أدونيس وأنسي الحاج في مواجهة مع يوسف الخال وإزميله (1 - 3): شوقي أبي شقرا يتذكر ويكشف خفايا نزاعات شعراء مجلة «شعر»

من اليمين: أدونيس، شوقي أبي شقرا، أنسي الحاج، يوسف الخال
من اليمين: أدونيس، شوقي أبي شقرا، أنسي الحاج، يوسف الخال
TT

أدونيس وأنسي الحاج في مواجهة مع يوسف الخال وإزميله (1 - 3): شوقي أبي شقرا يتذكر ويكشف خفايا نزاعات شعراء مجلة «شعر»

من اليمين: أدونيس، شوقي أبي شقرا، أنسي الحاج، يوسف الخال
من اليمين: أدونيس، شوقي أبي شقرا، أنسي الحاج، يوسف الخال

تنفرد جريدة «الشرق الأوسط»، وعلى مدى ثلاث حلقات، بنشر مقاطع من كتاب «شوقي أبي شقرا يتذكر» الذي يصدر يوم 21 من الشهر الحالي عن «دار نلسن»، ويوقعه الكاتب في «جامعة الحكمة» في بيروت. ومن المعروف، أن شوقي أبي شقرا من النواة الأولى لشعراء مجلة «شعر»، كما أنه يعتبر المؤسس لأول صفحة ثقافية يومية في لبنان، بقي على رأسها أكثر من 30 سنة حتى خروجه من جريدة «النهار». وخلال التجربتين الكبيرتين، كان على تقاطع وتفاعل مع غالبية رواد الأدب العربي الحديث منذ ستينات القرن الماضي وحتى الجيل الجديد من الشعراء. في هذه الحلقة الأولى، يكشف أبي شقرا عن كواليس مجلة «شعر»، وصراعات شعرائها الأقطاب، وتلك المحبة البكر التي وصلت بفعل المنافسة الشرسة، إلى حدود العداء والفرقة، وعن دوره في «تقليم ونحت قصائدهم». وفي الحلقتين المقبلتين مزيدا من خبايا شعراء الحداثة وأدبائها التي نادرًا ما يُكشف عنها، من أنسي الحاج إلى الماغوط والسياب، وهناك فيروز وأمين معلوف، واللائحة تطول.
العام هو 1958، عند يوسف الخال في نزلة مدرسة الفرير، رأس بيروت، محطة غراهام، ووضعت له مواد لمجلة «شعر» في تلك المطبعة لشقيقه رفيق. وهو القيّم على التحرير وعلى أن يتسلّم المواد من الشعراء، من الكتّا‌ب، من جميع أهل القلم الذين فيهم الملكة لأن يلبوا ما تبغيه المجلة المقدامة والطليعية، من نصوص هي في الاتجاه، وأن يلتقي الجميع وأن ينضم الجميع إلى الحركة التي يقوم بها يوسف الخال وبعض الشعراء، وهم من الذين يمارسون النشاط فيها ويضعون قصائد، ويصوغون أبياتًا من خارج التراث، خارج المتوارث، ويعمدون إلى أن يقدموا الأجمل، وهو ما تطمح المجلة إلى أن يكون وأن تكون «شعر» هي الشجرة، وأما هم فالذين يسقونها والذين يضيفون أغصانًا إلى ما عندها من الغنى والمحتويات، وألوانًا تصب في النهضة الجديدة، وأن تكون الجدة الحديثة جدة في ملء تفاسيرها، وملء حذافيرها.
‏والشعراء هم أدونيس، وأنسي الحاج، وفؤاد رفقة وأنا. وربما علينا أن نزيد سوانا من الذين أتوا إلى المجلة، إتيانًا متقطعًا، مثل محمد الماغوط ومثل نذير العظمة، وكذلك ولا أنسى، هناك عصام محفوظ، الذي، في إحدى الفترات، كان أمينًا في الوجود وفي المساهمة البناءة، إلى آخرين من العالم العربي، شعراء جاءوا ونزلوا بيننا، وكانت لهم علاقات مع المجلة في الأرقى وفي الأهم وفي الأحلى. وأذكر بدر شاكر السياب، وأذكر سلمى الخضراء الجيوسي، إلى شعراء من الجيل السابق ساهموا في صفحات المجلة مساهمات جليلة، وفي ملتقيات لها وفي نشاطات لها. إلى جماعات من المثقفين ومن المحبين ومن الفضوليين؛ لمعرفة ماذا عند أولئك الشعراء، من أفكار ومن علامات يطرحونها ويكشفونها لمن هم في جوع إلى مثلها، وفي سغب ملحاح للاطلاع على المقدرات وعلى التكاوين وعلى التصاوير، وما إلى ذلك، والإطار هو خميس المجلة. والإطار الحميم والأدنى إلى الذات هو الشعراء القلة الذين يمسكون الكتاب ويمسكون الصفحات إمساك الصقر بالطريدة.
* حلف أدونيس وأنسي
وأدونيس، بكلمة أخرى، كان الصديق الأقرب والعذب، لي ولبضعة غيري، في مطلع المغامرة الشعرية... ولست أندم على الاصطحاب الأنيس ورفقته، وعلى همومه التي لا يفارقها حديث الشعر، وأين الشعر، وما هو الشعر. ثم كان ذا شغف في العلاقة وفي المودّة، ولا أنسى أنه شديد البراعة في التواصل، وفي مرافقة الجميع، وفي أنني كنت مثل الشريك معه، بل أحرّ من ذلك، وطالما جلسنا والآخرون، من أي حدب أقبلوا، وأي صوب وجدوا، إلا، في تلك الفترة، جماعة الآخرين، أي من هم في مجلة «الآداب»، أو في مجلة «الثقافة الوطنية»، أو في جريدة «حزب البعث» آنذاك. وأدونيس غيّر المركب الذي نحن عليه وغادر البحر الخاص الذي كنا عليه، ليأتي الفئات المضادة من حيث المبدأ، لكنها المضادة له سابقًا، وكنت أنا مثل الوردة أفوح للجميع وأمضي حيث أسوار الجميع، وهو ما زاد لي قربًا منهم ونجاحًا عندهم قبل أدونيس وبعده.
ولا أنسى رينه حبشي وكيف احتضن أدونيس ثم تبدلت الحال، وراح الشاعر من ضفة لبنان إلى ضفة فرنسا، وغاص في الخضمّ، ناجحًا في عقد المودات أو العلاقات، وما هو يردّ عليه صاع النفع والوجود، ليكون متعددا.
ذلك نمط أو أسلوب، وما قعد مرتاحًا، وذلك مزاج ونوع من المهارة في الأخذ والردّ، وحين نوى الدخول إلى الجامعة اللبنانية ليكون أستاذا سئل أنه عليه أن يقوم بالدكتوراه. وأردف أن هذا على رأسه، وأنه عمد إلى هذه الدكتوراه وصاغها، ولم يخل الأمر من معركة حول كيانه الجامعي، وعند الآخرين اليقين ذاك، وعند الطلاب يقين مواز، وهو أنه أشرف على أطروحات كادت تبلغ العشرين، وكلها عن شعره ويا للعجب ويا سوأتاه.
وكنت أشرت إلى هذا العمل في لقاء معنا، يوسف الخال وأدونيس وأنسي الحاج وأنا، بدأ في منزلي في بيروت، الأشرفية ثم امتد إلى منزل أدونيس وخالدة جهة اليونيسكو في العاصمة اللبنانية. وكان الأمر هكذا حديثًا إلى يوسف الخال نفسه ومعه هاشم قاسم. والجميع سبقوني إلى منزلي في أمسية ذلك النهار القديم، وانطلق التسجيل قبل وصولي من جريدة «النهار» في الحمراء، منتهيًا من القراءة والكتابة ومن الصفحات لي. ولما نزلت بين الجميع، كان هاشم قاسم مقدمًا منحازًا إلى أدونيس وأنسي... وكان من هذه الزاوية يسمع أدونيس فيما يرى دون يوسف الذي هو المسؤول عن اللقاء لينشر في جريدة رياض الريس في لندن.
وحين صدر النص في تلك الجريدة التي توقفت منذ الأمد السابق، بكل وقاحة وبساطة حذفت هذه الإشارة في كلماتي، كما يفعل الضعيف دائمًا، وليس ذلك بسر أو بأنه يبقى في المجهول.
وهذا السلوك في طبعه، ولم أسكت دونه ولم أتغافل فنشرت المقطع المحذوف في جريدة «النهار» داخل الصفحات الثقافية، بل عمدت إلى تقديم اللقاء كاملاً على مرتين ووضعت النص، بل الأحرى وضعت الإشارة إلى ذلك، علامة أخرى أن من لا يكون صادقًا في موضع، لا يكون كذلك في موضع آخر.
وكتبت نصي المفروض عليّ، ونشر في السياق، ولجأت إلى فرنسوا عقل؛ ذلك أن ثقتي طارت في الريح، ولن أجلس حيث الآخرون ليسوا أهلاً للثقة، وتكرر الأمر تاليًا، في أمكنة أخرى، حيث أنا كأنني الخصم وأنني اللدود، وعلى أولئك أن يحاربوني وأن يقفوا ضدّي في كل الظروف وكلّ الأيام.
* أدونيس مدللاً «أدو» ومن الحب إلى الخصام
... ومن قبل كنت أتردد على المجلة على مطبعة رفيق الخال، شقيق يوسف، وكنت أصادف أدونيس، ويعروني ما يعروني من النخوة ومن كوني عنيت بهذا الأمر، بهذه المودّة الطالعة من الداخل، من غرفة القلب والعقل معا. وكان الصديق الألطف، وكنا على السواء، وعلى المثال الظريف من الصحبة، من الرفقة، وكان خميس مجلة «شعر» يلقى صداه في جريدة «الزمان»، حيث كنت الوصي على الثقافة وعلى أنواع المقالات، وعلى النصوص التي لها وجهها الطلق والأغرّ. وكان لي لقاء روحي ولقاء طمأنينة ولقاء زهرة طالعة من الخصب، وزهرة طالعة من أرض الجبل من العمق التراثي، ومن الجدود الذين كان شأنهم في الحجر الذي عمّروه وكله ضخامة في ضخامة. وكان لهم باع في الذكريات وفي حنايا الفقر الذي ليس كذلك، وفي ملاعب الغنى الذي ليس كما تحدده الكتب ويرسمه بعض الناس، بعض المراقبين. وهكذا ازدادت العلاقة المتناغمة. وكنت آنذاك ذلك الصبي، ذلك العصفور الذي يطرد الخيبة، وينط من صرح إلى صرح، ومن حبّة إلى حبّة.
وكان أنني صرت النديم وصرت القريب من الشاعر، وطالما هبّت ريح الموشحات النفسية، ونحن معًا، ونحن في سبيل الشعر كومة مشاعر وليس في أي مجال، أي آخر من الود، ومن الجلوس على الأنس وعلى أي مقعد من حجر أو من حرير. وهو الذي كان شاهدًا على ولادة قصيدتي «ها أنا وحدي كسنجاب ورجلاي احتضار». وهو وأنا كنّا في التواطؤ العاطفي الصريح، وفي أنني لأغطّي خميس مجلة «شعر»، في جريدة «الزمان»، كنت أدعوه «أدو» دلالاً له؛ ولأنه فيما فعل وفيما لديه من ترحاب ناعم ومن لطف في التعامل، في المصافحة، في الكتابة، كان الذي يبدو طريفًا ويبدو جديدًا، ويبدو صاحب قريحة وصاحب لغة عربية ناضجة، وما عليه سوى أن يؤلّف وأن يصبّ غزارته في قصائد لمّاحة وذات مساحة أناشيدية تضرب الجماد وتهزّ الجمود. وإذ تحركت الأيام تارة إلى الشمال وتارة إلى الجنوب، إلى الوسط وإلى الأطراف، وإلى الخارج كانت الحركة الشعرية في المجلّة، على طلاقتها وعلى سويتها. وكنت الذي يعكف على النضج التعبيري، الذي هو أنا «المرشد الجمالي» كما سمّاني محمد الماغوط، والذي في غياب الآخرين، كانت لي شهرة في القبض على القصيدة. وكما يؤخذ الصوف من الخروف، كنت آخذ وأقصّ وأشذّب ما طاب لي ذلك، وما طاب للقواعد الفنية أن أكون ذلك القيّم على النظافة الشعرية، وعلى أن تقف القطعة الأدبية أو الشعرية وقوف الصراحة والبيان المبين، ولا طوق فيها سوى اللمعة، وحين تبلغ القارئ يكون سكران بها، ونكون نجونا نحن الجميع، من الغلطة من الثوب العادي والقديم، ونكون في عيد دائم، عيد الكلمة المرتاحة في جلبابها وفي قميصها الخلاق.
وإذ تضاربت المنافسة، وإذ احتدّت السلطة والسلطان في المجلّة، حدث أن كان الغائب معظم الوقت، وحدث أنني، من جراء ذلك، سهرت طويلاً وجهدت كثيرًا؛ لأكمل الرسالة وأن أكون في موقع الحريص على الترويض، وعلى نقل النص أمامي، من الحشو ومن الظلمة العمياء، ومن ذلك الثقل إلى حيث يكون بعيدًا من الديجور، بعيدًا من الإغماء ومن الخطل. وأن تكون المسألة في الأساس هي الانقضاض على المعايب، وعلى رضوخ الكلمة للفراغ، ولأن يكون مصيرها مصير الكآبة ونصير الشعلة التي تخمد وتنقلب إلى رماد.
* أنا إزميل القصائد
وأعود إلى مجلة «شعر» وإلى كوني الإزميل الذي كان ينحت القصائد وأجواءها المثقلة بالزوائد والمصائب والثغر. وعند يوسف الخال، كما قلت سابقًا، كانت كلمتي هي الفصل وهي المقياس الذي يجب أن يؤخذ به؛ لأنني الحدس الكامل والثاقب، وكنت أنزل في القصائد والمقاطع الشعرية حتى المؤلفات التامة، نزول الصقر من الفضاء على طريدته، على الخطأ وعلى ما يعطّل أو يشوّه الجمالية، وعلى أن آتي إلى هذا الشأن، فأبصر فيه ما هو ضعيف وركيك وغير شعري. وأكون الذي يجرّد الشجرة من أوراقها الصفراء، حيث لا يعرف ذلك صاحبها أبدًا، وهي غريزتي وطبيعتي المدهوشة وصفتي النافذة إلى الماوراء، وما يختفي تحت التراب، تحت القشور، وأنفض كل ذلك في الهواء ولا يبقى في الساحة إلا الفارس، إلا القصيدة وهي التي استحمّت وفاح عطرها على الآخرين، وعلى أصحابها أولاً.
