صدمة في كندا بعد هجوم إرهابي استهدف مسجدا

مسلح أسقط 6 قتلى و8 جرحى > المشتبه به الرئيسي فرنسي ـ كندي لم يكن معروفا لدى السلطات

شرطيون كنديون من القوات الخاصة يصطحبون مواطنين  بعيدًا عن موقع الاعتداء على المسجد أمس (إ.ب.أ)
شرطيون كنديون من القوات الخاصة يصطحبون مواطنين بعيدًا عن موقع الاعتداء على المسجد أمس (إ.ب.أ)
TT

صدمة في كندا بعد هجوم إرهابي استهدف مسجدا

شرطيون كنديون من القوات الخاصة يصطحبون مواطنين  بعيدًا عن موقع الاعتداء على المسجد أمس (إ.ب.أ)
شرطيون كنديون من القوات الخاصة يصطحبون مواطنين بعيدًا عن موقع الاعتداء على المسجد أمس (إ.ب.أ)

قتل ستة أشخاص وجرح ثمانية آخرون في إطلاق نار على مصلين في مسجد في كيبك، في اعتداء وصفه رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو في بيان أمس بـ«الإرهابي».
وأفادت الشرطة الكندية، أمس، بأنها تحتجز شخصًا للاشتباه به في حادث إطلاق النار داخل المسجد وهو فرنسي - كندي يدعى ألكسندر بيسونيت، فيما أفاد مصدر مطلع لـ«رويترز» بأن الشخص المحتجز الثاني ليس مشتبها به وإنما شاهد وهو من أصل مغربي ويدعى محمد خضير.
وقال مفتش الشرطة في كيبيك، دينيس توركوت، إن الشرطة ضبطت أحدهما في المسجد، حين استدعيت نحو الساعة الثامنة، بالتوقيت المحلي، بينما سلم الآخر نفسه للشرطة بعد ذلك بساعة تقريبًا.
وأعلنت وزارة الخارجية الجزائرية أن اثنين من مواطنيها قتلوا في «الاعتداء الإرهابي» الذي استهدف المصلين في مسجد كيبيك الكبير بكندا والذي أسفر عن مقتل ستة أشخاص وإصابة ثمانية آخرين، حسب بيان بثه التلفزيون الجزائري الاثنين.
وقال التلفزيون: «أكدت وزارة الخارجية الجزائرية وجود جزائريين اثنين ضمن ضحايا الاعتداء الإرهابي الذي استهدف مصلين بالمركز الثقافي الإسلامي بمقاطعة كيبيك». وأضاف: «المصالح القنصلية لدى كندا تعمل على تحديد هويتهما بالتنسيق مع السلطات الكندية». كما نددت الخارجية الجزائرية بـ«هذا العمل الإرهابي الذي استهدف أبرياء».
وأشارت تقارير إعلامية كندية أمس إلى أن مغربيا وتونسيا كانا بين الضحايا كذلك.
بدورها، أعلنت الناطقة باسم إدارة الأمن في كيبك كريستين كولومب للصحافيين أن الشرطة تمكنت من القبض على الشخصين المشتبه بتنفيذهما الاعتداء الذي تتعامل معه «كعمل إرهابي».
من جهته، قال ترودو: «ندين هذا الاعتداء الإرهابي الذي استهدف مسلمين موجودين في مكان عبادة وملاذ»، معبرا عن «تعازيه الحارة إلى عائلات وأصدقاء القتلى»، وتمنياته «بالشفاء العاجل للجرحى». وقال ترودو في بيانه إن «التنوع هو قوتنا، والتسامح الديني بالنسبة لنا ككنديين من القيم العزيزة علينا». وأضاف أن «المسلمين الكنديين يشكلون عنصرا مهما في نسيجنا الوطني، وأن أعمالا جنونية مثل هذه لا مكان لها في مجتمعاتنا ومدننا وبلدنا».
وذكر شهود عيان كانوا موجودين في المكان وقت وقوع الاعتداء أن رجلين ملثمين دخلا إلى المركز الثقافي الإسلامي في كيبك (جنوب شرقي كندا)، نحو الساعة 19:30 من الأحد (00:30 بتوقيت غرينيتش أمس) أثناء أداء صلاة العشاء.
ولم تتضح بعد دوافع الاعتداء، فيما انتشرت الشرطة التي لم تستبعد احتمال وجود مهاجم ثالث تمكن من الفرار. وذكرت كولومب أن أعمار القتلى تتراوح بين 35 و70 عاما.
ودوليا، أدان الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند أمس الهجوم «بأكبر قدر من الحزم»، معتبرا أن «الإرهابيين» أرادوا «ضرب روح السلم والانفتاح لدى الكيبكيين». فيما أفادت صحيفة «ديلي ميل» البريطانية بأن باريس ستطفئ أنوار برج إيفل ترحمًا على أرواح ضحايا الاعتداء الإرهابي. أما المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، فأدانت الاعتداء «الحقير» على مسجد كيبيك.
