«الشعوب التركية»... وأصابع الاتهام بالإرهاب

سفاح «ليلة رأس السنة» في إسطنبول زاد من التساؤلات حولها

«الشعوب التركية»... وأصابع الاتهام بالإرهاب
TT

«الشعوب التركية»... وأصابع الاتهام بالإرهاب

«الشعوب التركية»... وأصابع الاتهام بالإرهاب

فتحت الحوادث الإرهابية الأخيرة التي تورط فيها مواطنون من آسيا الوسطى، أو ما يسمى بـ«العالم التركي» The Turkic World، الكثير من التساؤلات حول تمدد التنظيمات الإرهابية مثل «داعش» و«القاعدة» في هذه المناطق، وانعكاس ذلك، بالتالي، على منطقة الشرق الأوسط.
منفذو الهجوم على مطار أتاتورك الدولي في 28 يونيو (حزيران) الماضي ومطعم ونادي رينا في إسطنبول في الساعات الأولى من عام 2017 جاؤوا من منطقتي القوقاز وآسيا الوسطى. إذ نفذ هجوم المطار شيشاني وأوزبكي وقيرغيزي تلقوا، على ما يبدو، تدريباتهم على يد «داعش»، بحسب السلطات التركية. ثم تبين أن عبد القادر ماشاريبوف المكنّى بـ«أبو محمد الخراساني»، منفذ «مجزرة رأس السنة» في مطعم رينا، الذي سقط في قبضة الأمن التركي ليل الاثنين الماضي، من أوزبكستان أيضًا وينتمي إلى «داعش». ويرى خبراء في مكافحة الإرهاب أن تكرار هذه العمليات يشير إلى أن التنظيم الإرهابي المتطرف أعلن حربًا على تركيا بسبب مقاتلته في سوريا عبر عملية «درع الفرات» التي انطلقت في 24 أغسطس (آب) الماضي. ولعل التنظيم بدأ توظيف فعلاً خلاياه من مواطني دول آسيا الوسطى الذين يعيش الآلاف منهم في تركيا، وغالبيتهم تجيد اللغة التركية ومنخرطة في المجتمع بسهولة؛ ما يزيد من خطورتهم. ويؤكد الخبراء، أنه من الصعب تأكيد عدد الأوزبك والقيرغيز الذين يقاتلون اليوم في صفوف «داعش»، إلا أن ما يلفت الانتباه هو أن غالبيتهم يُستخدمون في العمليات الانتحارية.
ما زال خطر تمدد التنظيمات الإرهابية وانتشارها، ومنها «داعش» الذي استطاع الانتشار في مناطق ودول كثيرة، يشكل مصدر قلق وخوف بالغ للكثير من حكومات دول آسيا الوسطى. وهذه الدول تجد اليوم صعوبة بالغة في التعامل مع هذا الملف، الذي بات يشكل تهديدا حقيقيا للأمن والاستقرار، وهي التي تعاني أصلا مشكلات وأزمات أمنية واقتصادية كبيرة، قد تكون سببا في تنامي خطر «داعش» الذي يعتمد استراتيجيات وخططا خاصة للتجنيد والتمويل، وتنفيذ العمليات الإرهابية في جميع أنحاء العالم.
ويعتقد بعض الخبراء، أن هناك الكثير من العوامل والمقومات التي قد تساعد في انتشار «داعش» وأمثاله في بعض دول آسيا الوسطى، ولا سيما أن عددًا من التنظيمات والشخصيات المتشددة أعلنت مبايعة التنظيم ودعمه. وفي الفترة الأخيرة، كشفت صحيفة «الغارديان» البريطانية أن نحو أربعة آلاف مهاجر من آسيا الوسطى سافروا إلى سوريا للانضمام إلى التنظيمات المقاتلة هناك بعد تجنيدهم سرًا من قبل إرهابيين شيشانيين.
وحقًا، يشعر قادة دول آسيا الوسطى، بالذات، بقلق بالغ من تمدد التنظيمات الإرهابية في أراضيها. وفي حين أعربت الولايات المتحدة عن تخوفها من انتشار «داعش» في هذه الدول الإسلامية التي كانت جمهوريات ضمن الاتحاد السوفياتي السابق، تخشى روسيا اختراق «داعش» حدودها الجنوبية؛ وهو ما دفع الدول الكبرى إلى تكثيف جهودها الأمنية في هذه المناطق.
وفي خطوة غير مسبوقة، أرسلت الولايات المتحدة المئات من الدبابات وناقلات الجنود وكميات كبيرة من الأسلحة إلى جمهورية أوزبكستان. كما أن روسيا ستزود طاجيكستان، وهي الجمهورية الوحيدة غير التركية في آسيا الوسطى السوفياتية سابقًا؛ إذ إن التاجيك آريون وأبناء عمومة الإيرانيين، بأسلحة متطورة بقيمة مليار وثلاثمائة مليون دولار؛ لمساعدة هذه الجمهورية من مواجهة الجماعات المسلحة. ومن جانبها، تشعر الصين الشعبية التي لها حدود مشتركة مع وسط آسيا بتخوف وقلق من امتداد «داعش» إلى حدودها الشرقية وانتشارها في إقليم سنكيانغ (غرب الصين) المعروف بـ«تركستان الشرقية»، حيث يشكّل الويغور الترك غالبية السكان الأصليين في الإقليم.
* مقاتلو القوقاز
جدير بالذكر، أنه سبق أن أعلن مقاتلون من أربع جمهوريات مسلمة في منطقة القوقاز هي جمهوريات داغستان والشيشان وإنغوشيتيا (الإنغوش) وقباردينو – بلكاريا (القبرطاي والبكار)، وكلها جمهوريا ذاتية الحكم ضمن جمهوريا روسيا الاتحادية، مبايعتهم تنظيم داعش في تسجيل مصور على الإنترنت باللغتين العربية والروسية.
ويقول مسؤولون في روسيا إن «آلاف الروس، وجلّهم من القوقاز، سافروا بالفعل إلى سوريا والعراق للقتال في صفوف (داعش)». وقدّر نائب سكرتير مجلس الأمن الروسي، أن الرقم يصل إلى ألفي مقاتل، وتحدث عودة هؤلاء المقاتلين في الغالب عن طريق تركيا بعدما يدعون أنهم سياح فقدوا أوراقهم.
من جهة ثانية، أصدرت جمهورية طاجيكستان مذكرة اعتقال دولية لقائد «القوات الخاصة» في شرطتها غول مراد حليموف؛ لانضمامه إلى «داعش»، واتهمته بالخيانة العظمى. وكان الكولونيل حليموف (40 سنة)، الذي تلقى تدريبا في الولايات المتحدة، قد اختفى ثم ظهر في شريط فيديو نشر على الإنترنت وهو يتشح بالسواد ويلوح ببندقية قنص، ويهدد بنقل القتال إلى روسيا والولايات المتحدة. وأثار انشقاق حليموف يومذاك قلق كثيرين في طاجيكستان الواقعة على الحدود مع أفغانستان، التي ما زالت مضطربة بعد مقتل عشرات الآلاف في حرب أهلية بين عامي 1992 و1997. في حين عزّزت دول عدة في آسيا الوسطى المناورات العسكرية مع روسيا والولايات المتحدة، مؤكدة عزمها على محاربة التطرف باسم الإسلام.
* منطقة خصبة
