التاريخ بين الحقيقة والتأويل

الوثيقة التاريخية مدانة إلى أن تثبت براءتها وتتحقق صحتها

التاريخ بين الحقيقة والتأويل
TT

التاريخ بين الحقيقة والتأويل

التاريخ بين الحقيقة والتأويل

ينتمي علم التاريخ إلى العلوم الإنسانية التي جاءت مبكرة، على خلاف العلوم الحقة. وهذه الأخيرة كانت نموذجا، وقبلة سعت وراء تقليدها كل البحوث التي شاءت أن تستحق لقب علم؛ وذلك بمحاولة تحقيق الشروط العلمية التي هي، في نهاية المطاف، الدقة والموضوعية، على أساس أن الدقة تعني الذهاب بالدراسة نحو الصرامة، التي يعد مثالها الأعلى، لغة الرياضيات. لهذا؛ نجد مثلا، أن العالم في مجال العلوم الحقة، لا يقول إن الجسم ساخن، بل يقول وطلبا للدقة، إن درجة الحرارة هي 140 درجة مئوية. وعوضا عن التعبير البلاغي الفضفاض؛ كون أن الغزالة سريعة كالبرق، سيقول إن سرعتها بلغت مثلا 60 كلم في الساعة. أما الموضوعية، فهي تعني باختصار، إبعاد الموضوع المدروس عن الذاتية. بعبارة أخرى، فإنه لا يمكن أن تتسم أي دراسة بطابع الموضوعية، إلا إذا تركت الموضوع نظيفا ونقيا من شوائب الذات الوجدانية. ونقصد بذلك، أن الباحث يسعى إلى طرد كل الميول العاطفية، إضافة إلى الانتماء والآيدولوجيا والقناعات الخاصة؛ لأنها تشوه الموضوع وتلوث صفاءه، ومن ثم تنقص درجة علميته.
من هو المؤرخ إذن؟ ومتى يكون الشخص الذي يروي التاريخ عالما؟ أليس شاهد العيان في حدث معين قد يحكي لنا مجريات الأحداث؟ وهل يكفي ذلك لكي نسميه بالعالم؟ إلى أي حد يكون عمل المؤرخ موضوعيا؟ بكلمة واحدة، هل علم التاريخ يلتزم بشروط العلمية؟
إن الأمر في الحقيقة أكثر تعقيدا من سرد المعطيات. فعالم التاريخ، هو ذلك الباحث الذي يسعى إلى ضبط الأحداث التاريخية، عن طريق التقصي والبحث المضني في الوثائق، وكل المصادر التاريخية المتاحة له (نقوش، نقود قديمة، مخطوطات، كل بقايا ومخلفات الماضي...) وبأكبر قدر ممكن من الحياد والموضوعية. لهذا؛ نجد عالم التاريخ شديد التحقيق والنقد للمعطيات التاريخية. يشهر سيف الشك في كل خطوة يخطوها، ويمكن، إجمالا، تقسيم عمله النقدي إلى نوعين، هما:
النقد الخارجي: وهو فحص للوثيقة التاريخية، من حيث شكلها، وطريقة كتابتها، والخط المستخدم فيها، ونوعية الورق، والأسلوب المتبع، والتوقيع المستعمل... ويقال الأمر نفسه عن الأبنية والآثار وباقي المخلفات الأخرى، حيث يجري البحث فيها عن نوعية البناء، والتصميم الهندسي، والمواد المستعملة، باعتبارها تؤكد حقبة زمنية وحضارية معنية. هذا الأمر، يجعل علم التاريخ في حاجة إلى علوم أخرى مساعدة، كالأركيولوجيا (علم الآثار)، والجيولوجيا والكيمياء (مثلا تقنية التأريخ وتحديد عمر المخلفات بواسطة الكربون 14 المشع)، ناهيك عن ضرورة التسلح بعلوم اللغات القديمة. وكمثال على ذلك، لنتصور مؤرخا يريد التأريخ لحدث ينتمي إلى القرن العاشر للميلاد، معتمدا على وثيقة وحيدة، راج بين المؤرخين، أنها تنتمي إلى تلك الحقبة. إلا أن البحث والتقصي والنقد الخارجي للوثيقة (ورقها، مدادها، خطها، خاتمها...)، أثبت جميعه، أنها تعود إلى القرن الخامس عشر الميلادي. في هذه الحالة، تكون الوثيقة منحولة ومزيفة، وهو ما ستكون له تبعاته الخطيرة، وهي التشكيك في صدقية الحدث التاريخي نفسه.
النقد الداخلي: وهو اختراق للوثيقة من الداخل، حيث يعمل المؤرخ على توجيه نقد باطني لها، من خلاله يحاول بلوغ عمق المضمون، ولا يكتفي بالظاهر من النص. فقراءة ما بين السطور، مطلب ملح، قصد الوصول إلى النوايا والمقاصد الحقيقية للمدون التاريخي. إن المؤرخ يعرف جيدا، أن النص يحتوي على طبقات من المعاني، ويضم، في ثناياه، الكثير من المسكوت عنه. لهذا؛ فلا مناص من استنطاق الوثيقة، وجعلها تبوح بأسرارها، وعدم الاكتفاء بالسطحي من المنطوق، الذي قد يكون مزيفا وعكس الواقع التاريخي تماما. وبعبارة أوضح نقول: إن الوثيقة التاريخية مدانة حتى تثبت براءتها. فتصور معي مثلا، أن لدينا مؤرخا يريد ضبط أحداث الحرب العالمية الثانية، وفي حوزته وثائق كثيرة. من المؤكد أنه سيقوم بعد التأكد من سلامة هذه الوثائق بنقد خارجي، بالاشتغال على نقدها داخليا أيضا، وذلك بالاطلاع على المضمون، والغوص في عمق المحتوى، منقبا عن آيديولوجية وقناعة كاتب الوثيقة وميوله، والبحث، كذلك، عن المصالح التي تخدمها الوثيقة. بعبارة أوضح، السؤال عن المستفيد من المكتوب. بكلمة واحدة، على المؤرخ التأكد من الظروف والملابسات والسياقات التي ظهرت فيها الوثيقة.
إذن، نستنتج أن عمل المؤرخ الجاد، سواء بنقده الخارجي أو الداخلي، شاق جدا، بل هو ملغوم يحتاج إلى الجهد والصبر؛ قصد إعطاء أحداث تاريخية أكثر دقة وضبطا.

ابن خلدون وعلل العمران

في الثقافة الإسلامية، ثمة من تنبه إلى بعض عملية الضبط تلك التي يسعى إليها المؤرخ. ولنا في أصحاب علوم الحديث المثال الواضح، باعتبارهم دارسين علم أصول وقواعد السند والمتن، من حيث القبول والرد؛ بهدف التمييز بين الصحيح وغير الصحيح من الأحاديث النبوية. فهم عملوا على عدم تقبل الخبر إلا بعد معرفة سنده، بحيث كانوا يتتبعون سلسلة الرجال الموصلة للمتن. فظهر عندهم علم الجرح والتعديل والكلام على الرواة، ومعرفة المتصل أو المنقطع من الأسانيد. لكن بحديثنا عن تخصص التاريخ الصرف، ستبرز في تاريخنا الإسلامي شخصية متميزة، هو العلامة عبد الرحمن ابن خلدون (1332-1406) برائعته: «المقدمة»، وبطريقته المنهجية التي تتجنب ما يجب أن يكون وتميل إلى ما هو كائن، وتهتم بالواقع الاجتماعي وفق ظروفه ومعطياته الموضوعية. فقد كان يِؤمن بأن التاريخ، يخضع لقوانين صارمة مثله مثل ظواهر الطبيعة. وسيؤكد ابن خلدون، أن التاريخ ليس أبدا تجميعا وتكديسا للأحداث. بل هو تمحيص وتدقيق لها وفق «علل العمران». وفكرة العمران عنده، تكاد تؤدي معنى «القوانين الاجتماعية» نفسه؛ فالمؤرخ في نظره، هو من يكشف عن طبائع العمران والخصائص التي تخضع لها الأحداث.
يرفض ابن خلدون من المؤرخ حكي الأحداث حيثما اتفق، غثا وسمينا. بل عليه، عوضا عن ذلك، البحث عن المعقولية والأسباب المحركة للوقائع، ومحاولة سبرها بمعيار الحكمة وتحكيم النظر والبصيرة، إلى درجة أنه وجّه لوما إلى المؤرخين الذين سبقوه. فهم تاهوا، في أحيان كثيرة، في بيداء الوهم والغلط، معتبرا عملهم مجرد نقل وجمع للروايات، دونما ضوابط دقيقة تفرق بين الأسطوري والحقيقي من الأخبار. وكمثال يستشهد به ابن خلدون على غياب التدقيق وضعف التحقيق والتساهل في الرواية، ما ذكره المؤرخ المسعودي؛ إذ قال عنه: «وهذا كما نقل المسعودي وكثير من المؤرخين في جيوش بني إسرائيل، وأن موسى، عليه السلام أحصاهم، في التيه، بعد أن أجاز من يطيق حمل السلاح، خاصة من ابن عشرين فما فوقها، فكانوا ستمائة أو يزيدون». هذه الرواية يراها ابن خلدون غير قابلة للتصديق. فالمسعودي وقع في شطط لا يقره عقل. وما سبب ذلك إلا جهله بطبائع العمران والأحوال، أو لنقل غياب فهم السياقات الجغرافية والاستراتيجية. إذ كيف يتسع التيه لمثل هذا العدد الضخم؟ فالأرض ضيقة ولا يمكن أن تستوعب كل العدد المذكور.
لقد كان ابن خلدون صرخة واضحة نحو العلمية في التاريخ، ودعوة صريحة لتحقيق الأخبار وفق مقياس العقل والبرهان، ومقارنة الوقائع التاريخية بأشباهها. لهذا؛ وجدناه يلوم بعض فحول المؤرخين القدامى؛ لأنهم قدموا الروايات كما سمعوها من دون اكتراث للمعقولية، واحتساب للسياقات والظروف التي تعد مقياسا لضبط الخبر. أو بتعبيره هو نقول، إن المؤرخين كانوا يشتغلون من دون استيعاب لطبائع العمران؛ مما عرضهم لنقل زائف للأحداث.
لكن وعلى الرغم من كل ما سبق ذكره، هل يمكن الطمع في نقل أمين للتاريخ؟ هل إذا اشتغلنا وفق علل العمران، بالتعبير الخلدوني، أو النقد الخارجي والداخلي بالتعبير الحديث، سنتمكن حقا من نقل أحداث الماضي بشكل صادق؟ أليس المؤرخ قبل كل شيء ذاتا، لها وجدان وميول وقناعات ودين وفلسفة وانتماء طبقي وسياسي يهدد جميعه الموضوعية في الصميم؟ وهل حقا يمكن تكرار الحدث التاريخي؟ ألسنا نعجز عن إعادة ما فات البارحة بالشاكلة نفسها؟ فما بالك بما حدث قديما؟ أليس قدر المؤرخ أن يقرأ أحداث الماضي بعيون الحاضر؟ وهو الأمر الذي يشوش على صفاء القديم. بعبارة أكثر دقة، هل هناك حقيقة تاريخية يمكن بلوغها أم مجرد تأويل تاريخي؟ ألم يقل «إدوارد كار» مخاطبا المؤرخ: «اجمع وقائعك أولا وحللها، وبعد ذلك، أقحم نفسك في خطر رمال التأويل»؟.



من يعيد لبيوت الجنوب بريقها المدفون تحت الركام؟

الدمار في بلدة كفركلا بجنوب لبنان (رويترز)
الدمار في بلدة كفركلا بجنوب لبنان (رويترز)
TT

من يعيد لبيوت الجنوب بريقها المدفون تحت الركام؟

الدمار في بلدة كفركلا بجنوب لبنان (رويترز)
الدمار في بلدة كفركلا بجنوب لبنان (رويترز)

لم يحدث لأحد من الفلاسفة والباحثين، وربما من الشعراء، أن احتفى بالبيوت، في دلالاتها الأكثر عمقاً وقابلية للتأويل، كما فعل غاستون باشلار. ذلك أن الفيلسوف الفرنسي الظاهراتي لم ير إلى البيوت بوصفها هندسة جمالية «موضوعية»، أو وجوداً مادياً لامبالياً بسكانه، بل اعتبرها حاضنة الحياة الأمومية، والحارس الأوفى لخزائن الذكريات، والينبوع المتجدد للألفة الدافئة.

على أن أهل الجنوب اللبناني، الذين اضطرتهم الحروب المتلاحقة والعنف الدموي الإسرائيلي، إلى النزوح المتكرر عن بيوتهم وأماكن سكناهم بحثاً عن ملاذ آمن، لم يكن عليهم قراءة باشلار، لكي يدركوا أهمية تلك الأماكن، التي تركوا في عهدتها مهج قلوبهم، وضوء عيونهم، وأعذب ما ادّخروه لشتاء أعمارهم من الذكريات. ولعل هذا التشبث المرَضي بالبيوت قد وجد ترجمته في إصرار الكثيرين منهم على ملازمة قراهم في أشد الظروف حلكةً، سواء تعلق الأمر بخراب الزراعة وكساد مصادر الرزق، أو بتعاقب الاجتياحات وأهوال الحروب.

اللافت أن أولئك الذين اضطروا لمغادرة بلداتهم باتجاه بيروت والمهاجر البعيدة، بحثاً عن فرص أفضل للعيش، كانوا يضعون في رأس أولوياتهم بناء بيوت لائقة بما كابدوه من مشقات، يحولونها عندما يعودون إلى فسحة هانئة لضغضغة الأيام واستقبال الزائرين، وتزجية المساحة الفاصلة بين الشيخوخة والموت. وإذا كان الشريط الطويل من الفيلات والدور الباذخة، الذي يمتد من الناقورة إلى العرقوب، قد بدا من بعض نواحيه ثمرة اليسر المادي لمغتربي المناطق الحدودية، فإن مبالغة «جنوبيي الجنوب» في الاعتناء المفرط بالبيوت، التي أحاطوها بالحدائق والأسوار، لم يكن سببها التنافس فيما بينهم فحسب، بل لأنهم رأوا فيها المجسمات الرمزية لتشبثهم بالبقاء، وعلامات التحدي المرفوعة بثقة بالغة في وجه الاحتلال.

إلا أن كل ما تحمله الجنوبيون من متاعب، وكل ما فعلوه لتضليل اليأس، وكل احتفائهم الكرنفالي بالنجاة، سرعان ما حولته أسلحة الفتك الإسرائيلي إلى ركام. وحيث حسبوا واهمين أن ما عبر ستة عقود متعاقبة من فظاعات وأهوال كان كافياً لتسديد ما توجب عليهم دفعه من أثمان، فقد بدت الحروب المتعاقبة التي كُتبت عليهم مواجهتها من قبل، مجرد «بروفات» تمهيدية مصغرة للحرب الأخيرة، التي تكفلت خلالها الآلة العسكرية الزاحفة للعدو، بمحو القرى من جذورها، والإجهاز على ما يفصح عنه رمادها المتبقي من مظاهر الحياة.

أما شعار «حرب الحضارة على البربرية»، الذي رُفع قبل سنوات لتسويغ ما لحق بغزة وفلسطين من دمار كارثي، فقد تم رفعه على نحو معدّل، لا بهدف إلحاق الأذى المماثل ببيوت البشر الآمنين ومحاصيلهم ومصادر عيشهم فحسب، بل لكي تسوّى بالأرض، شواهد شديدة التنوع والثراء من تاريخهم القريب والبعيد. والأدلّ على ذلك هو تركيز قادة الاحتلال على أن تحظى المدن والبلدات الأكثر ازدحاماً بالرموز الأثرية، وبيوتات العلم والأدب، كالخيام والنبطية وبنت جبيل وعيترون وصور وعيناثا وغيرها، بالنصيب الأوفر من الاستهداف والقصف التدميري.

وإذا كان التصميم الملح على إسقاط قلعة الشقيف، التي تشرف من مكانها الشاهق على مساحات واسعة من لبنان وسوريا وفلسطين، يمكن أن يجد له مسوغات أمنية وعسكرية، فأي حجة مقنعة يمكن لها تبرير ذلك القدر من العنف الهمجي، الذي يراد منه اقتلاع شعب بأسره من جذوره، وتسليمه للعراء الكوني.

ففي مدينة الخيام، التي يربو عدد سكانها على ثلاثين ألفاً، لم تكن البيوت المغضية بخوف على حيوات سكانها، هي التي تعرضت للقصف، بل إن الوابل المتلاحق لنيران الاحتلال راح يطول في الآن ذاته معتقل المدينة الشهير، ومؤسساتها التعليمية، ودور عبادتها، ومراكزها الفكرية التنويرية، إضافة إلى ما خلّفه أهلها من الذكريات، ورساموها من الألوان، وشعراؤها من نثار الاستعارات ومسوّدات القصائد.

أما مدينتا النبطية وبنت جبيل، وهما الحاضنتان الأكثر عراقة لتاريخ جبل عامل وثقافته وذاكرة بنيه، فقد تعرضتا بدورهما لقدر غير مسبوق من التدمير الاستئصالي، حيث لم تكتف القوات الزاحفة شمالاً، بتحويل الأسواق الشعبية القديمة في كلتا المدينتين إلى ركام، بل راحت تستهدف في الوقت نفسه المراكز الثقافية والمؤسسات الصحية، والأبنية التراثية ذات التصاميم الجمالية اللافتة، التي حوّلها أصحابها إلى مزارات.

ولم يكن حظ مدينة صور الساحلية من القصف والتدمير أفضل من حظ شقيقاتها الأخريات. وحيث لم يشفع لها أن يكون ملكها الفينيقي حيرام، قد أسهم قبل ثلاثة آلاف عام في بناء هيكل سليمان، ولا شفع لها وضعها من قبل اليونيسكو على لائحة الأماكن التراثية والثقافية العالمية، فإن من نصّبوا أنفسهم حماةً للحضارة، لم يجدوا أي حرج يُذكر في قصف أحيائها ومدارسها، وأبنيتها المملوكية، وصولاً إلى آثارها العريقة التي يعود تاريخها إلى العصرين الفينيقي والروماني.

كما أن حرص الإسرائيليين على هدم الفواصل الطبقية والاجتماعية بين ضحاياهم، هو الذي دفعهم على الأرجح إلى جعل الجميع سواسية، في الميزان العادل لحديد المجنزرات وقنابل الطائرات المغيرة، حيث لا فرق في منسوب التدمير ومعدلاته، بين غني وفقير، «متورط» وبريء، مغترب ومقيم، مثقف وأمي. لا بل إن اللافتات المختلفة التي خيضت باسمها الحرب، عادت لتجد في استهداف بيوت المثقفين الجنوبيين ومكتباتهم ومساقط إبداعهم براهينها المثلى ودلالاتها الساطعة.

وإذا كان المجال لا يتسع لتعداد ضحايا الشغف الإسرائيلي بالثقافة وأهلها، من المبدعين الجنوبيين، فيكفي أن أذكر في هذه العجالة المنزل المتميز في هندسته وجماله المعماري لسعد الزين، والمنازل المشابهة لآل الزين في النبطية، التي أزالها المحتلون مع مقتنياتها الثمينة من الوجود. وأن أذكر الدارة الأنيقة التي بناها الفنان عبد الحميد بعلبكي في بلدة عديسة الحدودية، وأرادها أن تكون منزلاً لسكناه ومتحفاً للوحاته، قبل أن تحولها الطائرات إلى كومة من الأنقاض. وأن أذكر كتّاباً ومفكرين كثيرين، خسروا منازلهم ومكتبات بيوتهم على نحو مشابه، كما حدث لعبد الكريم قبلان في عيترون، ولعون جابر وأحمد بيضون ومنذر جابر في بنت جبيل.

ومع أن الوقت لا يزال مبكراً قليلاً على تتبُّع انعكاس ذلك الهول الأبوكاليبسي، في لوحات الرسامين وأعمال الروائيين وقصائد الشعراء الجنوبيين، فإن وسط سيل الكتابات التي تم ارتجالها على عجل، ثمة نصوصاً ولقىً وشذرات، استطاعت أن تعكس بما تختزنه من قوة العصب وسداد الرؤية، الكثير من الملامح التراجيدية الملحمية لواقع الجنوب الراهن، وبينها قصيدة «البيوت»، التي أهداها عباس بيضون إلى صديقه المؤرخ منذر جابر، وجاء فيها:

البيوت لا تموت مرة واحدة

إنها تعيش بالساعة

ذاكرة هائلة لكنْ أيضاً عجلةٌ للنسيان

تحفظ بالدقائق وتنسى بالأيام

نصل إليها أرواحاً

وسرعان ما نذوب في الهواء

ولعل أفضل ما أختم به هذه المقالة هو مقطع معبّر من قصيدة «بيت الريح» للشاعر الفرنسي لوي غوليم، الذي بدا لقوة بصيرته، ورهافة إصغائه إلى المستقبل، وكأنه يحدس بالمآلات المأساوية لبيوت أهل الجنوب، التي حوّلها فولاذ الضغائن الوحشي إلى أثر بعد عين، فهتف بلسان كل واحد من أهلها النازحين:

«طويلاً بنيتك أيها البيت. مع كل ذكرى أحمل الحجارة من الأرض، حتى أعالي جدرانك. لقد رأيت سطحك يصقله الزمن، متغيراً كالبحر، يرقص على خلفية من الغيوم. يا بيت الريح، أيها المأوى الذي أزالته نفخة واحدة»!


جدارية الوجوه الثلاثة في قصير عمرة

جدارية من قصير عمرة في بادية الأردن
جدارية من قصير عمرة في بادية الأردن
TT

جدارية الوجوه الثلاثة في قصير عمرة

جدارية من قصير عمرة في بادية الأردن
جدارية من قصير عمرة في بادية الأردن

يحتلّ قصير عمرة موقعاً استثنائياً في خريطة القصور التي شيّدها خلفاء بني أميّة في صحاري بلاد الشام، وتتمثّل أهميّته بالدرجة الأولى في لوحاته الجدارية التي تمتدّ على جدرانه وسقوفه، وتشكّل أكبر برنامج تصويري معروف في العالم المتوسّطي القديم. يجمع هذا القصير بين مجلس مكوّن من ثلاثة إيوانات معقودة، وحمّام تقليدي كبير مؤلَّف من ثلاث غرف، تمثل تباعاً قاعة المدخل، والقاعة الرطبة، والقاعة الحارة. تزيّن سقف القاعة الأولى جدارية تأخذ شكل شبكة تشكيلية عريضة تحتلّ وسطها ثلاثة وجوه آدمية تظهر في وضعيّة المواجهة، كأنّها تحدّق بعيونها الشاخصة في الناظر إليها.

تجمع هذه الشبكة بين الإطار الهندسي والعناصر التصويرية المتعدّدة، وتمتد على مساحة السقف المقبّب، بحيث تشكّل مساحتين مقوّستين.

يعتمد هذا التأليف وحدة هندسية ثابتة تُعرف في قاموس الهندسة الرياضية باسم «مُعَيَّن»، وهي وحدة بسيطة لها أربعة أضلاع متساوية الطول، قطراها متعامدان ومتناصفان. تحضر في وسط هذا الشبكة ثلاث قامات نصفية، تحتل كلّ منها خانة مستقلة. تحلّ هذه الوجوه في ترتيب عمودي متين، ويظهر في الأسفل وجه شيخ بلحية بيضاء، يعلوه وجه امرأة نضرة، ثمّ وجه شاب أمرد. حافظت هذه القامات على ملامحها بشكل شبه كامل، واستعادت بريقها الأول إثر عملية التنقية والترميم التي قام بها فريق إيطالي في الموقع خلال عام 2010.

يغلب على هذه الوجوه الطابع الكلاسيكي، كما يشهد أسلوبها الذي يحاكي المثال الحي، ويجمع بين التجسيم والتظليل في تحديد ملامح كل منها. يظهر الشيخ الجليل بلحية بيضاء طويلة تبلغ أسفل الرقبة. وتبدو جبهته عريضة، وأعلى رأسه أصلع، مع كتلة صغيرة من الشعر، تحيط بها خصل عريضة تلتف حول الوجه. العينان واسعتان، ويعلوهما حاجبان عريضان مقوّسان، صيغتا باللون الأسود. بؤبؤ العين محدد بدقة، كذلك الحدقة والجفن والأهداب. الأنف هرمي، وعناصر تكوينه محدّدة بدقة بالغة. الأذنان ظاهرتان، ومكوّناتهما واضحة كذلك. صدرُ هذا الشيخ عارٍ جزئياً، ويعلوه معطف ينسدل على الكتف اليسرى. الجزء الأسفل ممحوّ، ويوحي ما تبقّى منه بحضور يد تقبض على رمح طويل، ظهر طرفه الأعلى كاملاً في الجانب الأيسر من الصورة. تحتل هذه القامة خانة بيضاء مجرّدة، يزيّنها غصنان مورقان متواجهان يحيطان بذراعَي الشيخ.

تحضر فوق قامة هذا الشيخ قامة أنثوية تقف في وضعيّة مشابهة. الأسلوب واحد في تجسيم الملامح، مع بقعتين باللون الأحمر الخمري تستقران على الوجنتين المكتنزتين. تكلّل الرأس كتلة من الشعر الكثيف تنسدل خصله على الكتفين، مع فارق نصفي في الوسط. ترتدي هذه المرأة ثوباً عسلياً تعلوه بطانة حمراء عريضة تنعقد حول الكتفين، وتزيّن هذه البطانة شبكة زخرفية، تجمع بين أزهار محوّرة تتألف كل منها من أربع بتلات متساوية. تظهر اليد اليمنى في أسفل الخانة، وتقبض شتلة تعلوها كوكبة من البراعم البيضاء. تزيّن هذه الخانة كرمة تتألف من غصنين مورقين يستقران فوق هامة هذه القامة الأنثوية، ويتدلّى من كلٍّ من هذين الغصنين عنقود من العنب الأحمر حُدّدت حبّاته المرصوفة بدقّة.

