أطباق ارتبط اسمها بشخصيات معروفة

أشهرها «شاتو بريان» و«شانتيه» و«بيشاميل»

أطباق ارتبط اسمها بشخصيات معروفة
TT

أطباق ارتبط اسمها بشخصيات معروفة

أطباق ارتبط اسمها بشخصيات معروفة

غالبا ما نتساءل في قرارة أنفسنا عن أصول تسمية هذا الطبق أو ذاك. فنحاول ونحن نتناوله أن نحلل شهرته انطلاقا من أسماء شخصيات معروفة أو أماكن عالمية ترتبط به ارتباطا مباشرا على مدى التاريخ. فطبق «شاتو بريان» كما طبق «كاسوليه» وصلصة «بيشاميل» وغيرها، ترسم في خيالنا قصصا لا نستطيع تأكيدها؛ نظرا لعدم علمنا بتفاصيلها الحقيقية. من هذا المنطلق، اخترنا لكم خمسة أطباق عالمية تختزن في تسمياتها قصصا جميلة، تعود بنا إلى المطبخ الفرنسي بشكل عام. فتلقي الضوء على تاريخ أطباق ما زالت تعد من الأهم والأشهر في العالم.

طبق «شاتو بريان»

يعد طبق «شاتو بريان» واحدا من الأطباق الفرنسية الشهيرة، الذي يتألف من قطعة لحم سميكة وطرية. ولهذا الطبق قصة إليكم تفاصيلها.
على شرف سيده الكاتب الفرنسي المعروف «شاتو بريان» اخترع الطاهي مونميراي هذا الطبق اللذيذ.
فبعد سنين عدة أمضاها الكاتب الفرنسي بعيدا عن القصر الملكي الفرنسي بسبب عداوته مع نابوليون، قرر الملك لويس الثامن عشر إعادته إلى القصر بعد أن سماه كواحد من الأسياد النبلاء. هذا الأمر سمح للكاتب الفرنسي أن يعيش في قصر الملك على سجيته. فكان يتردد غالبا على مطبخ القصر، حيث كان يعطي رأيه في الأطباق التي يتم تحضيرها من قبل الطهاة. وفي إحدى المرات اقترح على العاملين في مطبخ القصر تغيير حجم قطع اللحم التي كانت تقدم رفيعة وصغيرة أيام الحرب، ولتصبح أكبر حجما دلالةً على العيش الرغيد الذي يمضيه الفرنسيون خلال حكم الملك المذكور. وطور الطاهي مونميراي هذا الطبق ليتألف من قطعة لحم بقر كبيرة وسميكة من نوع الفيليه الطري. وأطلق عليها يومها اسم «شاتو». بعدها صارت تعرف باسمها الحالي، إلى حين افتتاح مطعم (مانيي) في شارع (contres carpe Dauphine)، الذي اشتهر بتقديم هذا الطبق في عام 1862. وحقق هذا الطبق شهرة واسعة في فرنسا بعد أن صار يقدم مع قطع البطاطا الصغيرة المحمرة.

