كل ما تريد أن تعرفه عن فؤاد مطر، تجده في كتابه «هذا نصيبي من الدنيا... سيرة حياة ومسيرة قلم» (الدار العربية للعلوم) الذي وضع فيه خلاصة تجربته المهنية؛ مذكراته، حميميات أرشيفه بما يعج به من وثائق سياسية وشخصية، كما يمكنك أن تقرأ عن الأحداث الكبيرة التي واكبها وكانت مفصلية، وما أكثرها، وأن تعود معه إلى الطفولة والقرية، وتتعرف إلى جده ووالده، وأفراد العائلة، وتذهب معه إلى المدرسة، وتطّلع على قصة زواجه، ودخوله المعترك الصحافي ومغامراته متنقلاً بين الصحف والمجلات، مسافرًا باحثًا عن الخبر، ومن ثم كتاباته الموسوعية، بفضل الأرشيف الهائل الذي جمعه. عمر صاخب، كما هو الزمن العربي الذي عاصره، وعاش في خضم صراعاته كمراقب حاذق وصديق لكبار، أمثال محمد حسنين هيكل وجعفر النميري وآخرين كثر، لكن فؤاد مطر يمنح الحكايات حكمة وأبعادًا.
مطر صحافي يدرك أهمية المعلومات التي يطلع عليها أو يعيشها، وما لا ينشره اليوم بسبب حساسيته أو سريته يخبئه إلى غدٍ يصبح فيه البوح ممكنًا. وهذا الكتاب الذي بين يدينا بصفحاته التي تزيد على 600، يتضمن وثائق ورسائل وصورًا ونصوصًا، تجعله أشبه بوثيقة شاملة، ومسلية للقارئ الفضولي.
حكاية طريفة وشيقة، حياة متكاملة اختلط فيها الشخصي بالسياسي، والعاطفي بالمهني، من الغلاف حيث صورة فؤاد مطر وصور الشخصيات الثلاث التي قدمت للكتاب؛ سليم الحص وطلال سلمان وفرنسوا عقل، إلى الغلاف الأخير حيث رسم عائلي فني جميل يجمع فؤاد مطر وزوجته وابنته وولديه.
نرافق فؤاد مطر طفلاً منذ كان عمره 5 سنوات في قريته البقاعية، ونجاته بعناية إلهية من حمّى كادت تودي به، إلى أن يبلغ الثانية عشرة ويقرر أهله إرساله إلى بيروت عام 1955 برفقة شقيقه إبراهيم لإكمال دراسته، لنصل إلى بطاقة زواجه من الصحافية امتثال جويدي، التي نراها في صورة تصافح الرئيس جمال عبد الناصر أثناء زيارة له لدمشق أثناء فترة الوحدة. نشعر من خلال صور كثيرة لوالدي الكاتب وجده، وأحفاده، وصور له في مناسبات مختلفة مع العائلة أو في زيارات عمل، أن الكتاب يكتسب نفحًا حميمًا، قبل أن يطلق مطر لقلمه العنان ليكتب عن رحلته الصحافية التي امتدت لما يقارب نصف قرن يرويها بصيغة المتكلم.
من دراسة الصحافة بالمراسلة حينما كان لا يزال في المدرسة، إلى البدء في ممارسة المهنة تدريجيًا، من صحيفة «الجريدة» إلى «الحياة» و«الأنوار» وصولاً إلى «النهار» التي ينطلق من عمله فيها ليروي قصص ترؤس بشارة الخوري وكميل شيمعون وفؤاد شهاب وآخرين، سدة الجمهورية اللبنانية. الانتقال من الخاص إلى العام هي سمة الكتاب. حياة الصحافي الشاب لا تنفصل عن كتاباته واهتماماته. الحرب اللبنانية تذهب به إلى باريس والعمل في «النهار العربي والدولي» التي أنشئت كي تكون مكان «النهار» في بيروت في حال لم يعد صدورها ممكنًا بسبب الحرب. ثم تأتي مرحلة الانتقال إلى لندن حيث سيطول المقام وتتنوع التجارب. اللقاءات مع صدام حسين ومن ثم تأسيس مجلة «التضامن» التي كرّس لها فؤاد مطر جهدًا كبيرًا، لا بل تكاد هي على ما يبدو المشروع الأغلى على قلبه، الذي سينتهي بعد سنوات بالتصفية بعد غزو صدام للكويت والحرب الأميركية وتوقف التمويل.