من ناحية ثانية، يرى خبراء أن غياب اهتمام الإعلام الغربي وقلة تركيزه على منطقة آسيا الوسطى يدفع إلى إهمال الربط بين «داعش» والدول ذات الشعوب المنتمية للعرق التركي في مناطق الاتحاد السوفياتي السابق بآسيا الوسطى، ومن هنا، فإن التنظيم يستفيد من تجنيد أبناء هذه الشعوب للقيام بعمليات في تركيا؛ إذ إن اللغة والثقافة مشتركتان، ما يسهّل اندماجهم بسهولة بين المواطنين الأتراك أكثر من العرب، وهذه الصفات بالإضافة إلى التاريخ المضطرب الذي عاشته دول المنطقة منذ انهيار الاتحاد السوفياتي؛ يجعلها منطقة خصبة لاكتساب أتباع جدد للتنظيم.
ويلفت الأكاديمي التركي نهاد يلماز، إلى أن انهيار الاتحاد السوفياتي قاد إلى المرحلة الأخيرة من الحرب الأهلية الأفغانية، وإلى اندلاع الحرب في طاجيكستان، التي أدت إلى ظهور حركة طالبان في أفغانستان، الحركة الأقل شهرة منها في أوزبكستان أي «الحركة الإسلامية الأوزبكية». وحسب يلماز كان الهدف الأبرز للحركة الأخيرة الإطاحة بنظام الرئيس (الراحل) إسلام كريموف في أوزبكستان والاستعاضة عنه بـ«خلافة إسلامية» تحكم المنطقة، وأن جمهوريات أوزبكستان وطاجيكستان وتركمانستان وقيرغيزستان وكازاخستان ضبطت حركة التنقل فيما بينها.
هذا، وشنّت «الحركة الإسلامية الأوزبكية» هجمات خطيرة على قيرغيزستان من قواعدها في طاجيكستان المجاورة في عامي 1999 و2000 قبل تقييد قدرات الحركة بالاجتياح الأميركي لأفغانستان عام 2001. ورغم تدمير أميركا وحلفائها «الحركة الإسلامية الأوزبكية» خلّفت الأخيرة وراءها تراثًا يقوم على محاولات خلق بديل إسلامي للأنظمة الديكتاتورية في دول آسيا الوسطى في حالة غير مسبوقة إقليميًا. وتجسد تصاعد القمع وعمليات الاضطهاد ضد الجماعات الإسلامية والمعارضة في المجزرة التي وقعت عام 2005 في مدينة أنديجان بأوزبكستان، عندما قمع الجيش الأوزبكي المتظاهرين من المواطنين الذين طالبوا بوظائف أفضل وتعليم وخدمات حكومية، وأدى تحدي المتشدّدين للحكومة إلى وقوع ألف قتيل.
* غياب الإصلاحات
ويرى خبراء، أن حظر الأحزاب الإسلامية السياسية والمنظمات، مثل حزب التحرير الإسلامي، الذي يهدف إلى إقامة «الخلافة» في آسيا الوسطى عبر السياسة لا العنف، دفع كثرة من الشباب إلى حظيرة الراديكاليين الذين يعملون بشكل سري. وهذا على الرغم من أن اللجوء إلى العنف باسم الإسلام مرتبط باليأس والغضب والاضطهاد والسياسات الخاطئة لا فهم الدين.
وتحديدًا، يشير الخبراء إلى أن إخفاق حكومات آسيا الوسطى في تحقيق إصلاحات سياسية واقتصادية، وتخفيف الضغط على الأحزاب والمنظمات الإسلامية أدى إلى اندلاع نزاع واسع يستلهم الكثير من أفكار «داعش»، وعمليات إرهابية واسعة ينفذها أبناء آسيا الوسطى في الخارج. وهذا بالضبط ما عكسته الاعتداءات القاتلة في إسطنبول، حيث بات واضحًا أن المجندين من أبناء دول آسيا الوسطى في صفوف «داعش» قرّروا مغادرة المناخ الذي يعيشون فيه، والبحث عن مناطق للقتال في سوريا وتركيا. وكانت فيونا هيل، الباحثة في معهد «بروكينغز» بالعاصمة الأميركية واشنطن، قد ناشدت الكونغرس الأميركي ضرورة التحليل العقلاني والعميق للخطاب الديني المتطرف، واعتبرت أن الالتزام الطويل الأمد، والتقييم الحذر، وتنسيق الخطط الطارئة هي الحلول الوحيدة من أجل مواجهة تحديات آسيا الوسطى، وتحقيق النجاح في الحرب ضد تنظيمات مثل «داعش». وقالت: إنه طالما واصلت أنظمة المنطقة تجاهل معاناة الناس العاديين فإن أعدادا جديدة منهم ستنضم إلى صفوف «داعش» وتقوم بارتكاب أفعال إرهابية في الخارج.
* الاحتضان التركي
وهنا، يشير الأكاديمي التركي يلماز إلى أن الاحتضان التركي للفارين من قمع الأنظمة في كيانات الشعوب التركية في آسيا الوسطى يعود إلى الإرث العثماني. ويلفت إلى دور التوجهات الراهنة في تركيا لاحتضان مَن يعانون الظلم والقهر في أوطانهم، وهم في غالبيتهم من الإسلاميين السنة المحافظين الذين هم على خلاف مع حكومات بلادهم. وبحسب التقارير، فإن بعض هؤلاء عبروا الحدود إلى سوريا للمشاركة في الحرب، وبعضهم أخذ معه أطفالا، مثل الداعشي الأوزبكي عبد القادر ماشاريبوف منفذ هجوم مطعم ونادي «رينا». إذ وصل هؤلاء إلى تركيا مع عائلاتهم، ويشكّل الأولاد القادمون من آسيا الوسطى الجزء الأكبر من «أشبال الخلافة»، وبعضهم لا يزيد عمره على ثماني سنوات، وظهر هؤلاء عبر فيديوهات ينفذون فيها عمليات إعدام.
وهنا، يشير البعض إلى أن التدفق عبر الحدود التركية ذهابًا وإيابًا إلى سوريا كان سببا في التوتر بين أنقرة وموسكو قبل التفاهمات الأخيرة بينهما، التي أدت إلى تنسيق في الحرب على التنظيمات الإرهابية، مثل «داعش» و«النصرة»، وتفاهمات من أجل وقف إطلاق النار في سوريا، وصولاً إلى مفاوضات السلام بين الأطراف السورية في آستانة عاصمة كازاخستان بعد غد (الاثنين). وكانت العلاقات بين أنقرة وموسكو قد توترت على خلفية وجود لاجئين من الشيشان وطاجيكستان وجمهوريات آسيا الوسطى (التركية الشعوب) السوفياتية سابقًا داخل تركيا، واتهام روسيا بالإقدام على اغتيال عناصر منهم.
كذلك، سبق للحكومة التركية أن دعمت شعب الويغور، التركي عرقيًا، في «تركستان الشرقية» (سنكيانغ) بعد اتهام الحكومة الصينية بشن حملة ضدهم خلال شهر رمضان؛ إذ أصدرت وزارة الخارجية بيانًا قالت فيه «شعبنا حزين بشأن الأخبار التي تقول إن الأتراك الويغور منعوا من الصيام، أو أداء فروضهم الدينية الأخرى». وللعلم، كانت الحكومة الصينية قد ادعت، بدورها، قبل سنتين أن نحو 400 مقاتل من الويغور يقاتلون في سوريا، وأن الطريق التي سلكوه كان من قيرغيزستان، ثم تركيا لعبور الحدود إلى سوريا. ووفق تقارير إعلامية، تضاعف هذا العدد أربع مرات.



بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
TT

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي الذي وُصف بأنه «تمديد لمرة أخيرة»، ومع بدء مسار التقليص؛ تمهيداً لانسحاب كامل بحلول منتصف 2027، يدخل الجنوب اللبناني مرحلة العدّ العكسي لمهمة بدأت عام 1978 وتحوّلت، عبر العقود، عنصراً ثابتاً في المعادلة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. هذا الأسبوع، صعّدت إسرائيل انتقاداتها للقوة الدولية، معتبرة أنّ أداءها «ما عاد كافياً لضبط الواقع جنوب الليطاني بعد حرب 2024»، ولوّحت بضرورة إعادة تقييم مهمتها. في المقابل، يتمسّك لبنان رسمياً باستمرار وجودها إلى حين تثبيت الاستقرار الكامل، معتبراً أنّها تشكّل مظلة دولية داعمة للجيش اللبناني في تنفيذ القرار 1701. وفي موازاة التصعيد السياسي، دخل العامل المالي الأميركي في يوليو (تموز) الماضي، على خط النقاش؛ ما أعاد فتح ملف تمويل عمليات حفظ السلام واستدامتها، وربط مستقبل المهمة مباشرة بإرادة الدول الكبرى المموِّلة لها.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وقّع، يوم 24 يوليو (تموز) الماضي، قانون «الاقتطاعات لسنة 2025» الذي قضى بإلغاء نحو 203 ملايين دولار أميركي من مخصّصات عام 2024، و158 مليون دولار من مخصّصات عام 2025 الموجهة لدعم عمليات حفظ السلام، مبرراً القرار بأسباب عدة، منها قلة رضاه عن أداء القوات الدولية.

وفي خطوة لاحقة، صوّتت الولايات المتحدة ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 يوليو الماضي، بشأن ميزانية «يونيفيل»، في حين وافق على القرار باقي الأعضاء، باستثناء سيراليون والصومال اللتين امتنعتا عن التصويت.

هذا التطور لم يُقرأ في بيروت كإجراء مالي فحسب، بل كإشارة سياسية تُضاف إلى وصف التمديد الأخير بأنه «لمرة أخيرة»؛ ما يعزّز المسار المتّجه نحو تقليص تدريجي ثم انسحاب كامل.

القرار في نيويورك والأثر بجنوب لبنان

إذا كان النقاش يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي، فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً وفق الانعكاسات الاقتصادية السلبية على الداخل اللبناني. إذ قال مصدر لبناني مواكب لعمل قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «وجود القوة الدولية يشكّل رافعة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة للاقتصاد المحلي»، لافتاً إلى أنّ «(يونيفيل) تضخّ سنوياً أكثر من 25 مليون دولار في السوق اللبنانية من خلال المشتريات المحلية وحدها، فضلاً عن الرواتب والنفقات التشغيلية».

وأوضح المصدر أنّ «عدد الموظفين المحليين العاملين مع (يونيفيل) يتجاوز حالياً 500 موظف لبناني، إلى جانب ما بين 250 و300 موظف أجنبي مقيمين في لبنان، يستأجرون منازل، ويشترون سيارات، وينفقون يومياً في المتاجر والمطاعم والمدارس والجامعات؛ ما يحرّك دورة اقتصادية واسعة في الجنوب وخارجه».

وأضاف أنّ «القوة الدولية تضم أيضاً نحو 8 آلاف عسكري ينتشرون في الجنوب. وهؤلاء يشاركون بدورهم في تحريك السوق المحلية من خلال التسوق والخدمات، إلى جانب تنفيذ مشاريع إنمائية صغيرة تُعرف بمشاريع الأثر السريع Quick Impact Projects، تشمل دعم البلديات، وتركيب أنظمة طاقة شمسية، وإصلاح شبكات مياه، ومبادرات خدمية أخرى، بتمويل سنوي يقارب مليون دولار».

وفق المصدر «الأثر (السلبي) لا يقتصر على العاملين مباشرة مع (يونيفيل)، بل يمتد إلى عشرات الشركات اللبنانية المتعاقدة معها، من شركات تنظيف وصيانة ومورّدين؛ ما يخلق شبكة واسعة من فرص العمل غير المباشرة». وحذّر من أنّ «أي تقليص أو انسحاب لـ(يونيفيل) ستكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية قاسية، خصوصاً على مئات الموظفين اللبنانيين الذين لا يشملهم نظام التقاعد، ولا سيما ممن هم دون سن الـ55؛ ما يضعهم أمام خسارة مباشرة لمصدر دخلهم في ظل أوضاع معيشية شديدة الصعوبة».

بالتوازي، لفت المصدر إلى أنّ «(يونيفيل) تؤدي أيضاً دوراً اجتماعياً وإنسانياً بارزاً، من خلال الأيام الطبية المجانية، والعيادات المتنقلة، ودعم المستشفيات والمستوصفات بالأدوية والمعدات، وتنظيم أنشطة رياضية وثقافية للأطفال، والمساعدة إبّان الأزمات والحروب، فضلاً عن تنسيق الجهود مع المنظمات الإنسانية كالصليب الأحمر».

وتابع شارحاً إنّ «الأمر لا يقتصر على أرقام مالية، بل على شبكة حياة اقتصادية واجتماعية كاملة نشأت حول وجود (يونيفيل) على مدى سنوات. وبالتالي، أي خلل فيها سينعكس مباشرة على آلاف العائلات اللبنانية، في منطقة تعاني أصلاً من خسائر الحرب، وتراجع الزراعة، ودمار المنازل، وغياب البدائل الاقتصادية».

وبهذا المعنى، يصبح أي قرار دولي أو ضغط تمويلي قراراً يمسّ مباشرة شبكة معيشية قائمة منذ عقود.

إذا كان النقاش حول سحب «يونيفيل» يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً

قلق معيشي واقتصادي

من جهة ثانية، سمر (وهي من سكان القطاع الأوسط في جنوب لبنان)، وصفت لـ«الشرق الأوسط» الوضع بالقول: «إنّ القلق الاقتصادي بات العنوان الأبرز في القرى الجنوبية مع الكلام المتزايد عن تقليص أو انسحاب قوات (يونيفيل)... وتأثير ذلك لا يطول الموظفين مباشرة فحسب، بل ينسحب على القرى بكاملها».

وأردفت أنّ «إحدى بلدات القطاع الأوسط تضمّ أكثر من 120 عائلة يعتمد دخلها الأساسي على وظائف في (يونيفيل). هذه البلدة لا يتجاوز عدد العائلات المُقيمة فيها نحو 200 عائلة؛ ما يجعل هذه الرواتب بمثابة العمود الفقري للاقتصاد المحلي».

وتابعت: «الناس ليست قلقة فقط، بل مرعوبة فعلياً. لا توجد مصادر دخل بديلة في المنطقة، ولا فُرص عمل حقيقية. إذا خسر هؤلاء وظائفهم، ماذا سيفعلون؟ هل سيبقون في منازلهم بلا أي مورد؟».

واستطردت سمر لافتةً إلى أنّ الموظفين في «يونيفيل» لا يؤمّنون معيشة السكان المحليين فقط، «بل يحرّكون أيضاً العجلة الاقتصادية في القرى، من المتاجر الصغيرة إلى المؤسسات والخدمات»، محذّرةً من «أنّ أي تراجع في هذا الدخل سيؤدي إلى شلل اقتصادي واسع... إذ لن يتضرر الأفراد وحدهم، بل ستتأثر كل الأعمال في المنطقة بأسرها؛ لأن القدرة الشرائية ستتراجع بشكل حاد».

واختتمت بالتشديد على أنّ ما يحصل «ليس مسألة أرقام فقط، بل مسألة صمود اجتماعي ومعيشي»... ولا بد من التعامل مع هذا الملف «بمسؤولية؛ لأن انعكاساته ستطال الاستقرار اليومي لعائلات بأكملها في القطاع الأوسط».

 

مركبتان تابعتان لليونيفيل في دورية قرب بلدة جديدة مرجعيون بجنوب لبنان (آ ف ب)

فجوة اقتصادية حادة

وحقاً، «يترك سحب (يونيفيل) فجوة اقتصادية حادة في الجنوب»، وفق عضو «المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان»، صادق علوية، الذي أفاد «الشرق الأوسط» بأنّ «أكثر من 90 في المائة من المؤسسات المتعاقدة مع (يونيفيل) والعاملة في تقديم الخدمات لها تتركّز في جنوب لبنان؛ ما يجعل أي تقليص أو انسحاب للقوات الدولية ذا انعكاسات اقتصادية واجتماعية مباشرة وعميقة على المنطقة».

وأوضح علوية، من ثم، أنّ وجود «يونيفيل» منذ عام 1978، «يعدّ بمثابة محرّك اقتصادي محلي أساسي في الجنوب، عبر شبكة واسعة من الشركات والأفراد العاملين معها، سواءً بشكل مباشر كالموظّفين والمترجمين والإداريين والفنيين، أو بشكل غير مباشر عبر الشركات المتعاقدة وقطاعات الخدمات والمقاولات والصيانة».

ثم ذكر أنّ «هذا الواقع أسهم في خلق دورة اقتصادية متكاملة، تبدأ من الاستهلاك اليومي للمواد الغذائية ولا تنتهي عند مختلف الخدمات»، لافتاً إلى «أنّ الأمر لا يتعلّق ببضعة ملايين من الدولارات سنوياً، بل عن عشرات الملايين، وقد تصل قيمتها التقديرية إلى ما بين 20 و30 مليون دولار سنوياً، تبعاً لحجم عديد القوات ونشاطها».

وبالتالي، حذّر علوية من أنّ «أي انسحاب أو تقليص سيؤدي إلى فجوة اقتصادية حادة، تتمثل ببطالة جديدة مباشرة وغير مباشرة، تطول آلاف الوظائف، إضافة إلى خسارة تقديمات اجتماعية كانت تُعدّ مرتفعة نسبياً، لا سيما على صعيد الحماية الاجتماعية والخدمات الصحية».

ورأى أنّ تأثير «يونيفيل» لم يكن اقتصادياً فحسب، «بل امتد إلى دعم البلديات والمجتمعات المحلية، من خلال تقديم تجهيزات ومساعدات تنموية شملت قطاعات الزراعة والطاقة، عبر توفير مولدات كهرباء ومياه، ومشاريع طاقة شمسية، وإنشاء برك زراعية، فضلاً عن ترميم مدارس وتقديم معدات طبية وصحية للمستشفيات».

وشرح بأنّ «القوات الدولية، ولا سيما الوحدات الإيطالية والفرنسية والإسبانية، لعبت في مراحل سابقة دوراً صحياً مباشراً عبر عيادات ميدانية وتقديم أدوية ورعاية طبية يومية للسكان المحليين، إضافة إلى دورها الأساسي في نزع الألغام والقنابل العنقودية؛ ما انعكس إيجاباً على سلامة الجنوبيين واستقرارهم».

أيضاً، أكد علوية «أنّ العلاقة بين الجنوبيين و(يونيفيل) تميّزت على مدى عقود بالهدوء والتعاون، إلى حدّ باتت فيه القوات الدولية جزءاً من النسيج الاجتماعي المحلي»، محذّراً من «أنّ سحب هذا الدعم في مرحلة يعاني فيها الجنوب من آثار حرب وخسائر جسيمة في المنازل والبنى التحتية سيترك أثراً اقتصادياً واجتماعياً بالغ السلبية». ومشدّداً على أنّ «استمرار وجود (يونيفيل) في لبنان لا يشكّل، بالتالي، حاجة أمنية فحسب... بل هو أيضاً حاجة اقتصادية واجتماعية ملحّة، خصوصاً في ظل محدودية قدرات الدولة المالية، وحاجة الجنوب الماسّة إلى أي مورد داعم يسهِم في إعادة فتح نوافذ الأمل أمام سكانه».

انكماش بين 01 و51 %

في سياق متصل، قال محمد شمس الدين، الباحث في «الدولية للمعلومات»، لـ«الشرق الأوسط» إنّ «انسحاب أو تقليص وجود قوة (يونيفيل) في جنوب لبنان ستكون له تداعيات اقتصادية مباشرة وملموسة على المجتمعات الجنوبية، ولا سيما على صعيد فرص العمل والحركة السياحية والتجارية».

وأفاد بأنّ «عدد العاملين اللبنانيين مع (يونيفيل) تقلّص من نحو 1200 شخص إلى قرابة 600 فقط، غالبيتهم يتقاضون رواتبهم بالدولار الأميركي، ويُقدَّر أن نحو 500 منهم من أبناء الجنوب... وهذا التقليص يعني عملياً خسارة مئات العائلات الجنوبية لمصدر دخل ثابت كان يشكّل عنصراً حيوياً في الدورة الاقتصادية المحلية».

ثم أضاف: «الأثر لا يقتصر على الرواتب فحسب، بل يطول قطاعات واسعة مرتبطة بوجود القوات الدولية... ذلك أن عائلات عناصر (يونيفيل) كانت تقصد الجنوب أثناء فترات الإجازات؛ ما كان ينعكس حركةً نشطة في الفنادق والمطاعم والمقاهي والأسواق، وبخاصة في صور وضواحيها، ومنطقة الناقورة، والساحل الجنوبي».

وقدّر شمس الدين أنّ «الاقتصاد الجنوبي قد يتأثر بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة نتيجة انسحاب (يونيفيل) (أو بالأصح سحبها)»، موضحاً أنّ «هذا التراجع يطول السياحة الموسمية، والتجارة، وحركة التسوق، والمطاعم، والمحال التجارية، وحتى قطاع الخدمات، ولا سيما في مدينة صور التي تُعدّ الأكثر استفادة من الوجود الدولي بحكم موقعها السياحي».


مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
TT

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج الخبرة التكنوقراطية برؤية عمرانية تعيد تخطيط الدولة في مواجهة تحديات وأزمات اقتصادية وجيوسياسية. مدبولي الذي تولى رئاسة مجلس الوزراء عام 2018 مدشناً ما وصفها آنذاك بـ«مرحلة الانطلاق»، بات الآن واحداً من أطول رؤساء الحكومة المصرية بقاء في المنصب بعد مصطفى فهمي وعاطف صدقي. ويستكمل مدبولي ما بدأه قبل نحو 8 سنوات، مترئساً حكومة تعهّدت في اجتماعها الأول بتشكيلها الجديد في فبراير (شباط) 2026، بـ«استكمال مسيرة التنمية الشاملة في مختلف مناطق الجمهورية»، واضعةً تخفيف العبء عن المواطن على رأس أولوياتها، من خلال العمل على تحسين الوضع الاقتصادي، وتخفيض حجم الدين العام، والاهتمام بالتعليم والصحة وتحسين الأداء الحكومي، وإدارة علاقة جيدة مع مختلف وسائل الإعلام.

وُلد مصطفى كمال مدبولي يوم 28 أبريل (نيسان) عام 1966. ورغم صغر سنه خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، فإن فرحة النصر «حُفرت في ذاكرته»، إذ كان والده اللواء كمال مدبولي، أحد قادة سلاح المدفعية في الحرب.

عن تلك الفترة قال مدبولي في تصريحات صحافية قبل سنوات: «فرحتنا كانت فرحتين، الأولى بالنصر والثانية بمشاركة والدي المقاتل في استعادة الأرض».

تخرّج مصطفى في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) عام 1992. ثم استكمل دراسته في هولندا، وحصل على دبلوم الدراسات المتقدمة في مجال التخطيط العمراني (إدارة العمران) من معهد دراسات الإسكان والتنمية الحضرية عام 1993.

وبعد العودة إلى مصر، حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) من كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1997، بنظام الإشراف المشترك مع معهد التخطيط القومي والإقليمي والعمراني في كلية العمارة بجامعة كارلسروه بألمانيا.

المسيرتان الوظيفية... فالحكومية

بدأ مدبولي حياته المهنية موظفاً بإحدى شركات القطاع الخاص بعد تخرجه مباشرة عام 1988، وكان أول راتب يحصل عليه من تلك الشركة نحو 180 جنيهاً. وعن تلك الفترة قال مدبولي، في مؤتمر الشباب عام 2018، إن «حياته لم تكن رغدة»، فهو ينتمي للطبقة المتوسطة، وبدأ انطلاقته العملية «في فترة كانت ظروف البلاد فيها أصعب من الوضع الراهن».

بعدها انتقل مدبولي من القطاع الخاص إلى الحكومة ليبدأ مساراً مهنياً مختلفاً أوصله إلى قمة الهرم الحكومي، حيث شغل منصب المدير التنفيذي لمعهد التدريب والدراسات الحضرية في مركز بحوث الإسكان والبناء بالوزارة بين يناير (كانون الثاني) 2000 ويونيو (حزيران) 2004. ثم تولّى منصب نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتخطيط العمراني للتخطيط الإقليمي والبحوث والدراسات في أكتوبر 2007. ثم رئاسة الهيئة العامة للتخطيط العمراني من أبريل (نيسان) 2008 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011.

خبرة دولية

في عام 2012 شغل مصطفى مدبولي منصب المدير الإقليمي للدول العربية في «برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية»، مما أكسبه إضافةً إلى مهاراته الأكاديمية والمهنية بُعداً وخبرة دوليين.

ثم دخل ميدان السياسة لأول مرة عندما عُيّن وزيراً للإسكان عام 2014، ثم تولى رئاسة الحكومة رسمياً يوم 7 يونيو (حزيران) عام 2018، خلفاً للمهندس شريف إسماعيل. ولكن تجدر الإشارة إلى رحلته في إدارة مجلس الوزراء المصري كانت قد بدأت قبل ذلك بعدة أشهر، تحديداً في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، عندما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً بتولّي مدبولي -وزير الإسكان آنذاك- مهام القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء إلى حين عودة رئيس الوزراء من رحلة علاجه في ألمانيا، وهذه المهمة ظل مدبولي يمارسها حتى عودة إسماعيل من العلاج في يناير (كانون الثاني) 2018.

مدبولي، في الواقع، لم يكن يحلم بتولّي منصب رئاسة الحكومة، إذ قال في تصريحات سابقة: «لو أن أحداً قال لي إنه بعد نحو 30 سنة من تخرّجك في جامعة القاهرة ستجلس على رأس الحكومة المصرية لقلت له إنك تحلم». بل يصف مدبولي بداية رئاسته للحكومة المصرية عام 2018 بأنها «مرحلة الانطلاق» بعد نحو 4 سنوات أمضتها الحكومة السابقة في «محاولة تثبيت أركان الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار».

من «القاهرة 2050» إلى «العاصمة الإدارية»

عام 2008، عندما كان مصطفى مدبولي رئيساً لـ«الهيئة العامة للتخطيط العمراني»، كان يتكلّم بنبرة الواثق عن مخطط «القاهرة 2050».

كان المخطّط يهدف، حسبما أعلن آنذاك، إلى تنفيذ 22 مشروعاً خلال 15 سنة لجعل القاهرة «مدينة عالمية مستدامة ومترابطة». وكان من بين هذا المشاريع نقل العشوائيات وتطوير المناطق غير الآمنة، وإنشاء 4 خطوط جديدة لمترو الأنفاق، وتطوير القاهرة الخديوية وهضبة الأهرام.

لقد شكل هذا المخطط جزءاً رئيسياً من إدارة مدبولي لوزارة الإسكان وللحكومة فيما بعد، لتتطور الرؤية من «القاهرة 2050» إلى «استراتيجية وطنية للمدن الذكية» تستهدف تحقيق نقلة نوعية في مفهوم التنمية العمرانية، وبناء ما باتت تُعرف بـ«مدن الجيل الرابع».

يعدّ مدبولي فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً»، ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»، وأن العاصمة الإدارية الجديدة تجسّد رؤية الحكومة المصرية في «بناء مدن حديثة ومستدامة تواكب تطلعات المصريين».

وفي تصريحات صحافية نهاية العام الماضي، قال مدبولي إن «العاصمة الجديدة أصبحت نموذجاً لما تسعى الدولة إلى تحقيقه، من تخطيط عمراني متطور، وبنية تحتية حديثة، وبيئة جاذبة للاستثمار والعمل والإقامة»، وإن مثل هذه المشاريع العملاقة تعد «ركيزة أساسية لدفع عجلة التنمية الشاملة».

من جهة ثانية، لم يقتصر عمل مدبولي على التخطيط العمراني بل قاد مشاريع تنموية شاملة منها: برنامج «حياة كريمة» لتحسين البنية الأساسية والخدمات في القرى والمناطق الريفية، بالتعاون بين الوزارات والمجتمع المدني، وبرنامج «تكافل وكرامة» لتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر احتياجاً. هذا إلى جانب مسار تطوير العشوائيات.

تحدّيات وأزمات

على الرغم من كلام مصطفى مدبولي بداية توليه مهام منصبه عام 2018 عن أن الظروف في مصر أفضل مما كانت عليه عند تخرجه في الجامعة قبل 30 سنة، فإن طريق مدبولي في رئاسة الحكومة لم يكن مفروشاً بالورود. ذلك أن مرحلة الانطلاق التي دشّنها في مطلع ولايته اصطدمت بتحديات جيو-سياسية ألقت بظلال كثيفة على وضع البلاد اقتصادياً، من جائحة «كوفيد - 19» إلى الحرب الروسية - الأوكرانية، ثم «حرب غزة» وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، لا سيما مع تراجع عائدات قناة السويس الدولارية. وهكذا وجد المهندس نفسه في مواجهة أرقام التضخم وفجوة النقد الأجنبي.

هذه تحديات عدَّها مدبولي، في تصريحات سابقة، «قدَراً»، فقال: «قدَر هذه الحكومة أن تتحمّل تبعات أزمات عالمية لم تكن طرفاً فيها»، مؤكداً التزامه بـ«عبور السفينة إلى بر الأمان مهما بلغت التحديات».

