الانسحاب الأميركي من الشراكة عبر الهادي... الصين غانمة والهند في راحة

أطلق طموح بكين للسيطرة على اقتصاد شرق آسيا باتفاقية بديلة

الانسحاب الأميركي من الشراكة عبر الهادي... الصين غانمة والهند في راحة
TT

الانسحاب الأميركي من الشراكة عبر الهادي... الصين غانمة والهند في راحة

الانسحاب الأميركي من الشراكة عبر الهادي... الصين غانمة والهند في راحة

في واحد من أول قراراته فور توليه مهامه الرئاسية، وقع الرئيس الأميركي الجديد دونالد ترمب على مذكرة رئاسية تؤكد انسحاب حكومة الولايات المتحدة الأميركية من اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي، والتي كانت قد وقعت من قبل مع الكثير من الدول من بينها كندا وتشيلي وأستراليا واليابان، في شبكة من القواعد التجارية الدولية المعقدة، ومن المثير للاهتمام أنها لا تتضمن الصين.
وكانت اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي هي واحدة من الجهود السابقة لدى الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، وكانت جزءا من استراتيجية أوسع تتعلق بتوسيع نطاق النفوذ الأميركي في آسيا، وإتاحة مركز لمراقبة الطموحات الاقتصادية والعسكرية الصينية بعد سبع سنوات من المفاوضات المكثفة.
ولم يكن قرار الرئيس ترمب من قبيل المفاجأة بحال. حيث وجه ترمب أثناء حملته الانتخابية الرئاسية انتقادات لاذعة ضد ما وصفه بـ«الاتفاقيات التجارية السيئة» أو «غير المنصفة» التي وقعت الولايات المتحدة عليها، زاعما أنها تسببت في فقدان المواطنين الأميركيين للكثير من الوظائف.
وبجرة قلم واحدة، أشار السيد ترمب إلى أنه يخطط لاتخاذ المزيد من المواقف الصارمة إزاء المنافسين الأجانب في جزء من استراتيجية «أميركا أولا» التي يتبناها. ومن واقع ذلك، أكد السيد ترمب على أنه لن يواصل العمل بالقواعد القديمة، وسوف ينأى - وبشكل فعال - عن العقيدة الجمهورية طويلة الأجل والراسخة التي تفيد بأن توسيع التجارة العالمية من المبادئ الجيدة للولايات المتحدة وللعالم أجمع؛ وأنه ينبغي على الولايات المتحدة المساعدة في كتابة قواعد التجارة الدولية من جديد.
* فقدان السمعة الجيدة
وبهذه الخطوة، فإن الولايات المتحدة تبعث بإشارات خاطئة إلى الدول الأعضاء في اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي عبر التخلي عن المعاهدة. وبعيدا عن التجارة، أصيب الزعماء في آسيا بالمفاجأة والذهول بعد استثمار الكثير من رأس المال السياسي في هذه الاتفاقية.
يقول ايسوار براساد، أستاذ السياسة التجارية في جامعة كورنيل، من خلال مقال في تقرير إخباري نشرته مجلة «نيوزويك» الأميركية مؤخرا: «هذه الخطوة المفاجئة والمبكرة للغاية من جانب إدارة الرئيس ترمب تضع العالم على أهبة الاستعداد بأن كافة التحالفات التقليدية، الاقتصادية منها والسياسية، للولايات المتحدة الأميركية باتت عرضة لإعادة التقدير وإعادة التفاوض من قبل الإدارة الجديدة. ومن شأن شعور كهذا أن يعود بتأثير سلبي وطويل الأمد على مقدرة الولايات المتحدة على الاحتفاظ بنفوذها وريادتها في الشؤون الاقتصادية والسياسية العالمية حيث ينظر إليها الآخرون باعتبارها شريكا غير جدير بالثقة ولا يمكن الاعتماد عليه».
وفي عهد الرئيس السابق أوباما، استخدمت الولايات المتحدة «المحور» الآسيوي في الدفع ضد المد الصيني، والذي كان يهدد - بمرور الوقت - بأن يحل محل عقود من الهيمنة والنفوذ الأميركي في القارة الكبيرة. ومع الصعود الصيني من حيث النفوذ، تسببت أيضا في توترات كبيرة مع جيرانها عبر التوسعات العسكرية التي اتخذتها، وسلوكها الملاحظ عبر المناطق المتنازع عليها في بحر الصين الشرقي وبحر الصين الجنوبي. وكان العالم ينظر إلى اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي كوسيلة من وسائل تعزيز الترابط ما بين البلدان، بما في ذلك الدول الآسيوية الصغرى في جنوب شرقي آسيا، مع الولايات المتحدة، والتي كانت تقوم مقام المناطق العازلة الافتراضية في مواجهة الصين.