أبواب الكتاب تتحدث عن نفسها، لكن تفاصيلها تتفرع وتتشعب، ذاهبة بنا إلى قصص يكاد المؤلف لا يستطيع أن يكبح تشوقه إلى روايتها. هناك العودة إلى لبنان بعد غربة لندن، وكل تلك الرحلات التي قام بها لمقابلة زعماء كبار، بعض مقابلاته الطويلة معهم تحولت إلى كتب، ومتابعاته للقمم العربية. نقرأ عن العلاقة مع «محمد حسنين هيكل من عرش الأهرام إلى سرير المرض». ونجد فصلاً خاصًا عن علاقته بالشيخ عبد العزيز بن عبد المحسن التويجري الذي يقول إنه «أضاف لي ولكثيرين من الكتاب والمثقفين والمفكرين العرب والإيرانيين والأجانب إلى ما نعرفه عن الملك عبد العزيز مزيدًا من الإضاءة على تجربة، وعزز ما كتبه عنها بالوثائق وبعضها رسائل بخط اليد، وبذلك بدت الحقبة التي كتب عنها واضحة، وقد خلت من اجتهادات غير موضوعية».
فصل آخر خصصه فؤاد مطر، لمؤلفاته «عن السعودية بين ملك الحكمة والحنكة... وملك الحزم والعزم»، متحدثًا عن ثلاثيته عن المملكة، شارحًا المصادر التي استند إليها، وحيثيات التأليف وسبب اختياره لإهداءات بعينها.
رغم أن الكتاب يتحول في بعض صفحاته إلى ألبوم عمر، يحلو للقارئ تصفحه والاطلاع على الوثائق والرسائل والرسوم، فإن الفصل الأخير يبدو صادمًا بدءًا من عنوانه «آخر العمر... أول الآخرة» الذي يتحدث فيه مطر عن عودته إلى لبنان بعد 23 عامًا من الغياب ليزور قبور الأحبة، بدءًا بقبر والده الذي ذهب يبحث عنه فهاله رؤية القبور مهملة وفي حال لا تشي باهتمام أو عناية. تدهش حين تعرف أن فؤاد مطر وهو في مطلع ستيناته اشترى قبرين متجاورين؛ أحدهما له وآخر لزوجته، وأعدهما للنهاية. وهو ما أقلق أولاده، وجعلهم يشعرون بالاكتئاب.
وقبل أن ينهي كتابه يقول لقارئه: «قد أبدو في ثنايا السطور أنني اقتربت من أجواء الزهد بالحياة، والشعور بالخيبة منها. وهذا غير وارد. فأنا من القدريين الذين تغمر نفوسهم نعمة التسليم بالأمور»، وبعد أن يسرد ما يرى أنها إنجازات حققها ويسعد بها يشرح قائلاً: «على مدى هذه السنين، بقيت على البساطة بالتأليف ومواصلة الكتابة في (الشرق الأوسط) وإضافة (اللواء) لتكون منبرًا محليًا بعد العودة من الغربة الأوروبية الطويلة... وإنني على مدى هذه السنين بقيت على البساطة في العيش والنأي عن المظاهر».
كتاب وجداني مؤثر، رغم صبغته التوثيقية فإنه سلس، يجد قارئه الفائدة والتسلية والحكمة والسيرة الاستثنائية لصحافي لشدة ما تفاعل مع الأحداث الجسام، باتت حياته معجونة بها، مسكونة بشخصياتها.
9:11 دقيقه
فؤاد مطر يروي حكاية نصيبه من الدنيا
https://aawsat.com/home/article/848041/%D9%81%D8%A4%D8%A7%D8%AF-%D9%85%D8%B7%D8%B1-%D9%8A%D8%B1%D9%88%D9%8A-%D8%AD%D9%83%D8%A7%D9%8A%D8%A9-%D9%86%D8%B5%D9%8A%D8%A8%D9%87-%D9%85%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%86%D9%8A%D8%A7
فؤاد مطر يروي حكاية نصيبه من الدنيا
سيرة حياة مغامرة من القرية البقاعية إلى الفلسفة القدرية
غلاف «هذا نصيبي من الدنيا»
- بيروت: سوسن الأبطح
- بيروت: سوسن الأبطح
فؤاد مطر يروي حكاية نصيبه من الدنيا
غلاف «هذا نصيبي من الدنيا»
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة


