تراجع آمال الأمازيغ والطوارق والتبو في دولة ما بعد القذافي

شاركت القبائل الليبية غير العربية في انتفاضة 2011 لكنها انسحبت من المسرح السياسي لأسباب مختلفة

متظاهرات ليبيات يطالبن بحقوق الأمازيغ في دستور البلاد
متظاهرات ليبيات يطالبن بحقوق الأمازيغ في دستور البلاد
TT

تراجع آمال الأمازيغ والطوارق والتبو في دولة ما بعد القذافي

متظاهرات ليبيات يطالبن بحقوق الأمازيغ في دستور البلاد
متظاهرات ليبيات يطالبن بحقوق الأمازيغ في دستور البلاد

رفرفَ علمُ الأمازيغ الليبيين، بألوانِه الأربعة، فوق مبانٍ على شاطئ طرابلس، لأول مرة.
امتلأت قيادات سياسية ليبية، ذات أصول غير عربية، بآمال عريضة، وهي تبحث عن مكان لها في نظام الدولة الوليد، بعد عقود من المعاناة مع نظام معمر القذافي. ورغم مضي قرابة السنة على حكم رئيس المجلس الرئاسي، فايز السراج، فإن الأقليات الليبية تتعرض اليوم لإحباط آخر. ويقول قادة من الأمازيغ لـ«الشرق الأوسط» إنهم قاطعوا كل الهياكل التشريعية، البرلمان، والهيئة التي تقوم بإعداد الدستور، ما يعني أنهم لا وجود لهم فعليا في دولة ما بعد القذافي.
وأدت استقالة نائب السراج، موسى الكوني، القيادي في قبيلة الطوارق، قبل أسبوعين، إلى عودة قضية الأقليات على مسرح الجدل السياسي؛ فقد شاركت القبائل الليبية غير العربية في الانتفاضة التي أطاحت بحكم القذافي في 2011، لكن الحُلم ببناء دولة تعترف بـ«المكونات الثقافية» للأمازيغ والطوارق والتبو، تراجع مرتين إلى حد كبير؛ المرة الأولى حين دخلت البلاد في فوضى بداية من عام 2012، والمرة الثانية، تجري وقائعها في هذه الأيام؛ حيث يعاني مجلس السراج الرئاسي من عراقيل جمَّة.
يقول القيادي في قبيلة التبو، عيسى عبد المجيد، النائب السابق لرئيس البرلمان الليبي عقيلة صالح، إن «البعض (في ليبيا) يُصرُّ على تهميشنا... التبو شاركوا في الثورة، واليوم يشاركون في الحرب على الإرهاب، ولهم حقوق».
ولا يقتصر صراع الأقليات في ليبيا على داخل البلاد فقط، لكنه يمتد إلى خارجها أيضا في بعض الأحيان؛ مثلا، هناك موقف من الجامعة العربية نفسها. وينظر عبد المجيد، مثل فتحي بن خليفة، الرئيس السابق للكونغرس الأمازيغي، بعين الريبة، إلى قول أحد مسؤولي الجامعة إن ليبيا لا يوجد فيها أقليات، كما زاد الطين بِلّة قيام سياسي ليبي كبير، من قبيلة عربية، بعقد لقاء مع قبائل ليبية في القاهرة قبل أيام، لم يكن التبو من بينهم.
بيد أنَّ إبراهيم عميش، رئيس لجنة العدل والمصالحة الوطنية في البرلمان الليبي، يقلل، في رَده على أسئلة «الشرق الأوسط»، من الزخم المطروح حول القضية، ويشير إلى أن القبائل غير العربية «لا تشكل في مجموعها إقليما بكامله في ليبيا».
وفي حين ينظر البعض بتشكك للممارسات السياسية للأغلبية الليبية ذات الأصول العربية، تبدو مسارات الخلاف موجودة أيضا بين الأمازيغ والطوارق والتبو، أنفسهم، ما يلقي بمزيد من الظلال على خفايا صراع الأقليات في هذا البلد النفطي، شاسع المساحة وقليل السكان. ويقدر عدد الأمازيغ بنحو 165 ألف نسمة، وتقول تقديرات أخرى إن نسبتهم تبلغ نحو عشرة في المائة من بين ستة ملايين ليبي.
ويتركز وجود معظم الأمازيغ في مدن الجبل غرب طرابلس، وغالبية الطوارق في جنوب غربي البلاد، بينما ينتشر التبو بين الجنوب والشرق والشمال، ويبالغُ كلُّ طرفٍ في عدد أبناء قبيلته كعادة معظم القبائل الليبية الأخرى. وتقع معارك طاحنة بين الطوارق والتبو كل حين وآخر، وبخاصة في البلدات الجنوبية التي تعد تخومها معبرًا للمهرِّبين والمهاجرين غير الشرعيين، إضافة إلى نشاط الجماعات المسلحة العابرة للحدود من دول الجوار. ويتهمُ عربٌ من سكان طرابلس أجنحة أمازيغية بزحف شبه «ممنهج» تجاه العاصمة.
ومِن بين المظاهر التي لفتت الأنظار قيام قيادي سياسي أمازيغي في طرابلس بجلب عناصر أمازيغية مسلحة للعاصمة من مسقط رأسه في بلدة زُوَّارة، وحين سُئِل عن ذلك من جانب أمراء ميليشيات منافسة، قال إنها ليست ذات طابع عرقي، ولكنها لحماية عائلته في المدينة التي تعاني من الفوضى، زاعمًا تلقيه تهديدات من موالين للمجلس الرئاسي. ويوجد في معظم مدن الأمازيغ ميليشيات أيضا تُعرف باسم «سرايا الثوار» مثل غالبية المدن الليبية الأخرى.
وفيما بعد عثرت السلطات على منشورات مطبوعة في مطبعة أمازيغية تسمى «زهر الزيتون»، كانت تُوزَّع في ضواحي «غوط الشعال» و«قرقارش» بالعاصمة تحت عنوان «صرخة ليبية»، وتدعو إلى «النضال من أجل استرداد وإقرار الحق الأمازيغي»، لكن في إطار «الدولة الليبية»، قائلة في صوت وُصِف بالمعتدل إن «أمازيغ ليبيا، ليبيون، وبوصلتهم يجب أن تكون ليبية، وضِمن الهوية الليبية وفي حدود الوطن ومع إخوتهم وشركائهم في الوطن».
وفي هذه الأثناء كان الكوني، بصفته نائبا للسراج في المجلس الرئاسي، يعاني من ضغوط من قبيلته، الطوارق، وتحديدا من مدن غدامس، وسبها، وأوباري، من أجل الإسراع في تقديم الخدمات والأمن للمناطق التي تعاني من تهميش الدولة لها منذ سنين طويلة. كان الكوني من رجال نظام القذافي، وأصبح من رجال السراج، لكن الأمور أخذت تنفلت أكثر من أي وقت مضى، والفقر والاقتتال القبلي يعصف بالمناطق الجنوبية، دون وجود سُلطة مركزية قوية.
يقول الدكتور سعد سلامة، الأستاذ في جامعة الزيتونة في ترهونة، ورئيس مركز دراسات الجنوب الليبي للبحوث والتنمية، لـ«الشرق الأوسط»: «بشكل عام لا يفضِّل الليبيون، من غير العرب، لقب «(أقليات)». وفي 2011 أُطلق عليهم اسم «المكونات الثقافية»، ويضيف أنه لا توجد أي إحصاءات مبنيّة على أُسس عرقية في ليبيا، وأن لدى هذه «المكونات الثقافية»، في الوقت الحالي، تيارا سياسيا معتدلا، وتيارا شبه متطرف في مطالبه، وتيارا عروبيا، لكن يغلب على من يقود هذه «المكونات الثقافية» أصحاب المطالب الحادة. و«حاليا توجد مشكلات حتى في داخل هذا المكونات نفسها».
عقب سقوط نظام القذافي، حاول مئات النشطاء الأمازيغ والطوارق والتبو، المشاركة في بناء دولة تأخذ في الاعتبار حقوق الأقليات. ورفرف علم الأمازيغ إلى جوار علم الدولة الجديد، في العاصمة، أثناء احتفالات النصر مع نهاية 2011، وشغل الكوني، في تلك السنة، عضوية المجلس الانتقالي الذي تولى زمام الانتفاضة على القذافي. كما عاد عبد المجيد، الذي كان يتزعم «حركة تحرير التبو»، المعارضة، لبدء عهد مختلف. وتولى الأمازيغي نوري أبو سهمين، رئاسة المؤتمر الوطني العام (البرلمان السابق)، لكن طموحات كثير من القيادات السياسية غير العربية، تعثرت بحلول عام 2014؛ بسبب اندلاع الحروب بين ميليشيات متناحرة، جهوية ومذهبية، وبخاصة في مدن، طرابلس وبنغازي وسبها.
ويقول مصدرٌ قريبٌ من المجلس الرئاسي، إن الحوار الذي رعته الأمم المتحدة بين أطراف ليبية في بلدة الصخيرات المغربية، ونتجَ عنه «المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق الوطني»، تعاملَ معه كثيرٌ من قيادات قبائل غير عربية، باعتباره بارقة أمل لطرح حقوق الأقليات على الطاولة، ومنها الاعتراف، في دستور البلاد، بالعلم الأمازيغي وباللغة الأمازيغية لغة رسمية إلى جانب اللغة العربية.
ويضيف المصدر: «في مطلع العام الماضي، وأثناء الإعداد في تونس لدخول مجلس السراج إلى العاصمة، قدَّم بعض كبار الساسة الأمازيغ بوادر حسن نية؛ فقد أبلغوا السراج أنَّهم لن يقفوا مع المعارضين لدخوله طرابلس، وأنه إذا لم يستطع العمل من العاصمة، فيمكن لهُ أن يباشر مهام إدارة الدولة، مؤقتا، من مدن ذات أغلبية أمازيغية، مثل غدامس أو زوَّارة».
وحين ركب السراج البحر في طريقه إلى «قاعدة بوستة» في طرابلس بنهاية مارس (آذار) الماضي، ظهر متطوعون أمازيغ قرب القاعدة، وهم يشاركون في تنظيف الشوارع وغرس الورود، لاستقبال أعضاء المجلس الرئاسي، ومن بين هؤلاء الأعضاء موسى الكوني، بينما كان العلم الأمازيغي يرفرف مع العلم الليبي أيضا أعلى الأسوار.
وبمرور الوقت بدأت شكوك قادة من الأمازيغ والطوارق والتبو تتزايد بشأن قدرة السراج على الإمساك بزمامِ الأمور. وأخذتْ الأوضاع تتجه إلى الانفلات، وأدَّى الاحتراب بين الميليشيات، التي يتكون معظمها من مقاتلين عرب، إلى تبدد طموحات «المكونات الثقافية»، مرة أخرى، وأمام هذا الانسداد تفجرت حروب صغيرة بين الطوارق والتبو في الجنوب، ومناوشات بين أمازيغ وعرب حول طرابلس شمالا، ودخلت أطراف إقليمية ودولية على الخط لاستغلال الوضع، وتحقيق مكاسب خاصة في المنطقتين الغربية والجنوبية، وهي غنية بالنفط والغاز والذهب واليورانيوم. كما ازدادت الأوضاع تعقيدا في مدنٍ مطلة على البحر، مع احتدام الصراع بين كتلتين كبيرتين... الأولى: القوات المدججة بالأسلحة الثقيلة في طرابلس وما حولها، حيث يغلب عليها الطابع الديني المتشدد. والثانية: «الجيش الوطني» الذي يقوده المشير خليفة حفتر في بنغازي وما حولها، وهي كتلة ذات طابع علماني، خصوصا حين أخذ كل طرف من هذين الطرفين يغري أبناء الأقليات العرقية بالانضمام له في القتال، على وعدٍ ببحث مطالبه الخاصة باللغة والعَلَم، وغيرها، مستقبلا. وأظهر غالبية التبو تمسُّكا بالعمل تحت قيادة المشير حفتر. وخاض قادة عسكريون من التبو معارك ملحمية ضد تواجد الميليشيات المتطرفة في الجنوب وفي بعض مدن الشمال، مثل بنغازي، من بينهم العميد عيسى آبه.
ولم يكن عبد المجيد راضيا عما يجري؛ من ناحية، استمر على موقفه في معارضة مجلس السراج، حيث وصفه بأنه «مجلس وُلد ميتا»، منذ البداية، ومن ناحية أخرى، استمرَّ في موقعه نائبا لرئيس البرلمان للشؤون الأفريقية، وهو يشعر بوطأة الضغوط من قبيلته التي تحارب مع حفتر دون أي ضمانات بشأن المستقبل. وكان من بين الخلافات إصرار حفتر والبرلمان، على تسمية الجيش «القوات المسلحة العربية الليبية»، وليس «القوات المسلحة الليبية».
وبشكل عام لم تظهر أي مشاركة يُعتد بها من جانب ممثلي الأقليات خلال حوار الصخيرات، بغض النظر عن اختيار الكوني نائبا للسراج، لكن مما لا شك فيه أنَّ المبعوث الأممي إلى ليبيا، مارتن كوبلر، كان حريصًا على الاستماع إلى ممثلين قبليين لهذه الأقليات، حتى لو كان ذلك قد حدث بعد توقيع الاتفاق، وهو أمرٌ قامَ به السراج أيضا مع بعض ممثلي التبو، إلا أنَّ محاولات كهذه يبدو أنها جاءت متأخرة، حيث ظهر أن هناك جِراحًا كان ينبغي مداواتها مبكرًا.
وبينما كانت الجامعة العربية تسعى للدخول لحلحلة الملف الليبي، وتعيين مبعوث خاص لهذا الغرض، هو السفير التونسي صلاح الدين الجمالي، نقلت وسائل إعلام عن السفير الجزائري الذي يشغل موقع نائب الأمين العام للجامعة، أحمد بن حلي، قوله في تصريحات صحافية إن ليبيا «لا يوجد فيها أقليات أو عرقيات». ولم يتسن التواصل مع بن حلي لتوضيح المقصود بهذه النقطة التي أدت لردود فعل غاضبة من جانب قادة من التبو والأمازيغ والطوارق. يقول عبد المجيد: «هذا موقف غريب... هذا فيه تجاهل للواقع الليبي».
ومن جانبه، هاجمَ فتحي بن خليفة، الجامعة العربية، ووصفها بأنها «منظمة إقصائية». ويضيف: «لا أعتقد أن هناك عاقلا موضوعيا يمكن له أن يتعامل مع الجامعة العربية أو يتناول معها أي أمور بشكل ديمقراطي وليبرالي حقيقي... من اسمها هي عبارة عن شيء فئوي نخبوي عرقي عربي».
وعما إذا كان الأمازيغ ما زالوا يقاطعون لجنة صياغة الدستور، أجاب قائلا: «بالطبع... نحن نقاطع كل الهياكل التشريعية... قاطعنا البرلمان ولم نترشح، ولم نخض جولة الانتخابات، ونقاطع الهيئة الدستورية من منطلق أننا نتحدث من مفهوم الدولة بمعناها الشامل بوصفها مظلة مدنية تحمي المواطنين بمساواة وبعدل... نحن لا نتكلم عن مفهوم الحكم بل عن الدولة».
وتابع موضحا: «الجميع، بمن فيهم المجتمع الدولي، يتدخل في الشأن الليبي ويخوض في الشأن الليبي من منطلق مَنْ يحكم. نحن لا نفكر بهذه الطريقة». ويقول إن الأمازيغ يراهنون على الدولة، و«الدولة قوامها الدستور، وبالتالي لا تهاون ولا استخفاف ولا تنازل في الاستحقاقات التشريعية، وعلى رأسها الاستحقاق الدستوري... هذه المعطيات وهذه الأفكار بعيدة كل البعد عن رؤى الآخرين». ولا يتفق بن خليفة مع الطرح الوارد من الشرق الليبي، لأن من يتبنونه هم - كما يقول - «بقايا الفكر القومجي»، و«الوحدة العربية».
ولا يتفق كذلك مع المشروع الذي تتبناه ميليشيات في الغرب الليبي، لأنه مشروع يتحدث عن «خلافة موهومة، وعن أمة دينية، والعودة إلى الوراء برؤية المستقبل... هذا شيء ينافي العقل والمنطق».
ويعد الأمازيغ في ليبيا «مكونًا ثقافيًا» أكثر التفافا حول هويته الخاصة، مقارنة بالطوارق والتبو، وهذا أمر كان يقلق القذافي. وينتشر الأمازيغ في عدة بلدان في شمال أفريقيا، منها الجزائر والمغرب وتشاد ومالي وبوركينا فاسو. ويتكون العلم الأمازيغي من ثلاثة ألوان أفقية؛ أزرق، وأخضر، وأصفر. ويتوسطه حرف «الزاي» باللغة الأمازيغية باللون الأحمر. وتأسس الكونغرس الأمازيغي، الذي كان يرأسه الليبي، بن خليفة، بوصفه منظمة غير حكومية، قبل نحو عشرين عاما، وترأسه، منذ عام 2015 الجزائرية كاميرا نايت سيد.
وقبل عدة أيام احتفل السكان الأمازيغ في شمال أفريقيا برأس السنة الأمازيغية 2967، بما فيها ليبيا، التي حرص فيها نشطاء أمازيغ في ملابس ملونة على التذكير بحقوقهم، ودعوة الليبيين للتصالح حفاظا على الوحدة الوطنية؛ يقرعون الطبول ويعزفون موسيقاهم الخاصة، وهذا مكسب في حد ذاته مقارنة بالماضي. فقد كان القذافي يقف ضد الاحتفال برأس السنة الأمازيغية، خشية تسببها في التفريق بين الليبيين، كما لم يكن متحمسا لتسجيل الأسماء غير العربية وغير الإسلامية لمواليد الأمازيغ، في سجلات الدولة.
في الوقت الراهن عادتْ مشاعر الإحباط للأمازيغ وأقرانهم من الطوارق والتبو، لأن المطالب الكبيرة لم يتحقق منها أي شيء يذكر. لم تعد غالبية القيادات الأمازيغية تعوِّل على حكومة السراج الضعيفة، وربما كان هذا أحد أسباب «الانقلاب» على المجلس الرئاسي من جانب حكومة خليفة الغويل، المنبثقة عن المؤتمر الوطني العام الذي يرأسه نوري أبو سهمين، وهو من أصول أمازيغية، وما زال أبو سهمين متمسكا بـ«المؤتمر» بوصفه جسما تشريعيا، رغم انتهاء دوره باتفاق الصخيرات، وإحلال جسم استشاري بدلا منه اسمه «المجلس الأعلى للدولة» برئاسة القيادي المصراتي، عبد الرحمن السويحلي.
كما أن استقالة الكوني - وفقا لمصدر من زعماء الطوارق - كانت لها أسباب، من بينها أنَّ الرجل لم يكن يكتفي بالتعامل في المجلس الرئاسي بصفته قائدا «قبليا طارقيا» فقط، ولكنه كان يعتبر نفسه ممثلا لجميع قبائل إقليم فزان (جنوب ليبيا) في مجلس السراج.
ويضيف المصدر أن مقترحات كثيرة تقدم بها الكوني للمجلس الرئاسي، تخص الجنوب، يبدو أنه جرى تجاهلها، ما دفعه في نهاية المطاف إلى تركِ منصبه؛ ومن بين هذه المقترحات، ضرورة تدخل المجلس بشكل جدي ومحايد لمنع تدفق السلاح لأطراف قَبَليِّة، ومنها كذلك مزاعم عن سحب أطراف في حكومة السراج لعقود شركات جنوبية ومنحها، في المقابل، لمحسوبين على رجال أعمال من المدن الليبية الشمالية.
ويشير المصدر نفسه إلى غضب الكوني أيضا من خلو قائمة تعيين سفراء ليبيين في الخارج من جميع الأسماء التي قدمها للمختصين بتسمية السفراء الجدد، وتابع قائلا إنَّ الكوني رَاهنَ، بعد كل هذه الإحباطات التي تسببت في إحراجه أمام أبناء الجنوب، على أنَّ المستقبل ليس مع المجلس الرئاسي، ولكن مع قبيلته؛ الطوارق، ومع غيرها من قبائل دعمت ترشحه لعضوية هذا المجلس، وبالتالي وجد في الاستقالة طوق نجاة من سفينة السراج.
خروج قيادات طارقية وتباوية، مثل الكوني في الغرب، وعبد المجيد في الشرق، من المشهد، إضافة لموقف القيادي الأمازيغي، أبو سهمين، يجعل المشكلة أكثر تعقيدا، وبخاصة أن الأمازيغ وبعضا من قيادات الطوارق والتبو كانوا قد قاطعوا، منذ البداية، الانتخابات البرلمانية ولجنة صياغة الدستور، احتجاجًا على تجاهل معاناتهم وعودتهم مرة أخرى إلى المربع الأول، ولم تأتِ وسائل الضغط هذه بالنتائج المرجوَّة في ظل مصاعب اقتصادية وانفلات أمني واضطراب سياسي بلا حُدود.
وعن موضوع اللغة والمطالب الخاصة بـ«المكونات الثقافية الليبية»، يقول عميش إن هذا الموضوع سوف يعتمد على ما ستطرحه الأغلبية خلال المرحلة المقبلة، مشيرا إلى أن البلاد مُنقسمة، في الوقت الراهن، بين ثلاث حكومات. ويُوضح قائلا: «بعد أن تستقر الدولة سيجري بحث حق الأمازيغ في استعمال لغتهم، وسيحصلون على حقوقهم الطبيعية العادلة».
ويضيف رئيس لجنة العدل والمصالحة الوطنية: «هم لا يشكلون في مجموعهم إقليمًا بكامله، حتى يَكُونُوا بشكل مُعيَّن، لكنهم أجزاء موزعة في عدة مدن». ويزيد عميش قائلا إن أغلب التبو والطوارق في صراعات مع بعضهما بعضا، في عدة مناطق، وفي الوقت نفسه يتعاملان مع الواقع الموجود الآن، ولا يطالبان بتضمين لغتهما الخاصة في الدستور، كما يفعل الأمازيغ. وينظر عميش إلى لهجة بعض المتشددين للقومية الأمازيغية في ليبيا، في هذا التوقيت، باعتبارها محاولة، من جانب أطراف دولية، لخلق مزيد من التعقيد في المنطقة العربية وإذكاء الصراعات فيها، قائلا إن «موضوع الأمازيغ في ليبيا لم يكن أبدا يمثل أي مشكلة».
ومن جانبه، يوضح الدكتور سلامة بشأن الكتلة العددية لـ«المكونات الثقافية الليبية» بقوله إنه لم يسبق إجراء إحصاء لهم... «لا تستطيع أن تقول كم عدد الأمازيغ، أو كم عدد التبو والطوارق... وليس لكل هؤلاء كتلة بشرية بارزة، حتى تجمعاتهم بصفتهم سكان مناطق، دائما السقف لا يتجاوز نحو 10 آلاف نسمة لكل منطقة... وفي الإجمالي لا توجد إحصاءات».
وعن الوضع الحالي في ظل تعدد الحكومات وحالة الاحتراب بين الخصوم، يقول سلامة إن «الانقسام السياسي في ليبيا أثَّرَ على التوجهات السياسية لهذه المكونات الثقافية... مثلا التبو أقرب إلى معسكر السيد حفتر، والطوارق محسوبون على فجر ليبيا في المنطقة الغربية، الأمازيع منقسمون؛ منهم من هو محسوب على فجر ليبيا وفيهم من يقف على الحياد».



