اليونانيون يغوصون في مستنقع الفقر

عدد الأسر المسجلة في بنك الطعام في ازدياد مضطرد

في وسط أثينا رجل يعد نقوده بعد زيارة إلى إحدى الأسواق الرئيسية (رويترز)
في وسط أثينا رجل يعد نقوده بعد زيارة إلى إحدى الأسواق الرئيسية (رويترز)
TT

اليونانيون يغوصون في مستنقع الفقر

في وسط أثينا رجل يعد نقوده بعد زيارة إلى إحدى الأسواق الرئيسية (رويترز)
في وسط أثينا رجل يعد نقوده بعد زيارة إلى إحدى الأسواق الرئيسية (رويترز)

أصبحت ديميترا واحدة من عدد متزايد من اليونانيين الذين يدبرون أحوالهم بصعوبة، وهي التي كانت تساعد المحتاجين من خلال العمل التطوعي في الصليب الأحمر وتقديم الطعام إلى المحتاجين. لم يخطر على بالها يوما بعد أن بلغت سن التقاعد أن ظروف الحياة قد تدفعها إلى قبول معونات غذائية من الأرز والمكرونة والحمص وبعض التمر والحليب.
تقول ديميترا، 73 عاما، في تحقيق مطول لوكالة «رويترز»: «لم يخطر ذلك أبدا على بالي. عشت حياتي باقتصاد. لم آخذ إجازة. لا شيء. لا شيء على الإطلاق». وامتنعت عن ذكر بقية اسمها خشية الوصمة التي ترتبط في الأذهان بقبول المعونات في اليونان. والآن تنفق ديميترا أكثر من نصف دخلها الشهري البالغ 332 يورو (350 دولارا) على إيجار شقة صغيرة في أثينا. والباقي تنفقه على فواتير خدمات المرافق الأساسية.
فبعد سبع سنوات من خطط الإنقاذ انهالت فيها المليارات على البلاد لم يطرأ أي تحسن على مستوى الفقر في هذه الدولة الأوروبية الجنوبية، بل إنه يزداد سوءا بدرجة ليس لها مثيل في أي دولة أخرى من دول الاتحاد الأوروبي.
وتفتقر حكومة رئيس الوزراء اليوناني أليكسيس تسيبراس إلى الشعبية السياسية اللازمة لتطبيق مزيد من إجراءات التقشف. في يناير (كانون الثاني) الماضي تعهد رئيس الوزراء اليوناني أليكسيس تسيبراس بعدم تطبيق أي إجراءات تقشف جديدة.
وبدت اللغة التي استخدمها مسؤولو منطقة اليورو في اجتماعهم مساء الاثنين في بروكسل بشأن اليونان تصالحية. وقال بيير موسكوفيتشي، مفوض الشؤون النقدية والاقتصادية الأوروبية: «الشعب اليوناني يحتاج إلى ضوء في نهاية نفق التقشف». وقال وزير المالية الهولندي يورين ديسلبلويم، إن هناك «تحولا من التركيز على التقشف إلى التركيز على الإصلاحات الهيكلية» في حزمة الإصلاحات المقرر الاتفاق عليها بين اليونان والدائنين الدوليين خلال الأسابيع المقبلة.
يقول جورج باجولاتوس، أستاذ السياسات الأوروبية والاقتصاد في جامعة أثينا للاقتصاد، في تصريحات أدلى بها للوكالة الألمانية، إن «أغلب الإصلاحات ضرورية، ويمكن أن تحقق فائدة للاقتصاد اليوناني على المدى الطويل... لكن بعد درجة ما من التقشف المالي وبخاصة الأعباء الضريبية، يصبح هذا التقشف غير محتمل، خصوصا إذا لم تظهر علامات التعافي في الأفق».
كما يشير باجولاتوس إلى حقيقة أن مخصصات التقاعد في اليونان تم خفضها أكثر من 10 مرات منذ بداية الأزمة المالية عام 2010. ويضيف باجولاتوس أن «بعض مخصصات التقاعد انخفضت إلى النصف أو أكثر... تسيبراس ملتزم بالاستمرار في منطقة اليورو، لكنه يحتاج إلى بعض الجزرات الصغيرة لضمان أغلبية برلمانية».
دفعت الأزمة المالية التي اجتاحت العالم عام 2008 وتداعياتها أربع دول من منطقة اليورو إلى اللجوء إلى مؤسسات الإقراض العالمية. وخضعت كل من آيرلندا والبرتغال وقبرص لخطط إنقاذ وخرجت من أزمتها وعاد اقتصادها ينمو من جديد. أما اليونان التي كانت أول دولة من الدول الأربع تطبق خطة إنقاذ عام 2010 فقد احتاجت ثلاثا من حزم الإنقاذ.
وقد حاول رئيس الوزراء أليكسيس تسيبراس الذي تتراجع شعبية حكومته ذات القيادة اليسارية في استطلاعات الرأي أن يجعل من محنة اليونانيين صرخة استغاثة في أحدث جولة من المفاوضات الطويلة مع المقرضين الذين يعطلون الإفراج عن مزيد من المساعدات.
قال رئيس الوزراء هذا الشهر: «علينا جميعا أن نتوخى الحرص تجاه بلد تعرض للنهب، وقدم شعبه وما زال يقدم تضحيات كثيرة باسم أوروبا». وتمثل جانب كبير من أموال المساعدات الطائلة في صورة ديون جديدة لسداد ديون قديمة. لكن بغض النظر عن المسؤول عن انهيار مستويات المعيشة فإن أرقام الفقر من وكالة الإحصاء التابعة للاتحاد الأوروبي (يوروستات) مروعة. وليست اليونان بأفقر الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، فمعدلات الفقر أعلى في بلغاريا ورومانيا. غير أن اليونان تأتي بعدهما مباشرة في المركز الثالث، وتبين بيانات «يوروستات» أن 22.2 في المائة من السكان «تعرضوا لعوز شديد» في 2015.
وفي حين أن الأرقام شهدت انخفاضا حادا في دول البلقان فيما بعد العهد الشيوعي - إذ بلغ الانخفاض نحو الثلث في حالة رومانيا - فقد تضاعف المعدل في اليونان تقريبا منذ عام 2008، وعموما فقد انخفض المعدل على مستوى الاتحاد الأوروبي من 8.5 في المائة إلى 8.1 في المائة في تلك الفترة.
وتتضح الصورة الواقعية لهذه الإحصاءات في أماكن مثل بنك الطعام الذي تديره بلدية أثينا، حيث تتسلم ديميترا معوناتها الشهرية. فأمام هذا البنك وقف عشرات من اليونانيين في وقار، وكل منهم يحمل بطاقة في يده للحصول على حصته. وكلهم مسجلون في قائمة من يعيشون دون حد الفقر البالغ 370 يورو شهريا.
قالت إيليني كاتسولي، المسؤولة بدار البلدية التي تتولى إدارة المركز: «الاحتياجات هائلة».
وتوضح أرقام بنك الطعام الذي يخدم منطقة وسط أثينا أن الاتجاه على المستوى المحلي مماثل للاتجاه الذي أوضحته بيانات «يوروستات». فقد قالت كاتسولي إن عدد الأسر المسجلة في البنك يبلغ نحو 11 ألف أسرة - 26 ألف شخص - ارتفاعا من 2500 فقط في عام 2012 ومن 6000 في 2014. ويشمل هذا العدد 5000 طفل. وكان كثير من الأرفف والثلاجات التي يتم تخزين الطعام فيها فارغا. فما يتم توزيعه يتوقف على ما يتبرع به رعاة المركز، وهم من الشركات التي تعاني هي نفسها في كثير من الأحيان.
وقالت كاتسولي: «نشعر بالقلق لأننا لا نعلم ما إذا كنا سنقدر على تلبية احتياجات هؤلاء الناس. فهناك أسر عندها أطفال صغار وفي بعض الأيام لا نجد حتى الحليب لنقدمه لهم».
حثت مؤسسات دولية من بينها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الحكومة على إعطاء الأولوية لمعالجة الفقر والتفاوت في مستويات الدخل. وقد انخفض معدل البطالة من الذروة التي بلغها عند 28 في المائة من قوة العمل إلى 23 في المائة، لكن المعدل لا يزال الأعلى في الاتحاد الأوروبي. ومنذ بدأت الأزمة انكمش الاقتصاد اليوناني بمقدار الربع، وأغلقت آلاف الشركات ومنشآت الأعمال أبوابها. والآمال كبيرة أن ينتعش الاقتصاد هذا العام غير أن بيانات صدرت الأسبوع الماضي أظهرت أنه انكمش مرة أخرى في الأشهر الثلاثة الأخيرة من العام الماضي بعد نموه في الربعين السابقين.
ويبدو أن تحسن مستويات المعيشة أبعد ما يكون. فقد أظهر استطلاع أجراه اتحاد الأعمال اليوناني وشركة «مارك» لاستطلاعات الرأي، أن أكثر من 75 في المائة من الأسر عانت من انخفاض كبير في الدخل العام الماضي. وكان في كل أسرة من ثلث الأسر اليونانية عاطل واحد عن العمل على الأقل، في حين قال 40 في المائة من المشاركين في الاستطلاع إنهم اضطروا إلى تخفيض الإنفاق على الطعام.
ويقول المسؤول اليوناني الذي يتولى البت في المظالم إن عددا متزايدا من الناس يواجهون صعوبات كبيرة في سداد فواتير المرافق الأساسية. وفي حي من الأحياء الفقيرة في أثينا يقدم مركز خيري تديره الكنيسة الأرثوذكسية 400 وجبة يوميا مقسمة على أربع مجموعات.
قالت المعلمة السابقة إيفا أجيسالاكي (61 عاما) المتطوعة للعمل في المركز: «الكل يمر بفترة صعبة. اليونان كلها». ولم تتأهل أجيسالاكي للحصول على معاش تقاعدي، لأن عقدها انتهى عندما تم رفع سن التقاعد إلى 67 عاما بمقتضى برنامج الإنقاذ الاقتصادي، وقالت إنها لم تستطع العثور على عمل. ويذهب جزء من معاش زوجها الذي خفض إلى 600 يورو من 980 يورو بموجب الإصلاحات التي طالب بها المقرضون الدوليون إلى أسرتي ابنها وابنتها. وفي مقابل تطوعها للعمل بالمركز تحصل على معونات منه تتقاسمها مع ابنتها العاطلة عن العمل ومع ابنها. قالت وهي تعد مائدة خشبية طويلة للوجبة التالية المكونة من حساء البقول والخبز وبيضة واحدة وشريحة من البيتزا وتفاحة «نحن نحيا حياة خاملة. باقون فقط على قيد الحياة. أغلب اليونانيون باقون فقط على قيد الحياة».
وقالت إيفانجيليا كونستا، التي تشرف على المركز وتقدم شركتها اللحوم إلى المركز، إن عدد من يتناولون الطعام في المركز ازداد بما يتجاوز المثلين خلال عامين، وإن الكنيسة تساهم أيضا في سداد فواتير الكهرباء والماء لبعض الناس. وقالت كونستا: «الأمور تزداد سوءا ولا تتحسن، وهذا ينعكس على احتياجات الناس. بعض الناس ليس معه حتى يورو واحد».
وفي مختلف أحياء أثينا يشهد عدد المشردين الذين ينامون في العراء على ذلك. ويقود متطوعون عربة فإن فيها غسالتان ومجففان إلى الأحياء التي يتجمع فيها المشردون لمساعدتهم في غسل ملابسهم.
قال فانيس تسوناس، الذي شارك في تجهيز العربة وهو يتأهب لتسلم أكياس الغسيل من الرجال والنساء من المحتاجين: «أنت ترى الوجوه نفسها لكنك ترى أيضا وجوها جديدة».
ولا يوجد أمل تقريبا عند أحد في تحسن الأحوال.
قالت ديميترا وهي تمسك بكيس بلاستيكي يحوي المساعدات الغذائية التي حصلت عليها: «لا أعتقد أن هناك شخصا واحدا لا يخاف من المستقبل».



أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.


بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
TT

بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)

انسحب الملياردير الأميركي بيل غيتس من قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في الهند، قبل ساعات من ​إلقاء كلمته فيها، اليوم الخميس، وسط زيادة التدقيق في علاقاته مع رجل الأعمال الراحل المُدان بارتكاب جرائم جنسية جيفري إبستين، بعد أن نشرت وزارة العدل الأميركية رسائل بريد إلكتروني.

وفقاً لـ«رويترز»، كان الانسحاب المفاجئ للمؤسس المشارك لشركة مايكروسوفت ‌بمثابة ضربة جديدة لفعالية ‌مهمة شابها، بالفعل، ​قصور ‌تنظيمي ⁠وخلافٌ ​بشأن الروبوتات وشكاوى ⁠من فوضى مرورية.

واستقطبت القمة، التي استمرت ستة أيام، تعهدات استثمارية تجاوزت 200 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بالهند، منها خطة بقيمة 110 مليارات دولار أعلنت عنها شركة «ريلاينس إندستريز»، ⁠اليوم. كما وقّعت مجموعة تاتا ‌الهندية اتفاقية ‌شراكة مع «أوبن إيه آي».

يأتي ​انسحاب غيتس عقب ‌نشر وزارة العدل الأميركية، الشهر الماضي، رسائل ‌بريد إلكتروني تضمنت مراسلات بين إبستين وموظفين من مؤسسة غيتس.

وقالت المؤسسة إن غيتس انسحب من إلقاء كلمته؛ «لضمان بقاء التركيز منصبّاً ‌على الأولويات الرئيسية لقمة الذكاء الاصطناعي». وكانت المؤسسة قد نفت، قبل أيام ⁠قليلة، ⁠شائعات غيابه وأكدت حضوره.

وتحدّث أنكور فورا، رئيس مكاتب المؤسسة في أفريقيا والهند، بدلاً من جيتس.

ولم يردَّ ممثل المنظمة الخيرية، التي أسسها غيتس في 2000 مع زوجته في تلك الفترة، على طلب «رويترز» للتعقيب بشأن ما إذا كان الانسحاب مرتبطاً بالتدقيق في ملفات إبستين.

وقال غيتس إن علاقته مع إبستين اقتصرت ​على مناقشات ​متعلقة بالأعمال الخيرية، وإنه أخطأ عندما التقى به.