روسيا تعود إلى أفغانستان... في دور الوسيط

جبهتها القادمة لتقويض الغرب والمصالح الجيوسياسية الأميركية

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف (يمين) مع نظيره الأفغاني صلاح الدين رباني خلال لقاء في موسكو يوم الثلاثاء الماضي (ا.ف.ب)
وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف (يمين) مع نظيره الأفغاني صلاح الدين رباني خلال لقاء في موسكو يوم الثلاثاء الماضي (ا.ف.ب)
TT

روسيا تعود إلى أفغانستان... في دور الوسيط

وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف (يمين) مع نظيره الأفغاني صلاح الدين رباني خلال لقاء في موسكو يوم الثلاثاء الماضي (ا.ف.ب)
وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف (يمين) مع نظيره الأفغاني صلاح الدين رباني خلال لقاء في موسكو يوم الثلاثاء الماضي (ا.ف.ب)

التحركات الأخيرة التي تقوم بها روسيا، مثل تلويحها بغصن الزيتون لحركة طالبان، واستضافتها حوارا ثلاثيا مع بكين وإسلام آباد في 27 ديسمبر (كانون الأول) الماضي بشأن مستقبل أفغانستان، في غياب أفغانستان والولايات المتحدة الأميركية والهند، منذ غزوها أفغانستان عام 1979؛ تشير إلى خطط جديدة من جانب موسكو للاضطلاع بدور الوسيط. وضمن هذا التوجه يستضيف الكرملين الأسبوع المقبل (15 الحالي) مؤتمرا آخر، من أجل مناقشة الجهود الرامية لتسوية الصراع الأفغاني، واحتواء «التأثير لإرهابي الممتد» لتنظيم داعش الذي يحاول أن يؤمن لنفسه موطئ قدم في الدولة الممزقة بفعل الحرب.
المثير للاهتمام هو أن التصريح المشترك الذي أعقب اللقاء الثلاثي في موسكو في ديسمبر يعبر عن دعم إجراء محادثات مع حركة طالبان الأفغانية، وتبني «نهج مرن لرفع العقوبات المفروضة من قبل الأمم المتحدة على شخصيات قيادية بعينها في الحركة، في إطار الجهود الرامية إلى دعم حوار السلام بين كابل وحركة طالبان»، وكذا عن قلق من تنامي نشاط تنظيم داعش في أفغانستان.
ومن غير المستغرب أن يرى الجيش الأميركي هذا الدعم الروسي المفاجئ لحركة طالبان كمحاولة لتقويض الجهود العسكرية لحلف شمال الأطلسي في أفغانستان. كذلك اتخذت الحكومة الأفغانية رد فعل سلبي قوي ضد المحاولات الروسية لتعزيز مصداقية طالبان.
الجنرال الأميركي جون نيكلسون، قائد القوات الأميركية في أفغانستان، انتقد كلا من روسيا وإيران وباكستان، علنًا خلال الشهر الماضي لـ«نفوذها الخبيث» في البلاد.
كذلك وجهت أفغانستان انتقادات إلى الاجتماع الثلاثي، لأنه لم يضم أي ممثل لكابل. وبعد رد فعل قوي واحتجاج من جانب الحكومة الأفغانية بسبب تهميشها، صرح سيرغي لافروف، وزير الخارجية الروسي، بدعوة أفغانستان رسميًا إلى جولة المحادثات الأسبوع المقبل، التي من المفترض أن يحضرها مسؤولون بارزون من الصين وإيران والهند وباكستان. وقال لافروف: «إذا كانت الولايات المتحدة الأميركية على استعداد للتعاون البنّاء مع القوى الإقليمية، فلمَ لا»، لكنه أضاف أن واشنطن «ينبغي أن تحدد ما الذي تخطط له في أفغانستان». وأكد دبلوماسي هندي بارز مشاركة الهند في الاجتماع الإقليمي المقبل في موسكو، قائلا إن «الهند راغبة في الانضمام إلى المجموعة شريطة حضور أفغانستان».