«صراع الجبابرة» في الشرق الأوسط عند مفترق طرق

خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
TT

«صراع الجبابرة» في الشرق الأوسط عند مفترق طرق

خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
خريطة تُبيّن مضيق هرمز... ونموذج مصغّر مطبوع بتقنية ثلاثية الأبعاد يجسّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

لعل أسوأ السيناريوهات التي كان يتم تخيلها في كواليس صنع القرار حدثت. باغتيال المرشد السابق علي خامنئي، استخدمت واشنطن وتل أبيب أسلوب «الصدمة والرعب» نفسه الذي اتبعته إسرائيل في السنتين الأخيرتين، والذي برهنت التجربة أنه يحقق نجاحاً خارقاً قبل فقدان الزخم مع نهاية الحملة العسكرية.

لكن هذه المرة كسر الرئيس دونالد ترمب المحظور وفتح صندوق باندورا المنطقة على حرب بحجج غير متماسكة ونهاية غير واضحة، وفرض معركة ردع متبادل مع النظام الإيراني الذي خسر صورته في الردع الإقليمي. هذا التوسّع في نفوذ المشروعين في الشرق الأوسط، الذي تراوح بين الصدام والتعايش، وصل إلى مفترق طرق.

المشروع الخامنئي، الذي حكم أربع عواصم عربية لعقود، وتعرّض لنكسات متتالية في العقد الأخير بعد بلوغه ذروته التوسعية بعد «الربيع العربي»، أرهق موارده المحدودة وفتح أعين أميركا عليه كما شهية إسرائيل لمقارعته.

