للشعب الفلسطيني، وكَونه صوت المظلومين في غزة، والعمل لدعم الاستقرار الإقليمي.

دعاية إرهابية

بدوره، قال المتحدث باسم حزب «العدالة والتنمية» الحاكم، عمر تشيليك، إن «ما يقوله نتنياهو و(شبكته الإجرامية) ليس إلا دعاية إرهابية لمنظمة إبادة جماعية». وأضاف تشيليك -عبر حسابه في إكس» الأحد- أن «صوت إردوغان سيظل الصوت الأقوى لتحالف الإنسانية، وسيتردد صداه في ضمير البشرية، وسيرشد أولئك الذين يسعون إلى ممارسة السياسة باسم صون كرامة الإنسان».

في غضون ذلك، أكد إردوغان أن بلاده ستواصل الدفاع عن الحقيقة والعدالة والسلام والاستقرار، رغم جميع الاستفزازات.

إردوغان خلال إلقاء كلمة داخل ضريح مؤسس الجمهورية التركية مصطفى كمال أتاتورك يوم الأحد بمناسبة ذكرى «يوم النصر» (الرئاسة التركية)

وقال إردوغان في رسالة إلى الشعب التركي، الأحد، بمناسبة الذكرى الـ104 ليوم النصر الموافق 30 أغسطس (آب)، دون ذكر إسرائيل ولا حكومتها بالاسم، إنه «رغم استفزازات الذين يتغذُّون على عدم الاستقرار، فإن تركيا دولةً وشعباً ستواصل الدفاع عن الحقيقة والعدالة والسلام والاستقرار».

وأضاف أن تركيا التي تسعى جاهدة لمنع الظلم بغضِّ النظر عن مصدره، والوقوف إلى جانب المظلومين بغضِّ النظر عن هويتهم، لا تتردد في دفع الثمن عند الضرورة. وأشار إلى أنه «في وقت تزداد فيه الحروب والصراعات والأزمات وحالات عدم اليقين السياسي في العالم، ولا سيما في منطقتنا، تبرز تركيا بسياساتها المبدئية والحازمة التي تضع القيم الإنسانية في صميمها».

توتر متصاعد

وتصاعدت حدة التوتر بين تركيا وإسرائيل، على خلفية شن إسرائيل غارات جوية مكثفة على مطار أبو الظهور العسكري في إدلب، شمال غربي سوريا، يوم 18 أغسطس الحالي، بدعوى التحضير لنشر قوات تركية في قاعدة جوية داخله. وأصدرت أنقرة في 21 أغسطس، مذكرة توقيف دولية بحق نتنياهو، والإسرائيلي أفيق موسكوفيتش، بتهمة الإبادة الجماعية، في إطار تحقيق بشأن اعتراض إسرائيل «أسطول الصمود» الذي كان متوجهاً إلى قطاع غزة في مايو (أيار) الماضي، وتوقيف الناشطين على متنه.

أطلق نتنياهو وأعضاء حكومته تصريحات ضد إردوغان تسببت في تصعيد التوتر بين أنقرة وتل أبيب في الفترة الأخيرة (رويترز)

جاء ذلك بعدما وصف مكتب نتنياهو الرئيس التركي بأنه «ديكتاتور معادٍ للسامية»، واتهمه بارتكاب مجازر ضد الأكراد. ويلاحَق نتنياهو وموسكوفيتش في تركيا على خلفية ارتكاب «جرائم ضدّ الإنسانية، وإبادة جماعية، وحرمان مشدَّد من الحرِّيات، وضرب وجرح متعمَّد، وتعذيب، وتدمير للمقتنيات، ونهب مشدد، وتحويل مسار وسائل نقل»، بسبب احتجاز الجيش الإسرائيلي، مطلع مايو الماضي، أكثر من 430 ناشطاً كانوا على متن نحو 50 مركباً في البحر المتوسط، ضمن مبادرة «أسطول الصمود» الذي انطلق من تركيا لتسليط الضوء على الوضع الإنساني في قطاع غزة المدمر بفعل الحرب، التي استمرت أكثر من سنتين بين إسرائيل وحركة «حماس».