في مقابل التقرب من حركة طالبان، يرى الروس أن أفغانستان قد تصبح ملجأ آمنا لتنظيم داعش، يمكن أن يتم استخدامها كتهديد حقيقي وخطير للمنطقة الخلفية من روسيا. كذلك تشعر الصين بالقلق من التأثير المتنامي لخطر «داعش» في منطقة سنجان. وقد رأى الطرفان في باكستان محاورًا مهمًا ربما يكون قادرا على توجيه حركة طالبان على نحو يمثل قوة ضد تنظيم داعش.
وقال جي. بارثاسارتي، دبلوماسي هندي سابق: «عندما يتم النظر إلى الأمر من منظور الانخراط الروسي في سوريا، يصبح التهديد الذي يمثله تنظيم داعش حقيقيًا جدًا بالنسبة إلى موسكو. أضف إلى ذلك أن عودة المقاتلين الروس في تنظيم داعش من سوريا إلى بلادهم تمثل التهديد الذي تواجهه البلاد بشكل كبير، وتجعل موسكو تنظر إلى وصول (داعش) المحتمل إلى أفغانستان بقلق بالغ». وأضاف قائلا: «من الواضح أن موسكو تحاول إقامة منصة إقليمية للحيلولة دون امتداد تأثير تزعزع الاستقرار في أفغانستان».
يمكن استشفاف ذلك من الهجمات الإرهابية الأخيرة في أفغانستان، التي أسفر إحداها عن مقتل خمسة دبلوماسيين إماراتيين، لذا حثت روسيا الأطراف المتناحرة في أفغانستان، وبالأساس قادة حركة طالبان، على التخلي عن العنف، والاتجاه فورًا إلى تدشين حوار داخلي أفغاني.
قد تجد الهند نفسها منعزلة إقليميًا، في ظل تعاون روسيا، الدولة الحليفة القديمة، التي غيرت مؤخرًا سياستها تجاه جنوب آسيا بتقربها من باكستان، على غير رغبة الهند، ومع الصين، وباكستان، لإشراك طالبان. وعلق هارش بانت، من مؤسسة «أوبزيرفر ريسرش» بنيودلهي، قائلا: «ما من شك أن الحكومة الأفغانية بقيادة الرئيس أشرف غاني أضعف من أن تؤكد سلطتها في هذه العملية. وقد أرادت الولايات المتحدة ذات يوم التواصل مع حركة طالبان. رغم التهديد بالعزلة، تمسكت الهند بموقفها. تبدو الهند اليوم مرة أخرى في عزلة، وتأمل أن تصغي كل من واشنطن وكابل لنصيحتها بشأن أفغانستان، وأن تقوما بالتصدي للمحور الصيني - الباكستاني - الروسي، الذي يحاول استغلال الواقع الاستراتيجي الإقليمي لخدمة أهدافه قصيرة الأمد. مع ذلك الأمل ليس سياسة، ومن الممكن أن تضطر نيودلهي إلى مراجعة بعض افتراضاتها الأساسية الخاصة بالسياسة الأفغانية قريبًا.
وصرح في كيه سينغ، وزير الخارجية الهندي، لوسائل الإعلام، ردًا على سؤال بشأن المحادثات الثلاثية في موسكو: «لا نعتقد أن عقد اجتماعات بشأن أفغانستان فقط سوف يحل مشكلاتها، ففي النهاية يتعلق الأمر بتحقيق نتائج على أساس يؤمن به الشعب الأفغاني. تاريخ الهند في أفغانستان معروف، ويتحدث عن نفسه، ويوضح مدى قوة علاقتنا».
وتأتي دعوة موسكو بعد سلسلة من الاجتماعات بين مسؤولين بارزين من الجانبين الهندي والروسي استهدفت التخلص من الشوائب التي تسللت إلى العلاقة.
مستشار الأمن القومي أجيت دوفال زار مؤخرا موسكو من أجل إجراء محادثات مع نظيره الروسي، نيكولاي باتروشيف، وكذلك زار أوليغ سيرومولوتوف، نائب وزير الخارجية الروسي، نيودلهي لعقد محادثات خاصة بمكافحة الإرهاب. يقول محللون إنه سيكون من المثير للاهتمام رؤية كيف ستتصرف كل من الهند وباكستان وجهًا لوجه خلال اللقاء المقبل الخاص بأفغانستان في موسكو.
