ينكب وزير الإعلام اللبناني، ملحم رياشي، على وضع خطة شاملة لتحديث الإعلام اللبناني، خصوصًا أن التحديات كثيرة. وذلك بعد أزمة الصحافة الورقية، ومشكلات البرامج التلفزيونية، وشكوى الصحافيين بسبب حقوقهم المهدورة. ولعلّ الإيقاع السريع لعمله الذي يتبعه منذ توليه مهامه في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، يأتي بسبب ضيق الوقت الذي يحيط بولايته الحالية. فقد تواصل مع أهل الإعلام من أصحاب مؤسسات ومحررين بصورة مباشرة، محاولاً تقريب وجهات النظر فيما بينهم، ووضع حدّ لبعض الشوائب التي باتت نافرة على الساحة الإعلامية. وعقد اجتماعات متتالية مع جهات أساسية في المشهد الإعلامي نتج عنها اقتراحات حلول يجري العمل على تطويرها. كما توجّه الوزير إلى الإعلاميين قائلاً لهم: «أعتبر نفسي واحدًا منكم، ويهمّني أن تعتبروا وزارة الإعلام هي وزارة الإعلاميين وأصحاب وسائل الإعلام على اختلافها، رسمية كانت أم خاصة».
أما القرار الذي اتخذه منذ تعيينه وزيرًا للإعلام، ويعمل على تحقيقه، فهو إلغاء وزارة الإعلام، واستبدالها بـ«وزارة التواصل والحوار»، محاولاً بذلك إدخال لبنان القرن الـ21، حسب رأيه. فهو يملك رؤية إعلامية شبابية، ويتميّز بأداء يحمل رؤية مستقبلية، على أمل أن يكمل البناء أي وزير يمكن أن يخلفه بعد نحو ستة أشهر؛ موعد الانتخابات النيابية الجديدة في لبنان كما هو متوقّع... «لا يهمني أن أعود وزيرًا مرة جديدة، كل ما يشغلني اليوم هو وضع حجر الأساس، على أن يكمله من يخلفني، الذي لن يكون وزير إعلام، بل وزير تواصل»، هذا ما قاله الوزير رياشي في سياق حديثه لـ«الشرق الأوسط».
في البداية، تحدث الوزير ملحم رياشي الذي يمارس مهنة تعليم مادة «الجيوستراتيجيا التواصلي»، في جامعة الروح القدس (الكسليك)، عن اللقاء الذي جمعه بنظيره السعودي عادل الطريفي، في الرياض، مشيرًا إلى أنه كان لقاءً مثمرًا تمّ على أثره التوافق على إرسال خبراء سعوديين لدراسة حاجات الإعلام اللبناني.
وبعدها تطرق إلى الأسباب التي دفعته إلى اقتراح إلغاء وزارة الإعلام، واستبدالها بالتواصل والحوار، فقال: «برأي إن أكبر ضرر على الإعلام هو وزارته، فعمليًا صار كل مواطن لديه جهاز هاتف جوال بإمكانه أن يمارس مهمة الوزارة الحالية القائمة على تبليغ المواطن آراء الدولة ونظريّاتها العادية. فمن خلال هذه الآلة، بإمكانه أن يزوّد هو أيضًا الدولة ومجلس الأمن فيها بالمعلومات اللازمة».
ويضيف الوزير رياشي موضحًا: «من حيث المبدأ، لم تعد هناك حاجة لكلمة إعلام (information) لأنها استبدلت بها كلمة تواصل، بعد أن أصبحت وسائل الأخيرة هي السائدة، وحولت المواطن من متلقي فقط إلى متلقي ومرسل في الوقت نفسه. لذلك أنا مع تحويلها إلى (وزارة التواصل والحوار)، لا سيما أن لبنان يحمل هذه الرسالة في كيانه، فيصبح بذلك نموذجًا لها في المنطقة دون أن ننسى أنه بلد التسويات والحوارات وإنتاج الانتصارات من خلال لقاءات بين مختلف الأطراف».
وتساءل الوزير اللبناني عن سبب عدم اختيار لبنان لعقد مؤتمرات سلام كتلك التي جرت بين الأطراف السوريين أو اليمنيين، إضافة إلى أخرى طبعها التحاور وحصلت في سويسرا: «لماذا عليهم أن يذهبوا إلى جنيف مثلاً بدل أن يأتوا إلى بيروت؟ عندما توجد وزارة التواصل والحوار، بالتجهيزات اللوجيستية اللازمة والبنى التحتية المطلوبة، نستطيع أن نقول لهم «أهلاً وسهلاً بكم في لبنان»، مضيفًا: «هذه هي المهمة الاستراتيجية التي أطمح إلى تطبيقها على الأرض، وسأضع على الأقل المدماك الأساسي لها، وأرفع مشروع قانون إلى مجلس الوزراء في هذا الصدد».
وفي سياق حديثه مع «الشرق الأوسط»، رد الوزير اللبناني عمن سيشكل المرجعية الأساسية لوسائل الإعلام في غياب وزارتها برأيه، فأجاب: «هناك قانون إعلام سيشهد تطورًا كبيرًا، كما أنني مع إعطاء مجلس الإعلام الوطني صلاحيات. فهو كمثله في أي دول حضارية أخرى يناط به صلاحيات عدة. كما أنني منكب على تطوير قانون نقابة المحررين، وإنجازه في أقرب وقت ممكن. وممنوع بعد اليوم ألا يعامل المحرر باحترام، أو أن يعمل في غياب حق التعاقدات، فيقال له في ظل كثافة أعداد الإعلاميين هذا هو أجرك، وإذا لم يعجبك الأمر، نتعاون مع غيرك».
وعن الاستفسار حول إمكانية أن تصبح النقابة مشابهة لنقابات لبنانية أخرى، كنقابة الأطباء مثلاً، قال: «تمامًا، على أن تضم جميع المحررين دون استثناء، ولأي وسيلة إعلامية انتموا، ليسمونها كما يشاءون؛ نقابة الإعلاميين أو المحررين، فهذا مدار بحث يجري بيننا وبين النقابة اليوم، وسنتقدم بمشروع قانون، والمطلوب من المحرر في حال بدل عمله، وانتقل مثلاً من الإعلام المكتوب إلى المرئي أو الإلكتروني وغيره، أن يبلغ نقابته بذلك لتكون على علم في أي خانة وسيلة إعلامية يسجل لديها».
وبحسب رأيه، فإنه من المفترض أن يستمر المحرر في الكتابة، رغم تقدمه في السن، مضيفًا: «يجب أن يمارس الكتابة من باب خبرته وتمرّسه، فإن قلمه يصبح جوادًا أكثر مع الوقت، مما يدفعنا إلى الاستفادة منه بدل أن نتركه تائهًا». وعما إذا كان ذلك سيؤدي إلى تفعيل مهمة النقابة لتكون البديل عن المرجعية الرسمية للإعلامي، أجاب: «النقابة ستتمتع بسلطتين أساسيتين: تفعيل التعاقد والتعاضد والتقاعد، وكذلك تفعيل الحصانة التي يجب أن يتمتع بها المحرر، بحيث لا يتم التعاطي معه بتاتًا دون العودة إلى نقابته».
وإلى جانب هذه الخصوصيات، يعمل الوزير رياشي دائمًا، بالتعاون مع نقابة المحررين، على إصدار طابع بريدي (طابع المحرر) يتم فرضه على جميع المعاملات الرسمية في الدولة، ويعود سعره (ألف ليرة) إلى صندوق النقابة، مما يساهم في تمويل صندوق التعاضد الصحي فيها كي يبقى محميًا حتى آخر لحظة من عمره.
وعن المجلس الوطني للإعلام، قال: «يرأس المجلس الوطني الحالي عبد الهادي محفوظ، وهو شخص متمرس صاحب خبرة كبيرة في مجاله، وسيتم انتخاب مجلس جديد يضم عناصر جديدة لتواكب عمل المجلس على أفضل صورة».
وأشار رياشي إلى أن المهلة التي أعطاها للمعنيين من أجل تزويده بالتعديلات التي يرونها ضرورية (72 ساعة) في موضوع قانون الإعلام الجديد، فرضها عليه الوقت الضيق، لا سيما أن هذا القانون موجود في أدراج الدولة منذ 6 سنوات، مؤكدًا أن أي تعديلات جديدة بعد سنّه ممكنة، شرط التصويت عليها.
