هل ترحّل روسيا سنودن ... «هديةً» لترمب؟

موسكو تنفي وهو يقول إنها «لا تمتلكه» وأصبح عبئًا عليها

إدوارد سنودن يتكلم من خلال دائرة تلفزيونية مغلقة مع طلاب القانون في جامعة بوينس أيرس (رويترز)
إدوارد سنودن يتكلم من خلال دائرة تلفزيونية مغلقة مع طلاب القانون في جامعة بوينس أيرس (رويترز)
TT

هل ترحّل روسيا سنودن ... «هديةً» لترمب؟

إدوارد سنودن يتكلم من خلال دائرة تلفزيونية مغلقة مع طلاب القانون في جامعة بوينس أيرس (رويترز)
إدوارد سنودن يتكلم من خلال دائرة تلفزيونية مغلقة مع طلاب القانون في جامعة بوينس أيرس (رويترز)

رغم نفي موسكو القاطع عزمها تسليم واشنطن إدوارد سنودن الذي عمل متعاقدا في منشأة لوكالة الأمن القومي الأميركي، والذي لجأ إلى موسكو وأصبح مطلوبا لدى السلطات الأميركية بتهمة تسريب بيانات استخباراتية سرية، إلا أن شبكات التلفزة الأميركية الكبرى لا تزال تؤكد، أن الاستخبارات الأميركية حصلت على معلومات بأن روسيا تدرس جديا تسليم سنودن للولايات المتحدة بصفته «هدية» يرغب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من خلالها استمالة نظيره الأميركي دونالد ترمب بها.
في هذا السياق، نقلت محطة «إن بي سي» عن مسؤولين في إدارة ترمب لم تسمهم، لكنها وصفتهم بـ«رفيعي المستوى»، القول: «إن تقارير بالغة السرية والحساسية عن مداولات جرت في موسكو تؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن خيار تسليم سنودن نوقش على أعلى المستويات القيادية في الكرملين. وأن بوتين يحاول استمالة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وتعزز موقفه غير المعادي لموسكو على حساب المتحمسين لعدائها في واشنطن».
وتعليقا على ذلك، قال سنودن في مقابلة تلفزيونية «إن روسيا لا تمتلكني»، مضيفا في المقابلة التي أجرتها معه في موسكو كاتي كوريك من موقع «ياهو» الإخباري، وأعاد سنودن بث مقاطع منها في حسابه الشخصي على «تويتر»: «إن الروس يعتبرونني عبئا عليهم، خصوصا بعد انتقادي الشديد انتهاكات حقوق الإنسان في بلادهم». وأضاف: «لقد ظل كثيرون طوال السنين الماضية يقولون عني إن هذا الرجل عميل للروس، وفي التطورات الأخيرة تبرئة لي من هذه التهمة». وشدد على أنه طوال حياته لا يعمل إلا لخدمة الولايات المتحدة وشعبها، وأنه يقول ما يجب أن يقال، وليس ما يجعله في مأمن من تبعات تعبيره عن الحقيقة. وأقر سنودن في معرض ردوده على أسئلة كوريك بأن تسليمه للولايات المتحدة بمثابة تهديد لحريته، بل ولحياته، وأنه يخشى من ذلك، ولكن الحرية والأمان لا يجتمعان في عالم اليوم في رأيه، ولا بد من اختيار أحدهما على حساب الآخر. وأعرب سنودن عن فخره بأنه قادر على أن يدافع عن أي صوابية أي قرار اتخذه في مسار حياته، بما في ذلك قرار تسريب المعلومات السرية «الضارة بمصالح الأميركيين والمخالفة لمبادئ الدستور الأميركي».