تعلو هاتين القامتين قامةٌ ثالثة تمثّل شاباً في مقتبل العمر، تُكلّل وجهه خصل من الشعر تنسدل على طرفي الخدين. يرتدي هذا الفتى الأمرد لباساً أرجوانياً تعلوه بطانة على شكل مربّع تحيط بصدره، ويرفع بيده اليمنى عصا نحيلة طويلة تمتدّ في الأفق. يُزيّن هذه الخانة غصنان متقابلان ومتواجهان، كما نرى في خانة الشيخ الجليل. تحتلّ هذه الوجوه الثلاثة وسط السقف المقبّب، وتحدّ خاناتها الثلاث سلسلة من الخانات المتشابكة، تزيّنها عناصر تصويرية متعدّدة الأشكال، تحضر وسط أغصان مورقة تلتف في الأفق المجرّد.

يظهر من جهة غزالان، كل منهما في خانة مستقلّة، ويظهر في الجهة المقابلة كذلك غزالان، يتبعان تقسيماً تعادلياً مشابهاً. لا تتماثل هذه الغزلان إطلاقاً، إذ يحضر كل منها في وضعية خاصة به. يظهر من جهةٍ غزال في وضعية جانبية، يحني رأسه في مواجهة غزالٍ يدير برأسه نحو الخلف. في الطرف المعاكس، يظهر غزال يحني رأسه نحو الأرض كأنه يقتات من العشب، ويقابله غزال يعلو رأسه قرنان طويلان، يحدّق في وضعيّة المواجهة.

تتشابك هذه الخانات الأربع بست خانات تحوي صوراً مغايرة. يَظهر من جهةٍ دبٌّ على طاولة صغيرة، حاضناً عوداً يعزف عليه بأنامل قائمتيه الأماميتين. في مواجهة هذا العازف، يَظهر قردٌ منتصباً، رافعاً قائمتيه الأماميتين نحو الأعلى، كأنه يُصغي إلى عزفه. من خلف هذا القرد، يقف فتى يرفع يده اليمنى نحو رأسه، ويده اليسرى نحو صدره، كأنه يشارك في هذه الوصلة. في الجهة المعاكسة، تحضر ثلاث خانات تختزل كما يبدو وصلة عزف أخرى، وفيها يحضر فتى يقف منتصباً وهو يعزف بمزمار يحمله بين يديه المرفوعتين، وتحضر في مواجهته صبية تتمايل في وضعية راقصة، ويحضر في الخانة الأخيرة فتى يرافقها في هذه الوصلة.

تكتمل هذه الشبكة مع أربع خانات تسكن كلا منها بهيمة حيّة. يظهر من جهة ابن آوى يحدّق في اتجاه غزال يحني رأسه أرضاً، ويظهر في الطرف المعاكس غزال ينظر إلى الخلف، وغزال يقفز نحو الأمام. تحد هذه الشبكة الكبيرة سلسلة من المثلثات، تسكنها طائفة من الطيور والحيوانات المتنوّعة، ضاع أثر بعض منها. يظهر في الطرف العمودي نمس وأفعى وسنجاب، وتقابلها في الطرف المعاكس ثلاثة كائنات انمحت أشكالها كلّياً. في الطرف الأفقي، تظهر أربعة طيور مائية، منها البجع والإوز، وتقابها في الطرف المقابل مجموعة مشابهة من الطيور.

تجمع هذه الشبكة الأموية بين عناصر متعدّدة مستمدّة من قاموس الفن المتوسّطي، وتشكّل في هذا السياق امتداداً حيّاً لهذا الفن الذي ازدهر في بلاد الشام خلال القرون الميلادية الأولى. ورث الفن الأموي المدني تقاليد هذا القاموس الراسخة، وأعاد قولبتها في مكوّنات مبتكرة، تشهد لاستمراريتها طوال القرن الثامن. تتجلّى هذه الاستمرارية في جداريات قصير عمرة، كما تتجلّى في أعمال فنية أخرى خرجت من قصور أموية أخرى، كشفت عنها حملات التنقيب في صحاري بلاد الشام الواسعة خلال العقود التي تلت اكتشاف القصير الأردني.


«الطرف الثالث»... بين أغاثا كريستي وبليك إدواردز

«الطرف الثالث»... بين أغاثا كريستي وبليك إدواردز
TT

«الطرف الثالث»... بين أغاثا كريستي وبليك إدواردز

«الطرف الثالث»... بين أغاثا كريستي وبليك إدواردز

ينتقل الكاتب والمؤلف المسرحي ماجد الخطيب، في عمله المسرحي الجديد «الطرف الثالث - في قطار الشرق السريع» (دار السرد)، هو الثاني عشر له، من نمطه المفضل في الكوميديا السوداء إلى كوميديا التقليد الساخر (Parody). وهو يستقطب انتباهنا عن طريق المفردات والتعابير ثنائية المعاني، وأحياناً المتعددة، على صعيد العنوان والشخصيات والأحداث.

العنوان الرئيسي «الطرف الثالث» له دلالته ومغزاه في المخزون الثقافي العراقي، حين ألقت السلطات العراقية مسؤولية قتل مئات المتظاهرين، وجرح الآلاف في انتفاضة تشرين 2019، على «طرف ثالث».

أما العنوان الفرعي، فهو يشير إلى رواية «جريمة في قطار الشرق السريع» لأغاثا كريستي، التي استوحى منها الخطيب مسرحيته الجديدة، كما هو مثبت على الغلاف الداخلي: هي «مسرحية بوليسية ساخرة من وحي أغاثا كريستي». كأن المؤلف يخاطب من جديد مخزوننا الثقافي «البوليسي» القديم تاركاً لمخيلتنا حرية التفاعل المتبادل بين جريمتي القطارين.

يحافظ الخطيب على هذه الثنائية طوال أحداث وسطور نصه الدرامي في اختياره لإطار العمل وطبيعة شخصيات المسرحية، حيث يبقي على الأحداث جغرافياً في قطار الغرب، وتجري وتتنقل الأحداث، كما في عمل أغاثا كريستي، بين مختلف غرف وقاعات القطار.

كما أنه، رغم المحتوى الضاحك، يستخدم التصاعد التدريجي للحدث وتراكم الإشارات والمعلومات إلى لحظة الكشف النهائية عن ملابسات الجريمة، كما هي الحال في أعمال كريستي البوليسية. وإلى أن يبلغ الكاتب هذه الذروة يفاجئ القارئ والشخصيات على حد سواء بنتائج التحقيق.

أما الجانب الآخر للثنائية في العمل، فنجده في اختياره للشخصيات. فهو يستعير من كوميديا بلاك إدواردز وبيتر سيلرز في سلسلة أفلام «النمر الوردي» شخصية «المفتش كلوزو»، كما جسدها سيلرز. ونجدها ثانية في طريقة كتابته للمشاهد مستخدماً «كوميديا الموقف» ومضيفاً لها، على طريقة «سيلرز»، الهفوات أو «الإفيه»، كما تسمى في المسرح المصري.

تدور أحداث مسرحية «الطرف الثالث» حول رئيس الوزراء «لوستيت»، وبعض وزرائه، وهم يرافقون المدعو «رايتهاند»، المتهم بالإرهاب، إلى محكمة لاهاي الدولية في هولندا. وتجري هذه الأحداث في عربة الدرجة الأولى في قطار الغرب السريع (يوروستار) الذي يربط بين لندن وباريس في نفق يمر تحت بحر المانش. يتعرض رايتهاند للقتل في عربة الدرجة الأولى والقطار تحت المياه الإقليمية الفرنسية. يؤكد الوزراء براءتهم من الجريمة ويدّعون بوجود «طرف ثالث» نفذ الجريمة. لكن المفتش الشهير «كلوزو»، الذي يستدعى للتحقيق في الجريمة، يثبت خطل نظرية «الطرف الثالث».

لم يركز الخطيب هنا على تطوير شخصيات العمل درامياً إلا بما يسمح بتطوير الأحداث رغم اهتمامه بتوصيفاتهم و«وظائفهم» الدرامية من خلال تحديد مواقعهم الشخصية. واختار البناء الدرامي الكلاسيكي الذي يعنى بالحبكة وتفاعلها بشكل تصاعدي، بحيث تتراكم الأحداث بتتابع يؤدي إلى نقطة الذروة وانكشاف الحدث النهائي. ويطرح حل لغز الجريمة - في إطار معروف ومتداول في روايات وقصص الجريمة والغموض «البوليسية» مثل أعمال أغاثا كريستي والأعمال الدرامية أو أفلام أو مسلسلات الجريمة والغموض مثل أعمال بلاك إدواردز الكوميدية أو سدني لوميت الجادة وغيرهما.

صدرت المسرحية عن دار «السرد»، قطع متوسط، في 87 صفحة. وكانت لوحة الغلاف للفنان العراقي طه سبع.