أدونيس وأنسي الحاج في مواجهة مع يوسف الخال وإزميله (1 - 3): شوقي أبي شقرا يتذكر ويكشف خفايا نزاعات شعراء مجلة «شعر»

من اليمين: أدونيس، شوقي أبي شقرا، أنسي الحاج، يوسف الخال
من اليمين: أدونيس، شوقي أبي شقرا، أنسي الحاج، يوسف الخال
TT

أدونيس وأنسي الحاج في مواجهة مع يوسف الخال وإزميله (1 - 3): شوقي أبي شقرا يتذكر ويكشف خفايا نزاعات شعراء مجلة «شعر»

من اليمين: أدونيس، شوقي أبي شقرا، أنسي الحاج، يوسف الخال
من اليمين: أدونيس، شوقي أبي شقرا، أنسي الحاج، يوسف الخال

تنفرد جريدة «الشرق الأوسط»، وعلى مدى ثلاث حلقات، بنشر مقاطع من كتاب «شوقي أبي شقرا يتذكر» الذي يصدر يوم 21 من الشهر الحالي عن «دار نلسن»، ويوقعه الكاتب في «جامعة الحكمة» في بيروت. ومن المعروف، أن شوقي أبي شقرا من النواة الأولى لشعراء مجلة «شعر»، كما أنه يعتبر المؤسس لأول صفحة ثقافية يومية في لبنان، بقي على رأسها أكثر من 30 سنة حتى خروجه من جريدة «النهار». وخلال التجربتين الكبيرتين، كان على تقاطع وتفاعل مع غالبية رواد الأدب العربي الحديث منذ ستينات القرن الماضي وحتى الجيل الجديد من الشعراء. في هذه الحلقة الأولى، يكشف أبي شقرا عن كواليس مجلة «شعر»، وصراعات شعرائها الأقطاب، وتلك المحبة البكر التي وصلت بفعل المنافسة الشرسة، إلى حدود العداء والفرقة، وعن دوره في «تقليم ونحت قصائدهم». وفي الحلقتين المقبلتين مزيدا من خبايا شعراء الحداثة وأدبائها التي نادرًا ما يُكشف عنها، من أنسي الحاج إلى الماغوط والسياب، وهناك فيروز وأمين معلوف، واللائحة تطول.
العام هو 1958، عند يوسف الخال في نزلة مدرسة الفرير، رأس بيروت، محطة غراهام، ووضعت له مواد لمجلة «شعر» في تلك المطبعة لشقيقه رفيق. وهو القيّم على التحرير وعلى أن يتسلّم المواد من الشعراء، من الكتّا‌ب، من جميع أهل القلم الذين فيهم الملكة لأن يلبوا ما تبغيه المجلة المقدامة والطليعية، من نصوص هي في الاتجاه، وأن يلتقي الجميع وأن ينضم الجميع إلى الحركة التي يقوم بها يوسف الخال وبعض الشعراء، وهم من الذين يمارسون النشاط فيها ويضعون قصائد، ويصوغون أبياتًا من خارج التراث، خارج المتوارث، ويعمدون إلى أن يقدموا الأجمل، وهو ما تطمح المجلة إلى أن يكون وأن تكون «شعر» هي الشجرة، وأما هم فالذين يسقونها والذين يضيفون أغصانًا إلى ما عندها من الغنى والمحتويات، وألوانًا تصب في النهضة الجديدة، وأن تكون الجدة الحديثة جدة في ملء تفاسيرها، وملء حذافيرها.
‏والشعراء هم أدونيس، وأنسي الحاج، وفؤاد رفقة وأنا. وربما علينا أن نزيد سوانا من الذين أتوا إلى المجلة، إتيانًا متقطعًا، مثل محمد الماغوط ومثل نذير العظمة، وكذلك ولا أنسى، هناك عصام محفوظ، الذي، في إحدى الفترات، كان أمينًا في الوجود وفي المساهمة البناءة، إلى آخرين من العالم العربي، شعراء جاءوا ونزلوا بيننا، وكانت لهم علاقات مع المجلة في الأرقى وفي الأهم وفي الأحلى. وأذكر بدر شاكر السياب، وأذكر سلمى الخضراء الجيوسي، إلى شعراء من الجيل السابق ساهموا في صفحات المجلة مساهمات جليلة، وفي ملتقيات لها وفي نشاطات لها. إلى جماعات من المثقفين ومن المحبين ومن الفضوليين؛ لمعرفة ماذا عند أولئك الشعراء، من أفكار ومن علامات يطرحونها ويكشفونها لمن هم في جوع إلى مثلها، وفي سغب ملحاح للاطلاع على المقدرات وعلى التكاوين وعلى التصاوير، وما إلى ذلك، والإطار هو خميس المجلة. والإطار الحميم والأدنى إلى الذات هو الشعراء القلة الذين يمسكون الكتاب ويمسكون الصفحات إمساك الصقر بالطريدة.
* حلف أدونيس وأنسي
وأدونيس، بكلمة أخرى، كان الصديق الأقرب والعذب، لي ولبضعة غيري، في مطلع المغامرة الشعرية... ولست أندم على الاصطحاب الأنيس ورفقته، وعلى همومه التي لا يفارقها حديث الشعر، وأين الشعر، وما هو الشعر. ثم كان ذا شغف في العلاقة وفي المودّة، ولا أنسى أنه شديد البراعة في التواصل، وفي مرافقة الجميع، وفي أنني كنت مثل الشريك معه، بل أحرّ من ذلك، وطالما جلسنا والآخرون، من أي حدب أقبلوا، وأي صوب وجدوا، إلا، في تلك الفترة، جماعة الآخرين، أي من هم في مجلة «الآداب»، أو في مجلة «الثقافة الوطنية»، أو في جريدة «حزب البعث» آنذاك. وأدونيس غيّر المركب الذي نحن عليه وغادر البحر الخاص الذي كنا عليه، ليأتي الفئات المضادة من حيث المبدأ، لكنها المضادة له سابقًا، وكنت أنا مثل الوردة أفوح للجميع وأمضي حيث أسوار الجميع، وهو ما زاد لي قربًا منهم ونجاحًا عندهم قبل أدونيس وبعده.
ولا أنسى رينه حبشي وكيف احتضن أدونيس ثم تبدلت الحال، وراح الشاعر من ضفة لبنان إلى ضفة فرنسا، وغاص في الخضمّ، ناجحًا في عقد المودات أو العلاقات، وما هو يردّ عليه صاع النفع والوجود، ليكون متعددا.
ذلك نمط أو أسلوب، وما قعد مرتاحًا، وذلك مزاج ونوع من المهارة في الأخذ والردّ، وحين نوى الدخول إلى الجامعة اللبنانية ليكون أستاذا سئل أنه عليه أن يقوم بالدكتوراه. وأردف أن هذا على رأسه، وأنه عمد إلى هذه الدكتوراه وصاغها، ولم يخل الأمر من معركة حول كيانه الجامعي، وعند الآخرين اليقين ذاك، وعند الطلاب يقين مواز، وهو أنه أشرف على أطروحات كادت تبلغ العشرين، وكلها عن شعره ويا للعجب ويا سوأتاه.