صلصة «البيشاميل»
تتنافس ربات المنازل على تحضير صلصة البيشاميل بأفضل طريقة، فهذه الصلصة التي نضيفها إلى أطباق المعكرونة والدجاج و«الغراتان»، تضفي إليها طعما لذيذا بعد أن صارت وصفتها مندرجة على مائدتنا العربية.
ويرتبط اسم هذه الصلصة المعروفة في العالمين الغربي والعربي بالماركيز الفرنسي لويس بيشاميل. فحسب ما يتردد تاريخيا، أن الطاهي الذي كان يعمل لدى ابنه في المطبخ يقف وراء اختراعها.
وفي تفاصيل القصة، أن الماركيز استطاع جمع ثروة طائلة بين عامي 1648 و1652؛ مما أتاح له الفرصة لشراء خدمات أحد أهم طهاة شقيق الملك لويس الرابع عشر. ولتفوقه بعمله في المطبخ صار يعرف هذا الطاهي بالماركيز نوانتيل، واسمه الحقيقي «شارل فرنسوا أوليه». وأثناء قيامه بعمله الجديد لدى ابن لويس بيشاميل لاحظ نوانتيل أنه شخص غير محبوب في القصر، إلا من قبل زوجة الابن فالنتين. فهذه الأخيرة كانت معجبة بأطباق الشيف الجديد، هي المعروفة بشغفها في تحضير الطعام، حيث كانت تقف على كل شاردة وواردة في مطبخها، وكذلك كان زوجها الذي تربطه بها قصة حب قوية. وتكريما لها وليكسب المزيد من رضاها ابتكر الطاهي نوانتيل هذه الصلصة الدسمة لتستخدمها سيدة القصر مكونا جديدا في الأطباق التي تقدمها لمدعويها. ويحكى أن آخر طبق تناولته فالنتين في حياتها كان بمناسبة عيد زواجها الذهبي (في ذكرى مرور 50 عاما)، وكان مرفقا بصلصة البيشاميل، وأن زوجها ولشدة حزنه عليها رحل هو أيضا بعد مرور سنوات قليلة على وفاتها.

كريم «شانتيه»

لطالما شكلت كريمة «شانتيه» مكونا أساسيا في صناعة الحلويات وتزيينها. فمذاقها الخفيف المطعم بالفانيلا، يرافق أصنافا كثيرة من قوالب الكيك، كما أنه يقدم مع الفواكه الطازجة كالفراولة.
ويعود ابتكار هذه الكريمة اللذيذة، المعروفة بطعمها الطيب والخفيف، إلى الطاهي الفرنسي فرنسوا فاتل. فرغم أن الملكة كاترين دي ميدسيس عرفت بحبها لهذه الكريمة البيضاء الرخوة؛ إذ كانت توعز للطهاة في قصرها بأن يخفقوها بأغصان شجر الوزال، إلا أن الطاهي فاتل وفي إحدى المناسبات التي كان قد دعا إليها الماركيز الفرنسي نيقولا فوكيت الملك لويس الرابع عشر إلى مائدته، قدم هذه الكريمة بعد أن خفقها بأغصان شجر البقس؛ مما زودها بشكل جميل يسيل لها اللعاب. وبعد سنوات قليلة تم نفي الطاهي الفرنسي إلى إنجلترا ومن ثم إلى بلجيكا، ليعود منها وينخرط في جيش الملك واحدا من أفراده في قصر شانتيه الفرنسي، حيث توفي بعد مضي عشر سنوات على خدمته هناك. ومنذ ذلك الوقت اتخذت هذه الكريمة التي تستعمل في الحلويات اسم «شانتيه» نسبة إلى القصر الذي عاش فيه الطاهي.

حلوى «بابا أو روم»

ترافقنا هذه الحلوى منذ صغرنا فشكلها الجميل المكلل بكريمة «الشانتيه» والمزينة بحبة الكرز، لطالما كانت تدغدغ خيالنا في كل مرة وقفنا فيها أمام إحدى واجهات الباتيسري، ممنين النفس بتذوقها. وقد عرفناها على موائدنا؛ إذ كانت أمهاتنا تتمسك بتقديمها لضيوفها؛ كونها تندرج على لائحة الحلويات الفاخرة التي «تبيّض الوجه» كما يقولون في لبنان. أما قصة هذا الطبق فتعود إلى ملك أوروبي، إليكم تفاصيلها.
فبعد انسحابه من أراضي الـ«لورين» في عام 1720 قرر ملك بولونيا ستانيسلاس كيزينسكي، أن يتقاعد وأن يمضي وقته في ممارسة هوايته المفضلة، ألا وهي تحضير أطباق الطعام في مطبخه. وكانت غالبية تلك الأطباق تعود أصولها إلى بلده الأم بولونيا أو النمسا. وفي إحدى المرات عندما كان يحاول ابتكار حلوى جديدة أخرج قالب الكيك الذي كان يحضره من الفرن ونثر عليه مباشرة السكر، ورش عليه الشراب المعطر بعد أن عرضه إلى الاشتعال (Flambe). أعجب الملك بالحلوى التي أعدها وأطلق عليها اسم «علي بابا» مستعيرا إياه من قصص «ألف ليلية وليلة».
بعد مرور سنوات عدة، وصل باريس اختصاصي الحلوى Sthore القادم من بلدة لونفيل الفرنسية من منطقة اللورين، واستقر في أحد شوارعها «مونتورغاي» محاولا تطوير هذه الحلوى التي أعجب بطعمها، فقرر أن يغطسها بالشراب المعطر بدلا من أن يرشه عليها. حقق ابتكاره هذا نجاحا مدويا في فرنسا وعدل في تسميته ليصبح «بابا أو روم» بدلا من «علي بابا». اليوم اختصر الفرنسيون هذه التسمية لتتحول إلى لفظة «بابا» فقط، التي تشير مباشرة في محال الباتيسري الفرنسية إلى هذا الابتكار بالذات.