وأدركني الحلم واللون والثقة والمهارة التقنية والبداهة الحدسية، وهكذا نقلت تجربتي النحتية من مجلة «شعر» إلى جريدة «الزمان» فإلى جريدة «النهار». واختلقت القصيدة التي أمسكت بها يداي وقلمي، من وسخة إلى نضرة، ومن منكفئة وحيية إلى الصراحة وإلى الهوية التي تجعلها طيعة وقابلة لأن تكون في مرتبة الندّ، صالحة أنيقة ومهذبة، ومنطلقة إلى المكان البعيد، إلى الأفق السعيد.
* الشاطر مثلي ينقذ النصوص
والتفت هنا إلى الأب سليم عبو حين وضع كتابه «الثنائية اللغوية في لبنان» بالفرنسية، وقصدت إليه في مكتبه وفي عمارته بجامعة القديس يوسف، في تلك الأثناء من السنين الأولى، وكانت إطلالتي الشعرية بكرًا وبتولية إلا بعض اللمحات الغامقة الطابع والمتدثرة بالحلاوة الرقيقة، في مطلع التذوق. واقتطف مني، آنذاك، بعض الأفكار فيما نحن، في مجلة «شعر»، فاعلون وماذا على بالنا أن نكون، وأن نصل إلى الدوحة الطريفة وليس إلى السراب. وطبعًا كنت على فوضى، وما زالت الأشجار تفوتني، ولكنني أوصلت إليه بعض الأضواء، وبعض شرابي الذي صنعته في قصائدي تلك في الفاتح من تجربتي.
وكان أنني سمعت من أدونيس، في بيروت، في مدينتنا الأعزّ، بعد ذلك أنه التقى الأب سليم، وهو العلاّمة والمثقّف الواسع الصحن والرواق، في باريس، وأنه كما قال لي أضاف بعض الموضوع الذي كنت أبلغته إلى الأب عبو في بيروت.
وكنت أرتضي ذلك نفسه لولا أنه كان في تلك الفينة من العيش، يعتبر نفسه في موقع القائد، وفي رتبة أعلى منا، وهكذا كان يوسف الخال بهذه العلامة والصفة، في مبتدأ الأمر ومطلع التجربة.
ثم لمّا اشتد ساعدي ونخرت القيد وخرجت من الثقب هذا، تغيرت الآية وأنشدت آيتي وتجربتي، وحصلت على قصب المعركة، وما على الشاطر سوى أن يفعل مثلي، وسوى أن يكون محبًّا وممطرًا على رفاقه، وعلى أن ينقذ لهم ما هزل من النصوص وما كان فيه العيب إلى أشده. كما قلت من قبل.
* فؤاد رفقة مالك الحزين ومتواطئ
... ويوسف الخال الآتي مثل فؤاد رفقة مع عائلته من الجغرافية السورية، كان الذي له سيطرته وسطوته على المالك، على الحزين. لأن رفقة، وهو من أوائل الرفاق في مجلة «شعر» في بيروت، كان متواصل اللفتة نحو يوسف، نحو طبعه الآمر ونحو شخصه الآمر، الذي يحنق والذي يحب. وكلاهما منذ البدء وفيما بعد، تبادلا التواطؤ، تواطؤ المحبّة وتواطؤ اللجوء، من فؤاد غالبًا إلى يوسف. وإذ كانت لفؤاد بعض السيرة المعقدة والمضطربة، كان عندئذ ينظر إلى يوسف قدوة له، ويلوذ به في خيمته الأخلاقية، وفي سرب آرائه وأقواله. وكان يوسف شديد القاعدة نحو فؤاد، وكان المالك حزينًا في أي وقت. بل إنه، وهو الأستاذ المربي في الجامعة اللبنانية الأميركية، لم يقو على قبض الفرح الكامل والسعادة الكاملة. وأظنّه في عائلته التي من حوله وهو الحميم تجاهها، كان يلقط الشرارة، يلقط المتعة والسلام، وكذلك، حتى هنا، كان عميق الإدراك، وظاهر الأسى. وكأن به شوقًا إلى المحال، إلى تلك الرعشة البعيدة الغور وإبريق الصفاء. وكان إذ يأسف إنما يختبئ في الأسف، في ألوان من العذاب الفكري، ومن التحولات الكيانية. ونحن الذين قربه، وعلى مسافة قصيرة من شخصه، شاهدناه في استمرار غلوائه، في ملعب غنائيته المصطفاة، حيث هو كأنه يفنى في الفناء، وكأنه يصطدم بالصخرة الخيالية والصدمة العاطفية.
* يوسف الخال تهشّم على صخور المقربين
... وهكذا، بالموضوعية التي لا أظنّها تكرّرت على الرحب الذي كان لي، دعوت أدونيس ونحن رفيقان في مجلة «شعر» وفي حركتها، من مطلع الشروق، ومن بكورية النشوء، فأقبل عليّ في مكتبي في الحمراء، وكنت في حومة الوغى، حومة الحرب المتقلبة، من تلك الثمانينات وأنا أغرق مهنيًا في أعمال ومقالات وموضوعات وصفحات، وأنفث الروح، وتلك قاعدتي، حتى في الاقتصاد الذي تشقلب معي من جامد وجدي جدًا إلى متحرك ومنفعل، وكنت أفاجئ «غسان» تويني نفسه، ومعه التحرير والعلاقات القائمة مع الوسط الاقتصادي، وكان بعض التسليم بأنني أحرّك العنوان وأنني لا يهمني من يرضى ومن لا يرضى، وهذا كان شأني في أن يكون الطرب أولاً وأخيرًا في نفس القارئ. وهكذا أقبل أدونيس وجلس أمامي وغليونه في فمه، ولا ينبس ولا يتكلم هو، بل يضغط طرف الغليون، ويتطلع ويصغي إلى كلامي، أنني أريده أن يأخذ الصفحة الثقافية (في «النهار») عني وعرضت عليه تفاصيل ومكونات فيِمَ سيفعل، وماذا عليه أن يفعل، وأن يكون المسؤول، وهو لا ينطق أبدا، بل يهزّ رأسه موافقًا ومتربّصًا أن تتم العملية أفضل التمام.
وكنا كلانا غارقين في هذه العملية المفاجئة له، وليست لي، وكانت على وشك اليقين والاكتمال لولا بعض اليقظة، ولولا بعض الشك الذي يرافقني في أن أدونيس ليس صحافيًا، بل يجهل أن يكون صحافيًا. وهو شأنه المقالات والأفكار، وكيف كان لي أن أكون سكرتير التحرير في مجلة «شعر» في عزّها التحريري والإنشائي؛ إذ كان يمكنه، وهي فصلية، أن يملأ هذا الدور مع يوسف الخال وكان صحافيًا، ولم يستطع أن يملأه ولا أن ينصرف إليه. وهو ما كان يحدث في غياب يوسف مسافرا، وكنت أرتب له العبارة خبريًا، وأصوغ ما يليق بالنص، وأستغرب كيف أن عهد إليه ذات مرّة الإشراف على جريدة «البناء» اليومية، وكنت آتي أدونيس ونحن في صحبة دافئة، وفي اصطحاب متعاقب الحركة، وأنشر عنده مقالة، أو ما يطرأ من نوعها قبل أن أصير إلى مهنتي الصحافية صيرورة نهائية.
ولا يفوتني أن نزيه خاطر كان على بيّنة وعلى علم بذلك الاجتماع بيني وبين أدونيس، وإذا بالتلفون يرنّ، وإذا هو يخاطبني بهمسات تنبيه وتحذير من أن أترك الأمر لغيري، وإذا بي أنتهي ببساطة أنني لست مقتنعًا بهذا التوكيل، وبأنني على حق في أن أمارس المهمة الثقافية وحدي، وأن أظل القيّم على الصفحة، وذلك كان واستمر؛ إذ الصحافة مهنة وشوق إلى العطاء، وهناك من لا يملك المفتاح، ولا من يملك «افتح يا سمسم» ولو كان شاعرًا، ولو كان وراءه قوم ووراءه قرّاء ومتابعون.
وكيف وأنا متسائل، يتسلم مسؤولية صحافية وهو نفسه بعدما لاحظني أصوّب له عبارته قال لأنسي إذ زرناه على الأثر البسيط ذاك، إن شوقي يصحّح لي، بشيء من البساطة الصادقة، وهي تعني أنه لا يستطيع أن يكون غير ذلك، وهذا لا عيب فيه وما لا يحرجه أو يحرج أحدًا سواه. أما المقالات، فكان لها وكان يكتب النظري، وكان دوره هنا، على ما أوضح وطالما تكرر ذلك لدى يوسف الخال، وطالما صرح به أمامي وأمام من حضر مجلسًا لنا أو مجالسنا، أن أدونيس يفكر وأن الشعر الحديث ليس في الحقيقة صنفًا من المقالة أو مقالة فكرية في البادئ وفي البدء، وفي الأول من المطاف، وفي آخر القافلة. وفي آخر المطاف. ومعه حق، كل الصواب، وكل صلب التجربة.
وأزيد وأردد في جوقة الصادقين والمختارين، وفي قداس الصدق والصداقة والخل والزمن الوفي في بعض الطريق، وفي الزغردة خيرات وغلال، وفي الترداد صوفية وتصوف، وعلاقة بالحكمة التي تصرخ بالحق.
إذن، أفعل وأرى أن يوسف الخال صحيح أنه خسر من يقف قربه فيما بعد الذهاب وبعد الانتقال إلى الدار تلك، حيث القصائد تترى وتتوارد، وحيث نهر الشعر لا يخفت له رنين أو اندحار. وأنا صريح الفم والقول وكذلك لا يؤسفني أن أعتبر يوسف أنه يظل الذي جمع وحضن ودعا الآخرين من الخلّص والمهيأين لأن يكونوا في الطليعة، والذين هم المشاة إلى الأدغال الجميلة التي تحتوي على غرائب أوسع مما اشتهى ابن الرومي، ومما تصوّر أنها موجودة في الطريق إلى خارج النقطة، خارج المكان، حيث يقيم هو.
وصحيح أن يوسف كأنه تهشّم على صخور الذين حوله، على صخور المقربين والأقربين والذين شبّه أنهم حراسه، وأنهم سيكونون له المدافعين عن حقه في البقاء على منصة الكلمة الشهمة، والكلمة التي ارتوت من الندى ومن حداثة الأشياء، ومن طراوة الأيام ومن عمق التجربة، ومن هيبة العمل في الشأن الشعري. وقلما أحد غيره عمل لهذا الشأن باندفاع كما عنده، وبالنسكية الحلوة، والإخلاص الطويل مثلما كان ذلك عنده.
وعلى محلة أخرى وعلى منقلب ليس بعيدًا، كان يوسف يسبر الأشخاص ويعجم كينونتهم، ويدرك بالنقدية التي يمتلكها ماذا هو ذلك الآخر. وأظنه فهم غيره، وكان ذلك يضعه في حرج؛ إذ هو، من جهة رفيق له في البداية، رفقة ملازمة ولصيقة، ومن جهة ثانية كان على شيء من النقزة، وكان ذا شخصية أقوى، ينفعل جدًا ويعلو إلى فوق بأنفاسه وغضبه، وأما غيره فلا ينفعل، وإنما يكظم ما به ويغلف الأمر بالبسمة، وبزنبق الصمت ونسمة من اللامبالاة والحدب اللطيف. ويوسف أيضًا كان على شعور بما لدى غيره من إمكان، من شعرية، وأظن هذا الغير كان خائفًا من هذه اللمحة لدى يوسف، وكان يتوقاه ويتجنب أن يصل النقد بينهما والمكاشفة إلى حدّ المكاشفة. ويوسف ذو رأي أنه لا يجوز أن تكون القصيدة فكرة، وهو ما يعيبه ولا يطيقه في نصه، وكانت الأيام تقدمت بنا في مجلة «شعر»، وكذلك تبلورت نظراتنا ولم تبق في وجهة واحدة وعنيدة، وإنما نحن كالأحصنة، نحن أحرار فلا أطر ولا أقنعة، ويجب أن نكون أحرارًا بمعنى الحرية المطلقة والمزدانة بهذا المطلق والكمال.
ولئن كان عيب غيره هو هذا؛ فإن يوسف عيبه هو هذا أيضًا؛ إذ لا نكتب القصيدة أنها مقالة أو هي كذلك، كما يقول يوسف وإنما يوسف أيضًا شاء أن يضع الفكرة متدرجة من سطر إلى سطر، من فعل إلى فعل، ومن حبة رمل إلى حبة رمل تالية. وهو ما عمدت إليه أنا وضربته في «قصائد في الأربعين» (ليوسف الخال)، وحذفت و«فركشت» إلى أن استوى الأمر كما حلا ليوسف أن يكون، وكما حلا لي أن يكون. وحين صدر الديوان وفيه المقدمة، وكأنما يوسف ليست له راضية ومرضية، فلم يسألني البتّة، ولا كانت منه لمحة إلى مقالتي النقدية عن الديوان حين أغفلت، ولم أذكر الفعل والفاعل. وهنا الصاع صاعان؛ إذ هو لا يطيق أحدًا على الرغم أنه يلتفت إلى بعض الأسماء، وهو دائمًا يتصرف على ذوقه ويخرب الحقيقة تقريبًا خرابًا يشبه ما يكون الطلل حين يغادره الأهلون، ويظهر الرماد فقط ولا وضوح أبدا فيما يجب أن يكون وضوحًا ويستأثر بالحقيقة دائمًا، وحين لا توافقه يقوم هو بالحذف أو يدفع أحدهم إلى الحذف، كما حاله في شتى الظروف وأنواع المناسبات.
وحين تنضح الحقيقة في وجهه يتأفف ويتركك حيث أنت، ولا يرغب أن ينبت نبات آخر غير ما هو، وغير ما يطلع من بستانه، ولا هناك تقدير لمن يصعد من الضباب إلى النور إلى الوضح ويكاد يزاحمه، فيركض إلى ساحة جديدة ليمارس ما مارسته في ساحة سابقة من الترويج والعمل لنفسه وتزيين شعره وقصيدته أنهما هما الشعر والقصيدة، حين أن الرأي ينكشف رويدًا ومسارعًا أنهما يتضاءلان، وأن اللفظية باهظة الغلبة والثقل، وأن الحراسة عليهما من قبله بالنقد والعلاقات وتلبية الدعوات، كلها ما عادت تنفع ذلك؛ فالبيان بيان الساعة الأخيرة والضحكة الأخيرة.
وما كان أحد ليرشقه بوردة لو أنه حفظ للمنافسة وجهها الناصع وللخصومة رقيها الناصع، ولم يفعل، واللوم على الآخرين الذين، جامعيين مثله أو أكاديميين مثله، يجب أن يذهبوا إلى محكمة دانتي، إلى رحلة هذا الشاعر إلى المدار الأليم.



«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة
TT

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

«ذلك الشيء الذي حدث» يتحوَّل إلى مذكرات صادمة

في ليلة 22 ديسمبر (كانون الأول) 2009، اقتحم ستة رجال ملثمون شقة مستأجرة لقضاء العطلة في إحدى جزر الكاريبي، حيث كانت المؤلفة إيميلي لابارج، 25 عاماً آنذاك، تقيم برفقة والدتها ووالدها وأختها. وسرعان ما شعرت لابارج ببطانية تُسحب فوق رأسها، وبمسدس يضغط على قاعدة جمجمتها. هنا، همس المقتحمون: «لا نريد أن نؤذيك، لكننا سنفعل». وبعد ثماني ساعات مرعبة، غادر الرجال.

وصفت صديقة والدتها ما حدث بـ«قصة مذهلة»، ملمحة إلى أن لابارج يجب أن تكتب عنها. أما لابارج نفسها، فلم تستسغ الفكرة مطلقاً، وقالت: «أتذكر أنني قلت في نفسي إن هذا جنون. مستحيل أن أكتب هذه القصة أبداً».

وبالفعل، لم تكتب «هذه القصة» بعد ـ أو ليس نفس القصة بالضبط. بدلاً من ذلك، كتبت «أيام الكلاب». كتاب غريب ومذهل، يبدأ بالحدث الذي سيُعرف لاحقاً بالكثير من الأسماء - «الحادثة»، «ذلك الكريسماس»، «اقتحام المنزل»، «ذلك الشيء المروع الذي حدث».

من جهتها، تبدي لابارج، وهي كاتبة مقالات وناقدة فنية، إدراكاً كبيراً تجاه كذبة «القصة الجيدة»، ويقصد بها النسخة التي «لا تبث في أي شخص شعور بالغ بعدم الارتياح، أو بالسوء، أو بالتواطؤ». وتكمن أحد الأشكال الشائعة، بشكل خاص، على هذا الصعيد في حبكة الصدمة، التي تختزل الشخصيات إلى قصة خلفية مبسطة - حياة كاملة تفسرها حادثة مرعبة.

من جهتها، تبدو لابارج حذرة إزاء مثل هذه الاختصارات والاختزالات. وأعربت عن رأيها بأن تسمية ما حدث بـ«الصدمة» سيكون بمثابة تلطيف مخل لحقيقة ما حدث، «لأنه يوحي بحدث منفرد ومغلق، في حين أن الواقع عكس ذلك تماماً، مهما حاولت احتواءه».