يقول المحلل السياسي راجا موهان المتخصص في السياسات الآسيوية: «أسفر التخلي عن اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي من جانب الولايات المتحدة إلى حالة عارمة من عدم اليقين في المنطقة الأكثر حيوية في العالم من حيث النمو الاقتصادي، حيث دخل الحلفاء الإقليميون للولايات المتحدة – ومن أبرزهم اليابان وأستراليا وكوريا الجنوبية – في حالة من عدم اليقين إزاء تغير موازين القوى والنفوذ؛ وما يعنيه ذلك لمستقبل بلدانهم وشعوبهم».
وحتى الآن، وإلى جانب تايوان وفيتنام، كانت اليابان وأستراليا وكوريا الجنوبية – الحلفاء الثلاثة الرئيسيين للولايات المتحدة في المنطقة – قد تمتعوا بالضمانات الأمنية من جانب التواجد العسكري الأميركي، والاطمئنان السياسي من واقع القرار المبكر الذي اتخذته إدارة الرئيس السابق باراك أوباما بتركيز جهود السياسة الخارجية للولايات المتحدة على تلك المنطقة.
* الحلفاء يبحثون البديل
ومع ذلك، تعهدت بعض البلدان مثل أستراليا ونيوزيلندا بإنقاذ اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي بعد انسحاب الولايات المتحدة منها. وتأمل أستراليا، على وجه التحديد، في إنقاذ الاتفاقية من خلال تشجيع الصين وغيرها من البلدان الآسيوية على الانضمام إلى الاتفاقية.
وصرح ستيفن شيوبو وزير التجارة الأسترالي لشبكة «إيه بي سي» الإخبارية الأميركية يقول إنه يمكن للصين وإندونيسيا الانضمام إلى اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي لملء الفراغ الذي خلفته الولايات المتحدة بانسحابها منها. وقال السيد شيوبو للشبكة: «لم تدخل اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي حيز التنفيذ الفعلي حتى الآن، حيث لم تصادق عليها الكثير من الدول المشاركة فيها. ومن شأن الهيكل الأصلي للاتفاقية أن يمكن البلدان الأخرى من الانضمام إليها. وإنني أعلم على وجه التأكيد أن إندونيسيا قد أعربت عن رغبتها في الانضمام، وسوف يكون المجال مفتوحا أيضا أمام الصين إن استطعنا إعادة صياغة النظام الأساسي للاتفاقية».
وقال وزير التجارة النيوزيلندي إن وزراء التجارة في الدول الأعضاء في اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي سوف يجتمعون خلال الشهور القليلة المقبلة لبحث السبل المعنية بإنقاذ الاتفاقية التجارية. ووصف رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي الاتفاقية بأنها محرك الإصلاح الاقتصادي، إلى جانب أنها بمثابة الثقل الموازن للصعود الصيني في المنطقة، وهي ليست من الدول الأعضاء في الاتفاقية.
وأعرب رئيس الوزراء النيوزيلندي بيل إنغليش، في أعقاب المحادثة الهاتفية مع الرئيس ترمب، عن مخاوفه من انسحاب الولايات المتحدة من اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي.
وصرح السيد إنغليش لإذاعة راديو نيوزيلندا يقول إن «هناك مخاوف حقيقية من أن الانسحاب من تلك الاتفاقية قد يشير إلى حالة من الانسحابات التالية لبعض من المصالح الأميركية في المنطقة. ونحن لا نريد لذلك أن يحدث».
ويخشى المحللون أنه على الرغم من أن الدول الأعضاء في الاتفاقية قد أعربوا عن التزامهم المتواصل حيال الاتفاقية، ولكن من دون وجود الولايات المتحدة، والتي كانت أكبر اقتصاد بين الدول الأعضاء في الاتفاقية، يخشى البعض من بقاء الاتفاقية على قيد الحياة لفترة طويلة.
* فرصة الصين السانحة
ولكن تأثير قرار الرئيس الأميركي من المرجح أن يمتد لما هو أبعد من التجارة، حيث يفسح المزيد من المجال أمام الصين لفرض نفوذها. ومع الانسحاب الأميركي من الاتفاقية التي تضم 12 من الدول الأعضاء، يقول المحللون إنها ميزة تصب مباشرة في الصالح الصيني.