طبق الـ«كاسوليه»

لا يختلف طبق «كاسوليه» عن أطباق اليخني التي نحضرها في بلادنا، ولا سيما تلك المؤلفة من حبوب الفاصوليا الحمراء. وبعض اللبنانيين ما زالوا يطلقون عليها اسم «كاسوليه» بعد أن ورثوه من أجدادهم الذين عاشوا أيام الانتداب الفرنسي في لبنان. ويتفنن اللبنانيون في تحضير هذا الطبق؛ إذ يحضرونه أحيانا مع الدجاج، إلا أن وصفته الأصلية ترتكز على استخدام لحم البط.
يروى أن هذا الطبق الشهير في جنوب غربي فرنسا، تم ابتكاره أثناء حرب المائة العام التي فرضها البريطانيون على فرنسا.
فعندما لامست المجاعة أهل بلدة كاستلنوداري (في جنوب فرنسا) قرروا مجتمعين أن يساهموا في صنع طبق طعام يقيهم الجوع، داعين الناس أن يتقدموا بما لديهم من أصناف خضراوات وحبوب. وفي البداية تألف هذا الطبق من الفول والفاصوليا البيضاء. بعدها تطور لتدخله أصناف الفاصوليا على اختلافها «أبيض وأحمر»، التي يتم نقعها قبل يوم من عملية طهيها لتصبح أكثر طراوة. بعدها أضيف إليها لحم الطيور «البط» ليزوده بطعم لذيذ ودسم معا.
اليوم، يتم تحضير هذا الطبق مع قطع من لحم البقر مع بعض أنواع الخضراوات، كاللوبياء والبطاطا والجزر، إضافة إلى الفاصوليا، وذلك حسب الرغبة. وعادة ما يحلو تناول هذا الطبق في فصل الصيف أثناء موسم الحصاد فتكون مكوناته طازجة.



أكلات «تُخاصم» موائد المصريين في أوائل رمضان

معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)
معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)
TT

أكلات «تُخاصم» موائد المصريين في أوائل رمضان

معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)
معظم مطاعم الكشري يتم غلقها في بدايات شهر رمضان بمصر (الشرق الأوسط)

لا تبدو بعض الأكلات الشعبية المصرية قادرة على الصمود أمام زحف الأيام الرمضانية الأولى بموائدها العامرة وعزائمها التي تتبارى فيها الأسر احتفاءً بكرم الشهر الفضيل، فلا شيء يعلو فوق حضور «المحشي»، و«الملوخية»، وأطباق اللحوم والدواجن، بما تتيحه «الميزانية»، في استقبال عزيز لمدفع «الإفطار» بعد ساعات الصيام الطويلة.

في هذا السياق، تنزاح بعض الأطباق اليومية بامتياز مثل «الكشري» إلى الهامش، رغم مكانته الراسخة كأحد أكثر الأطباق شعبية في مصر، لينحسر مؤقتاً لصالح «الشهية» الرمضانية في مطلعها، فكما يرتبط «الفسيخ» بشم النسيم، و«الكعك» بالعيد، يرتبط «الكشري» عند كثيرين بنهايات شهر رمضان لا ببدايته، وكأن لكل موسم أطباقه، وشهيته الخاصة.

وحسب تعبير فاطمة القاضي، مُعلمة وربّة أسرة في الخمسين من عمرها، فإنه «في الثقافة الرمضانية المصرية لا يُنظر إلى الطعام بوصفه سداً للجوع وكسراً للصيام فحسب، بل تعبيراً عن الكرم و(اللمة)، لذلك لا يشتهي الصائمون في بدايات الشهر أطباقاً مثل الكشري أو الأسماك، ربما لارتباطها بالعطش، بينما يستقبل الناس أذان المغرب بالعصائر والطواجن والمقبلات، وعلى رأسها السمبوسك التي ترتبط بشكل خاص في المائدة المصرية بشهر رمضان».

وتضيف القاضي لـ«الشرق الأوسط»: «مع ضغط الأكل الدسم وساعات الطهي المرهقة في الأيام الأولى، نبدأ مع النصف الثاني من رمضان البحث عن أكلات أخف، وقد نكسر الروتين بطبق من السمك كنوع من التغيير».

الكشري ليس من الأطعمة المفضلة في بداية الشهر الفضيل بمصر (الشرق الأوسط)

ولا يبدو ارتباط بعض الأطعمة بالعطش مجرد انطباع عابر، بل يتصل بذاكرة جسدية متراكمة لدى الصائمين، فالكشري، بما يحويه من عدس وحمص وصلصة الطماطم التقليدية «المسبكة»، والبصل المُحمّر، يُنظر إليه كوجبة «حارة» بعد ساعات الصيام، بينما يرتبط السمك، خصوصاً المُملَّح والمُتبل بالثوم، بالعطش الممتد لساعات بعد تناوله، لذلك مع الأيام الأولى من رمضان، حين يكون الجسد لا يزال في طور التكيّف مع نظام الصيام، يميل كثيرون إلى تجنّب ما قد يُضاعف الإحساس بالجفاف في اليوم التالي، فتتقدّم الأطباق الغنية بالمرق والطواجن إلى الواجهة.

إقبال لافت على الأسماك في النصف الثاني من رمضان بمصر (فيسبوك)

وتنعكس تلك «الذائقة» الرمضانية أيضاً على حركة السوق؛ فيقول كمال السيد، أحد العاملين في محل لبيع الكشري بشارع جامعة الدول العربية بمحافظة الجيزة (غرب القاهرة): «بات من المألوف أن تُغلق محلات بيع الكشري خلال النصف الأول من شهر رمضان؛ لأن الناس عادة تعزِف عن تناول الكشري في مطلع الشهر، فيما نعاود العمل مع النصف الثاني منه، ليكون الكشري أحياناً وجبة سحور سريعة، وأحياناً يطلب منا القائمون على موائد الرحمن إمدادهم بالأرز أو المكرونة لوجبات الإفطار، لذلك تتغير ملامح نشاطنا خلال الشهر».

مصريون يلجأون للأسماك بعد الاعتماد على اللحوم في الأيام الأولى من رمضان (فيسبوك)

ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «هناك محلات كشري تُغلق خلال شهر رمضان بأكمله، حسب قدرة صاحب المحل على تحمّل إجازة بأجر مدفوع للعاملين بها، خصوصاً في المطاعم الكبرى، ويستغل بعضهم أيام الإغلاق تلك كفرصة سنوية لصيانة المحل وتجديده استعداداً للموسم الأكبر للإقبال على الكشري، الذي يبدأ مع صلاة العيد مباشرة»، موضحاً: «الكشري في العيد الصغير يعد طقساً احتفالياً للإفطار، بعد شهر من الصيام والاشتياق».


«البصلي»... طعم البحر الذي عبر الأجيال

مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)
مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)
TT

«البصلي»... طعم البحر الذي عبر الأجيال

مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)
مطعم البصلي للأسماك شاهدًا على حكاية لم تبدأ كمشروع تجاري بل كحياة يومية تشكّلت حول البحر (الشرق الأوسط)

في قلب جدة التاريخية، وعلى مقربة من سوق السمك، يقف مطعم البصلي للأسماك شاهداً على حكاية لم تبدأ مشروعاً تجارياً، بل حياة يومية تشكّلت حول البحر، وانتقلت من الأب إلى الأبناء، جيلاً بعد جيل.

قبل نحو سبعة وسبعين عاماً، أسّس والد عائلة البصلي مطعماً صغيراً لا يتجاوز طوله مترين ونصف المتر، في منطقة كانت تعيش على إيقاع الصيد والتجارة. لم يكن الاسم مخططاً له، بل خرج من تفاصيل المكان: سوق السمك، وحبة بصلة، واسم «البصلي» الذي التصق بالموقع قبل أن يصبح علامة يعرفها أهل جدة وزوارها.

كبر المطعم، لكن روحه بقيت كما هي. ومع مرور السنوات، تحوّل من مساحة ضيقة إلى عنوان ثابت في ذاكرة المدينة، في حين ظلّ البحر حاضراً في كل طبق يُقدَّم.

تعلُّم بالممارسة... لا بالوصفات

انتقلت المهنة داخل العائلة عبر الحضور اليومي في المكان، لا عبر وصفات مكتوبة أو تعليمات جاهزة. نبيل حامد، الذي تسلّم إدارة المطعم منذ أكثر من عشرين عاماً، تعلّم المهنة كما عاشها من سبقوه: من اختيار السمك في السوق، إلى تنظيفه، وطريقة طهيه، وتبديل الزيت، وحتى ترتيب الأطباق. كانت الخبرة تُبنى خطوة بخطوة، وتتراكم مع الوقت.

يقول إن الوصفات بقيت كما هي، وإن الاسم لم يتغير؛ لأن الزبائن يأتون بحثاً عن «طعم زمان»، الطعم الذي لم تحكمه موضة، ولم يتبدّل مع تغيّر الأذواق.

مرّ المطعم بمحطات دقيقة، خصوصاً مع التحوّل الذي شهدته جدة التاريخية، وانتقالها من منطقة تجارية إلى فضاء تراثي وثقافي وسياحي مسجل في قائمة «يونيسكو» للتراث العالمي. في تلك المرحلة، كان التحدي الأساسي هو كيفية الاستمرار من دون فقدان العلاقة بالمكان أو بالناس الذين اعتادوا عليه. ومع تزايد الإقبال وامتداد طوابير الانتظار، تبلورت قناعة بأن المطعم أصبح جزءاً من تجربة جدة التاريخية نفسها.

مطعم محلي ومحطة سياحية

ومع هذا الحضور المتراكم، لم يعد مطعم البصلي وجهة لأهالي جدة أو زوارها من داخل المملكة فقط، بل أصبح جزءاً من خريطة السياحة في المدينة، ومحطة تُدرج ضمن برامج زيارة جدة التاريخية. فكما تُزار الأسواق القديمة والمعالم، بات المطعم حاضراً في خطط كثير من القادمين إلى الحي.

الترانزيت الذي لم يكتفِ بالانتظار

ضمن هذا السياق، يروي نبيل حامد قصة مسافر بريطاني من أصول هندية، كان يمر عبر مطار جدة في رحلة ترانزيت لا تتجاوز خمس ساعات. سمع عن «البصلي» قبل وصوله، فقرّر أن يخرج من المطار، يتجه مباشرة إلى جدة التاريخية، يتناول وجبته، ثم يعود ليكمل رحلته.

قال لي: «عندي ساعتان فقط، وجئت خصيصاً لأجرب المطعم»، يذكرها كواقعة تعبّر عن تحوّل المكان إلى وجهة يُقصد لها، حتى في الرحلات العابرة.

اعتراف عالمي جاء بصمت

هذا الحضور لم يكن محلياً فقط. ففي عام 2025، نال مطعم البصلي جائزة أفضل مطعم سمك من مجلة Time Out العالمية، بعد زيارات متكررة قام بها فريق التقييم من دون تعريف مسبق، وفق آلية تعتمد على التجربة الفعلية والتصويت.

وبالنسبة للعائلة، جاءت الجائزة تتويجاً لمسار طويل حافظ فيه المطعم على طعمه وهويته، من دون أن يسعى إلى الشهرة.

جائزة تايم آوت العالمية التي حصل عليها مطعم البصلي لعام 2025 (الشرق الأوسط)

قديم وجديد... بلا قطيعة

اليوم، يعمل «البصلي» بصيغتين: مطعم قديم حافظ على شكله وروحه، وتجربة أحدث استوعبت الإقبال المتزايد. لم يكن التوسع رغبة في الانتشار، بقدر ما كان محاولة لتخفيف الضغط عن المكان الأصلي، مع الإصرار على أن يبقى الطعم واحداً.

نسبة كبيرة من الزبائن اليوم من خارج السعودية، إلى جانب عائلات جدة التي تؤكد، في كل زيارة، أن النكهة لم تتغير. بعضهم يقطع عشرات الكيلومترات، بل يزور المطعم مرات عدة في الأسبوع؛ بحثاً عن مذاق لا يجده في مكان آخر.

مأكولات بحرية يقدمها مطعم البصلي باهتمام دقيق بالتفاصيل (الشرق الأوسط)

السمك... التفاصيل تصنع الفارق

حين يُسأل نبيل حامد عن سر الاستمرارية، لا يتحدث عن التسويق، بل عن التفاصيل: نوعية السمك، نظافته، طريقة التعامل معه منذ خروجه من البحر وحتى وصوله إلى الطبق. ويؤكد أن الحضور اليومي في المطعم، ومتابعة الفريق، وسماع الملاحظات، كلها جزء من فلسفة العمل.

تحضير السمك الطازج داخل مطعم البصلي (الشرق الأوسط)

الماضي... أساس المستقبل

لا يرى «البصلي» المستقبل بعيداً عن الماضي. فالطعم الذي بقي لعقود هو ما منح المطعم شرعيته اليوم، وهو ما يدفعه للتفكير في أي خطوة قادمة بحذر، من دون أن يفقد المكان جذوره.

في مطعم البصلي، لا يُقدَّم السمك بوصفه وجبة فقط، بل بوصفه حكاية عائلة، وذاكرة مدينة، ودليلاً على أن بعض الأماكن تصبح جزءاً من السياحة... لأنها بقيت صادقة مع نفسها.


«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر
TT

«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

«لو شانتييه»... 100 عام من النكهات السويسرية في مصر

في قلب حي مصر الجديدة بالقاهرة، الذي يجمع بين العراقة والرقي، يقع واحد من أهم المطاعم العائلية ذات التاريخ الطويل، هو مطعم Le Chantilly «لو شانتييه» الذي يقدم أطباقاً سويسرية ببعض اللمسات الأوروبية المتنوعة.

فيه يمكنك أن تستمتع بمذاقات مختلفة، يجمع بينها المطبخ السويسري الذي يتمتع بتاريخ يعكس التنوع اللغوي والثقافي والجغرافي لسويسرا.

ولا تقتصر خصوصية «لو شانتييه» على هذا الثراء في النكهات والمكونات، لكنه يُعد كذلك وجهة لاستعادة ذكريات رواده، واستدعاء لحظات دافئة من الماضي، فالمطعم الذي أُنشئ في نهاية عشرينات القرن الماضي يُعد من معالم الحي الهادئ.

داخل المطعم تلتقي بزبائن من مختلف الأعمار والفئات، بعضهم من كبار السن الذين اعتادوا تناول الإفطار من قائمة المعجنات والمخبوزات الموجودة في السلة، برائحتها المميزة، وأبرزها الباتيه و«لاوجن كرواسون» بالسالمون المدخن والجبن الأبيض، أو «حلومي بريس» التي تجمع بين خبز الشيباتا، والروكا، والريحان، والطماطم، والجبن الحلومي.

في «لو شانتييه» قد يفضل البعض اختيار أحد أنواع الكيك الذي يشتهر المكان بتقديمه ساخناً في الصباح، مثل «ماربل كيك»، أو «بسكويت كيك» أو «إنجلش كيك» بالـ«دراي فروت»، فضلاً عن الباتيه والكرواسون بالجبن أو سادة، وذلك مع القهوة في الصباح الباكر في منطقة «الأوبن إريا» الملحق بها تراس؛ ليستمتعوا بالشمس مع قراءة الصحف المتوفرة يومياً فيها باللغات الفرنسية، والإنجليزية، والعربية.

وينتظرهم كذلك الـcold cuts بأنواعها، مثل «كروك شانتييه» وهو خبز التوست الأسمر أو الأبيض باللحم الرومي المدخن مع الطماطم والفلفل وغراتين بالجبن مع البطاطس والسلطة الخضراء بالذرة، فضلاً عن ساندوتشات اللحم المدخن بصوص الفلفل، والتركي بالزعتر.

تقول مديرة المطعم السيدة جميلة لـ«الشرق الأوسط»: «(لو شانتييه) من أقدم المطاعم، بل الأماكن الموجودة على الإطلاق في حي مصر الجديدة، وهو وجهة لأبناء العائلات العريقة التي لا يزال معظمهم يعرف بعضهم الآخر». وتتابع: «حتى هؤلاء الذين هاجروا منذ عشرات السنوات فإنهم حين يعودون لزيارة مصر يأتون إلينا لطلب نفس الأطباق القديمة التي كانوا يطلبونها قبل؛ فقد حافظ المطعم على (كلاسيكيته) وأصالته وجودة الطعام بشهادة الضيوف».

دفء الأجواء

وتتابع بابتسامة: «بعض الزوار كانوا صغاراً إلى حد أنهم كانوا يشبون ليختاروا طلباتهم المفضلة من ثلاجة عرض الحلويات المخصصة (للتيك آواي)، الآن صاروا يصطحبون أحفادهم».

غالباً ما تعكس مطاعم المطبخ السويسري ثقافة جبال الألب الهادئة والدافئة؛ ولعل ذلك ما يفسر لنا بقاء هذا المطعم في وجدان أبناء حي مصر الجديدة؛ حيث يتميز بأجواء الترحاب والدفء المنزلي، مع عناصر ديكور ريفية مثل الأثاث الخشبي والمدافئ والأعمال الفنية المستوحاة من الجبال، وفي ظل هذه الأجواء الهادئة والمريحة يتناول رواد الطعام أطباقهم على مهل، كما لو كانوا في المنزل.

تنوع الأطباق

يقدم Le Chantilly قوائم متنوعة من الطعام، ما بين الإفطار والغداء والعشاء مع مجموعة واسعة من الجبن، بما في ذلك «فوندو الجبن السويسري».

ومن أشهر أطباقه شرائح الفيليه المشوية التي تقدم بطريقة «جنيفواز» بزبدة «الكافيه دي باري»، وتقدم مع السلطة المكونة من الخس بالمستردة، والخضراوات السوتيه والبطاطس. وكذلك يقدم طبق «فيل إسكالوب» مشوي بصوص المشروم الكريمي، مع «الجرين نودلز»، و«سكالوب بتلو» محشو بالجبن واللحم البقري المدخن.