ومع ذلك، تحاول كبح جماح مشاعرها. عبر الثلث الأول من الكتاب، تبرز محاولاتها المتقطعة والمجزأة لوصف وإعادة وصف وقائع ما حدث. فقد سمعت أحد المتسللين يضحك بصوت عالٍ في أثناء مشاهدته فيلم «السيدة داوتفاير»، الكوميديا الخفيفة، التي كانت عائلتها تشاهدها عندما اقتحم الرجال المنزل.

في وقت لاحق، سمعت موسيقى كورالية من ألبوم «أغنس داي»، أحد الألبومات التي كانت تحتفظ بها عائلتها، تُعاد مراراً وتكراراً. غير أنها تدرك أن هذه التفاصيل «غريبة، تكاد تكون كوميدية، ساخرة، وليست تلك التي تُهدد الحياة، ولا تلك التي تُثير الخوف العميق».

وعليه، تشرع لابارج في تجريب أشكال أخرى، من بينها الشعر («أحدهم يُحطم كأساً/ أحدهم يُحطم/ أحدهم يُحطم»)، ونصٌّ يكاد يكون هزلياً («يقول أبي مازحاً إنه بخير، لكنه يرفض مشاهدة أي أفلام عن قصص رهائن مرة أخرى. هاهاها، مزحة»). وفي محاولة أخرى، تلجأ إلى استخدام كلمات بديلة لمعظم الكلمات.

تسعى لابارج أن تضع حدوداً لشيء لا حدود له، ومن المتعذر تعريفه. وخلال الأسابيع والأشهر، التي أعقبت الحادثة، كان أقرب ما يعبر عن خوفها الدفين، حلم راودها عن وجودها داخل غرفة قذرة تشبه الزنزانة، بينما كان الناس يطرقون الباب، ويضغطون بوجوههم على النافذة. وكتبت عن ذلك: «أستلقي على الأرض، وظهري إلى الحائط، حتى لا تراني الوجوه، وأجعل نفسي صغيرة الحجم، وأبدأ في العد». وأضافت: «شيء ساخن ومروع يزحف نحو فمي، فابتلعه».

في البداية، تكون صورها وانطباعاتها محصورة ومقيدة بطبيعتها. من الواضح أن الصدمة النفسية تعزلها؛ فهي تقطع صلتها بالآخرين وتدفعها نحو الانكفاء على نفسها، فتدور في حلقة مفرغة حول نفس الهواجس. غير أنه سرعان ما يبدأ الكتاب في التحرك نحو الخارج. وهنا، كتبت لابارج: «أقرأ وأقرأ وأقرأ لنفسي قصصاً لأعيش»، معدلةً عبارة جوان ديديون عن سرد القصص.

وتتيح لها قراءة أعمال كاتبات مثل جوي ويليامز ولوري مور، اللتين تلعبان على خطوط التناقضات والعبثية، الشعور بالتواصل والارتباط. وأخيراً، لم يعد وجودها يبدو محصوراً وضيقاً إلى هذا الحد؛ فهو يتردد صداه مع «خيوط وحياة وروايات أخرى يتعذر استيعابها، حقيقية وغير حقيقية». ولا يقتصر الأمر على مجرد شخصيات هؤلاء الكتاب أو حبكاتهم؛ بل نبض لغتهم، وإيقاعات الصوت المفاجئة، وروح الدعابة الماكرة. في مجملها، تخلق قصصهم «احتمالات لم تخلق بعد».

من جهته، يتبنى كتاب «أيام الكلاب» هذا النهج الشامل، الذي يمزج السيرة الذاتية بالنقد، والتحليل النفسي بالشعر، والخيال وحتى فيزياء الكم. ويأتي هذا بمثابة شهادة على مواهب لابارج باعتبارها كاتبة قادرة على جعل حتى الأفكار الأشد تعقيداً ومجازية تبدو ملحّة ومفعمة بالحياة. وتبدو اهتماماتها وذوقها أكثر شراهة وجذباً: سواء عند التفكير في لوحة جوان ميتشيل، أو فيلم عيد الميلاد «إنها حياة رائعة»، أو الفانتازيا الكابوسية لفيلم ديفيد لينش «مولوهولاند درايف». وعبر صفحات الكتاب، تكتب لابارج بدقة وفضول وجدية.

ونلاحظ أن «الصدمة مشكلة سردية»، عبارة تتكرر في مواضع مختلفة من الكتاب. الصدمة «تتركز أولاً وقبل كل شيء في عدم اليقين»، حسبما كتبت لابارج. الصدمة تتحدى الرغبة في تحديد السببية، وتُشوّه إحساس المرء بالزمن، فتسرّعه وتبطئه. يمكن للأحلام أن تلتقط هذا الاضطراب؛ والحكايات الخرافية كذلك، فهي «عالم من الحلم أكثر من كونه ميداناً للفعل».

من منظور لابارج، توفِّر اللغة القيد ونافذة الإمكان معاً. في اقتباس تمهيدي، تدرج سطراً من الناقدة فيفيان غورنيك: «الخدعة، كما رأت، كانت أن تولي اهتماماً صارماً لتجربتك الفعلية، ثم تجد طريقة تجعل الكتابة تستوعبها». وفيما بعد، تقتبس لابارج مقولة صمويل بيكيت حول إن مهمة الفنان «إيجاد شكل يستوعب الفوضى».

ويتتبع «أيام الكلاب» اكتشاف لابارج للشكل الذي يمكن أن يتخذه هذا الاستيعاب. فهو يبدأ بعنف انتظار الموت وحيدة، وغطاء محبوك فوق رأسها، وينتهي بالتزام بالانخراط في العالم. وهنا، كتبت: «ما يحدث لك يحدث لي يحدث للجميع وكل شيء»؛ بمعنى أننا جميعاً نشارك حقيقة موتنا. وتروي لابارج كيف أن الشاعر والمؤدّي أنتونين أرتو ألقى محاضرته في السوربون عن «المسرح والطاعون»، وهو يتدحرج على الأرض، يصرخ ويلتفّ ويلتقط أنفاسه. وشرح لاحقاً أنه أراد لجمهوره أن يشعروا بالرعب ويفيقوا، لأنهم «لا يستوعبون أنهم موتى».

غير أن هذه التعاسة لم تكن مرادفاً لليأس؛ ففي مواجهة أرتو مع الفناء، تجد لابارج فسحة من الأمل: «قرأت هذه الرغبة في إظهار الجمهور كأنهم موتى، باعتباره دعوة ليحيوا».

* خدمة «نيويورك تايمز»

تروي المؤلفة في كتابها البارع «أيام الكلاب» مواجهة حقيقية مع الموت من دون اللجوء إلى أسلوب «حبكة الصدمة»

في ليلة 22 ديسمبر (كانون الأول) 2009، اقتحم ستة رجال ملثمون شقة مستأجرة لقضاء العطلة في إحدى جزر الكاريبي، حيث كانت المؤلفة إيميلي لابارج،


مجسّمات كلاسيكية أموية

خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية
خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية
TT

مجسّمات كلاسيكية أموية

خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية
خمس مجسمات من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدر قصر الحير الغربي البادية السورية

دخلت الثقافة اليونانية إلى حواضر الشرق الأدنى من الباب الواسع خلال القرون التي تلت سيطرة الإسكندر الأكبر على هذه النواحي، وانعكس أثر هذا الدخول سريعاً على النتاج الفني بمكوّناته المتعدّدة. ازدهر النحت الكلاسيكي في هذا السياق ازدهاراً كبيراً، وشاع في هذه البقاع، وطبع جزءاً كبيراً من النتاج المحلّي بطرز جماليّته الخاصة. تواصلت هذه الحركة الفنية في الحقبة التي شهدت سيطرة روما على الشرق الأدنى، وتجلّت في ميادين متعدّدة خلال القرون الميلادية الأولى. فقد النحت الكلاسيكي توهّجه الكبير خلال الحقبة البيزنطية، غير أنه حافظ على حضوره في الشرق الأدنى، كما في سائر العالم المتوسطي. استمرّ هذا الحضور في زمن الدولة الأموية، إذ ارتبط بشكل وثيق بالحركة العمرانية المدنية، كما تشهد عديد من المجسمّات خرجت من القصور التي شيّدها أسياد هذه الدولة في صحاري بلاد الشام، منها مجموعة من المنحوتات الآدمية، دخلت متحف دمشق الوطني في منتصف القرن الماضي، ومصدرها قصر الحير الغربي في البادية السورية.

تتمثّل هذه المجموعة بقطع من الحجم الصغير، وصلت كلّها بشكل مجتزأ للأسف، والأكيد أنّها شكّلت في الأساس جزءاً من الحلل النحتية الخاصة بأروقة القصر الداخلية، غير أن تحديد موقعها الأصلي في هذه الأروقة بشكل دقيق يبدو اليوم أشبه بلغز يصعب حلّه، كما يُجمع أهل الاختصاص الذين انكبّوا على دراستها، منذ اكتشافها في السنوات الأخيرة من ثلاثينات القرن الماضي. يتجلّى الطابع الكلاسيكي بشكل لا لبس فيه في قطعة من هذه القطع، يبلغ طولها 26 سنتيمتراً، وعرضها 21 سنتيمتراً، وتمثّل النصف الأعلى من قامة رجل شاب، سقطت منها الذراع اليمنى، ويد الذراع اليسرى. حافظ الرأس على بنيته بشكل كامل، وملامحه الناتئة واضحة، وتحاكي المثال الواقعي الحسّي، وفقاً للناموس الفني الذي شكّل أساساً للجمالية الكلاسيكية. يظهر هذا النسق في تجسيم العينين والحاجبين اللذين يعلوانهما، كما في تجسيم بنية الأنف الهرمية، وتحديد المنخرين. الفم مطبق، مع شق يفضل بين الشفتين، والأذنان ظاهرتان، وهما من الحجم الكبير. الخدان مكتنزان، والذقن بيضاوية وعريضة، وفقاً للنموذج المثالي المكرّس.

يكلّل الرأس شعر طويل أملس، ينقسم إلى مساحتين متساويتين يفصل بينهما فرق وسطيّ. ينسدل هذا الشعر إلى الوراء من خلف الأذنين، ويأخذ شكل هالة نصفية تُبرز الوجه. تتّحد هذه الكتلة البيضاوية بكتلة العنق، وتستقر فوق كتفين عريضتين. اللباس روماني تقليدي، ويتكوّن من رداء تحدّه بطانة عريضة تنعقد حول أسفل العنق، يعلوه معطف عريض، يأخذ شكل عباءة تلتف ثناياها حول الصدر والذراعين، مع حزام في الوسط، بقي منه طرفه الأعلى. ترتفع الذراع اليسرى نحو الأحلى، وتوحي بحركة يصعب تحديدها، بسبب سقوط يدها وضياعها.

يحضر هذا النسق الفنّي في قطعة أخرى مشابهة، يبلغ طولها 25 سنتيمتراً، وعرضها 15 سنتيمتراً، وتمثّل رجلاً ملتحياً، يرفع ذراعيه في اتجاه أعلى الصدر، في حركة يصعب كذلك تحديد هويّتها. الشعر كثيف، وخصله هنا ناتئة ومتموّجة، تحيط بالوجه وتحجب الأذنين كلّياً. اللحية عريضة، وتتكوّن من خصل أفقية متوازية، يعلوها شانب عريض وطويل، يبلغ حدّاه طرفي الذقن. العينان مفتوحتان، وتتميّزان ببؤبؤ يرتسم في وسط كلّ منهما على شكل ثقب دائري غائر. يتكرّر اللباس الروماني التقليدي، وتوشّحه ثنايا تلتفّ حول الكتفين على شكل وشاح، وتنسكب على أعلى الذراعين، كما على مساحة الصدر.

تتجلّى الحركة الحية في قطعتين تتشابهان من حيث الوضعيّة، وتمثّلان شاباً أمرد تبدو ملامحه واحدة. يبلغ طول القطعة الكبرى 22 سنتيمتراً، وعرضها 21 سنتيمتراً، وفيها يظهر هذا الفتي رافعاً ذراعه اليسرى في اتجاه الصدر، قابضاً بيده على رزمة من القضبان المرصوصة كأعواد. تلتفّ ثنايا الرداء حول الكتف وأعلى الذراع، وتنسدل على الصدر، وتظهر في أعلاها بطانة عريضة تنعقد حول العنق. الوجه غض وممتلئ، وملامحه محددة برهافة. تنفتح العينان تحت حاجبيهما. ويكشف الثغر الصغير عن ابتسامة خفيّة ترتسم على شفتيه. تحضر الاذنان الواسعتان، ويظهر صيوان كلّ منهما بدقة. تعلو الرأس كتلة من الشعر، تأخذ هنا خصلاتها المتموّجة شكلاً لولبياً.

يبلغ طول القطعة المشابهة 16 سنتيمتراً، وعرضها 28 سنتيمتراً، وفيها يحني هذا الفتى رأسه في وضعيّة مماثلة، رافعاً ذراعه اليمنى نحو أعلى هامته، قابضاً بيده على كتلة دائرية يصعب تحديد هويّتها. تتغيّر حركة خصل الشعر التي تكلّل الرأس، وتأخذ شكل مساحات مستطيلة، مرصوصة ومتوازية. سقط الجزء الأسفل من هذا المجسّم، وما بقي من صدره يكشف عن رداء تعلوه ثنايا تلتفّ حول الكتفين، كاشفة عن حركة حيّة تخرج عن القوالب الساكنة، وفقاً للنسق الذي تميّزت به الجمالية الكلاسيكية اليونانية، ووارثتها الرومانية.

إلى جانب هذه القطع الأربع، تحضر قطعة خامسة، يبلغ طولها 23 سنتيمتراً، وعرضها 22 سنتيمتراً. يغلب على هذا المجسّم الطابع الأنثوي، ويمثّل قامة ترفع رأسها نحو الأعلى، وتحنيه نحو الخلف، وكأنّها تتمايل في حركة راقصة. الوجه مهشّم، وما بقي من ملامحه يكشف عن عينين منسدلتين في نشوة غامضة. الشعر طويل، وخصله ممدودة نحو الخلف، وفقاً لطراز مألوف، يعود إلى الحقبة اليونانية الكلاسيكية. الذراعان ممدودتان إلى الخلف في حركة حيّة منفلتة، ويعلوها رداء تلتف ثناياه من حولها وتتموّج في حركة موازية.


«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة

«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة
TT

«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة

«أهلاً أميركا»... سيرة النجاح والقسوة

تسرد رواية «أهلاً أميركا»، الصادرة عن دار «العربي» بالقاهرة للكاتب الإسباني مارتن جيرونيل، ترجمة محمد أحمد حسين، السيرة الروائية لرجل الأعمال الكاتالوني سيفرينو كاريون الذي غادر إسبانيا بعد الحرب الأهلية هناك بحثاً عن حياة جديدة ليكتسب شهرة واسعة في الولايات المتحدة الأميركية بعد استقراره بها، في تجربة هجرة مزجت بين إرادة النجاح وألم الاغتراب والوحدة وقسوة البدايات.

هرب «سيفرينو» من واقع الفقر والقمع ليخوض رحلة محفوفة بالمخاطر من برشلونة إلى أميركا، وهناك استطاع أن يصنع لنفسه مستقبلاً غير متوقع، حيث عمل في البداية في مهن متواضعة قبل أن يدخل عالم المطاعم الراقية ويصبح صديقاً لنجوم هوليوود مثل «جيمس دين» و«مارلين مونرو»، غير أنه لم يكتفِ بذلك، بل أسس مطعمه الخاص في منطقة «بيفرلي هيلز» الراقية والذي تحوَّل لأيقونة ثقافية يقصده المشاهير والسياسيون.

ورغم ذلك، لا يمكن اختزال العمل في كونه مجرد حكاية صعود فردي، بل شهادة على روح المغامرة والإصرار وكيف يمكن للحلم أن يتحدى قسوة الواقع من خلال أسلوب مشوِّق وسرد متصاعد لقصة حقيقية عن شجاعة رجل أعاد اختراع نفسه وترك بصمة لا تُنسى في عالم المطاعم.

وُلد مؤلف العمل مارتي جيرونيل عام 1971 بإقليم كاتالونيا الإسباني ويعد من أكثر الروائيين الكاتالونيين انتشاراً في العقدين الأخيرين، حيث اشتُهر بكتاباته التاريخية التي تمزج بين الدقة التوثيقية والسرد المشوق والتي يحيي من خلالها شخصيات وأحداث منسية ليقدمها في قالب روائي يلامس القارئ المعاصر.

عمل جيرونيل في بداياته صحافياً ومقدماً للتقارير التلفزيونية قبل أن يتفرغ تدريجياً للأدب، فحقَّق شهرة واسعة منذ صدور روايته الأولى «قنطرة الأب فسينت» التي لاقت رواجاً كبيراً، بينما حازت «أهلا أميركا» على جائزة «رامون لول» لعام 2018 وهي إحدى أرفع الجوائز الأدبية في كاتالونيا.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«في صباح ذلك اليوم من يوليو (تموز) عام 1949 شعر سيفرينو كاريون بالصدمة وهو يرى المدينة العملاقة تنبثق مباشرة من المياه، كان في ذلك المشهد المتعاظم الذي يخيل للناظر أنه لوحة سينمائية مزيج من سحر يأسر الألباب ووحشية جامحة فلم تكن السفينة هي التي تقترب بل نيويورك هي التي كانت تبتلعه.

لم يكن نور النهار قد انبلج بعد إلا والفتى قد ولج إلى أحشاء المدينة وقد تضاءلت نفسه أمام جبروتها وعظمتها، أغرقته أيضاً أمواج السيارات والبشر المتدافعة في ذلك الشارع الفسيح الذي كان آخر ما علق بذهنه من وصايا (جو) حتى لا يضل الطريق. سرت القشعريرة في أوصاله من مفرق رأسه حتى أخمص قدميه وغشاه عرق بارد كالثلج، ذاك العبور من مخبئه الخانق في جوف السفينة (ليبرتيه) إلى ترحيب تمثال الحرية الذي خلّف في روحه صقيعاً من غربة موحشة، صقيعاً عنيداً لم يُظهر أي عجلة في الرحيل ورغم كل شيء فقد ملأ الإيمان قلبه بأن طائر السعد سيعود ليحط على كتفه حالما يعثر على موقف الحافلة الأولى من أربع حافلات كان عليه أن يتنقل بينها ليصل إلى حي برونكس.

قبض على حقيبته الصغيرة وكأنها تميمة تحميه، يتأمل فاغر الفم تلك النواطح السحابية المعدنية بجدرانها اللامتناهية المرصعة بآلاف النوافذ الموصدة ومهما أمعن النظر لم يكن بوسعه أن يلمح سطحاً واحداً، الأمر الذي بث في نفسه شعوراً خانقاً أشبه برهاب الأماكن المغلقة. كل ما حوله كان زوايا قائمة وهياكل عملاقة بدت معها المدينة كغلام مراهق غير متناسق الأطراف لم يكتمل نموه بعد.

أما سيفرينو، الذي لم يجرؤ حتى على أن يأخذ نفساً عميقاً، فقد تشبث بالشيء الوحيد الذي يربطه بذاته، فلم يرفع عينيه عن قصاصة الورق التي تحمل عنوان عمه رامون ابن عم أبيه العنوان الذي كان يحفظه عن ظهر قلب: آرثر أفينيو رقم 2309».