وقبل أن تبث محطة «إن بي سي» النبأ، تواصلت مع الأطراف ذات العلاقة للحصول على تأكيد لمضمونه، ولكن الناطق باسم الكرملين ديمتري بيسكوف، وصف هذه المزاعم بأنها «هراء». كما نفى فريق المحامين عن سنودن تلقيهم أي مؤشرات تدعو للقلق. ومن جانبه، رفض البيت الأبيض تأكيد ما تردد، لكنه بالطبع يرحب بتسلم سنودن؛ لأن هذا هو مطلب الحكومة الأميركية منذ البداية. أما سنودن نفسه فلم يستبعد أن يتم تسليمه لبلاده، معلقا على ذلك بأنه سيكون دليلا غير قابل للجدل على براءته من العمالة للاستخبارات الروسية. وأضاف سنودن في تغريدة له على موقع «تويتر»: «لا يوجد أي بلد في العالم يبادل جواسيسه مقابل مصلحة عابرة؛ لأن هذا سيشعل الخوف لدى بقية العملاء السريين بأنهم سيلقون المصير ذاته». وفي تغريدة أخرى، علق سنودن على مقالة نشرتها «نيويورك تايمز» أمس (السبت) تتحدث فيها عن مساع أميركية للحصول عليه من موسكو هدية، فسخر من ذلك، مشيرا إلى أن ما ذكرته «نيويورك تايمز» عن أمثلة سابقة لتبادل الجواسيس بين واشنطن وموسكو لا تنطبق على حالته، مشددا على أن التبادل لا يتم إلا لتحرير الأشخاص وليس لاعتقالهم.
وفي حال إعادة سنودن إلى الأراضي الأميركية، فإنه سيواجه السجن ثلاثين عاما على الأقل، بتهمة ارتكاب جناية الخيانة العظمى، إلا إذا كانت هناك ترتيبات سرية متفق عليها مع موسكو لإعادته إلى الولايات المتحدة مقابل الحصول على عفو رئاسي قد يتعهد ترمب بإصداره في وقت لاحق بعد إمضاء فترة محدودة من أي عقوبة تصدر ضده.
وينقسم المجتمع الأميركي بصورة حادة في نظرته لسنودن. ففي الوقت الذي تعتبره الحكومة والتيار المحافظ خائنا لوطنه بسبب تسريبه لبيانات سرية تابعة لوكالة الأمن القومي الأميركية. فإن تيار الحريات يعتبره بطلا، قدم خدمة جليلة للحريات الفردية واحترام الخصوصية الذي يرى هذا التيار أن الحكومة تنتهكه.
وكان سنودن يعمل متعاقدا في منشأة لوكالة الأمن القومي في ولاية هاواي عندما بدأ في سرقة وثائق بالغة السرية كشفت في عام 2013 تفاصيل برامج المراقبة الداخلية على الهواتف والاتصالات.
ونجح سنودن في الفرار إلى هونغ كونغ قبل أن يتعرض للاعتقال بتهمة انتهاك قانون مكافحة التجسس، وانتهى به الأمر في روسيا، حيث حصل على لجوء سياسي وإقامة يقال إن السلطات الروسية مددتها مؤخرا إلى عام 2020. ويعتبره ترمب خائنا يستحق الإعدام طبقا لرأي أدلى به قبل أسابيع. وهو الرأي ذاته الذي يتبناه المدير الجديد لوكالة الاستخبارات المركزية (الأميركية)، مايك بومبيو، الذي أكد في تصريحات أدلى بها لمحطة «إن بي سي» أن عقوبة السجن لا تكفي لسنودن ولا بد من معاقبته بالإعدام؛ لأن هذا ما يستحقه في نظر مدير الوكالة.
لكن النائب السابق لمستشار الأمن القومي الأميركي خوان زاراتي نصح إدارة ترامب بتوخي الحذر في قبول أي عرض من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، قائلا إن موسكو قد حصلت على كل ما لدى سنودن من معلومات، ولم يعد لديه ما يفيد روسيا سوى المقايضة به على أمل استمالة الرئيس الأميركي في اتجاه يحقق رغبة موسكو في علاقات دافئة مع واشنطن، ومزيد من التعاون ورفع العقوبات.
واعتبر المسؤول السابق، أن أي صفقة يقدمها بوتين لإعادة سنودن إلى بلاده سيكون لها تبعات ضارة وتداعيات تعمق الانقسام بين فئات المجتمع. وأضاف أن محاكمته في الولايات المتحدة ستعيد الجدل إلى قضايا الحريات والرقابة بما لا يخدم المصلحة العليا للبلاد، وربما يتحول صدى الانقسام تجاهها «إلى موسيقى في أذني بوتين»؛ لأن من مصلحته تعميق الشروخ بين الأميركيين حسب اعتقاد المسؤول السابق. وكان أكثر من مليون شخص وقعوا عريضة تدعو البيت الأبيض إلى العفو عن سنودن.



أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.