تحليل ترشيحات الأوسكار (1): خلفيات مثيرة لسيناريوهات مقتبسة ومكتوبة للشاشة

الأفلام العشرة المرشحة هذا العام للمسابقتين تستحق جميعًا

«وصول»: تواصل بين الأرض وزائريها
«وصول»: تواصل بين الأرض وزائريها
TT

تحليل ترشيحات الأوسكار (1): خلفيات مثيرة لسيناريوهات مقتبسة ومكتوبة للشاشة

«وصول»: تواصل بين الأرض وزائريها
«وصول»: تواصل بين الأرض وزائريها

السبب في أن هناك مسابقتين للسيناريو في عداد جوائز الأوسكار التي سيعلن عنها في الرابع والعشرين من هذا الشهر، يعود إلى الحاجة للتفريق بين سيناريو وُلد من مخيلة كاتبه، وآخر استوحاه كاتبه من مصدر آخر، أي إنه وُلد من مخيلة كاتب آخر يقف في خلفية بعيدة ولن يُتاح له دخول السباق.
قد يكون أديبًا أو مؤلفًا مسرحيًا أو كاتب تحقيق صحافي. ربما هو مؤلف راحل، لكن حتى لو كان ما زال على قيد الحياة، كالكثيرين الذين يتم اقتباس السيناريوهات من أعمالهم في الزمن الحاضر، فإنه بمعزل عن التنافس في هذا النطاق لأن ما كتبه هو أدب له وسيطه المختلف ومسابقاته المتعددة أيضا.
* ذات مرّة
تقدّمت السيناريوهات لدخول مسابقات الأوسكار منذ الحفلة الأولى لتلك الجوائز التي أقيمت بتاريخ 16 مايو (أيار) سنة 1929، والفصل بين سيناريو مكتوب خصيصًا وبين آخر مقتبس تم منذ ذلك الحين. في النطاق الأول فاز «تحت أرضي» (Underworld) ميلودراما كتبها بن هكت للمخرج جوزف فون ستمبيرغ (صوّره سنة 1927). والمنافسة تمّت بين هذا السيناريو وسيناريو آخر وحيد وضعه لاجوس بيرو لفيلم «الأمر الأخير» (The Last Command) الذي أخرجه كذلك فون ستمبيرغ بعد عام واحد على الفيلم الفائز.
في نطاق الأفلام المكتوبة المقتبسة كانت هناك ثلاثة منافسة فاز من بينها، وعن جدارة، «السماء السابعة» الذي كتبه بنجامين غلازر وقام بإخراجه فرانك بورزاغ الذي كسب أوسكار أفضل مخرج درامي كذلك. الفيلم العاطفي الذي تقع أحداثه في باريس خلال فترة الحرب العالمية الأولى من وحي مسرحية لأوستن سترونغ.
كلا الفيلمين الآخرين من إخراج ألان كروسلاند. الأول هو «بتسي الباهرة» من كتابة أنطوني كولدواي عن مسرحية بنفس العنوان لريدا جونسون يونغ، والثاني «مغني الجاز» الذي كتبه ألفرد كون اقتباسًا عن مسرحية لسامسون رافيلسون.
«مغني الجاز» كان موسيقيًا - غنائيًا وناطقًا جزئيًا (لم يكن أول فيلم ناطق كما أشيع لاحقًا) وهذا هو وضع «لا لا لاند» المرشح لأربعة عشر جائزة أوسكار هذه السنة من بينها أوسكار أفضل فيلم مكتوب خصيصًا.
الأفلام الأربعة المنافسة له هي «نساء القرن العشرين» لمايك ميلز و«مانشستر على البحر» لكنيث لونرغان، «ذا لوبستر» ليورغوس لانتيموس وإيفييميس فيليبو و«جحيم أو فيضان» لتايلور شريدان.
مسابقة الأفلام المقتبسة عن مصادر أخرى هي «وصول» الذي كتبه إريك هايسرر عن رواية بعنوان «قصّـة حياتك» لتد شيانغ و«حواجز» الذي وضعه أوغوست ويلسون مقتبسًا إياه عن مسرحيته بالعنوان نفسه، ثم «أرقام مخفية»، سيناريو أليسون شرودر و(المخرج) تيودور ملفي عن كتاب لمارغوت لي شاترلي و«ليون» الذي كتبه لوك دافيز عن كتاب وضعه الهندي سارو بريدلي بعنوان «رحلة طويلة للوطن» A Long Way Home وأخيرًا في هذا التعداد «مونلايت» الذي قام بكتابته مخرج الفيلم باري جنكنز عن رواية وضعها تارل مكراني.
* الحالمون
الحال أن الأفلام العشرة المرشحة هذا العام للمسابقتين تستحق جميعًا الثناء ولو على نحو متفاوت يعود الخلاف فيه إلى الأسلوب وليس إلى الموضوع. على عكس السيناريوهات العربية التي يُـكتب معظمها من دون دراية بقواعد الكتابة للشاشة، تتميّز ثماني سيناريوهات قرأها هذا الناقد تحضيرًا لهذا التحقيق، بالاقتصاد في الشرح وبالتأسيس الصحيح للحدث التالي، ثم بالتركيز على المفاد في نهاية المطاف. فـ«مونلايت» محدد من مطلعه وحتى آخر صفحة فيه ببحث بطله عن هويته الاجتماعية والعاطفية، و«لا لا لاند» يلتصق برغبته الحديث عن الأحلام الكبيرة التي يعتاش الناس عليها في هوليوود. يقول في منتصف الصفحة الثانية من السيناريو واصفًا جموع الشبان الذين يخرجون من سياراتهم في زحمة السير ليغنوا ويرقصوا: «هؤلاء هم الحالمون المناضلون. أعينهم على الجوائز.»
وبالدقة ذاتها يحتفي السيناريو بالنجاح الذي تبدّى لبطلته ميا (إيما ستون) في الصفحة 36 فتهب لتغني وترقص على أنغام موسيقى مناسبة. يكتب شازيل محددًا: «لمرّة واحدة هي واثقة تمامًا من نفسها وما تريد أن تفعله».
وفي الفصل الأخير من السيناريو تتبدّى حقائق أخرى. لا ميا حققت أحلامها كاملة ولا الشاب الذي تعرفت عليه وسط زحام السيارات في البداية أنجزها على نحو كامل. وبعض أحلامهما كانت تتعانق معًا لكنهما انفصلا ليعايش كل منهما وضعه الخاص.
إذا ما فاز «لا لا لاند» بأوسكار أفضل سيناريو مكتوب مباشرة للشاشة، فإن هذا الفوز هو الأول من نوعه لفيلم موسيقي منذ فوز «المنتجون» (كتابة وإخراج مل بروكس) سنة 1967، ما يعكس أن فوز الأفلام الموسيقية التي تسللت إلى هذه السباقات محدود.
بين النصوص المتنافسة على أوسكار أفضل سيناريو مباشر فإن «لا لا لاند» له حظوة كبيرة، لكن الأمر غير مسلّـم به بعد. سيناريو كينيث لونرغان «مانشستر على البحر» عمل يُـقرأ بالمتعة ذاتها التي يشاهد فيها المرء الفيلم. مثل داميان شازيل لونرغان بكتابة الفيلم وإخراجه أيضًا ما جعله على علاقة حميمة بالموضوع الماثل من جانبيه. الثالث في هذا الفعل هو تايلور شريدان الذي كتب وأخرج «جحيم أو طوفان».
* بين النقابة والأكاديمية
هذه الأفلام الثلاثة مطروحة برسم جوائز «نقابة كتاب أميركا» السنوية التي ستعلن في التاسع عشر من هذا الشهر. إنها الدورة الـ69 لها والمثير فيها ليس وجود «لا لا لاند» و«مانشستر على البحر» و«جحيم أو طوفان» في عداد قائمة الأفلام المكتوبة خصيصًا للشاشة، بل وجود «مونلايت» في هذه القائمة ووجوده في قائمة النصوص المقتبسة عن مصادر أخرى في قائمة الأوسكار.
حين اتصلت بإدارة هذه النقابة مستفهمًا ذكر لي المسؤول الذي تسلم سؤالي أن النقابة اعتبرت قيام باري جنكنز باستيحاء النص من مسرحية مكراني (كُتبت ولم تقدّم على الخشبة بعد تحت عنوان «تحت ضوء القمر الفتيان السود يمن دون زرقًا») لم يكن كاملاً: «السيناريو تم بتوظيف فكرة المسرحية وليس باقتباسها».
مراجعة تاريخ إنتاج فيلم باري جنكينز يفيد هذا المسار. هو وكاتب النص الأصلي مكراني (الذي يعيش في بروكسل) عملاً على فكرة تجمع بين النص وبين حياة مكراني الخاصّـة. جنكينز عاد إلى الولايات المتحدة (بعد لقائه بالكاتب في بلجيكا) وكتب نصًا خاصًّا به.
أكاديمية العلوم والفنون السينمائية لم تعتبر أن هذا التباعد بين النص السينمائي والنص الأصلي كاف فأدخلت الفيلم في عداد ترشيحات السيناريوهات المقتبسة جنبًا إلى جنب الأفلام الأخرى التي تقدم ذكرها في هذه المسابقة، وهي «وصول» و«حواجز» و«أرقام مخفية» و«ليون».
هنا يكمن فارق آخر بين ترشيحات الأوسكار وترشيحات النقابة وهو وصول فيلمين آخرين إلى ترشيحات النقابة بينما غابا عن ترشيحات الأوسكار. الأول هو «حيوانات ليلية» الذي كتبه توم فورد عن رواية لأوستن رايت (وهو سيناريو جيد جدًا بحد ذاته) والثاني هو «دَدبول» Deadpool الذي تم اقتباسه عن شخصية مبتدعة في روايات الكوميكس الأميركية.
الفيلم الخامس في لائحة النقابة هو «أرقام خفية» الذي تم اقتباسه عن كتاب مارغوت لي شترلي، وهو كتابها الأول والوحيد حتى الآن، وتم التقاطه لتحويله إلى فيلم سينمائي أول ما ظهر في الأسواق مطلع العام الماضي.
سيناريو «وصول» الذي كتبه إريك هايسرر عن رواية بعنوان «قصّـة حياتك» لتد شيانغ، والداخل في المسابقتين، يستفيد من ذلك البحث عن الهوية لا الذاتية كما في «ليون» أو «مونلايت» بل بالنسبة لكوننا كائنات قد لا تكون الحية الوحيدة في الفضاء الشاسع. موضوع صب فيه الكاتب هايسرر لب رواية شيانغ، لكن القاتل فيه هو اضطراره لاعتماد تخصيص معظم أحداثه في فصل اللقاء الذي يتم بين البشر والكائنات الفضائية التي جاءت في زيارة.
للتذكير فقط، فإن أوسكار أفضل سيناريو مكتوب خصيصًا للسينما (أو «أصلي» كما هو اسمه الرسمي في قوائم أكاديمية العلوم والفنون السينمائية) ناله في مثل هذه الأيام من العام الماضي فيلم لم يتوقع له الفوز سوى حفنة قليلة بالمقارنة مع من توقعوا فوز «جسر الجواسيس». «سبتوتلايت» من كتابة مخرجه توم مكارثي وجوش سينجر فاز عن استحقاق عنوة على سيناريو وضعه كاتبان محترفان هما جووَل وإيثان كووَن (بالإضافة إلى كاتب «جسر الجواسيس» الأصلي مات شارمان).
على نحو مماثل توجه أوسكار أفضل فيلم مقتبس إلى «ذا بيغ شورت» («التقليص») لتشارلز راندولف وأدام ماكاي (الثاني أخرج الفيلم) الذي تجاور سيناريوهات مقتبسة أخرى اعتبرت أكثر احتمالاً للفوز وتحديدًا «كارول» لفيليس ناجي و«غرفة» لإيما دونوهيو.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».