استحالة إدارة هذا التعايش أدت إلى صدام محتوم لم تتعامل الإدارة الأميركية الحالية معه بصبر القوى العظمى الاستراتيجي.

في تدخل عسكري هو الأول من نوعه منذ الغزو الأميركي للعراق عام 2003، شاب حرب ترمب على إيران عدم وضوح النهاية. خطاب الرئيس مزج منذ بداية الحرب بين أهداف استراتيجية متقلبة وجداول زمنية مرنة للضغط على النظام الإيراني، لكن مع الوقت فقدت إدارته السيطرة الإعلامية والنفسية على الحرب، كما ظلت مترددة في الذهاب بعيداً في خيارات التصعيد العسكري. أدى عدم تمكن واشنطن من تقويض النظام الإيراني سريعاً إلى قناعة بأن الإبقاء على الإيقاع الإسرائيلي يعني توسيع التورط الأميركي.

حضر قائد «الحرس الثوري» الإيراني حسين سلامي (يسار) برفقة قائد «البحرية» الأدميرال علي رضا تنكسيري حفل الكشف عن قاعدة صواريخ تحت الأرض في مكان غير مُعلَن بجنوب إيران (د.ب.أ)

من يتخذ القرار في إيران؟

في المقابل، هناك عدم وضوح حول مَن يتخذ القرارات في طهران التي يبدو أنها تدفع أثمان تبعات اغتيال قاسم سليماني عام 2020 مروراً بإسماعيل هنية وصولاً إلى حسن نصر الله. والآن ستلحق نفسها بسياسة ردعية بعد اغتيال خامنئي الذي كان يحترف اللعب على حافة الهاوية لموازنة الدينامية بين المحافظين والإصلاحيين، بين «الحرس الثوري» والفريق التفاوضي.

يأتي المرشد الجديد مجتبى خامنئي، ليس فقط ليكرّس إشكالية التوريث في الداخل، بل ليعزّز دور المؤسسة الأمنية على حساب الدينية. وهناك تساؤلات لم تتضح بعد حول معالم انتقال السلطة الجديدة في طهران ومن يدين بالولاء لها ومراكز القرار فيها.

هل تتشكل سلطة جماعية ومتنازع عليها في طهران أم يحكِم مجتبى قبضته على مفاصل الدولة؟ في حال طبعاً لم يتعرض لاغتيال. شرعية مجتبى مرتبطة باستمرار الحرب التي يحتاج إليها في المدى المنظور لتكريس موقعه الجديد؛ لأن ما يترتب على انتهاء الحرب، ليس فقط مواجهة التساؤلات حول شرعيته مرشداً، بل حسم قرار كيفية التعامل مع واشنطن على المدى المتوسط لكسر الحصار الجوي على إيران وتوفير الوقت والموارد لترميم ما دمرته الحرب والعقوبات.

لوحة دعائية ضخمة عليها صور لصواريخ إيرانية في طهران (رويترز)

توازن يشابه الردع

اعتقدت واشنطن أن تكلفة الردع الإيراني منخفضة بما يكفي للتدخل العسكري ضدها، وبالتالي خلصت وإسرائيل إلى أن فرصتهما في تحقيق أهدافهما بالوسائل العسكرية أكبر منها بالوسائل الدبلوماسية، وكان ذلك سوء تقدير في حسابات الردع. دمرت أميركا القدرات العسكرية التقليدية للنظام الإيراني، لكنها لا يبدو أنها نجحت في وقف قدرته على إطلاق الصواريخ الباليستية وتقييد الملاحة الدولية في مضيق هرمز الذي أخذته طهران رهينة كردع اقتصادي في «استراتيجية عقابية» كلاسيكية ربطت بين استهداف النظام وإلحاق الضرر بالاقتصاد العالمي. التكلفة جاءت كأكبر اضطراب في الإمدادات في العالم منذ أزمة الطاقة في السبعينات؛ ما أجبر إدارة ترمب على رفع العقوبات مؤقتاً عن النفط الإيراني في محاولة لتخفيف أزمة الطاقة.

استراتيجية الردع الإيرانية مرت في ثلاث مراحل خلال هذه الحرب. الهدف الرئيسي في المرحلة الأولى كان بقاء النظام بما يعنيه منع الانهيار والتفكك الداخلي، وتفادي انتفاضة شعبية. في ظل فراغ منصب المرشد، أطلقت المنظومة الأمنية في طهران العنان لجنون ردعي غير مسبوق، وعندما تداخلت الرسائل الأميركية مع فكرة تغيير النظام تعاملت طهران مع الحرب على أنها مسألة وجودية، على الرغم من إدراكها أنها لا تستطيع كسب حرب تقليدية مع واشنطن.

إيرانيات يتنزهن بحديقة بارديسان في طهران الخميس (رويترز)

في المرحلة الثانية، كانت الاستراتيجية الإيرانية تسعى لزيادة تكلفة الحرب على واشنطن كما على الاقتصاد العالمي. «مصداقية الردع» هي النقطة الأساس حالياً. لأن إيران، ستظهر بمظهر المنهزم استراتيجياً فيما لو تلقت ضربات على مستوى اغتيال خامنئي من دون رد فعل منها، فبذلك تُخاطر بانهيار «الردع الإقليمي»، وفقدان المصداقية لدى الوكلاء، ورد فعل عنيف داخلياً. استخدمت كل من واشنطن وطهران في الأسبوع الأخير ما سماه توماس شيلينغ «دبلوماسية العنف»، أي التهديد العسكري المستمر وسيلةَ ضغطٍ.

الحافز الإيراني الآخر في المرحلة الثانية هو الحفاظ على تماسك النظام الداخلي عبر استمرار حرب خارجية تمنع الانقسامات بحيث يكتسب المتشددون داخل المؤسسات الأمنية نفوذاً إضافياً.

الأسبوع الأخير كان حاسماً في معركة مضيق هرمز والبنى التحتية للطاقة؛ فوصلت المواجهة والتهديدات إلى لحظة الذروة، فكان قرار خفض التصعيد حين امتنع الخصمان عن شن هجوم شامل بعد اقتناع ضمني بقدرة بعضهما بعضاً على إلحاق خسائر انتقامية لا يمكن تحملها في إطار الرد الانتقامي. وبعدما علق الجانبان في دوامة من الإنذارات والردود الانتقامية برزت بوادر خيارات عقلانية، أقرَّت بضرورة فتح شكل من أشكال قنوات الاتصال مع رسم مسبق لخطوط حمراء واضحة.

أمسك ترمب بزمام مبادرة إعلان انطلاق التفاوض؛ ما أربك ليس إيران فحسب، بل فاجأ إسرائيل أيضاً. المناورة انتقلت من الميدان إلى التفاوض، وبالتالي من يصرخ أولاً يفرض شروط انتهاء الحرب.

عمال إنقاذ يعملون على إزالة ركام مبنى دُمّر بغارة إسرائيلية على طهران (رويترز)

وساطة عبر 3 مسارات

في هذا السياق، كانت مصادر دبلوماسية عربية لـ«الشرق الأوسط» أكدت أن هناك وساطة متقدمة و«اتصالات قوية» تقودها كل من باكستان ومصر وتركيا عبر ثلاثة مسارات داخل النظام الإيراني، هي «الحرس الثوري» والخارجية الإيرانية ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف. تستخدم كل من هذه الدول الثلاث قنواتها الخاصة. وتشير المصادر إلى أنه حالياً ليس هناك غير هذه الدول من قد يرغب في القيام بوساطة، سيما وأنها لم تتعرض لهجمات صاروخية إيرانية. كذلك، تؤكد المصادر وجود عروض أميركية متقدمة، ومسعى لإيجاد نوع من الحل الوسط قدر الإمكان. لكن التحدي أن الأميركيين يضغطون في عامل الوقت ويستعجلون الاتفاق، في حين الإيرانيون يرون أن الوقت لا يكفي، خصوصاً أن حركتهم وتواصلهم فيما بينهم صعبان لتفادي رصدهم من الإسرائيليين.

لوحة إعلانية في طهران تحمل صور قائد «الحرس الثوري» السابق عباس نيلفوروشان وأمين عام «حزب الله» السابق حسن نصر الله وزعيم «حماس» السابق إسماعيل هنية (أرشيفية - رويترز)

وكلاء إيران والمواجهة الكبرى

الشق الثاني في الردع هو أذرع إيران الإقليمية. كان هناك شيء من الرومانسية في الحديث عن فكرة الجبهات المفتوحة والمتزامنة لوكلاء النظام الإيراني؛ هي فكرة تقوم على أساس أن الهجوم على أحد أطراف المحور يعدّ هجوماً على الكل. لكن هذا الدفاع الجماعي تحقق جزئياً ومرة واحدة فقط بعد عملية «طوفان الأقصى» عام 2023 قبل أن يتعرض المحور بمجمله لضربات متتالية. في الحرب الأولى بين إيران وإسرائيل عام 2025 وقفت أذرع إيران على الحياد، لكنها دخلت عنوة على خط الحرب الدائرة حالياً بعد اغتيال خامنئي.

تعرض المحور إلى إغتيالات مستهدفة متتالية من إسرائيل وأميركا أدت إلى اهتزاز ركائزه، وجاءت العقوبات الأميركية على النظام الإيراني منذ 2019 لتقلّص موارده، كما واجه تحديات في خطوط الإمداد من إيران عبر العراق وسوريا إلى لبنان.

والآن، تدخل أذرع إيران الإقليمية في مرحلة جديدة قد تحدّد مصيرها ووظيفتها في السنوات المقبلة، في معركة تخوضها طهران هذه المرة في الصفوف الأمامية بعدما تقلصت مروحة وكلائها بعد تطورات سوريا وغزة. ويبدو واضحاً أن الاستراتيجية الإيرانية تقوم على توسيع الساحات وليس بالضرورة وحدتها، على أن يكون القرار المركزي في طهران بشكل غير مسبوق. فللمرة الأولى ينسق «الحرس الثوري» عمليات وإطلاق صواريخ متزامنة مع «حزب الله» و«الحشد الشعبي»، أي التركيز على قيادة الردع بالاعتماد على ما تبقى من الوكلاء في لبنان والعراق.

«حزب الله» يقاتل بترسانة مستنفدة وهيكلية في طور إعادة التنظيم وبيئة شعبية منهكة، في حين «الحشد الشعبي» الذي تفادى لسنوات المواجهة المباشرة مع الجيش الأميركي، كسر المحظور أيضاً في استهداف القوات والمصالح الأميركية في بغداد وأربيل ودول الجوار؛ ما يغير معادلة الردع الأميركي وقد يعزز النفوذ الإيراني في العراق إذا استمرت الدينامية الحالية للحرب حتى انتهائها.

لكن «الحشد الشعبي» منقسم بين خلايا مدفوعة آيديولوجياً تواصل شن الهجمات باسم طهران، وأصحاب نفوذ في الدولة العراقية الذين يرون بشكل متزايد أن المواجهة تضرّ بمصالحهم، والنتيجة هي رادع منقسم: بعض الفصائل تقاتل، وأخرى تنسحب؛ ما يضعف مصداقية التهديد ككل.

صورة للأمين العام الأسبق لـ«حزب الله» حسن نصر الله بين أنقاض مبنى لـ«القرض الحسن» دمرته غارة إسرائيلية في الضاحية الجنوبية لبيروت (إ.ب.أ)

ساحات قتال محلية

كل هذه التطورات تنعكس توتراً أمنياً وسياسياً بين واشنطن وطهران في لبنان والعراق. الأزمة السياسية في لبنان تتفاعل، لكنها لم تخرج عن السيطرة بعد. الصراع الأميركي - الإيراني أكثر حدة في العراق وانتقل إلى المؤسسات الأمنية، لكن الميليشيات المدعومة إيرانياً تستمر بأنشطتها العسكرية، في حين سمحت الحكومة العراقية لقوات الحشد الشعبي بالرد على أي استهدافات.

الوضع مغاير تماماً في قطاع غزة واليمن.

إدارة ترمب تمكنت من تحييد جبهة غزة نسبياً، وبالتالي حسابات حركة «حماس» مغايرة في هذه المرحلة مع تجميد قدرات جناحها العسكري، في ظل السيطرة الأميركية - الإسرائيلية المحكمة على القطاع والانقسامات الداخلية على قيادة الحركة والمرشحة إلى الزيادة حسب كيفية انتهاء هذه الحرب.

من جهة أخرى، اتخذ الحوثيون موقف الحياد النسبي بما يتناسب مع التحولات في الداخل اليمني التي تستدعي التريث. كما يحتفظ النظام الإيراني بالحوثيين ورقةً احتياطية للتهديد المطلق على البحر الأحمر.

ماذا بعد الحرب؟

السؤال الرئيسي اليوم هو عما: إذا كانت طهران ستصر على شمل «حزب الله» في أي مفاوضات لإنهاء الحرب، أم ستتفرغ إسرائيل للحزب وتفرض أمراً واقعاً جنوب الليطاني؟ هذا سيكون أول اختبار لعلاقة النظام الإيراني الجديد مع أذرعه الإقليمية، لا سيما في لبنان والعراق.

فإذا أوقفت أميركا الحرب مع إيران، هل تبقى العصا الإسرائيلية مرفوعة ضد النظام الإيراني لاستخدام الضرورة؟ مهما كان السيناريو النووي الأميركي - الإيراني، حتى الآن يبقى وكلاء طهران تحت الضغوط الأميركية - الإسرائيلية، لكن من دون القدرة على فرض الاستسلام الكلي. هذه الضبابية ستؤدي إلى تقلص تدريجي لوكلاء النظام الإيراني، لكن قد لا تفتح الباب أمام التسويات الكاملة في المدى المنظور. لا المواجهة بين إيران وإسرائيل ولا الهدنة بينهما ستعالج الأزمات المحلية في بلدان هذه الجبهات، ولا المعارك المفتوحة بين إسرائيل ووكلاء إيران الذين يستعدون لمرحلة جديدة.

يقول كارل فون كلوزفيتز: «الحرب ليست سوى استمرار للسياسة بوسائل أخرى». الخروج من الردع إلى التفاوض في حسابات بقاء النظام كانت عبر مؤشرات بدأت تخرج من طهران بعدما هيمن المتشددون في «الحرس الثوري» بشكل مطلق على الاستراتيجية في أول أسبوعين من الحرب.

من ملامح هذه المؤشرات مواقف شخصيات تتمتع بعلاقات واسعة في الأوساط الدينية والسياسية والأمنية، معتدلون ضمن الهياكل المتشددة، محافظون لكن براغماتيين، قادرون على التواصل مع كل من المتشددين والتكنوقراط، وهم مفاوضون استراتيجيون ذوو خبرة في الدبلوماسية.

هؤلاء تسعى واشنطن للتواصل معهم وتحاول إسرائيل اغتيالهم مثلما فعلت مع علي لاريجاني. التحوّل الكبير الآن ليس بين واشنطن وطهران، بل في بداية افتراق المصالح الأميركية - الإسرائيلية في هذه الحرب. ترمب فاجأ تل أبيب بقرار وقف زخم الحرب ودرس احتمالات خفض التصعيد، كما أرسل أكثر الأصوات رفضاً للحرب داخل إدارته لإيصال هذه الرسالة إلى بنيامين نتنياهو، وهو نائب الرئيس جي دي فانس. انتقل الطرفان من الحرب إلى التفاوض بالنار عبر رفع استعراضي لسقف المفاوضات وتحديد متبادل لهويات المفاوض في الطرف الآخر بحيث واشنطن تفضل قاليباف وطهران تفضل جي دي فانس. هذه بداية لاستكشاف النوايا وإعادة بناء الثقة على وقع حرب مستعرة.

تُعرض لافتات تحمل صورة المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي بأحد شوارع طهران وسط الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران (رويترز)

ميزان الربح والخسارة

مفهوم الانتصار نسبي للطرفين؛ فمجرد البقاء على الطاولة ينظر إليه النظام الإيراني على أنه انتصار رغم الخسارات الكبيرة. بعد الحديث عن تغيير النظام في الأيام الأولى، حتى الطرف الإسرائيلي بدأ يتراجع عن هذا الخطاب بإيعاز أميركي بعدما أطلقت طهران العنان لجنونها وأصبحت المنظومة الأمنية تتصرف كميليشيا تستنزف أميركا ومصالحها، في حين إدارة ترمب تقود حرباً عسكرية تقليدية. ترمب الذي كان لا يمكن التنبؤ بأفعاله اعتمد «الحذر الاستراتيجي» في الرد، في حين النظام الإيراني المتردد في الردع أصبح خارج السيطرة. السرديات تغيرت. التركيز أصبح على من يسيطر على مضيق هرمز لا على تغيير النظام الإيراني. ترمب يفاوض بالنار والنظام الإيراني يردع بالبقاء. الجمود الدبلوماسي في «النووي» ينعكس الآن جموداً عسكرياً في الميدان، والخيار يتراوح بين إيجاد حلول عقلانية أو الانتقال إلى خيارات أكثر دراماتيكية. الطرفان يريدان إنهاء الحرب، لكن بشروط تساعدهما على تسويق وقف إطلاق النار داخلياً.

على الضفة الأخرى، من مصلحة موسكو وبكين عدم انتصار ترمب وسيطرته على كل منابع الطاقة وطرق الإمداد الرئيسية، وإيران جزء من هذا النزاع الدولي الأشمل على الموارد والنفوذ. إذا لم يستكمل ترمب المهمة، تخسر واشنطن بعضاً من صورتها بوصفها شرطي العالم وضامن الملاحة الدولية. ترمب لمّح إلى أنه في حال كان هناك اتفاق مع طهران سيدير مضيق هرمز مع المرشد الإيراني الجديد، ما يشبه سيناريو التنافس الاستراتيجي بين الصين والولايات المتحدة في بحر الصين الجنوبي.

لكن نصف تدخل عسكري أميركي مع تردد في التورط وهشاشة في تحمّل التبعات الاقتصادية يعطي الأفضلية للنظام الإيراني في المدى المنظور ويعزز سطوته الداخلية، مع تبعات طويلة الأمد على استعادة القوة والزخم ما لم يحدّه اتفاق واضح مع الغرب.


كوبا تقارع إرث «الكوماندانتي»... وأيتام ثورة رومانسية

كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)
كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)
TT

كوبا تقارع إرث «الكوماندانتي»... وأيتام ثورة رومانسية

كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)
كوبيّون يترقبون وصول الباخرة ماغورو المبحرة من المكسيك والمحملة بالمساعدات الغذائية (أ.ف.ب)

يقول المؤرخون إن الطاغية الكوبي فلوخنسيو باتيستا الذي هرب إلى الولايات المتحدة بعدما أطاحته الثورة مطلع عام 1959، لم يندم في حياته سوى على قرار واحد وهو العفو عن فيديل كاسترو بعد سنتين من اعتقاله عام 1953 لمشاركته في الهجوم الذي تعرّضت له ثكنة «مونكادا» العسكرية على يد مجموعة من الثوار.

قبل ذلك الهجوم كان فيديل، المتخرج حديثاً من كلية الحقوق في جامعة هافانا، تقدّم بشكوى ضد باتيستا لانتهاكه أحكام الدستور. لكن المحكمة رفضت الشكوى، ما دفع فيديل إلى القول إن ذلك الرفض يعطي شرعية للكفاح المسلح كسبيل وحيد لقلب النظام، وشارك مع مجموعة من رفاقه في التخطيط لسلسلة من الهجمات على عدد من الثكنات العسكرية، تمهيداً للدعوة إلى تمرد شعبي على النظام الذي كانت تدعمه وتموّله الإدارة الأميركية.

مؤيدون للتدخل العسكري الأميركي في كوبا يرفعون لافتة كتب عليها «كوبا التالية. فلنكمل المهمة» في فلوريدا في 24 مارس 2026 (أ ف ب)

بعد فشل تلك الهجمات ألقي القبض على فيديل وأودع السجن ليخرج منه بعد عامين بموجب عفو عام أعلنه باتيستا تحت وطأة الضغط الشعبي، وانتقل لفترة وجيزة إلى الولايات المتحدة حيث أوشك أن ينخرط كلاعب محترف في أحد نوادي البيسبول، لكنه ما لبث أن توجه إلى المكسيك حيث باشر بالتخطيط مع رفاق له لاجتياح عسكري ضد نظام باتيستا. وبعد حصوله على التمويل اللازم من مصادر متنوعة، عاد إلى كوبا على متن اليخت «غرامّا» برفقة 82 من الثوّار المسلحين، بالتنسيق مع مجموعة أخرى في الداخل كانت تخطط للسيطرة على سانتياغو، ثاني المدن الكوبية.

لكن الإنزال البحري فشل، ولم ينجُ من الثوار سوى فيديل وعدد ضئيل من رفاقه، بينهم شقيقه راؤول وتشي غيفارا، وانتقلوا إلى سييرا مايسترا حيث أعادوا تنظيم صفوفهم، وبدأت حرب العصابات ضد النظام، التي برز خلالها تشي غيفارا، خصوصاً في معركة «سانتا كلارا» الشهيرة، إلى أن سقط باتيستا وفرّ من كوبا بعدما انقلب عليه عدد من كبار ضبّاط القوات المسلحة.

بعد سقوط باتيستا، دخل فيديل إلى هافانا فجر اليوم الثامن من عام 1959 دخول الفاتح الذي سينقذ كوبا من «عفن الفساد والتخلف والتبعية المفرطة للولايات المتحدة»، التي كانت حوّلت «لؤلؤة الكاريبي» إلى مرتع لعصابات الإجرام والدعارة والمخدرات وزعماء المافيا مثل لوكي لوتشيانو ورفاقه، حتى قال عنها آرثر شليسنغر مستشار الرئيس الأميركي الأسبق جون كيندي: «كنت شغوفاً إلى حد بعيد بهافانا، لكني شعرت بصدمة كبيرة عندما رأيت هذه المدينة الرائعة وقد تحولت إلى كازينو واسع وماخور لرجال الأعمال الأميركيين الذين كانوا يتجولون في شوارعها برفقة فتيات في الرابعة عشرة من العمر، ويرمون قطع النقود في أقنية الصرف لمجرد مشاهدة الرجال يركضون لالتقاطها. وكان لا بد أن أسأل نفسي السؤال التالي: هل يمكن أن ينظر أهل الجزيرة إلينا إلا بعيون النقمة والحقد؟».

فيدل كاسترو... حاول الأميركيون إطاحته في إنزال خليج الخنازير وبسيجار وقلم مسمومين وببدلة غوص ملوثة ببكتيريا السل (أرشيف نيويورك تايمز)

الصعود إلى السلطة

منذ تسلّمه السلطة في ذلك العام، حتى رحيله خريف عام 2016 بعدما نكث بكل الوعود التي كان قد قطعها في بداية الثورة مثل إجراء انتخابات حرة والتناوب على الحكم، كان فيديل كاسترو قد ترك بصماته العميقة على حياة ثلاثة أجيال من الكوبيين، وألهم عشرات الحركات التحررية في أميركا اللاتينية والعالم، ووضع قطبي الحرب الباردة على شفا أول صدام نووي في التاريخ بعد أزمة الصواريخ الشهيرة التي أشعلت المواجهة السياسية بين واشنطن وموسكو.

حكم كاسترو بلاده بقبضة من حديد، متفرداً في السلطة والقرار، ومستنداً إلى قدرة خطابية نادرة، ورمزية ثورية عالية كانت محط إعجاب اليساريين والحركات الثورية في العالم. وفي عهده، حققت الثورة الكوبية إنجازات مبهرة في مجالات التعليم والصحة والأمن والبحوث، لكنها وقعت أيضاً في فخ الاعتماد المفرط على الاتحاد السوفياتي عندما تعرّضت لحصار أميركي خانق لا يزال مستمراً إلى اليوم، وفشلت في تطوير قطاعاتها الإنتاجية وتنويعها، وتخلّت عن كل الوعود بضمان الحريات الفكرية والسياسية، وتحوّلت أجهزتها الأمنية إلى أدوات ترهيب وقمع تنكّل بالأصوات المعارضة التي تطالب بالمحاسبة.

صور الزعيم الكوبي فيديل كاسترو والرئيس الفنزويلي الأسبق هوغو شافيز عند مدخل مبنى في هافانا (أ ب)

وعندما انطفأ «الكوماندانتي» أواخر نوفمبر (تشرين الثاني) 2016 بعد نصف قرن تقريباً من الحكم المطلق، أي تماماً في الذكرى السنوية الستين لانطلاق الثورة، كان أرسى دعائم نموذج اقتصادي اشتراكي هزيل الإنتاج، وضرب بسيف ستالين كل منافسيه وأعدائه الذين جرّدهم من المال والحرية، وكانت هوية الجزيرة قد ذابت كلياً في صورته ولحيته الشهيرة، وسبابته التي اعتاد أن يرفعها خلال خطبه الطويلة مفاخراً ومتحدياً.

رحل فيديل من غير أن يترجّل يوماً عن صهوة أحلامه «الدون كيشوتية»، محاطاً بهتافات ودموع الذين رفعوه فوق مراتب الشك والمساءلة، وأيضاً بصمت ولعنات الضحايا الذين سقطوا بالآلاف على «طريق الثورة».

شارع في وسط هافانا - كوبا (أ.ف.ب)

آليات صمود «دون كيشوتي»

عاد المراقبون لطرح السؤال نفسه الذي كانوا بدأوا يطرحونه عند مغارب القرن الماضي بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وانقطاع الشريان الأبهر الذي كان يمدّ كاسترو بالدعم السياسي والدبلوماسي والمساعدات الحيوية: كيف استطاع النظام أن يصمد طوال تلك الفترة من غير حليفه التاريخي وتحت وطأة الحصار الأميركي؟

كثرت التحليلات السياسية والاقتصادية للإجابة عن هذا السؤال، وتوافقت على مجموعة من الأسباب، أبرزها: أولاً، الطبيعة المحلية الصرفة للثورة التي توفرت كل عناصرها ونضجت في كوبا، ولم تفرضها الدبابات السوفياتية، ما أعطى نظام كاسترو هامشاً واسعاً من الاستقلالية في التحرك الدبلوماسي إزاء موسكو التي كانت تحتاج إليه في الحرب الباردة بقدر ما كان هو يحتاج إليها.

يضاف إلى ذلك أن صيرورة الثروة، بخاصة النصر الذي حققه الثوار على قوات النظام المتفوقة بالعدة والعديد، أضفى عليها مسحة روائية وشبه سينمائية كما كان يقول غابرييل غارسيّا ماركيز. ثانياً، شخصية كاسترو التي لا قرين لها في التاريخ الأميركي اللاتيني، التي تجاوزت شخصيات أخرى تاريخية في المنطقة مثل سيمون بوليفار في فنزويلا أو أميليانو زاباتا في المكسيك. ثالثاً، فشل المحاولات العديدة التي قامت بها الولايات المتحدة لإسقاط النظام، بما في ذلك عشرات المخططات لاغتيال كاسترو كما اعترفت وكالة الاستخبارات الأميركية، والحصار الاقتصادي الخانق الذي ضربته عليها منذ بدايتها. ورابعاً، المساعدات الاقتصادية الضخمة التي قدمها الاتحاد السوفياتي للنظام في العقود الثلاثة الأولى من عمر الثورة وحتى نهاية الحرب الباردة.

عامل نظافة يكنس طريقاً في وسط العاصمة الكوبية هافانا بعد ليلة كاملة من انقطاع الكهرباء التام في الجزيرة (أ.ف.ب)

في سبعينات وثمانينات القرن الماضي لعبت الثورة الكوبية دوراً كبيراً ساعد على ظهور الحركات التحررية في أميركا اللاتينية وبعض دول العالم الثالث، ومدّها بالخبرات العسكرية والمساعدات الاجتماعية في مجالات التعليم والصحة، ما زاد في وهجها وأضفى عليها هالة شبه أسطورية من حيث قدرتها على الصمود. وقد برع النظام الكاستري في بناء هوية وطنية قوية انطلاقاً من وعي قومي كان ضعيفاً وملتبساً، ونجح بنسبة عالية جداً، خلافاً لما حصل في الولايات المتحدة، في صهر روافد الهجرة الأفريقية ضمن هذه الهوية التي تألق في وصفها شاعر كوبا الكبير خوسيه مارتي الذي اقتبس باراك أوباما من إحدى قصائده عبارة «فلنزرع وردة بيضاء»، لافتتاح خطبته الشهيرة في زيارته التاريخية إلى الجزيرة لتطبيع العلاقات ربيع عام 2016، أي قبل أشهر من وفاة فيديل.

درّاجان يعبران بجدارية للزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو وخلفه راوول كاسترو والرئيس الحالي ميغيل دياز كانل في وسط هافانا (أ ب)

تغذية العداء لأميركا

كما نجح كاسترو أيضاً في توظيف المشاعر المناهضة للولايات المتحدة حتى أصبحت عنصراً أساسياً من مكوّنات الهوية الوطنية في كوبا، وبعض البلدان الأخرى في المنطقة، وهو ما كانت فشلت في تحقيقه معظم الدول الأميركية اللاتينية، إما بسبب من بعدها الجغرافي، أو لقربها، مثل المكسيك التي تتوفر فيها كل العوامل التي من شأنها أن تؤجج المشاعر المناهضة للجارة الشمالية بعد الهزائم العسكرية التي أصابتها والأراضي الشاسعة التي اقتطعتها منها الولايات المتحدة. ومع الصورة السلبية التي شاعت عن الولايات المتحدة في مطالع هذا القرن، استمرت المشاعر المناهضة لها مشتعلة في أميركا اللاتينية، ساعد على تأجيجها هوغو تشافيز، ناهلاً من مشارب كاسترو، رغم أنه بقي دون المستوى الذي بلغه الزعيم الكوبي.

من العوامل الأخرى التي ساعدت على صمود الثورة الكوبية، براعة فيديل في قراءة التاريخ السياسي والفكري لكوبا وأميركا اللاتينية برمتها، وما كان له من قدرة على ملء الفراغ الذي عجز عنه بوليفار، إذ لعب دور الأب المؤسس لحركات التحرر في المنطقة، والمشخّص لآفاتها، والمنظّر الذي كان يقدّم الحلول والعلاجات استناداً إلى الإنجازات الاجتماعية الباهرة التي حققتها ثورتها في أصعب الظروف. وكان شعبوياً بقدر ما كان مثقفّاً، استقطب حوله كوكبة من كبار رموز الأدب الأميركي اللاتيني كان أبرزهم صديقه الشخصي المقرّب غابرييل غارسيا ماركيز، رغم أن العديد منهم ابتعد عنه في السنوات الأخيرة من حكمه مثل الراحل فارغاس يوسا. ولم يكن مستغرباً أن معظم خصومه في المنفى كانوا لا يترددون في التنويه بقدرته الفائقة على استغلال مواطن الضعف عند أعدائه.

مواطنون كوبيون يترقبون وصول الباخرة «ماغورو» المبحرة من المكسيك والمحمَّلة بالمساعدات الغذائية في 24 مارس 2026 (أ.ف.ب)

إنجازات دونها حبة «باراسيتامول»

كان كاسترو يفاخر دوماً بالإنجازات التي حققتها ثورته التي أرسلت آلاف الأطباء لمساعدة عشرات البلدان في أفريقيا وأميركا اللاتينية في القضاء على أمراض كثيرة متوطنة، ويتباهى كيف أن مئات الأميركيين والأوروبيين كانوا يسافرون إلى كوبا للمعالجة على يد أخصائيين كوبيين، وكيف أن نظام التعليم في الجزيرة كان يضاهي أفضل النظم في العالم، وكيف أن أطفال كوبا وحدهم في أميركا اللاتينية لا يعانون من نقص التغذية، وكيف كانت كوبا تصنّف بين المراكز العشرة الأولى في الألعاب الأولمبية. لكن الوجه الآخر لهذه العملة البرّاقة، كان أن الدولة التي حققت كل تلك الإنجازات الصعبة بقي اقتصادها هزيلاً ويعتمد بشكل أساسي على المساعدات الخارجية، وفشلت في تحقيق معدلات النمو التي كانت تحققها البلدان المجاورة. والسبب في ذلك، كما اعترف النظام لاحقاً، هو أن تلك الإنجازات لم تترافق مع الارتفاع المناسب في معدلات الاستثمار الصناعي والزراعي والتكنولوجي وفي البنى التحتية، فضلاً عن فشل النظام في توظيف الإنجازات التعليمية لتنشيط عجلة الإنتاج وتحويل الاستثمارات الاجتماعية إلى محرّك لزيادة الإنتاجية، حتى في المرحلة التي كانت لا تزال الاتفاقات قائمة مع الاتحاد السوفياتي.