دائمًا ما كانت تتصدى باكستان للدور الهندي في الشؤون الأفغانية. وتعزى هذه المعارضة إلى مخاوف من استخدام أجهزة الاستخبارات الهندية الأراضي الأفغانية في زعزعة استقرار باكستان. على الجانب الآخر، اتهمت نيودلهي إسلام آباد بدعم حركة طالبان أفغانستان من أجل تحقيق مصالحها. بالنظر إلى تعارض الاهتمامات، وكذا التوتر الحالي الذي يشوب العلاقات، من غير الواضح كيف سيحدث تلاق في المواقف بين باكستان والهند فيما يتعلق بقضية أفغانستان، حيث دعت روسيا كلا البلدين للمشاركة في اجتماع الأسبوع المقبل. في الوقت الذي تفضل فيه كل من روسيا، والصين، وباكستان، وإيران، إجراء محادثات مباشرة مع حركة طالبان، تتردد الهند في دعم هذه الخطوة التي من شأنها أن تضفي شرعية على المتمردين.
وقال راجا موهان، مخطط استراتيجي للشؤون الخارجية: «ينبغي أن تتطور سياسة الهند فيما يتعلق بأفغانستان مع تغير الواقع. يجب أن تبدأ الهند في إعادة إنشاء اتصالاتها بالجماعات العرقية المتنوعة في أفغانستان. خلال الأوقات العصيبة يكون من الأفضل أن تحظى بالدعم على الأرض، لا أن تعتمد فقط على الخطابات القائمة على المبدأ، والتي يتم إلقاؤها في المؤتمرات الدولية الخاصة بأفغانستان... وسوف يحدد كيفية تعامل الهند مع هذا التحدي الحجم النهائي لنفوذ الهند في دولة الجوار».
يقول بعض المحللين إن الانخراط الروسي في أفغانستان ما هو إلا محاولة لتقويض الغرب، وتحدي المصالح الجيوسياسية الأميركية بوجه خاص. وكتب الخبير الهندي غولشان ساتشديفا يقول: «يتزامن التحرك الروسي الأفغاني مع خطوات أخرى اتخذها الكرملين في الشرق الأوسط وأوروبا، الذي استهدف تقويض النفوذ الأميركي. إذ تنظر روسيا إلى نفسها الآن كطليعة حركة التحدي العالمي للغرب. ويبدو أن أفغانستان تصبح جبهتها القادمة في محاولة لتقويض الغرب، وبوجه خاص المصالح الجيوسياسية الأميركية. بالنظر إلى حالة عدم اليقين التي تخيم على سياسة دونالد ترمب تجاه أفغانستان، تشعر روسيا أن اللحظة مواتية لتعزيز مكانتها في المنطقة».
المثير للاهتمام هو أن حميد كرزاي، الذي تولى رئاسة حكومة مدعومة من الولايات المتحدة في كابل لأكثر من 12 عامًا، يرى روسيا كقوة قادرة على تحقيق توازن في مواجهة الوجود الأميركي المهيمن في بلده. وقال كرزاي في مقابلة مع صحيفة «وول ستريت جورنال»: «الحقيقة هي أن الوجود الأميركي في أفغانستان لم يحقق لنا الأمن، بل تسبب في زيادة التطرف. يجب أن يكون هناك توازن قوى هنا الآن».
مع ذلك ما تفعله موسكو بإقامتها علاقات مفتوحة مع طالبان هو إقامة صداقة مع ورثة التمرد الذي ألحق بالاتحاد السوفياتي أكبر هزيمة مهينة له، وساعد في وصوله إلى مرحلة الانهيار. الجدير بالذكر أن المتمردين وكثيرا منهم أصوليون إسلاميون كانوا يحظون بدعم الولايات المتحدة، قد طردوا الجيش الأحمر من أفغانستان عام 1989، بعد تسع سنوات من الاحتلال السوفياتي للبلاد.
وصرح البيت الأبيض، خلال الأسبوع الماضي، بأن الرئيس ترمب منفتح على التعاون العسكري مع روسيا في قتال تنظيم داعش. وأوضح كرزاي أن تعهد ترمب بتحسين العلاقات مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أمر مشجع. وقال: «يسرني رؤيته هو وبوتين متفقين، وآمل أن يظل الاثنان أصدقاء، ويتعاونا معًا خصوصا فيما يتعلق بأفغانستان».



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended