بروز «هيئة تحرير الشام» في الشمال السوري يهدد الهدنة

بوادر ظهور كيانين عسكريين أحدهما للمعتدلين والآخر للمتطرفين

طفل سوري يبيع وقودًا في شارع بمدينة حلب أمس (رويترز)
طفل سوري يبيع وقودًا في شارع بمدينة حلب أمس (رويترز)
TT

بروز «هيئة تحرير الشام» في الشمال السوري يهدد الهدنة

طفل سوري يبيع وقودًا في شارع بمدينة حلب أمس (رويترز)
طفل سوري يبيع وقودًا في شارع بمدينة حلب أمس (رويترز)

خلط الإعلان عن تأسيس «هيئة تحرير الشام» التي تضم متشددين وفصائل أخرى في الشمال السوري، الأوراق الميدانية في المنطقة؛ كونه وفّر حماية لـ«جبهة فتح الشام» (النصرة سابقًا) التي دخلت في عزلة عقب اجتماع آستانة، بالنظر إلى تعقيد جهود فصل المتشددين عن المعتدلين في الشمال، كما شرّع الانشقاقات والتحالفات في الشمال؛ ما يشير إلى ظهور كيانين عسكريين موازيين، يتفاوتان بالقوة والعتاد والعتيد.
ويهدد هذا الاندماج اتفاق أنقرة لوقف إطلاق النار بين روسيا وتركيا، وسط معلومات عن اجتماعات تتحضر في الشمال لاتخاذ القرار حول الهدنة التي يُستثنى منها المتشددون في «داعش» و«النصرة». وفيما قالت مصادر عسكرية في الشمال لـ«الشرق الأوسط» إن هناك توجهًا لدى الكيان الجديد الذي يحكمه المتشددون لنكث اتفاق الهدنة، قال القيادي العسكري المعارض محمد الشامي، الذي انضم إلى تشكيل «هيئة تحرير الشام»، أن رئيس الهيئة أبو جابر الشيخ «لا يملك صلاحيات لاتخاذ قرار بإلغاء الهدنة، من غير موافقة مجلس شورى الهيئة»، موضحًا أن هناك اجتماعًا كان من المقرر عقده مساء الأحد في إدلب؛ بهدف الاتفاق على أمور تنظيمية مرتبطة بالهيئة. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «الأمور الإدارية والتنظيمية في الهيئة تقيّد القائد العام وتمنعه من اتخاذ قرارات مصيرية مثل اتفاق الهدنة، بمعزل عن مجلس الشورى».
ويعيد تشكيل «هيئة تحرير الشام» التي يتولى زعيم «فتح الشام» أبو محمد الجولاني منصب القيادي العسكرية فيه، إحياء جهود التوحد المتعثرة ضمن فصيل عسكري لصالح المتشددين منذ ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وسط صدمة تحيط بهذا الإعلان في أوساط المعارضة السياسية. وبدلاً من أن يكون تقويضًا لحرب «النصرة» ضد الفصائل المعتدلة في الشمال التي انطلقت الأسبوع الماضي، وأسفرت عن سيطرة التنظيم المتطرف على مناطق خاضعة لسيطرة المعارضة في ريفي حلب الغربي وإدلب، هددت «النصرة» فصيل «أحرار الشام»، أبرز الفصائل المعارضة في الشمال التي انشقت منها قياديون وعناصر لصالح التشكيل الجديد، بتجديد الهجوم عليها «إن لم تسلم (النصرة) السلاح الثقيل العائد لتنظيم (صقور الشام) المنضم إلى (حركة أحرار الشام) إثر هجوم (النصرة) عليه»، كما أعلن معارضون سوريون أمس.
ويرتبط نجاح «هيئة تحرير الشام» بالسيطرة على مفاصل الشمال، بقدرة «أحرار الشام» على الصمود قبالها، وهي «مهمة صعبة»، بحسب ما يقول مصدر عسكري معارض بالشمال لـ«الشرق الأوسط»، موضحًا أن الحركة التي كانت تعتبر أكبر الفصائل العسكرية في الشمال «تعرضت لاهتزازات في داخلها على ضوء انشقاقات حصلت في صفوفها لصالح الهيئة الجديدة»، استنادًا إلى أن القائد العام للهيئة الجديدة أبو جابر الشيخ، كان قائد الحركة في وقت سابق قبل أن يستلم قيادتها علي العمر (أبو عمار التفتنازي) التي أدت إلى استقالة الشيخ من صفوف الحركة أول من أمس (السبت).
وقال المصدر: «خسرت الحركة الآن جزءًا كبيرًا من قوتها بفعل الانشقاقات، ولم يبق من الحركة إلا 5 ألوية و20 كتيبة، لا يزيد تعدادها على 3000 مقاتل». وقال المصدر: «الحركة الآن أمام سيناريوهين، الأول يتمثل في الالتحاق بالهيئة لضمان بقائه، وهو أمر مستبعد بالنظر إلى رفض أبو عمار التفتنازي هذا الخيار، والآخر هو الإعلان عن تأسيس (جبهة تحرير سوريا) التي ستكون الكيان العسكري الموازي لـ(هيئة تحرير الشام)، وسيضم فصائل معتدلة لم تنضوِ ضمن الهيئة مثل تجمع (فاستقم كما أمرت) و(الجبهة الشامية) و(جيش الإسلام) و(فيلق الرحمن) و(فيلق الشام) و(صقور الشام)».
في المقابل، بات عدد «الهيئة» يقارب الـ31 ألف مقاتل، بعد انضمام 18 ألف مقاتل من «النصرة» و7 آلاف من حركة «نور الدين الزنكي» و1700 من «جبهة أنصار الدين» و1900 من «لواء الحق» و2000 من «جيش السنة»، كما انضم آخرون مثل «كتائب الصحابة» و«كتيبة صقور العزة» وغيرهما.
ولم تأخذ الهيئة الجديدة امتيازا في الشمال، لولا انضمام جزء أساسي من «أحرار الشام» إليها، هو عبارة عن 17 لواء عسكريا، إضافة إلى ألوية ثورية وفصائل أخرى وشرعيين، فضلاً عن عناصر انشقوا بشكل فردي من «جيش الإسلام» وتجمع «فاستقم». وعلى الرغم من إجماع المعارضة السياسية على أن تجربة «خطيرة»، ستضع الشمال أمام خياري «الاستهداف الدولي، أو تحويله إلى كيان متشدد مواز لكيان (داعش) في الشرق»، فإن أتباع «الهيئة» يدافعون عنها. وقال الشامي: «هذه الخطوة ستحمي الجميع، وتمنع ضرب الشمال بعدما انفصلت (فتح الشام) عن (تنظيم القاعدة)، فضلاً عن أن الثوار يشعرون بالغبن من المشاركة في مؤتمر آستانة الذي لم يمنع النظام من التقدم في ريف دمشق والسيطرة على وادي بردى»، زاعمًا أن هذا الاندماج هو «مبرر لإنقاذ الثورة».
لكن الإعلان الجديد عن «هيئة تحرير الشام» يشكل في الواقع رافعة للمتشددين في الشمال. ويقول معارضوه إن تجربة مشابهة «من شأنها أن تستدرج قوات التحالف الدولي لضرب الشمال برمته، إثر صعوبة الفصل بين متشددين (مدرجين على قوائم الإرهاب الدولية) ومعتدلين»، كما أنه «سيعطي المبرر لـ(النصرة) لاستكمال مخططها بضرب التنظيمات المعتدلة».
وإثر الإعلان عن الاندماج، هدأ الاقتتال بين «النصرة» والفصائل المعتدلة إلى حد ما، حيث أفاد «المرصد السوري لحقوق الإنسان» بأن الهدوء الحذر مستمر منذ السبت في ريف إدلب بعد اقتتال لأيام بين «جبهة فتح الشام» من جهة، والفصائل الإسلامية المنضمة إلى «حركة أحرار الشام» من جهة أخرى.
وكانت مصادر مقربة من الهيئة المشكلة حديثًا أبلغت المرصد السوري لحقوق الإنسان، أن هذه الفصائل شكلت باتحادها التجمع الأقوى، لكونه تشكَل من الفصائل الأقوى العاملة في ريفي حلب وإدلب وريف حماه الشمالي، وهو - أي التجمع الجديد - بقيادة القائد العام السابق لـ«حركة أحرار الشام» الإسلامية، سيضع «حركة أحرار الشام» بالانضمامات الجديدة معه من بقية الفصائل، في مأزق ومواجهة مع «هيئة تحرير الشام» المؤسسة حديثًا من «فتح الشام» وفصائل مندمجة معها.



مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
TT

مشروع دولي يعيد الخدمات ويعزز صمود المدن اليمنية

نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)
نحو 3 ملايين يمني استعادوا الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية (إعلام محلي)

يكتسب ملف إعادة تأهيل الخدمات الحضرية في اليمن أهمية متزايدة، في ظل مساعٍ دولية لإرساء أسس مرحلة ما بعد الصراع، بعد أكثر من عقد من الحرب التي أشعلها الحوثيون، وألحقت دماراً واسعاً بالبنية التحتية، وأضعفت قدرة المدن على توفير أبسط الخدمات.

وفي هذا السياق، أكد البنك الدولي أن «المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة» يدخل مرحلة جديدة هذا العام، تعكس التزاماً دولياً مستمراً بدعم تعافي المدن اليمنية وبناء قدرتها على الصمود.

ويشير تقرير حديث للبنك إلى أن المرحلة المقبلة من المشروع ستركز على توسيع الشراكات الدولية، وتبنِّي التقنيات الحديثة في التخطيط الحضري، وتعزيز مشاركة المجتمعات المحلية، إلى جانب تطوير أدوات دقيقة لقياس الأثر وتحسين الأداء. ويرى أن هذه التوجهات تمثل خطوة متقدمة نحو استعادة مسار التنمية المستدامة، وتهيئة المدن اليمنية لمرحلة ما بعد انتهاء النزاع.

ولا تزال المدن اليمنية تعاني من تداعيات صراع مستمر منذ أكثر من 10 سنوات، خلَّف أضراراً جسيمة في البنية التحتية، وأدى إلى تراجع حاد في مستوى الخدمات الأساسية. فقد توقفت خدمات جمع النفايات في كثير من المناطق، وتضررت شبكات الطرق الداخلية، بينما تواجه المرافق الحيوية انقطاعات متكررة في الكهرباء، الأمر الذي انعكس سلباً على الحياة اليومية للسكان.

مشروع الحفاظ على المدن التاريخية يوفر فرص عمل لآلاف الشباب اليمني (الشرق الأوسط)

وحسب تقديرات حديثة، يحتاج أكثر من 22 مليون يمني إلى مساعدات إنسانية، بينهم نحو 15 مليون امرأة وطفل، في حين يفتقر نحو ثلثي السكان إلى المياه الآمنة وخدمات الصرف الصحي. ويأتي ذلك في ظل عجز واضح في النظام الصحي عن تلبية الاحتياجات المتزايدة، ما يفاقم من هشاشة الوضع الإنساني.

كما ساهمت التغيرات المناخية في تعميق الأزمة، مع ازدياد مخاطر الفيضانات والجفاف وارتفاع درجات الحرارة، وهو ما يزيد من الضغط على البنية التحتية الضعيفة أصلاً، ويهدد استدامة أي تحسن في الخدمات، ما لم يتم إدماج حلول بيئية فعالة ضمن خطط التعافي.

نتائج ملموسة ومكاسب أولية

في مواجهة هذه التحديات، أطلق البنك الدولي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2017 المشروع الطارئ للخدمات الحضرية المتكاملة في اليمن، بتمويل أولي قدره 150 مليون دولار، بهدف استعادة الخدمات الأساسية في المدن الأكثر تضرراً. وقد حققت المرحلة الأولى التي انتهت في عام 2020 نتائج ملموسة على الأرض. فقد تمكن نحو 3 ملايين يمني من استعادة الوصول إلى الخدمات الحضرية الأساسية، كما وفر المشروع نحو 1.5 مليون يوم عمل، في خطوة أسهمت في دعم سبل العيش وتحريك الاقتصاد المحلي. وشملت التدخلات إعادة تأهيل نحو 240 كيلومتراً من الطرق، إلى جانب تحسين خدمات المياه والصرف الصحي والنظافة لنحو 1.2 مليون مستفيد.

التغيرات المناخية فاقمت من القصور في الخدمات الحضرية بالمدن اليمنية (الأمم المتحدة)

ويُعزى نجاح المشروع إلى اعتماده نهجاً متوازناً في توزيع التدخلات بين مختلف المناطق، بعيداً عن الاعتبارات السياسية أو الجغرافية، ما عزز من شعور المجتمعات المحلية بالإنصاف. كما تميَّز بمرونة عالية في التعامل مع الظروف المتغيرة، بما في ذلك التحديات الأمنية وتصاعد النزاع، وهو ما مكَّنه من الاستمرار في تقديم الخدمات حتى في أكثر البيئات تعقيداً.

علاوة على ذلك، لعب إشراك المجتمعات المحلية دوراً محورياً في تحديد الأولويات وتصميم الحلول، الأمر الذي أسهم في تعزيز فعالية الاستجابة وضمان توافقها مع الاحتياجات الفعلية للسكان.

مرحلة جديدة

على الرغم من هذه الإنجازات، لا تزال التحديات في اليمن كبيرة؛ خصوصاً مع استمرار النزاع وتسارع النمو الحضري؛ إذ تشير التقديرات إلى احتمال تضاعف عدد سكان المدن بحلول عام 2030، ما يزيد من الضغط على الخدمات الأساسية. وفي هذا الإطار، يجري تنفيذ المرحلة الثانية من المشروع بتمويل يبلغ 195 مليون دولار، بعد إقراره في عام 2021.

وتهدف هذه المرحلة إلى توسيع نطاق الخدمات لتشمل نحو 3 ملايين شخص، من خلال تحسين خدمات المياه والصرف الصحي، وتطوير شبكات الطرق، وتعزيز إمدادات الطاقة. كما تستهدف تقليل مخاطر الفيضانات التي تهدد نحو 350 ألف شخص، عبر تطوير أنظمة تصريف مياه الأمطار وتعزيز البنية التحتية الوقائية.

صورة جوية لطريق حيوي يربط مدينة تعز بالعاصمة اليمنية المؤقتة عدن (أ.ب)

ويركز المشروع أيضاً على بناء قدرات المؤسسات المحلية التي تضررت خلال سنوات الحرب، مثل مؤسسات الأشغال العامة وصناديق النظافة وصيانة الطرق، من خلال برامج تدريبية وتقييمات فنية تهدف إلى تمكينها من قيادة جهود التعافي مستقبلاً.

كما يتضمن إدماج حلول لمواجهة آثار التغير المناخي، عبر تطوير خطط حضرية تراعي المخاطر البيئية، وتعزيز قدرة المدن على التكيف مع الكوارث الطبيعية، وهو ما يعد عنصراً أساسياً في تحقيق الاستدامة.

ويولي المشروع اهتماماً خاصاً بقطاع إدارة النفايات الصلبة الذي شهد تدهوراً كبيراً خلال سنوات النزاع؛ حيث تم توفير معدات حديثة للنظافة وتمويل برامج لتحسين جمع النفايات في عدد من المدن الرئيسية، بما يسهم في الحد من المخاطر الصحية والبيئية.


الحوثيون يوسّعون القمع ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً

دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون يوسّعون القمع ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً

دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)
دورية حوثية في أحد شوارع العاصمة اليمنية صنعاء (إ.ب.أ)

شهدت مناطق خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية في اليمن موجة جديدة من الإجراءات التي تستهدف الأنشطة الدينية والتعليمية المختلفة مذهبياً، في خطوة تعكس توجه الجماعة لإعادة تشكيل المجال الديني بما يتوافق مع رؤيتها الطائفية.

وخلال الأيام الماضية، أقدمت عناصر حوثية على إغلاق مراكز لتحفيظ القرآن وتدريس العلوم الشرعية في كلٍّ من صنعاء ومحافظة إب، وسط تنديد محلي وتحذيرات حقوقية من تداعيات هذه الانتهاكات على الحريات الدينية والنسيج الاجتماعي.

في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، أفادت مصادر مطلعة بأن مسلحين حوثيين نفذوا حملة دهم استهدفت مركز «الهُدى» في حي السنينة بمديرية معين، حيث جرى إغلاقه بشكل كامل بعد طرد الطلاب والمعلمين ومصادرة محتويات مكتبته.

استهداف حوثي متكرر لـ«مركز الشافعي» في محافظة إب (فيسبوك)

ووفقاً للمصادر، جاء هذا الإجراء على خلفية رفض إدارة المركز الانصياع لتوجيهات صادرة عن جهات تابعة للجماعة، تضمنت إخضاع المركز لإشراف ما يسمى مكتب الأوقاف وإلحاقه ببرامج التعبئة الفكرية.

وسبق أن فرض الحوثيون قيوداً على خطب المساجد والدروس الدينية، وألزموا القائمين عليها بتبني مضامين محددة تتماشى مع خطابهم العقائدي.

حملة في إب

في محافظة إب، تكررت المشاهد ذاتها، حيث اقتحم مسلحون حوثيون مركز «الشافعي» للعلوم الشرعية في منطقة «ماتر»، بعد سلسلة من المداهمات السابقة التي استهدفت مكتبته وصادرت محتوياتها. وحسب شهود عيان، فقد أُجبر الطلاب على مغادرة المركز دون أي مسوغ قانوني أو أوامر قضائية، في خطوة عدّها السكان مؤشراً على تصعيد أوسع ضد المؤسسات الدينية المستقلة.

وتعود جذور هذا الاستهداف إلى فترة سابقة، حين اقتحمت الجماعة المركز ذاته وأغلقت أبوابه مؤقتاً، قبل أن تعاود استهدافه مجدداً ضمن حملة أوسع لإغلاق ما تبقى من المراكز غير المنضوية تحت سلطتها. ويؤكد شهود أن هذه العمليات غالباً ما تُنفذ بأسلوب مفاجئ، مما يضاعف من حالة القلق بين الطلاب والعاملين في هذه المؤسسات.

مركز ديني استهدفه الحوثيون سابقاً وحوّلوه إلى مركز تدريبي في إب (فيسبوك)

وأثارت هذه التطورات موجة استياء واسعة في الأوساط المحلية، حيث يرى ناشطون يمنيون أن ما يجري يمثل انتهاكاً صريحاً لحرية التعليم والمعتقد، ويهدد بتقويض التعددية الدينية التي عُرفت بها بعض المناطق اليمنية تاريخياً. كما حذروا من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى تفاقم التوترات الاجتماعية، خصوصاً في ظل الظروف الإنسانية الصعبة التي تعيشها البلاد.

أبعاد طائفية

يرى مختصون أن الحملة الحوثية ضد المراكز الدينية المختلفة مذهبياً لا تقتصر على إجراءات أمنية أو تنظيمية، بل تحمل أبعاداً طائفية تهدف إلى إعادة تشكيل الهوية الدينية في المجتمع. فالمراكز المستهدَفة تنتمي إلى تيارات لا تتبنى الخطاب العقائدي للجماعة، مما يجعلها عُرضة للإقصاء ضمن سياسة ممنهجة لتوحيد المرجعية الدينية.

ويُحذر خبراء من أن إغلاق هذه المؤسسات قد يُفضي إلى نتائج عكسية، من بينها حرمان شريحة واسعة من الشباب من التعليم الديني الوسطي، وفتح المجال أمام بروز أفكار متشددة أو غير منظمة خارج الأطر التعليمية التقليدية. كما قد يسهم ذلك في تعميق الانقسامات داخل المجتمع، ويُضعف فرص التعايش بين مختلف المكونات الفكرية.


العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
TT

العليمي يدعو للتسامح وتعزيز الشراكة الوطنية الشاملة

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)
رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

دعا رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، مواطنيه إلى ترسيخ قيم التسامح والتصالح، وتغليب المصلحة الوطنية في مرحلة وصفها بالمفصلية في تاريخ البلاد، معتبراً أن مؤشرات الخروج من الانقلاب الحوثي باتت قريبة أكثر من أي وقت مضى.

وفي خطاب بمناسبة عيد الفطر المبارك، ألقاه نيابة عنه وزير الأوقاف والإرشاد، شدد العليمي على أن تحقيق النصر لا يقتصر على العمل العسكري، بل يتطلب أيضاً تعزيز ثقافة الحوار، والتسامح، والعمل المشترك بين مختلف القوى الوطنية، بما يضع مصلحة اليمنيين فوق أي اعتبارات أخرى.

وهنأ رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمنيين في الداخل والخارج، والقوات المسلحة والأمن، معبراً عن أمله في أن تعود هذه المناسبة وقد استعادت البلاد مؤسساتها واستقرارها، وتبددت آثار الحرب التي أشعلها الحوثيون.

واستحضر العليمي في خطابه ذكرى تحرير العاصمة المؤقتة عدن من الحوثيين، باعتبارها محطة بارزة في مسار تحرير اليمن، مشيراً إلى ما وصفه بدور «المقاومين» في تحقيق ذلك الحدث، الذي اعتبره رمزاً لصمود اليمنيين.

العليمي شدد على توحيد القوى اليمنية في مواجهة الانقلاب الحوثي (أ.ب)

كما أشار إلى اقتراب الذكرى الرابعة لتشكيل المجلس الرئاسي الذي يقوده، وقال إن تلك الخطوة مثلت انتقالاً نحو الشراكة الوطنية بدلاً من الانقسام، مع تأكيده أن التجربة خلال السنوات الماضية أظهرت قدراً أكبر من التماسك والانسجام داخل المجلس، وفق تعبيره.

وأكد العليمي أن تشكيل الحكومة الجديدة جاء في هذا السياق، بهدف الجمع بين الكفاءة والخبرة والتمثيل الواسع، بما يعزز فرص بناء مؤسسات الدولة، وتحسين الأداء الحكومي في مختلف القطاعات.

تحديات الاقتصاد

تطرق خطاب العليمي إلى التحديات الاقتصادية والخدمية، مشيراً إلى أن التخفيف من معاناة المواطنين يتطلب توافر الإرادة السياسية، وتعزيز التوافق بين القوى الوطنية، إلى جانب دعم الشركاء الإقليميين والدوليين.

ولفت إلى أن بعض المؤشرات الإيجابية بدأت بالظهور في المناطق الخاضعة للحكومة الشرعية، من بينها تحسن نسبي في الخدمات، وانتظام دفع الرواتب، وتقدم في توحيد القرارين الأمني والعسكري، معتبراً أن هذه التطورات تعكس إمكانية بناء نموذج مختلف رغم تعقيدات المرحلة.

ملايين اليمنيين يفتقدون بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين (أ.ف.ب)

وفي هذا السياق، أكد أهمية دور السلطات المحلية والمحافظين في تعزيز حضور الدولة، وتحقيق استجابة أفضل لاحتياجات المواطنين، بما يعيد الثقة بالمؤسسات العامة ويقربها من حياة الناس اليومية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني على ضرورة الحفاظ على وحدة الصف الوطني، محذراً من أن الخلافات الداخلية قد تعرقل مسار استعادة الدولة، ومؤكداً أن التجارب السابقة أظهرت أن الصراعات البينية لا تخدم المصلحة الوطنية.

إشادة بالدعم السعودي

على الصعيد الإقليمي، جدد العليمي تأكيد دعم اليمن للدول الخليجية والأردن في مواجهة التحديات الأمنية، معبراً عن تقديره لما وصفه بجهود تلك الدول في حماية أمنها واستقرارها.

كما أشاد بمواقف السعودية، واصفاً إياها بالداعم المستمر لليمن، ومشيراً إلى أن الشراكة مع الرياض تتجاوز العلاقات التقليدية إلى مستوى المصير المشترك والأمن المتبادل.

وفي المقابل، انتقد سياسات إيران، معتبراً أنها تسهم في توسيع دائرة الصراع في المنطقة، وداعياً إلى احترام سيادة الدول ومبادئ حسن الجوار، ووقف التدخلات التي تؤدي إلى تأجيج النزاعات.

عنصر حوثي في صنعاء يرفع صورة مجتبى خامنئي المرشد الإيراني الجديد عقب تصفية والده (إ.ب.أ)

وأكد العليمي أن تحقيق الاستقرار الإقليمي يتطلب تعاوناً جماعياً لردع ما وصفها بمشاريع الفوضى، والعمل على تعزيز فرص السلام والتنمية، بما ينعكس إيجاباً على شعوب المنطقة.

ووجه العليمي رسالة إلى مواطنيه في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، مؤكداً أن مستقبل اليمن سيكون قائماً على دولة عادلة تضمن المساواة بين جميع أبنائها، دون إقصاء أو تهميش.

وأشار إلى أن «بشائر الخلاص» نتيجة لصمود اليمنيين وتضحياتهم، معبراً عن ثقته بإمكانية تجاوز المرحلة الراهنة رغم صعوبتها، شريطة استمرار العمل المشترك والتحلي بالصبر.