«الشرق الأوسط» في مهرجان برلين الدولي (1): أفلام تدور رحاها بالأمس لتتناول ما يحدث اليوم

المهرجان منذ السبعينات يضع نفسه في موقع من يشارك السينما همومها

الفيلم الروماني «آنا... حبي»
الفيلم الروماني «آنا... حبي»
TT

«الشرق الأوسط» في مهرجان برلين الدولي (1): أفلام تدور رحاها بالأمس لتتناول ما يحدث اليوم

الفيلم الروماني «آنا... حبي»
الفيلم الروماني «آنا... حبي»

يبدأ مهرجان برلين مساء هذا اليوم (الخميس) دورته الـ67 التي تستمر حتى مساء التاسع عشر من هذا الشهر موزعة جوائزها على مَن تقرر لجان التحكيم استحقاقهم.
فيلم الافتتاح عنوانه «دجانغو»، لكنه ليس إعادة لفيلم الوسترن «دجانغو» الذي أخرجه سيرجيو كوربوتشي سنة 1966 (وتم نسج أجزاء أخرى لاحقًا)، بل هو سيرة حياة في قالب درامي عن الموسيقار دجانغو راينهارت الذي وُلد في أواخر يناير (كانون الثاني) سنة 1910 وتوفي باكرا (عن 43 سنة) بعدما وضع ما يقارب من 100 أغنية ولحن موسيقي. مكان ولادته بلجيكا لكن أصوله غجرية من رومانيا وهو انتقل من بلجيكا إلى فرنسا. وما إن احتل الألمان فرنسا حتى حكموا على الغجر بإخلاء المدن الكبرى ثم أخذوا بتجميعهم والقبض عليهم. وما حل باليهود خلال الحرب حل بالغجر أيضًا. وبعض التقارير تتحدث عن نصف مليون غجري تم إعدامهم وأخرى ترفع الرقم إلى 600 ألف شخص.
«دجانغو» سيكون افتتاحًا موسيقيًا لدورة برلين الجديدة، إذ سنرى، لجانب سيرة حياته، بعض ضروبه في التلحين والعزف والغناء؛ فهو استعان بالألحان البوقية والوترية الغجرية ليضمها إلى موسيقى الجاز العالمية. لكن في الوقت نفسه، فإن فيلم الافتتاح، الذي أخرجه الفرنسي إيتيان كومار (أول فيلم من إخراجه بعد سنوات من العمل منتجًا)، هو أول فيلم رئيسي منذ زمن طويل، يتحدّث عما لاقاه الغجر من اضطهاد خلال الحقبة النازية.
كذلك أول فيلم من بطولة الممثل الجزائري الأصل رضا كاتب يفتتح مهرجانًا من بين الثلاثة الأكبر؛ برلين وكان وفينسيا.
اختيار الفيلم وما يوازيه من هذه الطروحات من مهام مدير المهرجان ديوتر كوزليك الذي يشير إلى رغبته في تقديم عمل له طروحاته السياسية والاجتماعية التي تطل على عالمنا اليوم.
* قضايا
مهرجان برلين لا يحتاج لأن يطل على شيء جديد. أو أن إطلالته هذه ليست جديدة من نوعها. فهو منذ السبعينات وهو يضع نفسه، وعبر اختياراته من الأفلام، في موقع من يشرك فن السينما في الهموم الدائرة حولها.
في الستينات والسبعينات؛ أيام الحرب الباردة وسباق التسلّح النووي، عرض لأعمال تنتقد النازية الألمانية وتتحدث عن البطولات التي قام بها روس وبولنديون وتشيكيون وفرنسيون ضد النازية. ثم تطوّر الأمر فتم عرض عدد كبير من الأفلام السوفياتية التي أثارت الرقابة في بلادها لكنها تمكنت، مثل «صعود» للاريسا شوبتكو، من كسر حصارها والفوز بذهبيات المهرجان. وكانت ألمانيا ما زالت منقسمة على نفسها عندما منحت الفيلم الألماني الشرقي «أمي أنا حي» ذهبيته سنة 1977.
لم يكن الأمر مجرد أن يتلو الفيلم حكاية تتعلق بالحرب أو بطروحاتها وبطولاتها أو ضحاياها بل أن يمد الفيلم خيوطه ليمس بها ما كان يحدث أو استمر في الحدوث لسنوات بعد ذلك.
وكما حدث في العام الماضي عندما فاز «نار في البحر» لجيانفرانكو روزي الذي تطرق لموضوع الهجرة من سواحل الشمال الأفريقي إلى الجزر الإيطالية، فإن هذا العام سيتطرق إلى عدد من المواضيع التي اختارها المرجان، ورئيسه، مشاركة لما يمر به العالم اليوم من تطورات.
هذه الدورة لديها ما توفره في هذا المجال أيضًا. هناك، على سبيل المثال «فايسروي هاوس» وهو فيلم هندي لغورندر شاذا عن حرب الاستقلال التي، كحال ثورات الربيع العربي قبل بضع سنين، قادت إلى ضحايا (نحو مليون فرد) ومهاجرين (قرابة 12 مليون شخص).
أفلام لاتينية وأفريقية وأوروبية أخرى تتحدث عما مضى لتوحي بما هو حاصل اليوم أو لترتبط به.
أيضًا من بين الأفلام التي تسرد وضعًا لتعني به ما هو أكثر شمولاً «يواكيم» للمخرج البرازيلي مارشيللو غوميز حول رحلة لاكتشاف الذهب في القرن الثامن عشر لرجل ينطلق. وهذا الهدف هو كل ما يشغله لينتهي وهو يراجع موقفه ومفاهيمه على ضوء تعرفه على حالة المواطنين الأصليين للبلاد.
* حكايات عاطفية
ليس أن كل شيء في برمجة المسابقة، التي يتولى رئاسة لجنة التحكيم فيها المخرج بول فرهوفن، له علاقة ما بأحداث اليوم، لكن معظمها جاد في طروحاته على أي حال. خذ مثلاً الاشتراك المقدّم باسم رومانيا وألمانيا وفرنسا بعنوان «آنا، أحبك»، تجده دراما عاطفية بين شاب وفتاة تمتد أحداثها لتشمل رومانسية اللقاء الأول. الشغف العاطفي فيما بعد، ثم - ومع دخول بطلته آنا (تقوم بها دايانا كافاليوتي) حالة مرض نفسي يصاحبها الشعور باليأس، يدخل الفيلم منطقة الدراسة النفسية.
الفيلم الكوري «على الشاطئ وحيدة في الليل» لهونغ سانغسو يدور أيضًا حول امرأة. إنها ممثلة صينية معروفة (تؤديها كيم منهي) كانت مرتبطة مع رجل متزوّج بعلاقة عاطفية تقرر تركها ثم ترك كوريا كلها صوب هامبورغ في ألمانيا لتسرح وحيدة وتراجع مشاعرها. كأفلام المخرج الأخرى، يدور هذا الفيلم حول سؤال الحب في ذوات البشر وكيف تكتشف شخصياته أنفسها عندما تصبح وحيدة.
لكن هناك صعوبة تبدو أجدى للطرح يوفرها الفيلم البرتغالي «كولو» لمخرجته تيريزا فيلافيردي. انطلقت المخرجة من مطلع التسعينات وبات لها كم كبير من الأعمال المختلفة (بينها أفلام فرنسية وأخرى قصيرة) لكن يبدو أنها وضعت في «كولو» طموحها الأكبر. حكاية أب وأم وفتاة يعيشون في بيت مريح يخفي كثيرًا من التوتر الناتج، أساسًا، عن الوضع الاقتصادي الذي تمر به البرتغال. الأب بلا عمل، والأم عليها أن تعمل لساعات إضافية لكي تؤمن المعيشة والفتاة تتساءل إذا ما كان الوضع سيؤدي إلى توقفها عن الذهاب إلى المدرسة. ويعود المهرجان إلى الموسيقى لكن في إطار روائي عبر الفيلم السنغالي «فيليسيتي» لألان غوميز الذي يتحدث عن مغنية أفريقية تعمل لتعيل ابنها الذي دخل المستشفى بعد حادثة. سيوظف المخرج (صاحب فيلم «أندالوسيا» قبل تسعة أعوام) هذا الوضع للحديث عن التباعد بين الطبقتين الاجتماعيّتين إذ تنقسم كونشاسا، حسب فيلمه، إلى مدينتين؛ واحدة للأثرياء والأخرى للفقراء.
في الخضم سيرة حياة أخرى، كحال «دجنغو»، لكنها في فحوى فيلم تسجيلي للألماني أندرياس فيل عن الفنان الألماني الراحل جوزف بايس عبر استرجاع وثائق مسجلة ومكتوبة عن حياته.‫‬
الصين لديها فيلم في المسابقة اختارته من نوع الأنيميشن بعنوان «ليكن يومك لطيفا»» (Have a Nice Day)، بينما تلتقي ألمانيا والنرويج لصنع فيلم توماس أرسلان الجديد «ليالٍ مضيئة»‬.
الاشتراك الياباني متمثل بفيلم «مستر لونغ» للمخرج سابو حول قاتل محترف جاء من تايوان ليصفّي رجلاً لا يعرفه فيجده مسؤولاً عن تربية ابنه الصغير. تشيلي تقدم «امرأة بديعة» لسابستيان لسليو، وتعود سالي بوتر إلى الإخراج بالفيلم البريطاني «الحفلة» مع باتريشا كلاركسون في البطولة يشاركها الألماني برونو غانتز. والعودة الكبيرة هذا العام للمخرجة البولندية أنجييسكا هولاند التي تقدم «سبور» الذي يمكن ضمّه إلى الأفلام التي تتناول التاريخ لتلقي بظلاله على الحاضر.‬
ومن الأسماء الكبيرة الأخرى الألماني فولكر شلندروف الذي نجده في مزاج عاطفي هو الآخر. ففي «عودة إلى مونتوك» لقاء بين رجل (ستيلا سكارسغارد) وامرأة (نينا هوس) كانا على علاقة حب في السابق، مما يتيح المجال لدخول تلك العلاقة من جديد رغم موانع مختلفة. ولدينا أيضًا المخرج الفنلندي آكي كوريسماكي وفيلمه الجديد «الجانب الآخر من الآمل» وهو يقدم لقاءً من نوع مختلف؛ فهناك المهاجر السوري شروان حجي، الذي يبحث عن عمل، ورجل الأعمال ساكاري كاوزمانن، اللذان يلتقيان من دون موعد ليكتشفا أن هناك الكثير مما يمكن لهما أن يقوما به معًا.‬
في المسابقة فيلمان أميركيان (وعدد آخر خارجها): «العشاء» لأورين موفرمان مع رتشارد غير ولورا ليني، وهو أيضًا عن دور الآباء تجاه الأبناء، و«لوغان» لجيمس مانغولد. هيو جاكمان في دور رجل يحاول منع رجال السلطة من اكتشاف الموقع الذي أخفى فيه العالِم إكس (باتريك ستيوارت) في هذا الفيلم المستقبلي.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».