اعتقال بحجة تصوير جسر وراء كشف وثيقة «الإخوان» الأميركية

ضبطها «إف بي آي» ضمن أوراق رفيق لموسى أبو مرزوق في 2004... وطواها النسيان حتى 2013

زوجة موسى أبو مرزوق القيادي في حماس وابنهما أثناء حديثهما للصحافيين خارج المحكمة الفيدرالية في نيويورك في صورة أرشيفية ({غيتي}) - إسماعيل البرعصي في صورة أرشيفية («الشرق الأوسط»).
زوجة موسى أبو مرزوق القيادي في حماس وابنهما أثناء حديثهما للصحافيين خارج المحكمة الفيدرالية في نيويورك في صورة أرشيفية ({غيتي}) - إسماعيل البرعصي في صورة أرشيفية («الشرق الأوسط»).
TT

اعتقال بحجة تصوير جسر وراء كشف وثيقة «الإخوان» الأميركية

زوجة موسى أبو مرزوق القيادي في حماس وابنهما أثناء حديثهما للصحافيين خارج المحكمة الفيدرالية في نيويورك في صورة أرشيفية ({غيتي}) - إسماعيل البرعصي في صورة أرشيفية («الشرق الأوسط»).
زوجة موسى أبو مرزوق القيادي في حماس وابنهما أثناء حديثهما للصحافيين خارج المحكمة الفيدرالية في نيويورك في صورة أرشيفية ({غيتي}) - إسماعيل البرعصي في صورة أرشيفية («الشرق الأوسط»).

بدأت أهم فصول القصة في عطلة نهاية الأسبوع قبل الأخير من شهر أغسطس (آب) 2004، أي بعد أقل من ثلاث سنوات على هجمات سبتمبر (أيلول) 2001، عندما حدثت واقعة عرضية لأسرة عربية مسلمة مقيمة شمالي ولاية فيرجينيا على بعد عشرين دقيقة من قلب العاصمة واشنطن. تتألف هذه الأسرة من رجل كان آنذاك في أواخر العقد الخامس من عمره وزوجة تصغره قليلاً، وصبي في الرابعة عشرة من عمره وفتاتين كان عمرهما في ذلك الوقت 19 سنة و20 سنة.
استقل أفراد الأسرة سيارتهم متجهين إلى ولاية ميريلاند المجاورة لفرجينيا بغرض قضاء وقت عائلي ممتع على شاطئ خليج «تشيسابيك» الجميل. وأثناء وجود الأسرة في ميريلاند عبرت سيارتهم جسر «تشيسابيك» الشهير المعروف كذلك باسم «ويليام بريستون باي بريدج»، ويربط منطقة الساحل الشرقي الريفية بمناطق الساحل الغربي الحضرية في ميريلاند. وقبل وصول السيارة إلى منتصف الجسر البالغ طوله نحو سبعة كيلومترات، استخرجت الزوجة كاميرا فيديو كانت تحملها معها، وبدأت تصور المناظر الخلابة المحيطة بالجسر، بينما زوجها يقود السيارة، وأولادهما يمرحون. لم تكن الزوجة تدرك، حسب ما روته لـ«الشرق الأوسط» في 2004، أن زوجها يخضع على مدار الساعة لرقابة مكتب التحقيقات الفيدرالية «إف بي آي»، وأن عناصر المكتب ينتظرون أي فرصة سانحة لإيقافه وتفتيشه، لأسباب لا يعرفها في ذلك الوقت إلا هو و«إف بي آي»، إلى جانب عدد محدود من وكالات الاستخبارات الأميركية.
اعتبر عناصر المتابعة تصوير الجسر بكاميرا فيديو فرصة لإيقاف السيارة تحت مبرر الاشتباه بوجود مخطط إرهابي لاستهداف الجسر، بينما كان الهدف الفعلي هو الحصول على أمر قضائي يسمح بمداهمة وتفتيش منزل خاضع لحماية الدستور الأميركي لا يمكن اقتحامه في الأحوال العادية.
وكان إيقاف أي فرد بسبب التصوير، أمرًا مستهجنًا في الولايات المتحدة، باعتباره تقليدًا لما يجري في دول العالم الثالث. لكن هجمات سبتمبر جعلت هذا التقليد مبررًا، لدرجة أن بعضهم بدأ يخشى على حريته لو صوّر تمثال الحرية في نيويورك، أو النصب التذكاري لرمز الحرية إبراهام لينكولن في واشنطن.
لم ينتظر عناصر «إف بي آي» طويلاً، فبمجرد أن وصلت سيارة الأسرة العربية نهاية الجسر، سارعت سيارات المتابعة المتخفية إلى الإعلان عن نفسها بإشعال الأنوار الملونة متقطعة الأضواء وإطلاق الأصوات الصاخبة، فتبادر إلى أذهان أفراد الأسرة أن والدهم ارتكب لتوه مخالفة سير عادية أو تجاوز السرعة، ولم يساورهم القلق كثيرًا. لكن الأمر لم يكن بمثل هذه البساطة، فقائد السيارة هو ذاته قائد حركة «الإخوان المسلمين» في أميركا الشمالية أو «المراقب العام» حسب توصيف الجماعة. وهو كذلك ممثل حركة حماس في الولايات المتحدة. لكن إذا كان الانتساب إلى «الإخوان» لا يتعارض مع القانون الأميركي، وبالتالي لا يبرر الاعتقال حتى هذه اللحظة على الأقل، فإن العضوية في «حماس» كافية لمحاكمة أي مواطن أميركي منذ أضيفت الحركة إلى قائمة المنظمات الإرهابية الأميركية في 1993. أصبح الجمع بين الجماعة والحركة في المواقع القيادية وبالاً على الطرفين ومخاطرة واضحة، خصوصًا داخل الولايات المتحدة، لكن الأنانية أو الرغبة في الانفراد بالهيمنة كثيرًا ما تعميان الأبصار. لهذا لم تتعب السلطات الأميركية نفسها في إيجاد تخريجات قانونية لاستهداف قيادات «الإخوان»، فيكفي إثبات الصلة بحركة «حماس» المدرجة في القائمة لاعتقال أي قيادي «إخواني» أو ترحيله أو قلب حياته إلى جحيم.
في اليوم التالي لواقعة التصوير، حملت صحف الصباح خبر مداهمة وتفتيش منزل المواطن الأميركي من أصل فلسطيني إسماعيل سليم البرعصي في مدينة أننديل في مقاطعة فايرفاكس شمالي ولاية فرجينيا. وقدمته الصحف بصفة القيادي في حركة حماس، وليس بالصفة التي يعرفها عنه قطاع واسع من العرب الأميركيين وهي «المسؤول العام لجماعة الإخوان المسلمين في أميركا الشمالية».
جرت العادة في مداهمات كهذه أن يتضمن الأمر القضائي السماح بضبط ومصادرة أي شيء تعثر عليه السلطات أثناء المداهمة، ويمكن اعتباره مفيدًا لاستكمال التحقيقات. ويبدو أن البرعصي كان من الشغوفين بالتوثيق والأرشفة، فضلاً عن أن موقعه التنظيمي في الحركة والجماعة جعلا في حوزته ثروة من المعلومات المدونة والمؤرشفة، ما سهل على معتقليه الفوز بوثائق قيمة عن «الإخوان»، بينها «مذكرة تفسيرية للهدف الاستراتيجي العام للجماعة في أميركا الشمالية» تحمل تاريخ 22 مايو (أيار) 1991، وموجهة إلى المسؤول العام لـ«الإخوان» (في الولايات المتحدة على الأرجح) والأمين العام لمجلس شورى الجماعة (في الولايات المتحدة على الأرجح وليس مجلس شورى الجماعة الأم)، وإلى أعضاء مجلس شورى الجماعة (في أميركا الشمالية).
ولم ترد في المذكرة أسماء حاملي هذه الصفات أمام كل منهم، لكن كاتب المذكرة التفسيرية أورد اسمه، وهو محمد أكرم، في نهاية الصفحة الأولى من مذكرته من دون أن يفسر صفته في الجماعة لمن لا يعرفها. وتبين لاحقًا أن المذكرة التفسيرية ذُيّلت باسمه لكونه المسؤول عن المنظومة الإعلامية لـ«الإخوان» في مدينة شيكاغو بولاية إلينوي. لكن لسبب غير واضح، تعمد أكرم في مذكرته التفسيرية عدم إيراد لقبه العائلي، وهو العدلوني، إذ إنه يعرف بين رفاقه باسمه الكامل محمد أكرم العدلوني، وأحيانًا أكرم عدلوني.
لم يعلن أي شيء عن هذه المذكرة وقت العثور عليها، لأن فرز المضبوطات وترجمة محتوياتها يحتاج إلى وقت ويصعب البدء به على الفور، كما قد لا يكشف أي شيء بالضرورة، إلا إذا كانت هناك حاجة إلى التسريب المتعمد، فطواها النسيان حتى صدرت في عام 2013 ضمن كتاب يتضمن تحليلاً وافيًا لها، من إعداد ديفيد ريبوى وفرانك جافني، صدر عن «مركز السياسات الأمنية» تحت عنوان «من أرشيف جماعة الإخوان المسلمين في أميركا: مذكرة تفسيرية». ونتيجة لذلك، كان أقصى ما استطاعت الصحف الأميركية والمراسلون الأجانب الحصول عليه في 2004 من السلطات الفيدرالية هو تعريف المعتقل بأنه أحد المساعدين الرئيسيين لنائب رئيس المكتب السياسي لحركة حماس موسى أبو مرزوق، ولم تشر السلطات إلى «الإخوان» من قريب أو بعيد، ربما لغياب الفائدة القانونية من ذلك. غير أن الصحف الأميركية لمحت إلى أن «حماس» جزء من «الإخوان»، وأن كثيرين من قادتها، هم أيضًا قادة في «الإخوان»، خصوصًا في أميركا الشمالية.
وكان أبو مرزوق ذاته صاحب تاريخ طويل في العمل السياسي والنشاط الحزبي في الولايات المتحدة منذ أن وصل إليها قادمًا من الإمارات العربية في 1982 للحصول على درجة الماجستير، وعاش في ولاية كولورادو التي تسلم مسؤولية «الإخوان» فيها بعد شهرين فقط من وصوله. وتم اختياره مراقبًا عامًا للجماعة في الولايات المتحدة بكاملها في 1990، ليشرف على النشاطات «الإخوانية» في جميع أنحاء أميركا الشمالية (الولايات المتحدة وكندا)، حسب ما تؤكده أدبيات ووثائق حركة حماس المنشورة.
وخلال الفترة بين 1982 و1990، كانت بمعية أبو مرزوق في كولورادو مجموعة من المبتعثين الفلسطينيين الذين أصبحوا لاحقًا من أقرب خلصائه. ومن هؤلاء البرعصي والعدلوني. ولا غرابة في العثور على المذكرة التفسيرية بين مقتنيات البرعصي عند دهم منزله، فقد كانت المذكرة موجهة إلى المجموعة القيادية التي يترأسها بصفته المراقب العام للجماعة، خلفًا لأبو مرزوق الذي أصبح رئيسًا للدائرة السياسية لحركة حماس وغادر أميركا، بعد أن اتخذ مجلس شورى الحركة قرارًا في 1990، بأن رئيس الدائرة السياسية لحماس يجب أن يكون في الأردن، فانتقل أبو مرزوق وعائلته من أميركا إلى الأردن، وأقاموا في حي الشميساني الراقي حتى منتصف عقد التسعينات.