ووفقا للخبير الاقتصادي دروفا جايشانكار: «يمهد خروج الولايات المتحدة من اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي الطريق أمام الصين لفرض الهيمنة والنفوذ الكبيرين على اقتصادات جنوب شرقي آسيا، وحتى خط التماس مع شرقي أفريقيا وربما إلى أجزاء من أوروبا كذلك».
وتسعى الصين في الوقت الراهن وراء تنفيذ مشروع «حزام واحد وطريق واحد» الهادف إلى إعادة بناء طرق التجارة البرية والبحرية القديمة، والتي تربط أكثر من 60 دولة حول العالم بمنطقة الشرق الأوسط في المقام الأول ثم بقارة أوروبا. ومنذ اعتلائه سدة الحكم في بكين، سعى الرئيس الصيني شي جينبينغ إلى توسيع الروابط التجارية الصينية مع جيرانها، وشرع في تنفيذ مشروعات البنية التحتية الطموحة المصممة والموجهة لإعادة تنشيط طرق التجارة القديمة.
يقول ريتشارد هاس، رئيس مجلس العلاقات الخارجية الأميركي، في تغريدة له على موقع «تويتر»: «بصراحة شديدة، إن الصينيين يحتفلون بقرار الانسحاب كثيرا»، مضيفا أن الصين قد تكون من أكبر المستفيدين من خطوة الرئيس ترمب. ومن شأن الانسحاب الأميركي من اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي أن يسبب بطئا ملحوظا في النمو الاقتصادي الأميركي، ويكلفه المزيد من فقدان فرص العمل الداخلية، ويضعف من موقف الولايات المتحدة على المسرح العالمي، ولا سيما في آسيا.
ومن المثير للاهتمام، أنه في نفس اليوم الذي وقع فيه الرئيس ترمب على قرار انسحاب حكومته من الاتفاقية، كانت هناك بعض الأخبار السارة الخاصة بالمبادرة الصينية المشار إليها. وهي أخبار تتعلق بمصرف تنمية مشروعات البنية التحتية الآسيوي متعدد الجنسيات، ذلك الذي أسسته بكين في عام 2015 بهدف تمويل مشروعات البنية التحتية في جميع أنحاء آسيا، حيث تلقى البنك الجديد طلبات انضمام من 25 من الأعضاء الجدد المحتملين من أفريقيا، وأوروبا، وجنوب أميركا، إضافة إلى المساهمين في المصرف والبالغ عددهم 57 مساهما حاليا. واتخذت الولايات المتحدة موقفا معاديا ضد تأسيس البنك، حيث اعتبرته تحديا قائما في وجه المؤسسات المالية والمصرفية الحالية، مثل البنك الدولي، ورفضت الانضمام إليه، كما وجهت الحكومة الأميركية الانتقادات إلى الدول الأخرى التي انضمت إلى البنك، بما في ذلك المملكة المتحدة.
ومن المثير للانتباه، تحذير الرئيس السابق أوباما مرارا وتكرارا من أن الفشل في تمرير اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي سوف يجعل بكين تحل محل واشنطن في تحريك قواعد اللعبة في التجارة العالمية.
* الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة
مع سقوط اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي، سعت الصين بالفعل إلى الاستفادة من ذلك عبر الدفع في اتجاه استكمال اتفاقية تجارية بديلة، عرفت باسم اتفاقية الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة. وهذه الاتفاقية هي عبارة عن مفاوضات تسعى إلى إنشاء اتفاقية واحدة للتجارة الحرة بين عشر من الدول الآسيوية الأعضاء في رابطة الآسيان، وهي بروناي، وكمبوديا، وإندونيسيا، ولاوس، وماليزيا، وميانمار، والفلبين، وسنغافورة، وتايلاند، وفيتنام... إلى جانب ست دول أخرى تربطها مع دول رابطة الآسيان اتفاقية للتجارة الحرة، وهي أستراليا، والصين، والهند، واليابان، وكوريا الجنوبية، ونيوزيلندا.
ويسعى هذا التكتل الاقتصادي الكبير إلى خلق التكامل الاقتصادي الإقليمي، مما يؤدي إلى إيجاد أكبر كتلة تجارية إقليمية في العالم، تلك التي تشكل 45 في المائة من تعداد سكان العالم، ومع الناتج المحلي الإجمالي الشامل بمقدار 21.3 تريليون دولار. ويهدف هذا التكامل الاقتصادي الإقليمي إلى تغطية التجارة في السلع والخدمات، والاستثمار، والتعاون الاقتصادي والتقني، والمنافسة، والملكية الفكرية.
غير أن اتفاقية الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة، ذات الرعاية الصينية، هي أضيق طموحا من اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي، حيث تسعى فقط إلى مجرد تخفيض أو إلغاء التعريفة الجمركية على التجارة مع الصين ودول أخرى غيرها في جنوب شرقي آسيا، مثل أستراليا، والهند، واليابان، وكوريا الجنوبية، ونيوزيلندا. وهي لا تهدف إلى ذلك النوع من التكامل العميق الذي تعد به اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي، ولكن الصين تفضلها على هذا النحو: إذ أن اتفاقية الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة لا تشتمل على أي قدر من الحماية البيئية أو العمالية الذي تعتبره بكين تقييدا في المقام الأول.
كذلك، ووفقا لتقديرات مجلس خبراء الاقتصاد التابع للرئيس الأميركي السابق باراك أوباما، فإن المصادقة على وتمرير اتفاقية الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة من شأنهما أن يؤدي إلى فقدان حصة السوق بين مختلف الصناعات الأميركية والتي تعمل في الوقت الراهن على تصدير أكثر من 5 مليارات دولار من السلع إلى اليابان وحدها.
* موقف الهند
عندما انسحب الرئيس دونالد ترمب من اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي، كان هناك شعور من الارتياح في الهند، حيث كانت هناك قطاعات كبيرة في البلاد، مثل الملابس والأدوية، تستعد لتلقي ضربة جدا موجعة.
وكان سودهير دهينغرا، العضو المنتدب في شركة أورينت كرافت، ومقرها في نيودلهي، وهي من أكبر شركات تصدير الملابس في الهند، يساوره الكثير من القلق بعد الإعلان عن اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي.
وكان السبب وراء ذلك أن الاتفاقية كانت سوف تجعل من الصادرات الهندية أقل قدرة على المنافسة مع تخفيض الرسوم الجمركية، وتمنح دولا مثل فيتنام وماليزيا أفضلية الوصول بمنتجاتها إلى الأسواق في الولايات المتحدة واليابان.
ويصف دهينغرا قرار الولايات المتحدة بالانسحاب من الاتفاقية من الأخبار السارة للغاية.
وقال مسؤول بارز في وزارة التجارة الهندية، وكان يتحدث بشرط عدم الكشف عن هويته لوسائل الإعلام، إنه ربما تكون الهند هي المستفيد غير المقصود من قرار السيد ترمب، وأضاف المسؤول الهندي يقول: «كانت هناك ضغوط من اليابان وغيرها من الدول الأعضاء المشتركة في اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي واتفاقية الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة لكي تجعل الاتفاقية الأخيرة أكثر طموحا من جانب حقوق الملكية الفكرية والاستثمار، وهو الأمر الذي تعارضه الهند كثيرا. وإننا نأمل لمثل هذه الضغوط أن تهدا الآن»، محذرا من أن الهند تراقب الوضع المتطور عن كثب.
ويقول كافالجيت سينغ، مدير معهد ماديام لأبحاث السياسات ومقره في دلهي: «حتى الآن، ظلت الهند هي الطرف المتلقي لاتفاقية الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة. ونحن نأمل الآن، أن تكون الدول الأعضاء الأخرى في اتفاقية الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة أكثر قدرة على التكيف إزاء المطالب الهندية بوصول أكبر لأسواق الخدمات للعثور على فرص العمل للعمال المهرة من مواطنيها. وجهود نقل الأحكام الرئيسية من اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي إلى اتفاقية الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة قد لا تكلل بالنجاح الآن».
وقال بيسواجيت دهار، أستاذ الاقتصاد في جامعة جواهر لال نهرو، إنه إذا وافقت الصين على قيادة اتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادي، فسوف يكون الموقف أكثر تعقيدا بالنسبة للهند. وأضاف يقول محذرا: «ينبغي علينا الانتظار ومراقبة الأوضاع المتطورة. ولا ينبغي أن نصرف أعيننا عن الأمر تماما».



صدمة الطاقة تختبر توقعات التضخم ومستقبل أسعار الفائدة

مبنى بنك الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)
مبنى بنك الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)
TT

صدمة الطاقة تختبر توقعات التضخم ومستقبل أسعار الفائدة

مبنى بنك الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)
مبنى بنك الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)

يواجه محافظو البنوك المركزية حول العالم مهمة بالغة التعقيد، تكاد تلامس المستحيل: فهم سلوك الشركات، والنقابات العمالية، والأسر في الوقت الفعلي، لتقدير كيفية تفاعلهم مع أوضاعهم المالية في ظل صدمة طاقة جديدة.

ويدرس صناع السياسات خيار رفع أسعار الفائدة لمواجهة الضغوط التضخمية المتزايدة، لكن اتخاذ هذه الخطوة يبقى مشروطاً بقناعتهم بأن ارتفاع تكاليف الطاقة الناتج عن الحرب في إيران سينتقل إلى بقية الأسعار، بما يؤدي إلى ترسيخ توقعات تضخم أعلى على مستوى الاقتصاد ككل، وفق «رويترز».

يتسوق الناس في أحد متاجر نيويورك (رويترز)

غير أن التحدي الأبرز يكمن في صعوبة قياس هذه التوقعات بدقة. فعلى الرغم من امتلاك البنوك المركزية طيفاً واسعاً من الأدوات، بما في ذلك الاستطلاعات والمؤشرات السوقية والنماذج التحليلية، فإنَّ جميعها تعاني من أوجه قصور، إن لم تكن عيوباً جوهرية.

ومنذ جائحة «كوفيد-19»، كثَّفت البنوك المركزية جهودها لتطوير أدوات جديدة تسدّ فجوات البيانات السلوكية، غير أن قياس توقعات التضخم لا يزال أقرب إلى فن قائم على التقدير منه إلى علم دقيق.

حذر متزايد في قرارات الفائدة

هذا الغموض قد يدفع صناع السياسات إلى رفع سقف الحذر قبل الإقدام على تشديد السياسة النقدية، إذ يفضّلون عادة انتظار دلائل أكثر صلابة، لتقليل مخاطر اتخاذ قرارات خاطئة.

وقال توم باركين، رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في ريتشموند، إن فهم طريقة تفكير واضعي الأسعار يمثل عنصراً حاسماً، مضيفاً أن قرار رفع الفائدة سيعتمد على ما إذا كانت توقعات التضخم ستبدأ بالفعل في التحرك صعوداً، وهو ما لم يتحقق بعد، وفق تقديره.