كما أعلن مكتب رئيس الوزراء الكندي بأنه تلقى اتصالا من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. وقال المكتب في بيان إن «الرئيس ترمب أعرب عن تعازيه لرئيس الوزراء وشعب كندا عقب حادث إطلاق النار المأساوي في المركز الثقافي الإسلامي في كيبيك». كما عرض ترمب «تقديم المساعدة في حال دعت الحاجة لذلك». أما رئيس حكومة مقاطعة كيبك الناطقة باللغة الفرنسية، فيليب كويار، فكتب على حسابه على موقع «تويتر» «بعد هذا العمل الإرهابي، طلبت من الجمعية الوطنية تنكيس علم كيبك».
وأكد أن «كيبك ترفض رفضا باتا هذا العنف الهمجي. نتضامن بالكامل مع أقارب الضحايا ومع الجرحى وعائلاتهم». وأضاف: «فلنتحد ضد العنف. فلنتضامن مع أبناء كيبك من أتباع الديانة الإسلامية».
وأوضح أفراد من عناصر الشرطة المنتشرين حول المسجد أنهم كانوا يتحضرون لاعتداءات كهذه «باتت تحصل في كل أنحاء العالم». وقال رجل كان في الجامع وقت الهجوم: «لا أفهم لماذا هنا. إنه مسجد صغير».
وكان المركز نفسه المعروف أيضا باسم مسجد كيبك الكبير تعرض في السابق لهجوم معاد للمسلمين، ولكنه لم يوقع ضحايا بل اقتصر على تدنيس المكان عبر وضع مجهولين رأس خنزير أمام أحد أبوابه أثناء شهر رمضان.
ووجدت كتابات عنصرية خلال الأشهر الأخيرة على جدران عدة مساجد في أنحاء كندا. وحمل الغموض الذي أعقب إطلاق النار في مسجد كيبك البعض على التعبير عن غضبه، والبعض الآخر على الإعراب عن خوفه وخشيته في بلد يعتبر آمنا، ودفع بالكنديين إلى توجيه رسائل وحدة ومحبة إلى المسلمين.
وقال لويس - غابرييل كلوتييه، الذي يملك مخبز «لا بوات أ بان»، وقرر أن يبقي محله مفتوحا: «وصلوا مذعورين. كانوا يؤدون الصلاة عندما سمعوا إطلاق النار. وصلوا حفاة». واعترف بأنه في منتصف الليل «كان منهكا»، ويقوم بإقفال مخبزه عندما شاهد مصلين يركضون من المسجد الذي يبعد نحو مائة متر.
ووصل رجل يؤم مسجدًا آخر من المساجد العشرة في المدينة، مذعورا، ممتقع اللون. وقال هذا الثلاثيني الذي امتنع عن الكشف عن هويته لوكالة الصحافة الفرنسية: «أعرف أشخاصا كانوا في الداخل، ولم يخطر في بالي قط أن شيئا من هذا النوع يمكن أن يحصل».
وبدا ريجي لابوم عمدة كيبك متحكما بصعوبة بانفعالاته، ليل الأحد إلى الاثنين. وقال: «أريد أن أعبر عن غضبي، غضبي حيال هذا العمل الدنيء». وأضاف: «يجب ألا يدفع أي إنسان حياته ثمنا لعرقه ولونه وخياره الجنسي أو معتقده الديني».
وحاول عمدة كيبك الذي استبد به الغضب بعد إطلاق النار في المسجد، أن يخفف أيضا هواجس آلاف المسلمين «جيراننا، مواطنينا ومواطناتنا». وقال: «أريد أن أقول لهم إننا نحبهم»، لدى استقبالهم أمس في دار البلدية، وأضاف: «كما نشجعهم ونقف إلى جانبهم، لأن صدمات غير معقولة ستطول بالتأكيد» في نفوس هؤلاء الأشخاص.
وسارع حميد ناجي الذي يؤم المسجد أحيانا والذي اتصل به أحد أصدقائه، بالمجيء إلى المركز الثقافي الإسلامي في كيبك، حيث حصل إطلاق النار. لكنه يجد صعوبة، على غرار عدد كبير من الفضوليين الذين توافدوا، على رغم البرد القارس، في الاقتراب من المسجد الكائن على تقاطع «شومان سانت فوي» وطريق الكنيسة، في هذا الحي الذي يبعد نحو عشرة كيلومترات غرب الوسط التاريخي لكيبك.
وطوقت الشرطة محيطا أمنيا واسعا، ولجأ حميد ناجي إلى «لا بوات أ بان». وناجي لا يؤم المسجد «باستمرار»، لكنه يأتي فقط للمشاركة في «المناسبات الكبيرة» ولقد «جاء إلى المخبز حتى يفهم ما حصل»، كما قال.
وردا على أسئلة وكالة الصحافة الفرنسية، قال حميد ناجي: «نعتبر نحن المسلمين أن كيبك وكندا كانتا من قبل منطقة آمنة»، ملمحا بذلك إلى النقاش الحاد في المجتمع حول العلمانية في 2014 مع مشروع «ميثاق القيم» الذي كان سيمنع ارتداء الرموز الدينية في المراكز الرسمية. لكن هذا الميثاق قد أجهض.
ويأتي الاعتداء في وقت تعهدت أوتاوا بأن تستقبل المسلمين واللاجئين بعد قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب المثير للجدل بحظر دخول مواطني سبع دول ذات غالبية سكانية مسلمة إلى الولايات المتحدة.



أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.


بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
TT

بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)

انسحب الملياردير الأميركي بيل غيتس من قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في الهند، قبل ساعات من ​إلقاء كلمته فيها، اليوم الخميس، وسط زيادة التدقيق في علاقاته مع رجل الأعمال الراحل المُدان بارتكاب جرائم جنسية جيفري إبستين، بعد أن نشرت وزارة العدل الأميركية رسائل بريد إلكتروني.

وفقاً لـ«رويترز»، كان الانسحاب المفاجئ للمؤسس المشارك لشركة مايكروسوفت ‌بمثابة ضربة جديدة لفعالية ‌مهمة شابها، بالفعل، ​قصور ‌تنظيمي ⁠وخلافٌ ​بشأن الروبوتات وشكاوى ⁠من فوضى مرورية.

واستقطبت القمة، التي استمرت ستة أيام، تعهدات استثمارية تجاوزت 200 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بالهند، منها خطة بقيمة 110 مليارات دولار أعلنت عنها شركة «ريلاينس إندستريز»، ⁠اليوم. كما وقّعت مجموعة تاتا ‌الهندية اتفاقية ‌شراكة مع «أوبن إيه آي».

يأتي ​انسحاب غيتس عقب ‌نشر وزارة العدل الأميركية، الشهر الماضي، رسائل ‌بريد إلكتروني تضمنت مراسلات بين إبستين وموظفين من مؤسسة غيتس.

وقالت المؤسسة إن غيتس انسحب من إلقاء كلمته؛ «لضمان بقاء التركيز منصبّاً ‌على الأولويات الرئيسية لقمة الذكاء الاصطناعي». وكانت المؤسسة قد نفت، قبل أيام ⁠قليلة، ⁠شائعات غيابه وأكدت حضوره.

وتحدّث أنكور فورا، رئيس مكاتب المؤسسة في أفريقيا والهند، بدلاً من جيتس.

ولم يردَّ ممثل المنظمة الخيرية، التي أسسها غيتس في 2000 مع زوجته في تلك الفترة، على طلب «رويترز» للتعقيب بشأن ما إذا كان الانسحاب مرتبطاً بالتدقيق في ملفات إبستين.

وقال غيتس إن علاقته مع إبستين اقتصرت ​على مناقشات ​متعلقة بالأعمال الخيرية، وإنه أخطأ عندما التقى به.