وكنت أشرت إلى هذا العمل في لقاء معنا، يوسف الخال وأدونيس وأنسي الحاج وأنا، بدأ في منزلي في بيروت، الأشرفية ثم امتد إلى منزل أدونيس وخالدة جهة اليونيسكو في العاصمة اللبنانية. وكان الأمر هكذا حديثًا إلى يوسف الخال نفسه ومعه هاشم قاسم. والجميع سبقوني إلى منزلي في أمسية ذلك النهار القديم، وانطلق التسجيل قبل وصولي من جريدة «النهار» في الحمراء، منتهيًا من القراءة والكتابة ومن الصفحات لي. ولما نزلت بين الجميع، كان هاشم قاسم مقدمًا منحازًا إلى أدونيس وأنسي... وكان من هذه الزاوية يسمع أدونيس فيما يرى دون يوسف الذي هو المسؤول عن اللقاء لينشر في جريدة رياض الريس في لندن.
وحين صدر النص في تلك الجريدة التي توقفت منذ الأمد السابق، بكل وقاحة وبساطة حذفت هذه الإشارة في كلماتي، كما يفعل الضعيف دائمًا، وليس ذلك بسر أو بأنه يبقى في المجهول.
وهذا السلوك في طبعه، ولم أسكت دونه ولم أتغافل فنشرت المقطع المحذوف في جريدة «النهار» داخل الصفحات الثقافية، بل عمدت إلى تقديم اللقاء كاملاً على مرتين ووضعت النص، بل الأحرى وضعت الإشارة إلى ذلك، علامة أخرى أن من لا يكون صادقًا في موضع، لا يكون كذلك في موضع آخر.
وكتبت نصي المفروض عليّ، ونشر في السياق، ولجأت إلى فرنسوا عقل؛ ذلك أن ثقتي طارت في الريح، ولن أجلس حيث الآخرون ليسوا أهلاً للثقة، وتكرر الأمر تاليًا، في أمكنة أخرى، حيث أنا كأنني الخصم وأنني اللدود، وعلى أولئك أن يحاربوني وأن يقفوا ضدّي في كل الظروف وكلّ الأيام.
* أدونيس مدللاً «أدو» ومن الحب إلى الخصام
... ومن قبل كنت أتردد على المجلة على مطبعة رفيق الخال، شقيق يوسف، وكنت أصادف أدونيس، ويعروني ما يعروني من النخوة ومن كوني عنيت بهذا الأمر، بهذه المودّة الطالعة من الداخل، من غرفة القلب والعقل معا. وكان الصديق الألطف، وكنا على السواء، وعلى المثال الظريف من الصحبة، من الرفقة، وكان خميس مجلة «شعر» يلقى صداه في جريدة «الزمان»، حيث كنت الوصي على الثقافة وعلى أنواع المقالات، وعلى النصوص التي لها وجهها الطلق والأغرّ. وكان لي لقاء روحي ولقاء طمأنينة ولقاء زهرة طالعة من الخصب، وزهرة طالعة من أرض الجبل من العمق التراثي، ومن الجدود الذين كان شأنهم في الحجر الذي عمّروه وكله ضخامة في ضخامة. وكان لهم باع في الذكريات وفي حنايا الفقر الذي ليس كذلك، وفي ملاعب الغنى الذي ليس كما تحدده الكتب ويرسمه بعض الناس، بعض المراقبين. وهكذا ازدادت العلاقة المتناغمة. وكنت آنذاك ذلك الصبي، ذلك العصفور الذي يطرد الخيبة، وينط من صرح إلى صرح، ومن حبّة إلى حبّة.
وكان أنني صرت النديم وصرت القريب من الشاعر، وطالما هبّت ريح الموشحات النفسية، ونحن معًا، ونحن في سبيل الشعر كومة مشاعر وليس في أي مجال، أي آخر من الود، ومن الجلوس على الأنس وعلى أي مقعد من حجر أو من حرير. وهو الذي كان شاهدًا على ولادة قصيدتي «ها أنا وحدي كسنجاب ورجلاي احتضار». وهو وأنا كنّا في التواطؤ العاطفي الصريح، وفي أنني لأغطّي خميس مجلة «شعر»، في جريدة «الزمان»، كنت أدعوه «أدو» دلالاً له؛ ولأنه فيما فعل وفيما لديه من ترحاب ناعم ومن لطف في التعامل، في المصافحة، في الكتابة، كان الذي يبدو طريفًا ويبدو جديدًا، ويبدو صاحب قريحة وصاحب لغة عربية ناضجة، وما عليه سوى أن يؤلّف وأن يصبّ غزارته في قصائد لمّاحة وذات مساحة أناشيدية تضرب الجماد وتهزّ الجمود. وإذ تحركت الأيام تارة إلى الشمال وتارة إلى الجنوب، إلى الوسط وإلى الأطراف، وإلى الخارج كانت الحركة الشعرية في المجلّة، على طلاقتها وعلى سويتها. وكنت الذي يعكف على النضج التعبيري، الذي هو أنا «المرشد الجمالي» كما سمّاني محمد الماغوط، والذي في غياب الآخرين، كانت لي شهرة في القبض على القصيدة. وكما يؤخذ الصوف من الخروف، كنت آخذ وأقصّ وأشذّب ما طاب لي ذلك، وما طاب للقواعد الفنية أن أكون ذلك القيّم على النظافة الشعرية، وعلى أن تقف القطعة الأدبية أو الشعرية وقوف الصراحة والبيان المبين، ولا طوق فيها سوى اللمعة، وحين تبلغ القارئ يكون سكران بها، ونكون نجونا نحن الجميع، من الغلطة من الثوب العادي والقديم، ونكون في عيد دائم، عيد الكلمة المرتاحة في جلبابها وفي قميصها الخلاق.
وإذ تضاربت المنافسة، وإذ احتدّت السلطة والسلطان في المجلّة، حدث أن كان الغائب معظم الوقت، وحدث أنني، من جراء ذلك، سهرت طويلاً وجهدت كثيرًا؛ لأكمل الرسالة وأن أكون في موقع الحريص على الترويض، وعلى نقل النص أمامي، من الحشو ومن الظلمة العمياء، ومن ذلك الثقل إلى حيث يكون بعيدًا من الديجور، بعيدًا من الإغماء ومن الخطل. وأن تكون المسألة في الأساس هي الانقضاض على المعايب، وعلى رضوخ الكلمة للفراغ، ولأن يكون مصيرها مصير الكآبة ونصير الشعلة التي تخمد وتنقلب إلى رماد.
* أنا إزميل القصائد
وأعود إلى مجلة «شعر» وإلى كوني الإزميل الذي كان ينحت القصائد وأجواءها المثقلة بالزوائد والمصائب والثغر. وعند يوسف الخال، كما قلت سابقًا، كانت كلمتي هي الفصل وهي المقياس الذي يجب أن يؤخذ به؛ لأنني الحدس الكامل والثاقب، وكنت أنزل في القصائد والمقاطع الشعرية حتى المؤلفات التامة، نزول الصقر من الفضاء على طريدته، على الخطأ وعلى ما يعطّل أو يشوّه الجمالية، وعلى أن آتي إلى هذا الشأن، فأبصر فيه ما هو ضعيف وركيك وغير شعري. وأكون الذي يجرّد الشجرة من أوراقها الصفراء، حيث لا يعرف ذلك صاحبها أبدًا، وهي غريزتي وطبيعتي المدهوشة وصفتي النافذة إلى الماوراء، وما يختفي تحت التراب، تحت القشور، وأنفض كل ذلك في الهواء ولا يبقى في الساحة إلا الفارس، إلا القصيدة وهي التي استحمّت وفاح عطرها على الآخرين، وعلى أصحابها أولاً.
وأدركني الحلم واللون والثقة والمهارة التقنية والبداهة الحدسية، وهكذا نقلت تجربتي النحتية من مجلة «شعر» إلى جريدة «الزمان» فإلى جريدة «النهار». واختلقت القصيدة التي أمسكت بها يداي وقلمي، من وسخة إلى نضرة، ومن منكفئة وحيية إلى الصراحة وإلى الهوية التي تجعلها طيعة وقابلة لأن تكون في مرتبة الندّ، صالحة أنيقة ومهذبة، ومنطلقة إلى المكان البعيد، إلى الأفق السعيد.
* الشاطر مثلي ينقذ النصوص
والتفت هنا إلى الأب سليم عبو حين وضع كتابه «الثنائية اللغوية في لبنان» بالفرنسية، وقصدت إليه في مكتبه وفي عمارته بجامعة القديس يوسف، في تلك الأثناء من السنين الأولى، وكانت إطلالتي الشعرية بكرًا وبتولية إلا بعض اللمحات الغامقة الطابع والمتدثرة بالحلاوة الرقيقة، في مطلع التذوق. واقتطف مني، آنذاك، بعض الأفكار فيما نحن، في مجلة «شعر»، فاعلون وماذا على بالنا أن نكون، وأن نصل إلى الدوحة الطريفة وليس إلى السراب. وطبعًا كنت على فوضى، وما زالت الأشجار تفوتني، ولكنني أوصلت إليه بعض الأضواء، وبعض شرابي الذي صنعته في قصائدي تلك في الفاتح من تجربتي.
وكان أنني سمعت من أدونيس، في بيروت، في مدينتنا الأعزّ، بعد ذلك أنه التقى الأب سليم، وهو العلاّمة والمثقّف الواسع الصحن والرواق، في باريس، وأنه كما قال لي أضاف بعض الموضوع الذي كنت أبلغته إلى الأب عبو في بيروت.
وكنت أرتضي ذلك نفسه لولا أنه كان في تلك الفينة من العيش، يعتبر نفسه في موقع القائد، وفي رتبة أعلى منا، وهكذا كان يوسف الخال بهذه العلامة والصفة، في مبتدأ الأمر ومطلع التجربة.
ثم لمّا اشتد ساعدي ونخرت القيد وخرجت من الثقب هذا، تغيرت الآية وأنشدت آيتي وتجربتي، وحصلت على قصب المعركة، وما على الشاطر سوى أن يفعل مثلي، وسوى أن يكون محبًّا وممطرًا على رفاقه، وعلى أن ينقذ لهم ما هزل من النصوص وما كان فيه العيب إلى أشده. كما قلت من قبل.
* فؤاد رفقة مالك الحزين ومتواطئ
... ويوسف الخال الآتي مثل فؤاد رفقة مع عائلته من الجغرافية السورية، كان الذي له سيطرته وسطوته على المالك، على الحزين. لأن رفقة، وهو من أوائل الرفاق في مجلة «شعر» في بيروت، كان متواصل اللفتة نحو يوسف، نحو طبعه الآمر ونحو شخصه الآمر، الذي يحنق والذي يحب. وكلاهما منذ البدء وفيما بعد، تبادلا التواطؤ، تواطؤ المحبّة وتواطؤ اللجوء، من فؤاد غالبًا إلى يوسف. وإذ كانت لفؤاد بعض السيرة المعقدة والمضطربة، كان عندئذ ينظر إلى يوسف قدوة له، ويلوذ به في خيمته الأخلاقية، وفي سرب آرائه وأقواله. وكان يوسف شديد القاعدة نحو فؤاد، وكان المالك حزينًا في أي وقت. بل إنه، وهو الأستاذ المربي في الجامعة اللبنانية الأميركية، لم يقو على قبض الفرح الكامل والسعادة الكاملة. وأظنّه في عائلته التي من حوله وهو الحميم تجاهها، كان يلقط الشرارة، يلقط المتعة والسلام، وكذلك، حتى هنا، كان عميق الإدراك، وظاهر الأسى. وكأن به شوقًا إلى المحال، إلى تلك الرعشة البعيدة الغور وإبريق الصفاء. وكان إذ يأسف إنما يختبئ في الأسف، في ألوان من العذاب الفكري، ومن التحولات الكيانية. ونحن الذين قربه، وعلى مسافة قصيرة من شخصه، شاهدناه في استمرار غلوائه، في ملعب غنائيته المصطفاة، حيث هو كأنه يفنى في الفناء، وكأنه يصطدم بالصخرة الخيالية والصدمة العاطفية.
* يوسف الخال تهشّم على صخور المقربين
... وهكذا، بالموضوعية التي لا أظنّها تكرّرت على الرحب الذي كان لي، دعوت أدونيس ونحن رفيقان في مجلة «شعر» وفي حركتها، من مطلع الشروق، ومن بكورية النشوء، فأقبل عليّ في مكتبي في الحمراء، وكنت في حومة الوغى، حومة الحرب المتقلبة، من تلك الثمانينات وأنا أغرق مهنيًا في أعمال ومقالات وموضوعات وصفحات، وأنفث الروح، وتلك قاعدتي، حتى في الاقتصاد الذي تشقلب معي من جامد وجدي جدًا إلى متحرك ومنفعل، وكنت أفاجئ «غسان» تويني نفسه، ومعه التحرير والعلاقات القائمة مع الوسط الاقتصادي، وكان بعض التسليم بأنني أحرّك العنوان وأنني لا يهمني من يرضى ومن لا يرضى، وهذا كان شأني في أن يكون الطرب أولاً وأخيرًا في نفس القارئ. وهكذا أقبل أدونيس وجلس أمامي وغليونه في فمه، ولا ينبس ولا يتكلم هو، بل يضغط طرف الغليون، ويتطلع ويصغي إلى كلامي، أنني أريده أن يأخذ الصفحة الثقافية (في «النهار») عني وعرضت عليه تفاصيل ومكونات فيِمَ سيفعل، وماذا عليه أن يفعل، وأن يكون المسؤول، وهو لا ينطق أبدا، بل يهزّ رأسه موافقًا ومتربّصًا أن تتم العملية أفضل التمام.
وكنا كلانا غارقين في هذه العملية المفاجئة له، وليست لي، وكانت على وشك اليقين والاكتمال لولا بعض اليقظة، ولولا بعض الشك الذي يرافقني في أن أدونيس ليس صحافيًا، بل يجهل أن يكون صحافيًا. وهو شأنه المقالات والأفكار، وكيف كان لي أن أكون سكرتير التحرير في مجلة «شعر» في عزّها التحريري والإنشائي؛ إذ كان يمكنه، وهي فصلية، أن يملأ هذا الدور مع يوسف الخال وكان صحافيًا، ولم يستطع أن يملأه ولا أن ينصرف إليه. وهو ما كان يحدث في غياب يوسف مسافرا، وكنت أرتب له العبارة خبريًا، وأصوغ ما يليق بالنص، وأستغرب كيف أن عهد إليه ذات مرّة الإشراف على جريدة «البناء» اليومية، وكنت آتي أدونيس ونحن في صحبة دافئة، وفي اصطحاب متعاقب الحركة، وأنشر عنده مقالة، أو ما يطرأ من نوعها قبل أن أصير إلى مهنتي الصحافية صيرورة نهائية.
ولا يفوتني أن نزيه خاطر كان على بيّنة وعلى علم بذلك الاجتماع بيني وبين أدونيس، وإذا بالتلفون يرنّ، وإذا هو يخاطبني بهمسات تنبيه وتحذير من أن أترك الأمر لغيري، وإذا بي أنتهي ببساطة أنني لست مقتنعًا بهذا التوكيل، وبأنني على حق في أن أمارس المهمة الثقافية وحدي، وأن أظل القيّم على الصفحة، وذلك كان واستمر؛ إذ الصحافة مهنة وشوق إلى العطاء، وهناك من لا يملك المفتاح، ولا من يملك «افتح يا سمسم» ولو كان شاعرًا، ولو كان وراءه قوم ووراءه قرّاء ومتابعون.
وكيف وأنا متسائل، يتسلم مسؤولية صحافية وهو نفسه بعدما لاحظني أصوّب له عبارته قال لأنسي إذ زرناه على الأثر البسيط ذاك، إن شوقي يصحّح لي، بشيء من البساطة الصادقة، وهي تعني أنه لا يستطيع أن يكون غير ذلك، وهذا لا عيب فيه وما لا يحرجه أو يحرج أحدًا سواه. أما المقالات، فكان لها وكان يكتب النظري، وكان دوره هنا، على ما أوضح وطالما تكرر ذلك لدى يوسف الخال، وطالما صرح به أمامي وأمام من حضر مجلسًا لنا أو مجالسنا، أن أدونيس يفكر وأن الشعر الحديث ليس في الحقيقة صنفًا من المقالة أو مقالة فكرية في البادئ وفي البدء، وفي الأول من المطاف، وفي آخر القافلة. وفي آخر المطاف. ومعه حق، كل الصواب، وكل صلب التجربة.
وأزيد وأردد في جوقة الصادقين والمختارين، وفي قداس الصدق والصداقة والخل والزمن الوفي في بعض الطريق، وفي الزغردة خيرات وغلال، وفي الترداد صوفية وتصوف، وعلاقة بالحكمة التي تصرخ بالحق.
إذن، أفعل وأرى أن يوسف الخال صحيح أنه خسر من يقف قربه فيما بعد الذهاب وبعد الانتقال إلى الدار تلك، حيث القصائد تترى وتتوارد، وحيث نهر الشعر لا يخفت له رنين أو اندحار. وأنا صريح الفم والقول وكذلك لا يؤسفني أن أعتبر يوسف أنه يظل الذي جمع وحضن ودعا الآخرين من الخلّص والمهيأين لأن يكونوا في الطليعة، والذين هم المشاة إلى الأدغال الجميلة التي تحتوي على غرائب أوسع مما اشتهى ابن الرومي، ومما تصوّر أنها موجودة في الطريق إلى خارج النقطة، خارج المكان، حيث يقيم هو.
وصحيح أن يوسف كأنه تهشّم على صخور الذين حوله، على صخور المقربين والأقربين والذين شبّه أنهم حراسه، وأنهم سيكونون له المدافعين عن حقه في البقاء على منصة الكلمة الشهمة، والكلمة التي ارتوت من الندى ومن حداثة الأشياء، ومن طراوة الأيام ومن عمق التجربة، ومن هيبة العمل في الشأن الشعري. وقلما أحد غيره عمل لهذا الشأن باندفاع كما عنده، وبالنسكية الحلوة، والإخلاص الطويل مثلما كان ذلك عنده.
وعلى محلة أخرى وعلى منقلب ليس بعيدًا، كان يوسف يسبر الأشخاص ويعجم كينونتهم، ويدرك بالنقدية التي يمتلكها ماذا هو ذلك الآخر. وأظنه فهم غيره، وكان ذلك يضعه في حرج؛ إذ هو، من جهة رفيق له في البداية، رفقة ملازمة ولصيقة، ومن جهة ثانية كان على شيء من النقزة، وكان ذا شخصية أقوى، ينفعل جدًا ويعلو إلى فوق بأنفاسه وغضبه، وأما غيره فلا ينفعل، وإنما يكظم ما به ويغلف الأمر بالبسمة، وبزنبق الصمت ونسمة من اللامبالاة والحدب اللطيف. ويوسف أيضًا كان على شعور بما لدى غيره من إمكان، من شعرية، وأظن هذا الغير كان خائفًا من هذه اللمحة لدى يوسف، وكان يتوقاه ويتجنب أن يصل النقد بينهما والمكاشفة إلى حدّ المكاشفة. ويوسف ذو رأي أنه لا يجوز أن تكون القصيدة فكرة، وهو ما يعيبه ولا يطيقه في نصه، وكانت الأيام تقدمت بنا في مجلة «شعر»، وكذلك تبلورت نظراتنا ولم تبق في وجهة واحدة وعنيدة، وإنما نحن كالأحصنة، نحن أحرار فلا أطر ولا أقنعة، ويجب أن نكون أحرارًا بمعنى الحرية المطلقة والمزدانة بهذا المطلق والكمال.
ولئن كان عيب غيره هو هذا؛ فإن يوسف عيبه هو هذا أيضًا؛ إذ لا نكتب القصيدة أنها مقالة أو هي كذلك، كما يقول يوسف وإنما يوسف أيضًا شاء أن يضع الفكرة متدرجة من سطر إلى سطر، من فعل إلى فعل، ومن حبة رمل إلى حبة رمل تالية. وهو ما عمدت إليه أنا وضربته في «قصائد في الأربعين» (ليوسف الخال)، وحذفت و«فركشت» إلى أن استوى الأمر كما حلا ليوسف أن يكون، وكما حلا لي أن يكون. وحين صدر الديوان وفيه المقدمة، وكأنما يوسف ليست له راضية ومرضية، فلم يسألني البتّة، ولا كانت منه لمحة إلى مقالتي النقدية عن الديوان حين أغفلت، ولم أذكر الفعل والفاعل. وهنا الصاع صاعان؛ إذ هو لا يطيق أحدًا على الرغم أنه يلتفت إلى بعض الأسماء، وهو دائمًا يتصرف على ذوقه ويخرب الحقيقة تقريبًا خرابًا يشبه ما يكون الطلل حين يغادره الأهلون، ويظهر الرماد فقط ولا وضوح أبدا فيما يجب أن يكون وضوحًا ويستأثر بالحقيقة دائمًا، وحين لا توافقه يقوم هو بالحذف أو يدفع أحدهم إلى الحذف، كما حاله في شتى الظروف وأنواع المناسبات.
وحين تنضح الحقيقة في وجهه يتأفف ويتركك حيث أنت، ولا يرغب أن ينبت نبات آخر غير ما هو، وغير ما يطلع من بستانه، ولا هناك تقدير لمن يصعد من الضباب إلى النور إلى الوضح ويكاد يزاحمه، فيركض إلى ساحة جديدة ليمارس ما مارسته في ساحة سابقة من الترويج والعمل لنفسه وتزيين شعره وقصيدته أنهما هما الشعر والقصيدة، حين أن الرأي ينكشف رويدًا ومسارعًا أنهما يتضاءلان، وأن اللفظية باهظة الغلبة والثقل، وأن الحراسة عليهما من قبله بالنقد والعلاقات وتلبية الدعوات، كلها ما عادت تنفع ذلك؛ فالبيان بيان الساعة الأخيرة والضحكة الأخيرة.
وما كان أحد ليرشقه بوردة لو أنه حفظ للمنافسة وجهها الناصع وللخصومة رقيها الناصع، ولم يفعل، واللوم على الآخرين الذين، جامعيين مثله أو أكاديميين مثله، يجب أن يذهبوا إلى محكمة دانتي، إلى رحلة هذا الشاعر إلى المدار الأليم.