وتحدّث عن نقابة الصحافة مشيرًا إلى أنها صارت جاهزة لتضم جميع وسائل الإعلام على اختلافها، لتتحول إلى «نقابة أصحاب وسائل الإعلام» بدل نقابة الصحافة فقط، مضيفًا: «نحاول إدخال إيقاع جديد على النقابات، بالتعاون الدائم معها، دون اللجوء إلى إلغاء أي من عناصرها الأساسية، وذلك من باب عصرنتها. فقط هي وزارة الإعلام التي سيتم إلغاؤها».
وإن كان سيستطيع بهذه الخطوات أن يحلّ مشكلات لبنان الإعلامية، وفي مقدمتها إفلاس المطبوعات الورقية، وإقفال أبوابها، قال: «هذا أمر آخر، ونحن نعمل عليه حاليًا، بحيث ستساهم الدولة اللبنانية في الانتقال الطبيعي لتلك المؤسسات، من الورق إلى الإلكتروني، عبر مهل متوسطة الأمد، على أن يبقى من يرغب على حاله في مهلة سنتين من إقرار المشروع الذي سنقدمه إلى مجلس الوزراء، وإذا لم يتم حسمه، فسأقوم أنا بهذه المهمة».
وحول ما إن كانت تنحصر المشكلة بالتمويل، قال: «لا، هناك أيضًا إعفاءات ضريبية وجمركية نعمل عليها، كأن نعفي أصحاب المؤسسات من رسوم الضمان الاجتماعي، فتضاف كلفتها بشكل مباشر إلى أجر المحرر. كما سنجد طريقة لتسدد الدولة هذه الفروقات عن الإعلامي، فنكون بذلك قد خففنا الأعباء عن المؤسسة والصحافي معًا، دون أن يلحق الغبن بأحد. وحتى الإعفاءات من الرسوم الجمركية الخاصة بالكاميرات التلفزيونية ستكون واردة».
وأضاف مستطردًا عن المضمون الإعلامي أنه «من مسؤولية الإعلاميين وأساتذة كليات الإعلام الذين سأعقد معهم اجتماعًا في الأيام القليلة المقبلة. مع الأسف، هناك مشكلتان أساسيتان مطلوب منّا إيجاد حلول لهما، وهما غياب الأخلاق والثقافة الإعلامية. كثيرون يدخلون هذا المجال دون التمتّع بأي خلفيّة عن هاتين القيمتين الاجتماعيتين، وعلينا أن نتدارك الوضع بشكل عملي. ومن هنا، سأتوجه بنصيحة للإعلاميين طالبًا منهم أن يحافظوا على عمودين أساسيين في عالم الإعلام والتمسك بهما إلى أبعد حد، ألا وهما: الحرية وآداب المهنة».
وفي الختام، عبر الوزير رياشي عن الرؤية العامة التي يرغب في تطبيقها على الإعلام اللبناني، فقال: «أريد أن أوصل لبنان 2017 إلى العصرنة السائدة في مختلف الدول المتحضرة، على ألا يخسر في المقابل رسالته الأساسية في تعميق جذور فلسفة هذا الكيان، وكما قال الراحل كمال جنبلاط: إننا نستورد قيم كثيرة من الغرب لا نملكها، وعلينا في المقابل أن نورد لهم ما لم نتخلى عنه لصالح حضارات الآخرين».
مجموعة قوانين مختلفة يستعدّ وزير الإعلام اللبناني لتقديمها، وبينها قانون الآداب الإعلامية واستحداث مجلس تأديبي في نقابة المحررين، إضافة إلى تعديل قانون نقابتي الصحافة والمحررين، وقانون الإعفاء من الضرائب والرسوم الجمركية، وآخر يتعلّق بدعم الصحافة الورقية وغيرها.
وزير الإعلام اللبناني يسعى لإلغاء الوزارة ووضع قانون يحدث تحولاً كبيرًا
ملحم رياشي لـ «الشرق الأوسط» : أريد إيصال البلد إلى العصرنة دون أن يفقد رسالته
وزير الإعلام اللبناني ملحم رياشي - وزارة الإعلام تعمل على حل مشكلات الإعلام وفي مقدمتها إفلاس المطبوعات الورقية
وزير الإعلام اللبناني يسعى لإلغاء الوزارة ووضع قانون يحدث تحولاً كبيرًا
وزير الإعلام اللبناني ملحم رياشي - وزارة الإعلام تعمل على حل مشكلات الإعلام وفي مقدمتها إفلاس المطبوعات الورقية
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