تحولات سلوكية منذ 2022

يتمثل أحد أبرز التعقيدات في تغير سلوك الأفراد والشركات. ففي عام 2022، ومع محدودية الخبرة في التعامل مع التضخم السريع، كانت عمليات تعديل الأسعار والأجور تتسم بالجمود النسبي.

لكن، وفق ما أشارت إليه إيزابيل شنابل، عضو مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي، فإن تجربة التضخم المؤلمة في السنوات الأخيرة جعلت التوقعات أكثر هشاشة، وبالتالي أكثر حساسية لصدمات أسعار الطاقة.

وبالنسبة للشركات، لم يعد تعديل الأسعار حدثاً سنوياً كما كان قبل الجائحة، بل أصبح أكثر تكراراً، مما يجعل وتيرة التغيير - وليس حجمه فقط - مؤشراً مهماً على تحولات التوقعات.

أدوات تقليدية... وقيود واضحة

لطالما اعتمدت البنوك المركزية على الاستطلاعات ومؤشرات السوق لتقدير توقعات التضخم. غير أن هذه الأدوات تعاني من قيود واضحة؛ فالاستطلاعات تُجرى بوتيرة محدودة ولا تواكب التحولات السريعة، كما أن آفاقها الزمنية لا تتماشى دائماً مع احتياجات صناع القرار.

أما المؤشرات السوقية، فتتأثر بعلاوات المخاطر التي يطلبها المستثمرون، مما يجعلها تعكس مزيجاً من التوقعات الفعلية ومعنويات السوق، وبالتالي تُضعف دقتها.

وتكمن أهمية هذه التقديرات في أن المستثمرين باتوا يتوقعون حالياً رفع البنك المركزي الأوروبي لأسعار الفائدة مرتين أو ثلاث مرات هذا العام، وبنك إنجلترا مرتين، في حين تراجعت توقعات خفض الفائدة من قبل «الاحتياطي الفيدرالي» خلال عام 2026.

مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)

ابتكار لسد فجوات المعرفة

لمواجهة هذه التحديات، طوَّرت البنوك المركزية أدوات جديدة، تشمل متابعة توقعات الأجور من خلال اتفاقيات النقابات، وإجراء استطلاعات مباشرة مع الشركات، والتواصل مع المديرين التنفيذيين لرصد سلوك التسعير.

كما تراقب وتيرة تغيّر الأسعار بشكل أكثر دقة، وتعمل على تحسين النماذج الاقتصادية التي أخفقت سابقاً في توقُّع موجة التضخم المرتبطة بالجائحة والحرب في أوكرانيا.

ويُعد فهم الفروق بين صدمة التضخم الحالية وتلك التي شهدها العالم قبل أربع سنوات أمراً محورياً في رسم السياسات، إذ تختلف الظروف جذرياً اليوم.

بيئة اقتصادية مختلفة

فأسعار الفائدة مرتفعة بالفعل، والسياسات المالية أكثر تشدُّداً، وسوق العمل تُظهر بوادر تباطؤ، كما أن الأسر لم تعد تمتلك فوائض نقدية كبيرة كما كان الحال خلال الجائحة.

وفي هذا السياق، أشار محافظ بنك إنجلترا، أندرو بيلي، إلى أن الاقتصاد يدخل هذه المرحلة مع تباطؤ تدريجي في التضخم، وضعف في سوق العمل، ونمو دون إمكاناته.

كما تؤكد الشركات، وفق ما تنقله البنوك المركزية، تراجع قدرتها على تمرير زيادات الأسعار، مما يعكس ضعفاً في القوة التسعيرية عبر معظم القطاعات.

توازن دقيق ومخاطر قائمة

ورغم الثقة النسبية الحالية في استقرار توقعات التضخم على المدى الطويل، فإن استمرار الحرب وارتفاع أسعار الطاقة قد يؤديان إلى تغيير هذا المسار.

فمع ارتفاع تكاليف المعيشة اليومية، مثل الوقود، تزداد احتمالات ترسخ توقعات تضخم أعلى، غير أن توقيت حدوث ذلك يظل غير واضح، مما يترك لصناع السياسات مساحة واسعة للاجتهاد والتقدير.

وفي هذا الإطار، لخَّص بريموز دولينك، مسؤول السياسات في البنك المركزي الأوروبي، المشهد بالقول: إن علم الاقتصاد، رغم اعتماده على التحليل، لا يخلو بطبيعته من عنصر الحكم الشخصي والتقدير.


تراجع معظم أسواق الخليج وسط مخاوف من تصاعد الحرب

مستثمر يراقب تحركات الأسهم في سوق قطر (رويترز)
مستثمر يراقب تحركات الأسهم في سوق قطر (رويترز)
TT

تراجع معظم أسواق الخليج وسط مخاوف من تصاعد الحرب

مستثمر يراقب تحركات الأسهم في سوق قطر (رويترز)
مستثمر يراقب تحركات الأسهم في سوق قطر (رويترز)

تراجعت غالبية أسواق الأسهم الخليجية في بداية تداولات يوم الخميس، بعد أن قال الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، إن الولايات المتحدة ستواصل هجماتها على إيران، دون تحديد موعد لانتهاء الحرب.

وانخفض المؤشر الرئيسي في دبي بنسبة 1.4 في المائة، متأثراً بتراجع سهم شركة «إعمار» العقارية بنسبة 1.6 في المائة.

وفي أبوظبي، تراجع المؤشر بنسبة 0.9 في المائة، بضغط من هبوط سهم «بنك أبوظبي التجاري» بنسبة 1.4 في المائة.

كما انخفض مؤشر بورصة قطر بنسبة 1.1 في المائة، مع تراجع سهم «بنك قطر الوطني»، بنسبة 1.1 في المائة، وهبوط سهم «ناقلات قطر» بنحو 3 في المائة.

في المقابل، خالف المؤشر السعودي الاتجاه وارتفع بنسبة 0.3 في المائة، مدعوماً بصعود سهم مصرف «الراجحي» بنسبة 0.2 في المائة، وارتفاع سهم عملاق النفط «أرامكو السعودية» بنسبة 0.3 في المائة.


من التفاؤل إلى القلق: كيف قلبت تهديدات ترمب مزاج الأسواق؟

متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
TT

من التفاؤل إلى القلق: كيف قلبت تهديدات ترمب مزاج الأسواق؟

متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

تسبَّبت تهديدات الرئيس الأميركي دونالد ترمب بقصف إيران «حتى تعود إلى العصر الحجري» بتصعيد حاد في الحرب التي دخلت أسبوعها الخامس، مما بدَّد آمال المستثمرين في إنهاء سريع للصراع الذي يضغط على إمدادات النفط ويؤجج الضغوط التضخمية.

وتراجعت الأسواق العالمية يوم الخميس مع تفاقم المخاوف المرتبطة بالحرب، حيث هبطت الأسهم والسندات، بينما ارتفعت أسعار النفط، وصعد الدولار بعد أن قضت تصريحات ترمب على التوقعات بقرب وضوح مسار نهاية النزاع في الشرق الأوسط، وفق «رويترز».

شخص يراقب شاشة مؤشرات الأسهم في بورصة تايوان بتايبيه (إ.ب.أ)

وأشار ترمب إلى أن الجيش الأميركي «حقَّق تقريباً أهدافه في إيران»، دون تقديم جدول زمني واضح لإنهاء العمليات، مؤكداً أن الضربات العسكرية ستستمر خلال الأسبوعين أو الثلاثة أسابيع المقبلة.

ولم تسهم هذه التصريحات في تهدئة قلق المستثمرين بشأن أفق الصراع، إذ قال مايك هولاهان، مدير شركة «إليكتوس فاينانشال» في أوكلاند: «الخطاب لم يحمل جديداً يُذكر، باستثناء تأكيد استمرار القصف خلال الأسابيع المقبلة»، مضيفاً أن ذلك يطيل أمد الأزمة ويثير تساؤلات حول تأثيره على سلاسل إمداد الطاقة.

دونالد ترمب يصل لإلقاء خطاب متلفز حول الصراع في الشرق الأوسط من البيت الأبيض 1 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

خيبة أمل في الأسواق

وكان المستثمرون قد علَّقوا آمالهم على تهدئة قريبة بعد تصريحات سابقة لترمب دعمت الأسهم وأضعفت الدولار، غير أن خطابه الأخير أعاد ترسيخ سيناريو الحرب طويلة الأمد، مما دفع المتداولين إلى تقليص مراكز المخاطر قبل عطلة نهاية أسبوع طويلة.

ويظل انقطاع إمدادات النفط وتأثيره على التضخم مصدر قلق رئيسي للأسواق، خاصة في ظل الغموض الذي يحيط بإمكانية إعادة فتح مضيق هرمز، الممر الحيوي لإمدادات الطاقة العالمية، والذي أدَّى تعطله إلى واحدة من أشد صدمات الطاقة في التاريخ.

وقفز سعر خام برنت تسليم يونيو (حزيران) بنحو 5 في المائة ليصل إلى 106.16 دولار للبرميل عقب تصريحات ترمب.

وقال مات سيمبسون، كبير محللي الأسواق في شركة «ستونكس»: «في ظل غياب أي خطط لإعادة فتح مضيق هرمز، ستظل أسعار النفط مرتفعة لفترة غير محددة»، محذراً من موجة تضخمية جديدة تضغط على الاقتصاد العالمي.

دخان يتصاعد من مستودع نفطي في كاني قرجالا قرب أربيل إثر ضربة محتملة بطائرة مسيَّرة 1 أبريل الحالي (أ.ف.ب)

مخاطر الركود التضخمي

ويرى محللون أن استمرار اضطرابات إمدادات الطاقة قد يعزِّز المخاوف من الركود التضخمي، وهو مزيج من تباطؤ النمو وارتفاع التضخم، سبق أن هز الأسواق خلال مارس. (آذار).

وفي هذا السياق، حذَّر تويتشيرو أسادا، عضو مجلس إدارة بنك اليابان، من أن بلاده قد تواجه هذا السيناريو نتيجة تداعيات الحرب، مشيراً إلى صعوبة معالجته عبر أدوات السياسة النقدية التقليدية.

بدوره، قال راسل تشيسلر، رئيس الاستثمارات في شركة «فانيك»: «السؤال الذي يشغل المستثمرين هو: متى سينتهي هذا الصراع؟ وهذا الغموض هو ما يغذي التقلبات»، مضيفاً أن الأسواق تتجه نحو بيئة ركود تضخمي مع تباطؤ النمو وارتفاع توقعات التضخم.

وارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية خلال التداولات الآسيوية، حيث صعد العائد على السندات لأجل 10 سنوات بمقدار 5 نقاط أساس ليصل إلى 4.376 في المائة، وسط مخاوف من أن يؤدي التضخم المرتفع إلى تقليص فرص تيسير السياسة النقدية.

سفينة شحن في الخليج العربي، بالقرب من مضيق هرمز (أرشيفية - رويترز)

الدولار والنفط إلى الواجهة

من المتوقع أن تظل الأسواق شديدة التقلب في الفترة المقبلة، مع ترقب المستثمرين تطورات الصراع خلال الأسابيع القادمة، بينما يرجح المحللون استمرار قوة الدولار وارتفاع أسعار النفط على المدى القريب، في ظل تنامي الإقبال على الأصول الآمنة.

وحقق الدولار مكاسب مقابل سلة من العملات الرئيسية، معوضاً خسائره خلال اليومين السابقين، مدعوماً بتصاعد التوترات الجيوسياسية.

وقالت كارول كونغ، استراتيجية العملات في «بنك الكومنولث الأسترالي»: «الدولار بدأ بالفعل في الارتفاع، ومع توقُّع استمرار الحرب حتى يونيو على الأقل، فإن لديه مجالاً لمزيد من الصعود».

وفي ظل تعقيد المشهد، يرى محللون أن التفاؤل بنهاية قريبة للحرب لا يزال محدوداً، نظراً لتعدد أطرافها، حيث لا تقتصر على الولايات المتحدة فحسب، بل تشمل أيضاً إسرائيل وإيران، ما يزيد من صعوبة التوصل إلى تسوية سريعة.