ومن أجل مواجهة التحديات انخرط رئيس الحكومة في مفاوضات شاقة مع صندوق النقد الدولي أسفرت عام 2022 عن اتفاق على برنامج تمويل بقيمة 3 مليارات دولار أميركي ينتهي في سبتمبر (أيلول) 2026، للخروج من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمصر آنذاك، ثم ارتفعت في مارس (آذار) 2024 إلى 8 مليارات في ظل تداعيات «حرب غزة».

وبينما كان الاقتراض أحد السبل لمواجهة الأزمات الاقتصادية الطاحنة، فإن ارتفاع فاتورة الدين العام، كانت من أشد الانتقادات التي وجّهت إلى مدبولي وحكومته. وللعلم، وفقاً لوزارة التخطيط المصرية، شهد الدين الخارجي قفزة بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) الماضي. في المقابل ارتفع الدين المحلي بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار).

الدَّين العام والغلاء

بنهاية العام الماضي أعلن مدبولي اعتزام الحكومة خفض الدَّين العام نسبةً للناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 50 سنة. وأعلن أن «نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 96 في المائة قبل سنتين إلى نحو 84 في المائة حالياً. الأمر الذي أثار تساؤلات عن خطة الحكومة في هذا الشأن، لم تُجب عنها الحكومة حتى الآن، وإن كان خفض الدين إحدى أهم أولوياتها.

على الصعيد الداخلي أيضاً، ومع ما وضعته الأزمات الاقتصادية من أعباء إضافية على حياة المواطن، واجهت حكومة مدبولي شكاوى من الغلاء ترافقت مع انتقادات للإنفاق على مشاريع كبرى في ظل أزمات اقتصادية طاحنة. إلا أن رئيس الحكومة كان دائم الدفاع عن تلك المشاريع بوصفها السبيل الوحيد لتحسين جودة حياة المواطن، واعداً بأن المواطن الذي تحمل «فاتورة الإصلاح» سيبدأ قريباً جني ثماره.

الواقع أن كثيرين يرون مصطفى مدبولي نموذجاً للمسؤول الذي يؤمن بأن «البناء هو الحل»، سواءً كان بناء مدينة أو اقتصاد أو حتى إنسان. وفي ظل الجدل المحتدم بشأن الأولويات ومطالبات بإعلاء رؤية لإدارة الملفات الاقتصادية، يبدأ مدبولي راهناً مرحلة جديدة في رئاسة الحكومة المصرية تتمسك بخرائط التنمية العمرانية وتشدد على «بناء الإنسان»، وتضع جذب الاستثمارات وتحسين الاقتصاد على رأس أولوياتها بمساعدة نائبٍ لرئيس الوزراء يتولى قيادة المجموعة الاقتصادية في الحكومة.


3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)
TT

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في الهندسة المدنية، والثالث في هندسة الميكانيكا، ويُعد رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي أطولهم بقاءً في المنصب.

إبراهيم محلب

أدى المهندس إبراهيم محلب اليمين الدستورية بصفته أول رئيس للوزراء في عهد السيسي، في 17 يونيو (حزيران) 2014، وواصل مهام عمله رئيساً للحكومة حتى 12 سبتمبر (أيلول) 2015.

وُلد محلب عام 1949، وتخرج في كلية الهندسة المدنية بجامعة القاهرة 1972، ثم عمل في شركة «المقاولون العرب»، وهي إحدى أقدم شركات البناء والتشييد في مصر وأفريقيا، وإبان فترة عمله أشرف على مشاريع عدة من تشييد طرق وبناء جسور وترميم آثار.

وتدرّج محلب في الشركة حتى تولى رئاسة مجلس إدارتها في عام 1997. وفي عام 2013 تولى محلب حقيبة الإسكان في حكومة الدكتور حازم الببلاوي، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة في عام 2014، ثم يعيَّن مساعداً لرئيس الجمهورية للمشروعات القومية والاستراتيجية، في سبتمبر 2015.

شريف اسماعيل (رويترز)

شريف إسماعيل

شكّل شريف إسماعيل الحكومة يوم 19 سبتمبر 2015، وتقدم باستقالتها يوم 5 يونيو 2018.

وُلد إسماعيل عام 1955، وتخرّج في كلية الهندسة قسم الميكانيكا بجامعة عين شمس عام 1978. وعمل مهندساً في البحث والاستكشاف بشركة «موبيل» منذ تخرّجه حتى عام 1979، ثم عمل مهندساً بشركة «إنبي» حتى عام 2000، ووكيلاً لوزارة البترول حتى عام 2005، ووزيراً للبترول منذ يوليو (تموز) 2013، حتى سبتمبر 2015.

بعدها ترأس الحكومة حتى تعيينه مساعداً لرئيس الجمهورية في يونيو 2018. وتوفي في فبراير 2023.

مصطفى مدبولي

تولى مصطفى مدبولي رئاسة الحكومة في يونيو 2018 وما زال على رأس الحكومة المصرية حتى الآن.

وُلد مدبولي عام 1966، وتخرّج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصّص تخطيط مدن) عام 1992، وتدرّج في المناصب الحكومية وشغل منصب رئيس الهيئة العامة للتخطيط العمراني من عام 2008 حتى 2011. وعام 2014 تولى حقيبة الإسكان خلفاً لإبراهيم محلب. ثم تولى رئاسة الوزراء خلفاً لشريف إسماعيل يوم 7 يونيو 2018.