أدونيس وأنسي الحاج في مواجهة مع يوسف الخال وإزميله (1 - 3): شوقي أبي شقرا يتذكر ويكشف خفايا نزاعات شعراء مجلة «شعر»

من اليمين: أدونيس، شوقي أبي شقرا، أنسي الحاج، يوسف الخال
من اليمين: أدونيس، شوقي أبي شقرا، أنسي الحاج، يوسف الخال
TT

أدونيس وأنسي الحاج في مواجهة مع يوسف الخال وإزميله (1 - 3): شوقي أبي شقرا يتذكر ويكشف خفايا نزاعات شعراء مجلة «شعر»

من اليمين: أدونيس، شوقي أبي شقرا، أنسي الحاج، يوسف الخال
من اليمين: أدونيس، شوقي أبي شقرا، أنسي الحاج، يوسف الخال

تنفرد جريدة «الشرق الأوسط»، وعلى مدى ثلاث حلقات، بنشر مقاطع من كتاب «شوقي أبي شقرا يتذكر» الذي يصدر يوم 21 من الشهر الحالي عن «دار نلسن»، ويوقعه الكاتب في «جامعة الحكمة» في بيروت. ومن المعروف، أن شوقي أبي شقرا من النواة الأولى لشعراء مجلة «شعر»، كما أنه يعتبر المؤسس لأول صفحة ثقافية يومية في لبنان، بقي على رأسها أكثر من 30 سنة حتى خروجه من جريدة «النهار». وخلال التجربتين الكبيرتين، كان على تقاطع وتفاعل مع غالبية رواد الأدب العربي الحديث منذ ستينات القرن الماضي وحتى الجيل الجديد من الشعراء. في هذه الحلقة الأولى، يكشف أبي شقرا عن كواليس مجلة «شعر»، وصراعات شعرائها الأقطاب، وتلك المحبة البكر التي وصلت بفعل المنافسة الشرسة، إلى حدود العداء والفرقة، وعن دوره في «تقليم ونحت قصائدهم». وفي الحلقتين المقبلتين مزيدا من خبايا شعراء الحداثة وأدبائها التي نادرًا ما يُكشف عنها، من أنسي الحاج إلى الماغوط والسياب، وهناك فيروز وأمين معلوف، واللائحة تطول.
العام هو 1958، عند يوسف الخال في نزلة مدرسة الفرير، رأس بيروت، محطة غراهام، ووضعت له مواد لمجلة «شعر» في تلك المطبعة لشقيقه رفيق. وهو القيّم على التحرير وعلى أن يتسلّم المواد من الشعراء، من الكتّا‌ب، من جميع أهل القلم الذين فيهم الملكة لأن يلبوا ما تبغيه المجلة المقدامة والطليعية، من نصوص هي في الاتجاه، وأن يلتقي الجميع وأن ينضم الجميع إلى الحركة التي يقوم بها يوسف الخال وبعض الشعراء، وهم من الذين يمارسون النشاط فيها ويضعون قصائد، ويصوغون أبياتًا من خارج التراث، خارج المتوارث، ويعمدون إلى أن يقدموا الأجمل، وهو ما تطمح المجلة إلى أن يكون وأن تكون «شعر» هي الشجرة، وأما هم فالذين يسقونها والذين يضيفون أغصانًا إلى ما عندها من الغنى والمحتويات، وألوانًا تصب في النهضة الجديدة، وأن تكون الجدة الحديثة جدة في ملء تفاسيرها، وملء حذافيرها.
‏والشعراء هم أدونيس، وأنسي الحاج، وفؤاد رفقة وأنا. وربما علينا أن نزيد سوانا من الذين أتوا إلى المجلة، إتيانًا متقطعًا، مثل محمد الماغوط ومثل نذير العظمة، وكذلك ولا أنسى، هناك عصام محفوظ، الذي، في إحدى الفترات، كان أمينًا في الوجود وفي المساهمة البناءة، إلى آخرين من العالم العربي، شعراء جاءوا ونزلوا بيننا، وكانت لهم علاقات مع المجلة في الأرقى وفي الأهم وفي الأحلى. وأذكر بدر شاكر السياب، وأذكر سلمى الخضراء الجيوسي، إلى شعراء من الجيل السابق ساهموا في صفحات المجلة مساهمات جليلة، وفي ملتقيات لها وفي نشاطات لها. إلى جماعات من المثقفين ومن المحبين ومن الفضوليين؛ لمعرفة ماذا عند أولئك الشعراء، من أفكار ومن علامات يطرحونها ويكشفونها لمن هم في جوع إلى مثلها، وفي سغب ملحاح للاطلاع على المقدرات وعلى التكاوين وعلى التصاوير، وما إلى ذلك، والإطار هو خميس المجلة. والإطار الحميم والأدنى إلى الذات هو الشعراء القلة الذين يمسكون الكتاب ويمسكون الصفحات إمساك الصقر بالطريدة.
* حلف أدونيس وأنسي
وأدونيس، بكلمة أخرى، كان الصديق الأقرب والعذب، لي ولبضعة غيري، في مطلع المغامرة الشعرية... ولست أندم على الاصطحاب الأنيس ورفقته، وعلى همومه التي لا يفارقها حديث الشعر، وأين الشعر، وما هو الشعر. ثم كان ذا شغف في العلاقة وفي المودّة، ولا أنسى أنه شديد البراعة في التواصل، وفي مرافقة الجميع، وفي أنني كنت مثل الشريك معه، بل أحرّ من ذلك، وطالما جلسنا والآخرون، من أي حدب أقبلوا، وأي صوب وجدوا، إلا، في تلك الفترة، جماعة الآخرين، أي من هم في مجلة «الآداب»، أو في مجلة «الثقافة الوطنية»، أو في جريدة «حزب البعث» آنذاك. وأدونيس غيّر المركب الذي نحن عليه وغادر البحر الخاص الذي كنا عليه، ليأتي الفئات المضادة من حيث المبدأ، لكنها المضادة له سابقًا، وكنت أنا مثل الوردة أفوح للجميع وأمضي حيث أسوار الجميع، وهو ما زاد لي قربًا منهم ونجاحًا عندهم قبل أدونيس وبعده.
ولا أنسى رينه حبشي وكيف احتضن أدونيس ثم تبدلت الحال، وراح الشاعر من ضفة لبنان إلى ضفة فرنسا، وغاص في الخضمّ، ناجحًا في عقد المودات أو العلاقات، وما هو يردّ عليه صاع النفع والوجود، ليكون متعددا.
ذلك نمط أو أسلوب، وما قعد مرتاحًا، وذلك مزاج ونوع من المهارة في الأخذ والردّ، وحين نوى الدخول إلى الجامعة اللبنانية ليكون أستاذا سئل أنه عليه أن يقوم بالدكتوراه. وأردف أن هذا على رأسه، وأنه عمد إلى هذه الدكتوراه وصاغها، ولم يخل الأمر من معركة حول كيانه الجامعي، وعند الآخرين اليقين ذاك، وعند الطلاب يقين مواز، وهو أنه أشرف على أطروحات كادت تبلغ العشرين، وكلها عن شعره ويا للعجب ويا سوأتاه.
وكنت أشرت إلى هذا العمل في لقاء معنا، يوسف الخال وأدونيس وأنسي الحاج وأنا، بدأ في منزلي في بيروت، الأشرفية ثم امتد إلى منزل أدونيس وخالدة جهة اليونيسكو في العاصمة اللبنانية. وكان الأمر هكذا حديثًا إلى يوسف الخال نفسه ومعه هاشم قاسم. والجميع سبقوني إلى منزلي في أمسية ذلك النهار القديم، وانطلق التسجيل قبل وصولي من جريدة «النهار» في الحمراء، منتهيًا من القراءة والكتابة ومن الصفحات لي. ولما نزلت بين الجميع، كان هاشم قاسم مقدمًا منحازًا إلى أدونيس وأنسي... وكان من هذه الزاوية يسمع أدونيس فيما يرى دون يوسف الذي هو المسؤول عن اللقاء لينشر في جريدة رياض الريس في لندن.
وحين صدر النص في تلك الجريدة التي توقفت منذ الأمد السابق، بكل وقاحة وبساطة حذفت هذه الإشارة في كلماتي، كما يفعل الضعيف دائمًا، وليس ذلك بسر أو بأنه يبقى في المجهول.
وهذا السلوك في طبعه، ولم أسكت دونه ولم أتغافل فنشرت المقطع المحذوف في جريدة «النهار» داخل الصفحات الثقافية، بل عمدت إلى تقديم اللقاء كاملاً على مرتين ووضعت النص، بل الأحرى وضعت الإشارة إلى ذلك، علامة أخرى أن من لا يكون صادقًا في موضع، لا يكون كذلك في موضع آخر.
وكتبت نصي المفروض عليّ، ونشر في السياق، ولجأت إلى فرنسوا عقل؛ ذلك أن ثقتي طارت في الريح، ولن أجلس حيث الآخرون ليسوا أهلاً للثقة، وتكرر الأمر تاليًا، في أمكنة أخرى، حيث أنا كأنني الخصم وأنني اللدود، وعلى أولئك أن يحاربوني وأن يقفوا ضدّي في كل الظروف وكلّ الأيام.
* أدونيس مدللاً «أدو» ومن الحب إلى الخصام
... ومن قبل كنت أتردد على المجلة على مطبعة رفيق الخال، شقيق يوسف، وكنت أصادف أدونيس، ويعروني ما يعروني من النخوة ومن كوني عنيت بهذا الأمر، بهذه المودّة الطالعة من الداخل، من غرفة القلب والعقل معا. وكان الصديق الألطف، وكنا على السواء، وعلى المثال الظريف من الصحبة، من الرفقة، وكان خميس مجلة «شعر» يلقى صداه في جريدة «الزمان»، حيث كنت الوصي على الثقافة وعلى أنواع المقالات، وعلى النصوص التي لها وجهها الطلق والأغرّ. وكان لي لقاء روحي ولقاء طمأنينة ولقاء زهرة طالعة من الخصب، وزهرة طالعة من أرض الجبل من العمق التراثي، ومن الجدود الذين كان شأنهم في الحجر الذي عمّروه وكله ضخامة في ضخامة. وكان لهم باع في الذكريات وفي حنايا الفقر الذي ليس كذلك، وفي ملاعب الغنى الذي ليس كما تحدده الكتب ويرسمه بعض الناس، بعض المراقبين. وهكذا ازدادت العلاقة المتناغمة. وكنت آنذاك ذلك الصبي، ذلك العصفور الذي يطرد الخيبة، وينط من صرح إلى صرح، ومن حبّة إلى حبّة.
وكان أنني صرت النديم وصرت القريب من الشاعر، وطالما هبّت ريح الموشحات النفسية، ونحن معًا، ونحن في سبيل الشعر كومة مشاعر وليس في أي مجال، أي آخر من الود، ومن الجلوس على الأنس وعلى أي مقعد من حجر أو من حرير. وهو الذي كان شاهدًا على ولادة قصيدتي «ها أنا وحدي كسنجاب ورجلاي احتضار». وهو وأنا كنّا في التواطؤ العاطفي الصريح، وفي أنني لأغطّي خميس مجلة «شعر»، في جريدة «الزمان»، كنت أدعوه «أدو» دلالاً له؛ ولأنه فيما فعل وفيما لديه من ترحاب ناعم ومن لطف في التعامل، في المصافحة، في الكتابة، كان الذي يبدو طريفًا ويبدو جديدًا، ويبدو صاحب قريحة وصاحب لغة عربية ناضجة، وما عليه سوى أن يؤلّف وأن يصبّ غزارته في قصائد لمّاحة وذات مساحة أناشيدية تضرب الجماد وتهزّ الجمود. وإذ تحركت الأيام تارة إلى الشمال وتارة إلى الجنوب، إلى الوسط وإلى الأطراف، وإلى الخارج كانت الحركة الشعرية في المجلّة، على طلاقتها وعلى سويتها. وكنت الذي يعكف على النضج التعبيري، الذي هو أنا «المرشد الجمالي» كما سمّاني محمد الماغوط، والذي في غياب الآخرين، كانت لي شهرة في القبض على القصيدة. وكما يؤخذ الصوف من الخروف، كنت آخذ وأقصّ وأشذّب ما طاب لي ذلك، وما طاب للقواعد الفنية أن أكون ذلك القيّم على النظافة الشعرية، وعلى أن تقف القطعة الأدبية أو الشعرية وقوف الصراحة والبيان المبين، ولا طوق فيها سوى اللمعة، وحين تبلغ القارئ يكون سكران بها، ونكون نجونا نحن الجميع، من الغلطة من الثوب العادي والقديم، ونكون في عيد دائم، عيد الكلمة المرتاحة في جلبابها وفي قميصها الخلاق.
وإذ تضاربت المنافسة، وإذ احتدّت السلطة والسلطان في المجلّة، حدث أن كان الغائب معظم الوقت، وحدث أنني، من جراء ذلك، سهرت طويلاً وجهدت كثيرًا؛ لأكمل الرسالة وأن أكون في موقع الحريص على الترويض، وعلى نقل النص أمامي، من الحشو ومن الظلمة العمياء، ومن ذلك الثقل إلى حيث يكون بعيدًا من الديجور، بعيدًا من الإغماء ومن الخطل. وأن تكون المسألة في الأساس هي الانقضاض على المعايب، وعلى رضوخ الكلمة للفراغ، ولأن يكون مصيرها مصير الكآبة ونصير الشعلة التي تخمد وتنقلب إلى رماد.
* أنا إزميل القصائد
وأعود إلى مجلة «شعر» وإلى كوني الإزميل الذي كان ينحت القصائد وأجواءها المثقلة بالزوائد والمصائب والثغر. وعند يوسف الخال، كما قلت سابقًا، كانت كلمتي هي الفصل وهي المقياس الذي يجب أن يؤخذ به؛ لأنني الحدس الكامل والثاقب، وكنت أنزل في القصائد والمقاطع الشعرية حتى المؤلفات التامة، نزول الصقر من الفضاء على طريدته، على الخطأ وعلى ما يعطّل أو يشوّه الجمالية، وعلى أن آتي إلى هذا الشأن، فأبصر فيه ما هو ضعيف وركيك وغير شعري. وأكون الذي يجرّد الشجرة من أوراقها الصفراء، حيث لا يعرف ذلك صاحبها أبدًا، وهي غريزتي وطبيعتي المدهوشة وصفتي النافذة إلى الماوراء، وما يختفي تحت التراب، تحت القشور، وأنفض كل ذلك في الهواء ولا يبقى في الساحة إلا الفارس، إلا القصيدة وهي التي استحمّت وفاح عطرها على الآخرين، وعلى أصحابها أولاً.
وأدركني الحلم واللون والثقة والمهارة التقنية والبداهة الحدسية، وهكذا نقلت تجربتي النحتية من مجلة «شعر» إلى جريدة «الزمان» فإلى جريدة «النهار». واختلقت القصيدة التي أمسكت بها يداي وقلمي، من وسخة إلى نضرة، ومن منكفئة وحيية إلى الصراحة وإلى الهوية التي تجعلها طيعة وقابلة لأن تكون في مرتبة الندّ، صالحة أنيقة ومهذبة، ومنطلقة إلى المكان البعيد، إلى الأفق السعيد.
* الشاطر مثلي ينقذ النصوص
والتفت هنا إلى الأب سليم عبو حين وضع كتابه «الثنائية اللغوية في لبنان» بالفرنسية، وقصدت إليه في مكتبه وفي عمارته بجامعة القديس يوسف، في تلك الأثناء من السنين الأولى، وكانت إطلالتي الشعرية بكرًا وبتولية إلا بعض اللمحات الغامقة الطابع والمتدثرة بالحلاوة الرقيقة، في مطلع التذوق. واقتطف مني، آنذاك، بعض الأفكار فيما نحن، في مجلة «شعر»، فاعلون وماذا على بالنا أن نكون، وأن نصل إلى الدوحة الطريفة وليس إلى السراب. وطبعًا كنت على فوضى، وما زالت الأشجار تفوتني، ولكنني أوصلت إليه بعض الأضواء، وبعض شرابي الذي صنعته في قصائدي تلك في الفاتح من تجربتي.
وكان أنني سمعت من أدونيس، في بيروت، في مدينتنا الأعزّ، بعد ذلك أنه التقى الأب سليم، وهو العلاّمة والمثقّف الواسع الصحن والرواق، في باريس، وأنه كما قال لي أضاف بعض الموضوع الذي كنت أبلغته إلى الأب عبو في بيروت.
وكنت أرتضي ذلك نفسه لولا أنه كان في تلك الفينة من العيش، يعتبر نفسه في موقع القائد، وفي رتبة أعلى منا، وهكذا كان يوسف الخال بهذه العلامة والصفة، في مبتدأ الأمر ومطلع التجربة.
ثم لمّا اشتد ساعدي ونخرت القيد وخرجت من الثقب هذا، تغيرت الآية وأنشدت آيتي وتجربتي، وحصلت على قصب المعركة، وما على الشاطر سوى أن يفعل مثلي، وسوى أن يكون محبًّا وممطرًا على رفاقه، وعلى أن ينقذ لهم ما هزل من النصوص وما كان فيه العيب إلى أشده. كما قلت من قبل.
* فؤاد رفقة مالك الحزين ومتواطئ
... ويوسف الخال الآتي مثل فؤاد رفقة مع عائلته من الجغرافية السورية، كان الذي له سيطرته وسطوته على المالك، على الحزين. لأن رفقة، وهو من أوائل الرفاق في مجلة «شعر» في بيروت، كان متواصل اللفتة نحو يوسف، نحو طبعه الآمر ونحو شخصه الآمر، الذي يحنق والذي يحب. وكلاهما منذ البدء وفيما بعد، تبادلا التواطؤ، تواطؤ المحبّة وتواطؤ اللجوء، من فؤاد غالبًا إلى يوسف. وإذ كانت لفؤاد بعض السيرة المعقدة والمضطربة، كان عندئذ ينظر إلى يوسف قدوة له، ويلوذ به في خيمته الأخلاقية، وفي سرب آرائه وأقواله. وكان يوسف شديد القاعدة نحو فؤاد، وكان المالك حزينًا في أي وقت. بل إنه، وهو الأستاذ المربي في الجامعة اللبنانية الأميركية، لم يقو على قبض الفرح الكامل والسعادة الكاملة. وأظنّه في عائلته التي من حوله وهو الحميم تجاهها، كان يلقط الشرارة، يلقط المتعة والسلام، وكذلك، حتى هنا، كان عميق الإدراك، وظاهر الأسى. وكأن به شوقًا إلى المحال، إلى تلك الرعشة البعيدة الغور وإبريق الصفاء. وكان إذ يأسف إنما يختبئ في الأسف، في ألوان من العذاب الفكري، ومن التحولات الكيانية. ونحن الذين قربه، وعلى مسافة قصيرة من شخصه، شاهدناه في استمرار غلوائه، في ملعب غنائيته المصطفاة، حيث هو كأنه يفنى في الفناء، وكأنه يصطدم بالصخرة الخيالية والصدمة العاطفية.
* يوسف الخال تهشّم على صخور المقربين
... وهكذا، بالموضوعية التي لا أظنّها تكرّرت على الرحب الذي كان لي، دعوت أدونيس ونحن رفيقان في مجلة «شعر» وفي حركتها، من مطلع الشروق، ومن بكورية النشوء، فأقبل عليّ في مكتبي في الحمراء، وكنت في حومة الوغى، حومة الحرب المتقلبة، من تلك الثمانينات وأنا أغرق مهنيًا في أعمال ومقالات وموضوعات وصفحات، وأنفث الروح، وتلك قاعدتي، حتى في الاقتصاد الذي تشقلب معي من جامد وجدي جدًا إلى متحرك ومنفعل، وكنت أفاجئ «غسان» تويني نفسه، ومعه التحرير والعلاقات القائمة مع الوسط الاقتصادي، وكان بعض التسليم بأنني أحرّك العنوان وأنني لا يهمني من يرضى ومن لا يرضى، وهذا كان شأني في أن يكون الطرب أولاً وأخيرًا في نفس القارئ. وهكذا أقبل أدونيس وجلس أمامي وغليونه في فمه، ولا ينبس ولا يتكلم هو، بل يضغط طرف الغليون، ويتطلع ويصغي إلى كلامي، أنني أريده أن يأخذ الصفحة الثقافية (في «النهار») عني وعرضت عليه تفاصيل ومكونات فيِمَ سيفعل، وماذا عليه أن يفعل، وأن يكون المسؤول، وهو لا ينطق أبدا، بل يهزّ رأسه موافقًا ومتربّصًا أن تتم العملية أفضل التمام.
وكنا كلانا غارقين في هذه العملية المفاجئة له، وليست لي، وكانت على وشك اليقين والاكتمال لولا بعض اليقظة، ولولا بعض الشك الذي يرافقني في أن أدونيس ليس صحافيًا، بل يجهل أن يكون صحافيًا. وهو شأنه المقالات والأفكار، وكيف كان لي أن أكون سكرتير التحرير في مجلة «شعر» في عزّها التحريري والإنشائي؛ إذ كان يمكنه، وهي فصلية، أن يملأ هذا الدور مع يوسف الخال وكان صحافيًا، ولم يستطع أن يملأه ولا أن ينصرف إليه. وهو ما كان يحدث في غياب يوسف مسافرا، وكنت أرتب له العبارة خبريًا، وأصوغ ما يليق بالنص، وأستغرب كيف أن عهد إليه ذات مرّة الإشراف على جريدة «البناء» اليومية، وكنت آتي أدونيس ونحن في صحبة دافئة، وفي اصطحاب متعاقب الحركة، وأنشر عنده مقالة، أو ما يطرأ من نوعها قبل أن أصير إلى مهنتي الصحافية صيرورة نهائية.
ولا يفوتني أن نزيه خاطر كان على بيّنة وعلى علم بذلك الاجتماع بيني وبين أدونيس، وإذا بالتلفون يرنّ، وإذا هو يخاطبني بهمسات تنبيه وتحذير من أن أترك الأمر لغيري، وإذا بي أنتهي ببساطة أنني لست مقتنعًا بهذا التوكيل، وبأنني على حق في أن أمارس المهمة الثقافية وحدي، وأن أظل القيّم على الصفحة، وذلك كان واستمر؛ إذ الصحافة مهنة وشوق إلى العطاء، وهناك من لا يملك المفتاح، ولا من يملك «افتح يا سمسم» ولو كان شاعرًا، ولو كان وراءه قوم ووراءه قرّاء ومتابعون.
وكيف وأنا متسائل، يتسلم مسؤولية صحافية وهو نفسه بعدما لاحظني أصوّب له عبارته قال لأنسي إذ زرناه على الأثر البسيط ذاك، إن شوقي يصحّح لي، بشيء من البساطة الصادقة، وهي تعني أنه لا يستطيع أن يكون غير ذلك، وهذا لا عيب فيه وما لا يحرجه أو يحرج أحدًا سواه. أما المقالات، فكان لها وكان يكتب النظري، وكان دوره هنا، على ما أوضح وطالما تكرر ذلك لدى يوسف الخال، وطالما صرح به أمامي وأمام من حضر مجلسًا لنا أو مجالسنا، أن أدونيس يفكر وأن الشعر الحديث ليس في الحقيقة صنفًا من المقالة أو مقالة فكرية في البادئ وفي البدء، وفي الأول من المطاف، وفي آخر القافلة. وفي آخر المطاف. ومعه حق، كل الصواب، وكل صلب التجربة.
وأزيد وأردد في جوقة الصادقين والمختارين، وفي قداس الصدق والصداقة والخل والزمن الوفي في بعض الطريق، وفي الزغردة خيرات وغلال، وفي الترداد صوفية وتصوف، وعلاقة بالحكمة التي تصرخ بالحق.
إذن، أفعل وأرى أن يوسف الخال صحيح أنه خسر من يقف قربه فيما بعد الذهاب وبعد الانتقال إلى الدار تلك، حيث القصائد تترى وتتوارد، وحيث نهر الشعر لا يخفت له رنين أو اندحار. وأنا صريح الفم والقول وكذلك لا يؤسفني أن أعتبر يوسف أنه يظل الذي جمع وحضن ودعا الآخرين من الخلّص والمهيأين لأن يكونوا في الطليعة، والذين هم المشاة إلى الأدغال الجميلة التي تحتوي على غرائب أوسع مما اشتهى ابن الرومي، ومما تصوّر أنها موجودة في الطريق إلى خارج النقطة، خارج المكان، حيث يقيم هو.
وصحيح أن يوسف كأنه تهشّم على صخور الذين حوله، على صخور المقربين والأقربين والذين شبّه أنهم حراسه، وأنهم سيكونون له المدافعين عن حقه في البقاء على منصة الكلمة الشهمة، والكلمة التي ارتوت من الندى ومن حداثة الأشياء، ومن طراوة الأيام ومن عمق التجربة، ومن هيبة العمل في الشأن الشعري. وقلما أحد غيره عمل لهذا الشأن باندفاع كما عنده، وبالنسكية الحلوة، والإخلاص الطويل مثلما كان ذلك عنده.
وعلى محلة أخرى وعلى منقلب ليس بعيدًا، كان يوسف يسبر الأشخاص ويعجم كينونتهم، ويدرك بالنقدية التي يمتلكها ماذا هو ذلك الآخر. وأظنه فهم غيره، وكان ذلك يضعه في حرج؛ إذ هو، من جهة رفيق له في البداية، رفقة ملازمة ولصيقة، ومن جهة ثانية كان على شيء من النقزة، وكان ذا شخصية أقوى، ينفعل جدًا ويعلو إلى فوق بأنفاسه وغضبه، وأما غيره فلا ينفعل، وإنما يكظم ما به ويغلف الأمر بالبسمة، وبزنبق الصمت ونسمة من اللامبالاة والحدب اللطيف. ويوسف أيضًا كان على شعور بما لدى غيره من إمكان، من شعرية، وأظن هذا الغير كان خائفًا من هذه اللمحة لدى يوسف، وكان يتوقاه ويتجنب أن يصل النقد بينهما والمكاشفة إلى حدّ المكاشفة. ويوسف ذو رأي أنه لا يجوز أن تكون القصيدة فكرة، وهو ما يعيبه ولا يطيقه في نصه، وكانت الأيام تقدمت بنا في مجلة «شعر»، وكذلك تبلورت نظراتنا ولم تبق في وجهة واحدة وعنيدة، وإنما نحن كالأحصنة، نحن أحرار فلا أطر ولا أقنعة، ويجب أن نكون أحرارًا بمعنى الحرية المطلقة والمزدانة بهذا المطلق والكمال.
ولئن كان عيب غيره هو هذا؛ فإن يوسف عيبه هو هذا أيضًا؛ إذ لا نكتب القصيدة أنها مقالة أو هي كذلك، كما يقول يوسف وإنما يوسف أيضًا شاء أن يضع الفكرة متدرجة من سطر إلى سطر، من فعل إلى فعل، ومن حبة رمل إلى حبة رمل تالية. وهو ما عمدت إليه أنا وضربته في «قصائد في الأربعين» (ليوسف الخال)، وحذفت و«فركشت» إلى أن استوى الأمر كما حلا ليوسف أن يكون، وكما حلا لي أن يكون. وحين صدر الديوان وفيه المقدمة، وكأنما يوسف ليست له راضية ومرضية، فلم يسألني البتّة، ولا كانت منه لمحة إلى مقالتي النقدية عن الديوان حين أغفلت، ولم أذكر الفعل والفاعل. وهنا الصاع صاعان؛ إذ هو لا يطيق أحدًا على الرغم أنه يلتفت إلى بعض الأسماء، وهو دائمًا يتصرف على ذوقه ويخرب الحقيقة تقريبًا خرابًا يشبه ما يكون الطلل حين يغادره الأهلون، ويظهر الرماد فقط ولا وضوح أبدا فيما يجب أن يكون وضوحًا ويستأثر بالحقيقة دائمًا، وحين لا توافقه يقوم هو بالحذف أو يدفع أحدهم إلى الحذف، كما حاله في شتى الظروف وأنواع المناسبات.
وحين تنضح الحقيقة في وجهه يتأفف ويتركك حيث أنت، ولا يرغب أن ينبت نبات آخر غير ما هو، وغير ما يطلع من بستانه، ولا هناك تقدير لمن يصعد من الضباب إلى النور إلى الوضح ويكاد يزاحمه، فيركض إلى ساحة جديدة ليمارس ما مارسته في ساحة سابقة من الترويج والعمل لنفسه وتزيين شعره وقصيدته أنهما هما الشعر والقصيدة، حين أن الرأي ينكشف رويدًا ومسارعًا أنهما يتضاءلان، وأن اللفظية باهظة الغلبة والثقل، وأن الحراسة عليهما من قبله بالنقد والعلاقات وتلبية الدعوات، كلها ما عادت تنفع ذلك؛ فالبيان بيان الساعة الأخيرة والضحكة الأخيرة.
وما كان أحد ليرشقه بوردة لو أنه حفظ للمنافسة وجهها الناصع وللخصومة رقيها الناصع، ولم يفعل، واللوم على الآخرين الذين، جامعيين مثله أو أكاديميين مثله، يجب أن يذهبوا إلى محكمة دانتي، إلى رحلة هذا الشاعر إلى المدار الأليم.



الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)
TT

الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)

أعلنت الشرطة الكورية الجنوبية، الثلاثاء، أنها تسعى للقبض على قطب الموسيقى بانغ سي هيوك، رئيس وكالة «إتش واي بي إي» التي تدير أعمال الفرقة الشهيرة «بي تي إس»، وذلك في إطار تحقيق يجري حول مزاعم تفيد بأنه جنى ما يزيد على 100 مليون دولار بشكل غير قانوني من خلال الاحتيال على المستثمرين، وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس» الأميركية للأنباء.

وقالت شرطة العاصمة الكورية الجنوبية سيول إنها طلبت من النيابة استصدار مذكرة قضائية لاعتقال بانغ، الملياردير المؤسس والرئيس التنفيذي للشركة.

وفي المقابل، لم يتطرق الفريق القانوني لبانغ بشكل مباشر إلى الاتهامات الموجهة إليه، في بيان أرسله إلى «أسوشييتد برس»، لكنه أعرب عن أسفه لسعي الشرطة للقبض عليه «رغم تعاوننا الكامل والمستمر مع التحقيقات على مدار فترة زمنية طويلة».

وجاء في البيان: «سنواصل التعاون مع كافة الإجراءات القانونية وسنبذل قصارى جهدنا لتوضيح موقفنا بكل جلاء».

أعضاء فريق «BTS» (رويترز)

ويخضع بانغ -الممنوع من مغادرة البلاد منذ أغسطس (آب) الماضي- للتحقيق على خلفية مزاعم بأنه ضلل المستثمرين في عام 2019، حيث أخبرهم أن شركته لا تعتزم طرح أسهمها للاكتتاب العام، ما دفعهم لبيع حصصهم لصالح صندوق للأسهم الخاصة، وذلك قبل أن تمضي الشركة قدماً في إجراء طرح عام أولي لأسهمها.

وتعتقد الشرطة أن الصندوق ربما يكون قد دفع لبانغ نحو 200 مليار وون (ما يعادل 136 مليون دولار) بموجب اتفاق يضمن له الحصول على 30 في المائة من الأرباح الناتجة عن بيع الأسهم عقب الاكتتاب العام.

ومن جانبهم، يؤكد مسؤولون في الشركة أن بانغ ينفي ارتكابه لأي مخالفات.

وتُعد المشاكل القانونية التي يواجهها بانغ نكسة كبيرة للشركة، إذ تتزامن هذه التطورات مع انطلاق الفرقة الشهيرة في جولة عالمية عقب انقطاع دام قرابة أربع سنوات، قضاها أعضاء الفرقة السبعة في أداء الخدمة العسكرية الإلزامية.

وأحيت الفرقة حفلاً مجانياً في سيول الشهر الماضي، بمناسبة عودتها للساحة الفنية، حيث قدمت عروضاً أمام عشرات الآلاف من المعجبين من مختلف أنحاء العالم.

ويُعتبر بانغ من أكثر الشخصيات نفوذاً في عالم موسيقى «الكي-بوب»، وقد سعى جاهداً لاستثمار النجاح العالمي الذي حققته الفرقة ليحول شركته إلى قوة عالمية مهيمنة في مجال موسيقى البوب.


الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.