ليلى سليماني وسؤال يطاردها دائماً: لماذا لا أتحدث العربية؟

ليلى سليماني
ليلى سليماني
TT

ليلى سليماني وسؤال يطاردها دائماً: لماذا لا أتحدث العربية؟

ليلى سليماني
ليلى سليماني

في كتاب لا يتجاوز ثمانين صفحة بعنوان «هجوم على الحدود»، من إصدار دار غاليمار مارس (آذار) 2026، تناقش الكاتبة ليلى سليماني مسألةَ الهوية المغاربية المتشظّية بين لغتين ومرجعيتين، من خلال علاقتها الملتبسة باللغة العربية. تفتح صاحبة «أغنية هادئة» و«بلد الآخرين» أدراجها الداخلية على آخرها، لتُنجز نصاً من نوع نادر في المشهد الأدبي الفرنكفوني، نصٌّ يتكلم بالفرنسية عن الخسارة الكبرى للعربية. وتشرح سليماني في حوار مع دار غاليمار العمقَ الشخصي لهذه الخسارة، إذ تكشف أن العربية كانت بالنسبة إليها «اللغة الأبوية» بالمعنى المزدوج، فتقول: «تخيّلتُ أنها ستكون اللغة الأبوية، وأن غيابها يوازي غياب أبي، لأنه مات، ولأنه كان يجد صعوبة بالغة في نقل ثقافته». هكذا يتداخل في الكتاب الحدادُ على شخص والحداد على لغة، في نسيج اعترافي نادر يمنح النص عمقاً شخصياً يتجاوز مجرد التأمل الثقافي.

غلاف الكتاب

في قلب هذا النص يتصدّر سؤالٌ ظل يطارد ليلى سليماني منذ طفولتها: لماذا لا أتحدث العربية ولا أتقنها؟ والمعروف أن ليلى سليماني، الحائزة جائزة غونكور عام 2016، وُلدت في الرباط لعائلة بورجوازية مغربية تتحدث الفرنسية؛ والدها مصرفي رفيع المستوى، ووالدتها طبيبة من أصل ألزاسي. في هذا البيت الذي كانت الفرنسية لغةَ حياته اليومية، نشأت ليلى على تعدد لغوي مميز: الدارجة المغربية في الشارع والسوق، والألمانية في أغاني جدّتها الألزاسية وحكاياتها، والإسبانية في صيف المتوسط، والشلحة الأمازيغية على لسان عمّال الضيعة العائلية. بيد أن العربية الفصحى ظلّت في منطقة الحضور الغائب: مسموعةً، مألوفةَ الإيقاع، غير أنها لم تنمُ في فم الطفلة بصورة طبيعية، ولم تسكن مخيّلتها حتى تصير أداة تعبير.

تصف ليلى سليماني هذا الوضع بصورة جسدية قاسية: كمن يعيش مع عضو مبتور يُحسّ بوجوده رغم غيابه. وهذه الاستعارة ليست زينةً أسلوبية، بل هي الإطار الدقيق الذي تُنظّم فيه الكاتبة علاقتها بلغتها: حنينٌ لا يمكن إشباعه لأن موضوعه لم يُفقد فجأةً، بل لم يتشكّل أصلاً على النحو الكامل. وتستحضر في هذا السياق اسم الشاعرة والرسامة اللبنانية الراحلة إيتيل عدنان، تلك المبدعة التي كتبت بالفرنسية وعاشت تحت وطأة السؤال ذاته، والتي قالت ذات يوم إنها وجدت نفسها عند باب تلك اللغة فجعلتها أسطورة وجنةً مفقودة.

يبدأ النص من مكان شخصي للغاية: الطريقة التي تتحدث بها سليماني العربيةَ اليوم، وهي طريقة تشبه حديث الطفل أمام الكبار، المُحرج من نقصانه والخائف من الاستهزاء. وفي هذا الاعتراف ما يتجاوز مجرد الخجل الشخصي؛ إنه يكشف البنية الاجتماعية للغة. فالفرنسية في المغرب لم تكن مجرد إرث استعماري طارئ، بل أضحت في زمن الاستقلال وما بعده لغةَ الترقّي الاجتماعي ولغةَ النخب المدنية، في حين ظلّت العربية في بعض الأوساط محصورةً في دور الوجدان والدين والهوية الرمزية. وهكذا نشأ جيلٌ من الأبناء المغاربة يحمل اسماً عربياً ولساناً فرنسياً، وروحاً تُدرك حدودها دون أن تعرف كيف تتخطّاها.

غير أن هذا الخجل الذي تعترف به ليلى سليماني بصوت مرتفع لا يُعدّ استثناءً فردياً، بل هو الموروث السّرّي لجيل كامل من الكتّاب المغاربيين الذين شيّدوا مجدهم الأدبي بالفرنسية فيما ظلّت العربية تنتظر على العتبة. فمن كاتب ياسين الذي رأى في الفرنسية «غنيمة حرب» استردّها من المستعمِر، إلى آسيا جبّار التي عاشت طوال حياتها في المساحة الممزّقة بين الكتابة بالفرنسية والتفكير بالعربية والحلم بالأمازيغية، وصولاً إلى ألبير ميمّي الذي حلّل في «المُستعمِر والمُستعمَر» كيف تُصبح لغة المستعمِر أداةَ صعود اجتماعي لنخب المستعمَر وتُفضي إلى ما سماه «ازدراء الذات»، هذا الإرث الثقيل هو ما تتقاطع معه سليماني في نصّها، بوعي طبقي أكثر صراحةً مما أبداه أسلافها. فهي لا تتردّد في وصف نفسها بـ«كليشيه البورجوازية الفرنكفونية التي لا تتحدث لغتها»، وفي هذه الجملة القاسية إدانةٌ مزدوجة: إدانة لطبقة اجتماعية أفادت من الانقسام اللغوي وورثت منه امتيازاتها، وإدانة لنظام تعليمي خلّف على مدى أجيال نخباً مغاربة تتكلم لغةَ الآخر بطلاقة ولغتها الأولى بتعثّر. والفارق بين سليماني وكتّاب الجيل الأول أن الأوائل كانوا يكتبون بالفرنسية كأنها فعل مقاومة أو ضرورة تاريخية لا مهرب منها، أما هي فتكتب عنها وعن حدودها، أي أنها تفتح النافذة على الغرفة المغلقة التي لم يجرؤ كثيرون على النظر إليها.

يبلغ النص ذروته الدرامية في مشهد كابوسي تعود إليه سليماني مراراً: «أحلم دائماً بالكابوس ذاته. أجدني في قاعة محكمة، وحولي رجال لا غير. أعلم أنني على وشك أن أُدعى إلى الكلام، وحلقي جافٌّ وكفّاي مرتجفتان. أشعر بخجل لا أعرف له سبباً. قاضٍ يدعوني إلى التحدث فأبدأ بتبرير نفسي، أتكلم بسرعة واضطراب، أتكلم بالفرنسية. يقاطعني القاضي بقسوة: «لسنا في فرنسا هنا. تكلّمي بالعربية». تملأ الدموع عينيّ ويُشلّني القلق. أبحث عن كلماتي. لا شيء يأتي. وأدرك حينها أنني خسرتُ، وأنني لن أستطيع إثبات براءتي أبداً». هذا الكابوس لا يصف عجزاً لغوياً فحسب، بل يُشخّص أزمة هوية بكاملها: براءةٌ لا يمكن إثباتها إلا بلغة افتُقدت. ولعل هذه العبارة الاخرى للكاتبة التي تقول فيها: «الكتابة ربما تعني التصالح مع هذه الهزيمة، أو على الأقل البحث عن لغتي الخاصة، لغة لا تخضع لأي تصنيف»، هي التي تكشف كيف صار الكابوسُ نفسُه مادةَ الكتابة وسببَها في آنٍ واحد.

على أن الكتاب لا يقف عند حدود الاعتراف الشخصي، بل يتمدّد ليصير بياناً سياسياً صريحاً. تُعلن سليماني رفضاً مزدوجاً وحاداً: رفض الخطاب المغربي المحافظ الذي يرى في أحادية اللغة العربية درعاً ضد الإمبريالية الثقافية، ورفض الخطاب الفرنسي الرسمي المتشبّث بلغة نقية لا تقبل التحوّل. وبين هذين الرفضين ترسي موقفها: اللغات كائناتٌ حية تتطور وتتشرب من بعضها، ولا يُلجمها إلا الآيديولوجيا. في هذا تلتقي مع كاتب ياسين والشاعر المغربي محمد بنيس وسواه من المفكرين الذين رأوا في التعددية اللغوية ثروةً بدل أن تكون وصمة.

الخجل الذي تعترف به ليلى سليماني هو موروث جيل كامل من الكتّاب المغاربيين الذين شيّدوا مجدهم الأدبي بالفرنسية فيما ظلّت العربية تنتظر على العتبة

أما أسلوب الكتاب فيستحق وقفة خاصة. سليماني معروفة بنثر يقوم على الجملة القصيرة والإيقاع المحكم، غير أن جمل هذا النّص تتسع قليلاً ويصبح الصوت أكثر مباشرةً، كأنها تكتب تحت وطأة الاعتراف الواجب لا تحت إكراه الخيال الروائي. هذا الأسلوب يُذكّر في لحظات بما فعله طه حسين في «الأيام» حين حوّل السيرة إلى نص أدبي يتخطّى التوثيق الشخصي، وبما صنعه محمد شكري في «الخبز الحافي» حين رأى في الاعتراف الجريء تحريراً لا كشفاً للعار.

يكتسب الكتاب راهنيةً مضاعفة في سياق زمني يشهد صعوداً لخطابات الهوية المغلقة في أوروبا وخارجها: حدود تُضيَّق، وثقافات تُصنَّف، ولغات تُوظَّف في خدمة السياسة. في هذا المناخ، يُذكّر نص سليماني بأن الانغلاق على لغة واحدة ليس احتماءً بل إفقار، وأن الجرح الأعمق ليس في الحدود الجغرافية، بل في تلك الهوّة التي تفصل الإنسان عن لغته وذاكرته الأولى. وإذا كان العالم العربي يعيش صراعاً خفياً بين أنماط الانتماء اللغوي والثقافي، وهو صراع تغذّيه جراح الاستعمار وسياسات التعليم والتحوّل الاجتماعي العميق، فإن سليماني تعيد فتح هذا الملف من زاوية إنسانية لا شعاراتية: اللغة ليست ساحة امتحان للولاء، بل فضاءٌ لتكوين الذات. وسؤال الهوية عندها ليس مسألة تمثيل ثقافي فحسب، بل هو سؤال في صميم الكتابة ذاتها: هل يمكن للكاتب أن يكون صادقاً مع نفسه وهو يكتب داخل لغة لا يعيشها بالكامل؟ والجواب، كما يوحي النص، ليس نعم أو لا، بل كتابةٌ مستمرة في البحث عن صيغة أوسع من الصدق.

تكمن أهمية «هجوم على الحدود» في أنه يُقدّم تصوراً مغايراً: الهوية ليست جداراً بل مفترق طرق، واللغة ليست ملكيةً نهائية بل علاقة تاريخية حية ومفتوحة على التحوّل. وما يمنح هذا النص مداه الأبعد هو أن خجل سليماني من عربيتها المفقودة ليس استثناءً بورجوازياً بل مرآة لتشوّه موروث، وأن الجرأة على تسميته علناً هي في حد ذاتها فعلٌ من أفعال المقاومة.