ولم يخلف البرعصي رفيقه أبو مرزوق في مسؤوليته عن «الإخوان» في أميركا فحسب، بل ورث منه كذلك المسؤولية عن أنشطة «حماس» داخل الولايات المتحدة، حسب المصادر الأميركية. وكان أبو مرزوق عمل كذلك خلال وجوده في الولايات المتحدة على تنظيم العمل الفلسطيني، وتمثيل «حماس» بمعاونة رفاقه من مجموعة كولورادو. وإلى جانب البرعصي والعدلوني، كان من العناصر البارزة أحمد يوسف الذي تولى المسؤولية عن المؤسسات الفكرية، وغسان العشي الذي تولى مسؤولية المؤسسات المالية، بما فيها «مؤسسة الأراضي المقدسة»، وكمالين شعث مشرفًا على المؤسسات التعليمية بالشراكة مع آخرين. وكان هؤلاء - باستثناء غسان العشي - يشكلون أعلى هيئة قيادية لـ«الإخوان» و«حماس» في الولايات المتحدة، ويترأسهم أبو مرزوق، ومن بعده البرعصي، طبقًا لما هو مثبت في المحاكم الفيدرالية الأميركية في وثائق قضايا منفصلة تتعلق بأبو مرزوق والبرعصي.
ومن المفارقات أن الضجة القائمة حاليًا بشأن المذكرة التفسيرية المثيرة للجدل، تأتي في وقت لم يعد أحد من أعضاء مجموعة كولورادو موجودًا داخل الأراضي الأميركية. وكان أبو مرزوق حاول تلافي الأمر والرجوع إلى أميركا، إلا أن المحاولة باءت بالفشل ودفع ثمنًا فادحًا لها. ففي منتصف التسعينات من القرن الماضي، يبدو أن العلاقة بدأت تسوء بين أبو مرزوق والحكومات العربية، بما فيها الحكومة الأردنية التي يقيم على أرضها، لأسباب تتعلق بأنشطة «حماس»، فقرر الرجل العودة إلى الولايات المتحدة مع أسرته. وفي حين كانت عائلة أبو مرزوق تحمل جوازات سفر أميركية سهلت لها العودة عبر بريطانيا، فليس هناك ما يؤكد أنه حصل على الجنسية الأميركية. وتشير معلومات «الشرق الأوسط» إلى أنه كان يتنقل بجواز سفر يمني، منحه له الرئيس اليمني (المخلوع لاحقًا) علي عبد الله صالح، ليسافر به إلى الولايات المتحدة، بعد تطمينات ثبت عدم صدقها لأنها لم تحل دون اعتقال أبو مرزوق فور وصوله إلى مطار جون كينيدي في نيويورك. وبقي أبو مرزوق في الاعتقال الأميركي قرابة العامين، إلى أن قرر القضاء تسليمه لإسرائيل تلبية لطلب رئيس وزرائها إسحق رابين. لكن رابين اغتيل قبل أيام من بدء إجراءات التسليم في عام 1995، فسحبت إسرائيل طلب التسليم، في حين رفضت دول المنطقة الأخرى ترحيله إليها. ولم يقبل بأبو مرزوق سوى العاهل الأردني الملك حسين. وقبل نهاية عام 1997، كان أبو مرزوق قد وصل الأردن مغادرًا زنزانته الانفرادية في نيويورك إلى متنفس عمّان الواسع.
وبعد ترحيل أبو مرزوق من الولايات المتحدة، تشير سجلات قضائية إلى أنه جرى اعتقال خلفه إسماعيل البرعصي، حيث أمضى في أحد سجون نيويورك نحو ثمانية أشهر في 1998، لرفضه الإدلاء بشهادته أمام هيئة محلفين كبرى في مدينة نيويورك تحقق في أنشطة لجمع التبرعات في الولايات المتحدة لها علاقة بحركة حماس في الأراضي الفلسطينية. أي أن اعتقال البرعصي في 2004 لم يكن الأول. ولم تختلف التهمة الموجهة إليه في الاعتقال الثاني عن جوهر التهمة الأولى، رغم أن القانون الأميركي لا يسمح بمحاكمة أي شخص مرتين على تهمة واحدة.
وذكرت بعض التسريبات الإعلامية في ذلك الحين أن مكتب التحقيقات الفيدرالي طلب من البرعصي الإدلاء بشهادته ضد متهمين بجمع تبرعات لحركة حماس، لكنه رفض فتم إيداعه السجن بتهمة عصيان أوامر المحكمة. وكشف محاميه ستانلي كوهين أن السلطات الفيدرالية كانت تتهم موكله بالشراكة مع أبو مرزوق في حساب مصرفي في أوائل التسعينات، وأن الحساب كان يستخدم لإرسال مئات الآلاف من الدولارات كتبرعات لمجموعات مسلحة خارج الولايات المتحدة. واعترف محامي البرعصي بموضوع التبرعات، لكنه شدد على أنها كانت تذهب لأعمال خيرية مشروعة.
يشار إلى أن البرعصي الذي تصادف ميلاده مع عام النكبة في فلسطين، يحمل مؤهلاً وخبرة في المحاسبة، وبررت السلطات الفيدرالية اعتقاله الثاني في 2004، بأنه تم بموجب مذكرة توقيف صادرة بحقه من محكمة في شيكاغو كشاهد إثبات في قضايا قائمة. وتشير الوثائق القضائية والمتابعات الصحافية إلى أن البرعصي مثل أمام محكمة في بالتيمور بولاية ميريلاند، وفرضت عليه مليون دولار كفالة من أجل السماح له بالخروج. ولم يطل الأمر إلا وقد خرج البرعصي، لكنه اختفى بعد ذلك أو غادر الأراضي الأميركية بطريقة أو بأخرى. ولا يُعرف ماذا تم في قضيته لاحقًا. ورغم أن التقاط الصور كان سببًا رئيسيًا لاعتقال البرعصي، إلا أنه لم توجه إليه أو إلى زوجته أي تهمة تتعلق بالتصوير.



صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
TT

صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)

لطالما ساد اعتقاد بأن الحرب العالمية الثالثة، إن وقعت، ستندلع نتيجة شرارة واحدة تقسم العالم بين معسكرين متقابلين خلال أيام. غير أن هذا التصور لا يتطابق مع طبيعة الصراع الدولي الراهن. فبدلاً من «الانفجار الكبير» المفاجئ، يتشكل اليوم نمط جديد من النزاعات، أكثر تعقيداً وتداخلاً، بحيث يبدو العالم كأنه ينزلق تدريجاً نحو حرب نشهد، بل يعيش بعضنا فصولها الأولى، وإن لم يُعترف بها رسمياً بعد.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن الأزمات الدولية لم تعد أحداثاً منفصلة، بل تحولت إلى حلقات مترابطة ضمن شبكة صراعات أوسع. من الشرق الأوسط إلى أوكرانيا، وصولاً إلى تايوان وأميركا اللاتينية، تتقاطع مصالح القوى الكبرى وتتشابك أدواتها العسكرية والاستخباراتية والاقتصادية، الأمر الذي يجعل أي تصعيد في منطقة معينة قابلاً للتمدّد إلى مناطق أخرى. ويترافق هذا الترابط مع تراجع واضح في فاعلية النظام الدولي القائم على قواعد «مثالية»، الأمر الذي يدفع بعض المراقبين إلى التأكيد أن العالم دخل فعلياً المرحلة التمهيدية لحرب عالمية ثالثة.

3 مقاتلات «إف 18 سوبر هورنيت» انطلقت من حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لنكولن» الموجودة في الشرق الأوسط (رويترز)

* مؤشرات ميدانية وسياسية

من يظنّ أن هذا الاستنتاج متسرّع عليه أن ينظر إلى مؤشرات ميدانية وسياسية لا يمكن تجاهلها؛ ففي الشرق الأوسط، تشكّل المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، إحدى أخطر بؤر التوتر. ويتخوف خبراء عسكريون من أن ترى الصين، مثلاً، في ذلك فرصة سانحة للتحرك عسكرياً تجاه تايوان، وهو سيناريو قد يفتح الباب أمام مواجهة دولية شاملة.

وفي هذا السياق، أجرت الصين تدريبات عسكرية واسعة النطاق، شملت محاكاة فرض حصار بحري على الجزيرة التي تدخل استعادتها في صلب العقيدة السياسية لبكين، إلى جانب تطوير قدرات تكنولوجية متقدمة؛ مثل أدوات تعطيل البنية التحتية الرقمية للدول المستهدَفة.

ولا يقل الوضع تعقيداً في شبه الجزيرة الكورية، حيث تواصل كوريا الشمالية تطوير قدراتها العسكرية، بما في ذلك الأسلحة النووية والصواريخ الباليستية. وقد كثف زعيم البلاد كيم جونغ أون زياراته للمصانع العسكرية و«استعراضات» إشرافه على تجارب صاروخية، فيما تتراجع فرص استئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية لإزالة أسباب التوتر.

إطفائيان يكافحان حريقاً في مدينة أوديسا الأوكرانية اندلع بعد هجوم بمسيّرة روسية (رويترز)

الأخطر من ذلك هو التقارب المتزايد بين بيونغ يانغ وموسكو، فقد أرسلت كوريا الشمالية قوات وأسلحة لدعم روسيا في حرب أوكرانيا، مقابل كلام عن حصولها على تكنولوجيا عسكرية متقدمة. ويعزز هذا التعاون ترابط ساحات الصراع المختلفة، ويزيد احتمال اتساع نطاق المواجهة.

وفيما يخص حرب أوكرانيا، لم يعد أحد يستخدم تسمية «عملية عسكرية خاصة» التي أطلقها فلاديمير بوتين في فبراير (شباط) 2022، فالحرب تجاوزت عامها الرابع ولا يُعلم متى وكيف تنتهي... ويرى بعض دول أوروبا في الحملة العسكرية الروسية مجرد محطة ضمن استراتيجية أوسع لإعادة رسم التوازنات في القارة. لذا؛ تتزايد التحذيرات الغربية من احتمال توسع النزاع، خصوصاً في مناطق حساسة مثل بحر البلطيق (شمال) أو منطقة البلقان (جنوب). كما أن الاختبارات الروسية المتكررة لقدرات حلف شمال الأطلسي، عبر اختراقات المجال الجوي أو تحركات عسكرية قرب الحدود، تعكس رغبة في تلمّس حدود الردع الغربي.

وقد دفع هذا التوتر المتصاعد عدة دول أوروبية إلى إعادة النظر في سياساتها الدفاعية، بما في ذلك رفع الموازنات العسكرية وتعزيز التحصينات الحدودية والانسحاب من اتفاقات تحدّ من استخدام بعض الأسلحة. ويعكس ذلك إدراكاً متزايداً لكون احتمالات المواجهة المباشرة، وإن لم تكن وشيكة، لم تعد مستبعدة كما كانت في السابق.

وفي المحصلة، يبدو أن العالم لا يتجه نحو حرب عالمية تقليدية؛ بل ينخرط في صراع متعدد الأبعاد، تتداخل فيه الجبهات وتتعدد أدواته بين العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية. وتقف الولايات المتحدة، بوصفها القوة العظمى الأبرز، في قلب هذا المشهد، سواء على أنها قائدة لتحالفات دولية أو طرف مباشر في النزاعات.

لكن ما يميز المرحلة الراهنة هو غياب الخطوط الفاصلة الواضحة بين الحرب والسلم، حيث تتآكل القواعد الدولية تدريجياً، وتُختبر حدود الردع باستمرار. والمؤكد أن العالم يعيش مرحلة انتقالية خطيرة، قد تعيد تشكيل النظام الدولي لعقود مقبلة.

تجربة إطلاق صاروخ فرط صوتيّ في كوريا الشمالية (أرشيفية - رويترز)

ومع ذلك، يرى بعض المحللين أن الحديث عن حرب عالمية ثالثة بصيغتها التقليدية غير دقيق. فالصراع الدائر اليوم لا يتخذ شكل مواجهة مباشرة واحدة، بل يتمثل في تنافس متشعّب الأضلع وطويل الأمد بين الولايات المتحدة من جهة، ومحور فضفاض يضم الصين وروسيا وإيران من جهة أخرى. وتُخاض هذه المواجهة عبر حرب مباشرة راهناً بين أميركا وإيران، وحروب بالوكالة، وضغوط اقتصادية، وصراع على المواقع الجيوسياسية الحساسة، بدلاً من معارك تقليدية واسعة النطاق.

* رؤى استشرافية

عالم اليوم مليء بالتناقضات، فمقابل التقدم التكنولوجي الهائل الذي استبشر به كثر آملين في القضاء على الفقر والجوع والمرض، ثمة هشاشة بنيوية صادمة: فيروس مجهري شلّ العالم، وعولمة اقتصادية لا تتمتع بالمرونة للتكيّف مع الأزمات، ومؤسسات دولية تعجز عن التعامل مع الطوارئ، وهوّة بين مجتمعات وأفراد يزدادون ثراءً وفقراء يزدادون بؤساً، وإرهاب وتطرف وحروب متنقلة، وتلوّث مستفحل وتدهور مناخي مستمرّ... ووسط كل هذا سباق محموم لامتلاك الأسلحة بما فيها النووية!

ويَصلح هنا أن نعود إلى أدبيات استشرافية حاولت قبل عقود قراءة مستقبل النظام الدولي، ومن أبرزها كتاب صدر عام 1997 بعنوان «سيناريوهات إعادة تشكيل المجتمع الأميركي والعالمي بواسطة العلم والتكنولوجيا» Scenarios of U.S. and Global Society Reshaped by Science and Technology، لجوزيف كوتس، وجون ماهافي، وآندي هاينز. وقد حددوا فيه التحولات الأربعة (تكنولوجيا المعلومات، وعلم الوراثة، وتكنولوجيا المواد، وتكنولوجيا الطاقة) التي ستؤدي دوراً حاسماً في إعادة صياغة التوازنات العالمية. واليوم، مع تصاعد الحروب السيبرانية والتنافس على الذكاء الاصطناعي والطاقة، يتّضح أن بعض تلك السيناريوهات صار جزءاً من الواقع.

وأصاب هذا الكِتاب في تحديد عوامل التحوّل، لكنه أخطأ في افتراض أنها ستقود إلى الاستقرار والسلام.

حاملة الطائرات الفرنسية شارل ديغول تغادر مرفأ خليج سودرا في جزيرة كريت اليونانية (رويترز)

وفي المقابل، برعَ رجل الأعمال والمفكّر الأميركي راي داليو - مؤسس صندوق التحوّط «بريدجووتر» - في تبيان أسباب اندلاع حرب عالمية ثالثة في إطار تحليلي واسع يربط بين التاريخ والدورات الاقتصادية والسياسية، خصوصاً في كتابه «النظام العالمي المتغيّر» (The Changing World Order) الصادر عام 2021.

ويرى داليو أن الحروب الكبرى لا تندلع فجأة، بل تكون نتيجة تراكمات ضمن «دورة كبرى» تتكرر عبر التاريخ، وتشمل مجموعة عوامل رئيسية:

- صعود قوة جديدة وتراجع قوة مهيمنة، وهذا ما يُعرف بـ«فخ ثوقيديدس»، حين يؤدي صعود دولة (مثل الصين) إلى تحدّي الدولة المهيمنة (الولايات المتحدة)، مما يولّد توتراً بنيوياً قد ينتهي بصراع عسكري.

- تفضي الديون والانهيار الاقتصادي في الدول الكبرى إلى أزمات اقتصادية حادة، تُضعف الاستقرار الداخلي وتزيد احتمالات الصراع الخارجي.

- الانقسامات الداخلية والاستقطاب السياسي والاجتماعي داخل الدول (خصوصاً الكبرى) يمكن أن يتحول كل ذلك إلى صراع داخلي يضعف الدولة، ويجعلها أكثر ميلاً للصدام الخارجي لكي تتجنب التفكك والانهيار.

- تراجع النظام العالمي القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى حد الاضمحلال، مع ضعف المؤسسات الدولية وتراجع الثقة بالقواعد التي تنظّم العلاقات بين الدول.

- الصراعات على الموارد الاستراتيجية والتكنولوجيا المتقدمة (كالذكاء الاصطناعي) تزيد حدة المواجهة بين القوى الكبرى.

ويخلص داليو إلى القول إن حرباً عالمية ثالثة لن تكون نتيجة «شرارة واحدة»، بل نتيجة تلاقي هذه العوامل ضمن دورة تاريخية متكررة، شبيهة بما حدث قبل الحربين العالميتين الأولى والثانية.

ومن الواضح أن هذه العوامل تتلاقى منذ سنوات، وتسلك مساراً تصادمياً إلى درجة تدفع بعض المراقبين إلى القول إن السؤال لم يعد «هل ستندلع حرب عالمية ثالثة؟»؛ بل «كيف ومتى وبأي تكلفة؟».


هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
TT

هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)

قالت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا)، إن رواد الفضاء الأربعة، أعضاء مهمة «أرتميس 2»، وهم أول بشر يسافرون حول القمر منذ أكثر من 50 عاما، هبطوا بأمان قبالة سواحل ولاية كاليفورنيا بعد مهمة استمرت 10 أيام.

وسيتم استقبال الرواد كريستينا كوتش، وفيكتور غلوفر، وجيريمي هانسن، وريد وايزمان من قبل فرق الإنقاذ قبل نقلهم جوا إلى سفينة عسكرية أميركية لإجراء فحوصات طبية.واجتازت المركبة «أوريون» التي تحمل أربعة رواد فضاء عائدة إلى الغلاف الجوي للأرض، بنجاح اختبار درعها الحراري الذي يحمي الكبسولة التي تضم الطاقم من درجات الحرارة الحارقة.


«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

قالت متحدثة باسم حلف شمال الأطلسي (ناتو) إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتوقع من حلفائه في «الناتو» التزامات «ملموسة» للمساهمة في تأمين مضيق هرمز، وذلك بعد محادثاته مع الأمين العام للحلف، مارك روته.

وأوضحت المتحدثة أليسون هارت أن روته أطلع الشركاء على ما دار في لقاءاته بواشنطن، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وأضافت: «من الواضح أن واشنطن تنتظر تعهدات وإجراءات ملموسة لضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز».

ومن جانبها، نقلت وكالة «بلومبرغ» للأنباء عن مسؤول كبير في «الناتو»، الخميس، أن الولايات المتحدة طلبت من الحلفاء الأوروبيين تقديم خطط عملية خلال أيام، فيما ذكرت مجلة «دير شبيغل» الألمانية تفاصيل مماثلة.

وطالب ترمب أعضاء «الناتو» مراراً بدعم الجهود الأميركية لتأمين هذا الممر الملاحي الحيوي، لكنه يواجه حتى الآن مقاومة من جانبهم.

وقبل أقل من 24 ساعة من الإعلان عن هدنة هشة في الحرب مع إيران، التقى روته بترمب في واشنطن الأربعاء.

وبعد اللقاء، واصل ترمب التعبير عن إحباطه عبر منصته «تروث سوشيال»، حيث كتب يقول: «لم يكن (الناتو) موجوداً عندما كنا بحاجة إليه، ولن يكون موجوداً إذا احتجنا إليه مجدداً».

وفي منشور منفصل الخميس، اتهم ترمب الحلفاء بالفشل في التحرك دون ضغوط، وذلك دون أن يقدم تفاصيل إضافية.