ولعشاق البطاطس بنكهاتها المختلفة، فإن «لو شانتييه» هو وجهتهم؛ حيث تُعد مكوناً منتشراً بكثرة في المطبخ السويسري، وتُستخدم بشكل خاص في طبق «روشتي»، وهو طبق شعبي يُؤكل في جميع أنحاء سويسرا، لكنك يمكنك الاستمتاع به في القاهرة داخل هذا المطعم مع شرائح البتلو بصوص المشروم الكريمي، التي تقدم مع بطاطس «روشتي» أو شرائط المكرونة الخضراء.

أما محبو الدجاج فتنتظرهم قائمة طويلة، منها «جريلد تشيكن بريست»، «تشيكن ستروغانوف»، صدور الدجاج المحشوة بالجبن واللحم البقري المدخن، «جريلد تشيكن» التي يعلوها جبن الموتزاريلا الذائبة، وتقدم مع نودلز بالزبدة والخضراوات، إضافة إلى أنواع الحساء المختلفة.

السيدة جميلة (إدارة المطعم)

«السلمون ستيك»، «جريلد» أو «فريد فيش فيليه» مع صوص الليمون، «جريلد سلمون فيليه» مع صوص الشبت الكريمي، «ريد سي شريمب»، هي أطباق تنتظر عشاق المأكولات البحرية في المطعم.

والرائع أن المطبخ يتيح لك المزج بين اللحوم والدجاج أو الأسماك في طبق واحد، في تجربة طعام مختلفة، على سبيل المثال يمكنك اختيار طبق «بيف ميداليون» مع صوص الفلفل مع «التشيكن كوردون بلو»، أو الدجاج المشوي مع صوص المشروم الكريمي، أو «جريلد بيف فيليه» يعلوه الجمبري «البترفلاي» والـ«هيرب بتر صوص».

«الطعام الصحي»

يجد محبو «الطعام الصحي» ترحيباً داخل المطعم أيضاً عبر قائمة من السلطات المميزة ذات النكهات المتنوعة والدريسنج الشهي، ومنها «فيجي حلومي تشيز سالاد» وتتكون من جرجير، خضار مشوي، جبنة حلومي مشوية يعلوها الريحان، تقدم مع «الفيردي دريسنج».

وأيضاً، «كينوا سالاد» وتتكون من ميكس خس، كينوا، الطماطم الشيري، خيار، مكعبات البصل، نعناع وفاكهة الموسم، والإيطاليان دريسنج، أو «شيف سالاد»، وهو طبق غني من السلطات مع شرائح الدجاج والجبن واللحم البارد بصوص «ثاوزند آيلاند».

أما إذا كنت من هواة سلطات «السي فود» فينتظرك «سلمون كراب سالاد» ويتكون من «سلمون مدخن» يقدم على شرائح الكابوريا المتبلة بصوص ميكس الخس، الجزر والـ«ريد بينز»، أو «سويت كورن» تقدم مع «مايو ليمون دريسنج».

ويعيش المطعم مع المصريين في كل مناسباتهم السعيدة مثل الكريسماس من خلال تقديم أفخر أنواع الشوكولاتة والحلوى التي تتخذ أشكال بابا نويل وعربة الغزالة وغير ذلك، كما يقدم الكنافة والقطائف في رمضان، والكعك والبسكويت في عيد الفطر، وفق جميلة.

وتلفت: «يركز المطعم على الضيافة وتجربة تناول طعام مختلفة معاً، منذ اللحظة الأولى يفتح لك باب المحل عامل بأسلوب خاص يسوده التهذيب، وكذلك الجرسونات أيضاً».

وبالرغم من أن «لو شانتييه» مطعم عتيق، فإنه على العكس من المطاعم المماثلة يسمح بتوصيل الأطباق إلى المنازل، بل إنه من مطاعم الـ«كاترينج» حيث يرحب بتقديم الطعام للمناسبات والتجمعات الكبيرة مثل الحفلات، والمؤتمرات، وغيرهما. وذلك في مختلف أنحاء مصر «من الإسكندرية (شمال مصر) إلى أسوان (جنوبها)».