«منام القيلولة»... تمثيل سردي لتحولات سياسية حادة

«منام القيلولة»... تمثيل سردي لتحولات سياسية حادة
TT

«منام القيلولة»... تمثيل سردي لتحولات سياسية حادة

«منام القيلولة»... تمثيل سردي لتحولات سياسية حادة

تتمحور رواية «منام القيلولة»، للروائي والأكاديمي الجزائري أمين الزاوي، حول أسرة ريفية بسيطة، تنتمي لمناضل سابق ضد الاحتلال، وتتبع مصائر وتحولات أبناء وزوجة هذا المناضل القديم، وما ستؤول إليه حيواتهم؛ إذ يتخبطون بين الجنون والفقد والوحدة، بل التصفية الجسدية، رغم أن الأبناء جميعاً كانوا منذورين لنبوغ ما، لكن تبدلات الأحوال الاجتماعية والاقتصادية والسياسية تسحقهم، وتغدو هذه الأسرة تمثيلاً لطبقة اجتماعية عانت في سبيل تحرير البلاد من الاستعمار، دون أن تجني ثمار الاستقلال، فسرعان ما دخلوا في نفق مظلم، ولم يشعر أحد بتضحيات الأب، ومعاناة الأم التي تشبه الوتد، وصارت أسرتهما في مهب ريح عاتية تعصف بهم من كل الاتجاهات.

الرواية صدرت عن «دار العين» في القاهرة، ووصلت للقائمة القصيرة في جائزة البوكر، وصدرت طبعتها الرابعة منذ أيام. يرتكز العنوان على فترة نوم القيلولة التي كانت جزءاً ثابتاً من عادات القرية، وكانت تحدث فيها معظم الأحداث المفصلية المروعة، لكن هذا النوم يبدو، وبشكل أكثر جذرية، كناية عن نوم مجتمع وثقافة بأكملها، وعدم اليقظة لما يحاك لهما؛ إذ يدخل المجتمع كله في «نوم قيلولة»، بالمعنى السياسي والاجتماعي والثقافي، ليستيقظ على كوارث مروعة، أخطرها كارثة تمدد تيار الإسلام السياسي الراديكالي، بكل ما ينطوي عليه من عنف، ورغبة مجنونة لإعادة هندسة الواقع حسب رؤيته المتطرفة، في غفوة من السلطة الحاكمة.

وإذا كان نوم القيلولة يتخذ معاني ودلالات أكبر من مجرد عادة قروية، فإن الجنون - كذلك - يبدو كناية عمّا يصيب المجتمع بأسره، وليس أفراد هذه الأسرة وحدها، فالجنون هنا يبدو معنى سياسياً وآيديولوجياً؛ إذ يتغول جنون الجماعات الراديكالية، وتجتاح المجتمع حالة من العنف، بمعنييه السياسي والمادي، تنتهي بمقتل «عبد القادر المخ»، ابن المناضل السابق ضد الاحتلال. عبد القادر الذي كان يحلم وهو طفل أن يكون رئيساً للجمهورية، فانتهى به الحال على يد زملائه السابقين في مدرسة المعلمين وزوج شقيقته، بعد أن تحولوا إلى آيديولوجيا الإسلام السياسي المتطرف؛ حتى لا ينافسهم في الانتخابات البلدية، التي كان مرشحاً قوياً للفوز بها؛ كي تخلو الساحة لتيارهم الذي يسعى للسيطرة على المجتمع عنوة. ما يؤكد أن الجنون هنا ليس مقصوداً به فقط هذه العائلة، بل أشبه بحالة اجتماعية، وهو ما يصفه في حواره الأخير مع أمه قبل مقتله مباشرة يقوله: «ها هي البلاد أضحت أرخبيلاً للجنون، غابة وحوش، لا أحد يدري أين سيترك روحه بعد أن يغادر بيته صباحاً».

تدور الرواية حول مسعودة القارح، وأبنائها الثلاثة: إدريس، وحليمة، وعبد القادر. ونتتبع مسارات كل منهم، واتجاه هؤلاء الأبناء للجنون والهذيان بدرجات متفاوتة، بدءاً من الابن الأكبر إدريس الغول، الذي كان أول الواقعين في فخ المرض العقلي، وحاول الاعتداء على شقيقته، وانطلق في الشوارع واختفى من القرية، وأودعته السلطات بمستشفى للأمراض العقلية في مدينة وهران، وسرعان ما طردته المستشفى بعد سلوكه العنيف مع بقية المرضى والمريضات؛ ليتحول مشرداً في الشوارع، ولا يعرف له أهله مكاناً، بل يتحول شبحاً يخيف أخته حليمة، التي يصيبها الرعب من أن يجدها ويكرر تحرشه الجسدي بها أو محاولة قتلها، ويتحول هذا الرعب مرضاً نفسياً وهذيانات متتالية، خصوصاً بعد فشل زيجتها من مدرس الألعاب «سليم بوعزة»، الذي يختفي، ويلتحق بالجماعات الدينية المسلحة عقب اكتشاف عبثه بأجساد طلابه الأطفال. وأخيراً، عبد القادر المخ، صاحب الطموحات السياسية الجامحة، والذي كان على شفا الجنون أثناء دراسته، ودخل فترة في مستشفى الأمراض العقلية.

اعتمدت الرواية على تعدد الرواة والأصوات، فرغم استخدام ضمير الراوي العليم في معظم البناء السردي بشكل رئيس، لكنه يتحول أحياناً راوياً مشاركاً حيناً، ومراقباً حيناً آخر، خاصة في مفتتح الرواية ومنتهاها، وتحديداً في مشهد السيارة التي تأخذ مسعودة القارح، إلى مستشفى المجانين، وهو نفسه مشهد البدء ومشهد الختام؛ إذ يبدأ الراوي بهذا المشهد، ثم يعود عبر تقنية الاسترجاع إلى بدايات الحكاية ومساراتها وتحولات شخوصها، حتى نصل في الختام إلى المشهد نفسه، بعد أن يكون القارئ قد عرف المقدمات التي أدت لهذه النتيجة، فيسرده الراوي مرة أخرى، بعين المراقب والمشارك والمتسائل عن سر اختطافها بهذه الطريقة. ورغم سيطرة الراوي العليم على السرد، فإن ثمة فصولاً كثيرة متروكة لأصوات أبطالها كي يحكوا بأنفسهم، مثل حليمة وعبد القادر المخ، فكلاهما كثيراً ما يروي حكايته وتخوفاته وهواجسه بنفسه، ليتراجع الراوي العليم مُفسحاً المجال لأصواتهم وخطاباتهم لتحتل الصدارة.

زمنياً، تمتد الرواية على مدار عقود عدة، منذ مرحلة ثورة التحرير، التي انضم لها حميد النوري، مروراً بمرحلة الاستقلال، التي شهدت جنون أولاده ومعاناة زوجته، وكذا انتشار الفساد، فضلاً عن أن «كثيراً من أرامل الشهداء وجدن أنفسهن يشتغلن عاملات تنظيف في بيوت الأغنياء أو في المؤسسات التعليمية والإدارية»، وصولاً إلى تغلغل الإسلاميين الراديكاليين، واكتساحهم لانتخابات البلديات، ومقتل عبد القادر على أيديهم، بما يمثله من رمزية الطموح المدني للوصول للرئاسة، حلمه القديم منذ طفولته، والذي بدأه بانتخابات البلدية مرشحاً مستقلاً. هذا الامتداد الزمني يجعل الرواية أشبه بجدارية كبرى لصيرورة المجتمع المروي عنه.

على المستوى المكاني، تدور معظم الأحداث بين قريتي «أعنان» و«ينبو»، ومدينة وهران، ونرى تحول التركيبة السكانية لهذه الأمكنة، بخاصة تركيبة المدينة، فعقب الاستقلال، وبعد أن كانت وهران تتسع لجنسيات مختلفة، خشيت المرأة الفرنسية صاحبة المخبز على نفسها من حملات الكراهية ضد الأجانب، فرحلت إلى فرنسا على أمل العودة يوماً بعد صلاح الأحوال، وتركت مخبزها لحبيبها الجزائري بنعلال الرومي، لكن الأحوال تزداد سوءاً، لدرجة أن بنعلال نفسه يهاجر مع انتشار سطوة الإسلاميين وعصفهم بكل مختلف، في إشارة إلى أن المجتمع كله لا يتقدم، بل يسقط من أعلى منحدر شاهق. ثمة أماكن أخرى لها رمزيتها وحمولاتها الدلالية، بما يجعلها أكثر من مجرد فضاء مكاني، وأقرب إلى تمثيل سوسيوسياسي، مثل الجبل الذي كان يعتصم به الثوار المجاهدون ضد الاحتلال في زمن الثورة، وأضحى هو المكان نفسه الذي يأوي «الجماعة» التي تستقوي على المجتمع من أبناء جلدتهم، فالمكان واحد، لكن ثمة تباعداً بين الشخوص والغايات. أيضاً حديقة الاستقلال، التي كانت تنظر إليها حليمة من نافذة المطبخ، فتشاهد العشاق يجلسون فيها ويختلسون متعاً صغيرة عابرة، وما آلت إليه هذه الحديقة من خراب مع سطوة الإسلاميين، بل ربما ما آل إليه الاستقلال ذاته.

انفتاح السرد الروائي على الجنون، جنون الشخوص أو جنون الواقع، منح السارد مساحة كبيرة لإضفاء مسحة من الغرابة والسريالية على الأحداث، سواء في هذيانات حليمة ورؤاها لأشياء غير منطقية، أو ما كان يحدث في شقة جارتها التي تحولت من مكان للسكن إلى حديقة حيوان مصغرة، ترى فيها أنواعاً غريبة من الحيوانات والطعام غير المعتاد. وعلى هذا المنوال، يحفل السرد بمساحات كبرى من الهذيان تنتاب الشخوص، في مقابل الهذيان الذي يتفشى اجتماعياً وسياسياً، في مجتمع أصبح وكأنه مسرح عبثي مفعم بتحولات تنتمي إلى اللامعقول.


«شجر الدر» لدرية شفيق في ترجمة عربية

«شجر الدر» لدرية شفيق في ترجمة عربية
TT

«شجر الدر» لدرية شفيق في ترجمة عربية

«شجر الدر» لدرية شفيق في ترجمة عربية

صدر عن دار «منشورات الربيع»، في القاهرة، الترجمة العربية لرواية «شجر الدر... امرأة متفردة»، للكاتبة والمناضلة النسوية المصرية درية شفيق، التي كتبت الرواية بالفرنسية في عام 1952، وظلت غائبة عن المكتبة العربية طوال هذه العقود، حتى صدرت الطبعة العربية أخيراً بترجمة الدكتورة فاطمة خليل.

في هذه الرواية، تعود المؤلفة إلى القرن الثالث عشر، لحظة أفول الدولة الأيوبية وصعود دولة المماليك، لتضع في قلب هذا التحول امرأة استثنائية، خرجت من الهامش إلى قلب التاريخ، وانتقلت من موقع الجارية إلى مقام السلطانة. طوال السرد، تلتزم الكاتبة بصرامة تاريخية، فجميع الأحداث والوقائع موثقة، وكأنها تعلن أنها ليست مجرد رواية تاريخية، ولكنها مشروع معرفي يطرح تساؤلات حول: ما التاريخ؟ ولماذا تُهمّش بعض شخصياته، وخصوصاً النساء؟

تكتسب الرواية أهميتها أولاً من اسم مؤلفتها، درية شفيق، ذات التاريخ النضالي والنسوي الكبير، والتي لها منجز إبداعي وفكري، فقد كتبت الشعر والرواية، وفي أدب الرحلات، فضلاً عن الكتابات الفكرية والسياسية. وثانياً من البطلة المروي عنها، شجر الدر، والتي تمثل - بالنسبة لكثيرات الآن - رمزاً نسوياً لامرأة صعدت إلى سدة الحكم في مصر، متحدية كل الظروف الصعبة في مسيرتها، فضلاً عن أهمية الرواية في مسيرة المدونة الروائية المنشغلة بإعادة سرد وكتابة التاريخ، وكذا الأعمال الأدبية التي كتبها أدباء عرب بلغات أجنبية في منتصف القرن العشرين.

ولدت درية شفيق في مدينة طنطا، شمالي القاهرة، في عام 1908، ونالت درجة الدكتوراه في الفلسفة الحديثة من جامعة السوربون في عام 1940، ورغم تفوقها، رفضت الجامعة المصرية تعيينها ضمن هيئة التدريس؛ لأنها امرأة. وأصدرت الراحلة مجلة «بنت النيل»، كأول مجلة نسائية معنية بتثقيف النساء المصريات. وتطور دورها بعد ذلك لتقود حراكاً سياسياً نسوياً باسم «اتحاد بنت النيل» في الأربعينات، ثم استمر نضالها ورفيقاتها حتى بداية الخمسينات، ليقتحمن البرلمان المصري (مجلس النواب) في 1951، بمظاهرة قوامها 1500 امرأة، للمطالبة بحق المرأة المصرية في المشاركة في الحياة السياسية، وألا يكون العمل السياسي حكراً على الرجال.

وانتهت قصة نضال درية شفيق بسقوطها من الطابق السادس في عام 1975، عقب 18 عاماً من الإقامة الجبرية، تاركة إرثاً كبيراً من النضال والعمل النسوي، والكثير من الانتصارات في مجال حقوق المرأة، فضلاً عن مزيد من الحيرة والتساؤلات حول حقيقة نهايتها المفجعة.

من أجواء الرواية نقرأ: «لم تكن فترة المراهقة بالنسبة لشجر الدر أمراً يبعث السعادة عليها، كانت الهوة بينها وبين المحيطين بها تتسع يوماً بعد يوم، وبكل ما في داخلها من طموحات، كانت تنتمي إلى عالم آخر، أي عالم؟ لا تدري، لكنها كانت مقتنعة بأن موقعها في مكان آخر. كل ما يحيط بها كان يشعرها بالغثيان؛ المكان القذر الذي كانت تعيش فيه، ونافذته الوحيدة تطل على شارع يكسوه اللون الرمادي، ولا تدخله الشمس؛ الثوب السمل الذي كانت ترتديه؛ الخبز الأسود في وجباتها، ثم الفظاظة وبلادة الذهن التي كانت يتميز بها البشر الذين كانت تعيش بينهم».