صور للزعيم الكوبي الراحل فيديل كاسترو معروضة في إحدى مدارس هافانا (أ.ب)

لكن بعد عشر سنوات على رحيل «الكوماندانتي»، لم يعد العالم يتساءل كيف تمكنت الثورة الكوبية من الصمود كل هذا الوقت في الظروف الصعبة التي نعرفها، بل متى سينهار نهائياً هذا النظام كالثمرة الجافة من شجرة التاريخ؟ وما الذي بقي من كاسترو وأسطورته؟

شوارع هافانا تضجّ بالفراغ والعتمة منذ أشهر، فيما سكانها يجرّون أنفسهم كل يوم وراء سراب الرزق المجبول بعقود من العذاب والشحّ في كل شيء، والشعارات التي بهتت من كثرة ما اجترّها النظام لتبرير فشله في الحفاظ على منجزات كان العالم يوماً يحسده عليها، مصرّاً على قمع كل الحريات التي وعدت بها تلك الثورة التي أضاءت دروب الملايين وأصبحت اليوم جسماً متهالكاً ينتظر من يوقّع شهادة وفاته أمام الجار الأميركي الذي يُحكم آخر فصول الحصار على الجزيرة المتمردة. حياة الكوبيين اليومية باتت أشبه بجلجلة من الحواجز والتعقيدات التي لا نهاية لها، بحثاً عن الطعام، أو سعياً وراء وسيلة نقل، أو معلومات لمعرفة ماذا سيحصل في اليوم التالي. النظام لا يفصح عما إذا كان يتفاوض أو لا مع الإدارة الأميركية، ولا أحد يعرف متى سيعود التيار الكهربائي، أو إذا كانت الجزيرة ستغرق في كارثة إنسانية إذا لم تصل شحنات الوقود الموعودة، أو إذا كانت البلاد على شفا تغيير للنظام، أو إصلاحه تدريجياً بفعل الضغط الأميركي، أو إذا كانت كوبا هي التالية بعد فنزويلا وإيران.

مواطنون كوبيون ينتظرون دورهم لتعبة مياه الشفة في هافانا خلال انقطاع تام للكهرباء في كافة أنحاء البلاد (أ ف ب)

لم يعد في كوبا شيء من الذي كان تشي غيفارا يتغنّى به، أو من الذي كان غارسيّا مركز يمتدحه في مقالاته، ولا مما كان يفاخر به أمام العالم فيديل كاسترو الذي لم يتبقّ منه ومن إرثه الثوري سوى شذرات أسطورة لن يحكم التاريخ بالبراءة عليها بعد أن ذابت فيها الثورة، وإنجازاتها، وأحلامها.

وقبل أن تغادر الجزيرة التي اخترت يوماً أن تكون أطروحتك حول ثورتها وقائدها الملهم، يعترضك كهل في طريق العودة إلى الفندق ليسألك إن كنت تحمل أقراص «باراسيتامول» لمداواة آلام الركب... تلك هي نهاية الفيلم الكوبي الرومانسي الطويل.


القضاء العسكري يفعّل قرار الحكومة بحظر نشاط «حزب الله»

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
TT

القضاء العسكري يفعّل قرار الحكومة بحظر نشاط «حزب الله»

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)
قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يصل إلى كنيسة القليعة في جنوب لبنان للمشاركة في تشييع كاهن قُتل بقذيفة إسرائيلية (أ.ف.ب)

دخل قرار الحكومة اللبنانية القاضي بحظر النشاط العسكري والأمني لـ«حزب الله» مرحلة التطبيق العملي، عبر قيام القضاء العسكري بفتح ملفات قضائية بحق عناصر ضُبطوا وهم ينقلون أسلحة غير مرخصة وصواريخ باتجاه الجنوب. ويعكس هذا المسار تحوّلاً قضائياً في مقاربة الدولة لملف السلاح غير الشرعي، بعد تعثر الأسبوع الماضي أدى إلى الإفراج عن موقوفين بكفالات رمزية، ما انعكس على العلاقة بين الأجهزة القضائية.

وفي خطوة اعتبرت مؤشراً على بدء مرحلة مختلفة، ادعى مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي كلود غانم، الاثنين، على أربعة عناصر من الحزب، بعد توقيفهم أثناء نقل أسلحة وصواريخ، وأحالهم إلى قاضي التحقيق العسكري الأول القاضية غادة أبو علوان لاستجوابهم واتخاذ الإجراءات المناسبة بحقهم.

هامش قضائي واسع

في الشكل، قد تبدو هذه الإجراءات روتينية ضمن صلاحيات النيابة العامة العسكرية، إلا أن مضمونها يعكس تبدلاً في أسلوب التعامل القضائي مع ملفات ترتبط بـ«حزب الله». فالقضاء الذي كان يتحرك بحذر شديد في قضايا تمسّ الحزب أو حلفاءه، يبدو اليوم أمام هامش أوسع، في ظل القرار السياسي الذي صنّف النشاط العسكري والأمني للحزب خارج إطار الشرعية القانونية.

ادعاء مفوض الحكومة على عناصر «حزب الله» الأربعة استناداً إلى المادة 72 من قانون الأسلحة التي تعاقب على نقل وحيازة الأسلحة غير المرخصة، يبدو مفهوماً في بعده القانوني. إلا أن اللافت في الادعاء كان توجيه اتهام أشد خطورة لاثنين من الموقوفين استناداً إلى المادة 288 من قانون العقوبات، وهي مادة جنائية تعاقب بالأشغال الشاقة المؤقتة كل من يقوم بأعمال من شأنها تعريض لبنان لخطر أعمال عدائية أو الإضرار بعلاقاته مع دولة أجنبية.

لبناني يرفع علم «حزب الله» في بلدة النبي شيت في شرق لبنان حيث قام الجيش الإسرائيلي بإنزال وأمطر البلدة بقصف كثيف موقعاً عشرات القتلى والجرحى (أ.ف.ب)

وتنصّ المادة 288 من قانون العقوبات على «المعاقبة بالاعتقال المؤقت لكل من يخرق التدابير التي اتخذتها الدولة للمحافظة على حيادها في الحرب، أو يقدم على أعمال أو كتابات أو خطب غير مجازة من الحكومة من شأنها تعريض البلاد لخطر أعمال عدائية أو تعريض اللبنانيين لأعمال ثأرية». ويعطي إدراج هذه المادة في الادعاء بعداً سيادياً للملف، إذ يضع القضية في إطار «الجرائم التي تمس أمن الدولة»، وليس فقط ضمن إطار حيازة السلاح غير المرخص.

نقل صواريخ

وفي تبرير لاتهام عنصرين للحزب بجناية، يؤكد مصدر قضائي لـ«الشرق الأوسط» أن اثنين من الموقوفين الأربعة «أوقفا في بلدة كفرحونة في جبل لبنان، بعدما ضبطت بحوزتهما 21 صاروخاً في طريقها إلى الجنوب، في خطوة اعتُبرت مخالفة صريحة لقرارات الحكومة والقوانين المرعية الإجراء».

ويشير المصدر إلى أن القاضي كلود غانم «اعتمد هذه المرة مقاربة مختلفة في مسار الملاحقة، إذ ادعى على الموقوفين الأربعة وأحالهم إلى قاضي التحقيق العسكري الأول طالباً استجوابهم وإصدار مذكرات توقيف وجاهية بحقهم، استناداً إلى مواد الادعاء»، لافتاً إلى أن هذه الآلية القضائية «ستؤدي عملياً إلى إطالة مسار الإجراءات، ما يعني إبقاء المدعى عليهم قيد التوقيف إلى حين استكمال التحقيقات».

ويأتي هذا المسار مختلفاً عمّا حصل في ملف سابق شمل عنصرين من الحزب، حيث جرى الادعاء عليهما وإحالتهما مباشرة إلى المحكمة العسكرية، حيث اكتفت الأخيرة بتغريم كل منهما مبلغ 10 دولارات أميركية وإطلاق سراحهما فوراً، في إجراء أثار انتقادات واسعة.

توسيع دائرة التحقيقات

بحسب المصدر القضائي، فإن الهدف من إحالة الملف إلى التحقيق الاستنطاقي «هو توسيع دائرة التحقيقات لكشف ملابسات نقل الصواريخ والأسلحة، ومعرفة ما إذا كان الموقوفون يتحركون بقرار مستقلّ، أو بتكليف مباشر من الجهة الحزبية التي ينتمون إليها»، في إشارة إلى «حزب الله».

وتندرج هذه القضية في سياق سلسلة عمليات نفذتها الأجهزة الأمنية خلال الأسبوعين الماضيين، أسفرت عن توقيف عناصر من الحزب أثناء تنقلهم بأسلحة فردية أو رشاشات أو أثناء نقل عتاد عسكري بين مناطق مختلفة. غير أن التطور الأبرز في الملف الأخير يتمثل في طبيعة السلاح المضبوط، أي الصواريخ.

وترى مصادر حقوقية متابعة للملف أن تكثيف إحالة هذه القضايا إلى القضاء العسكري «يعكس بداية مرحلة مختلفة في علاقة الدولة مع سلاح (حزب الله)، خصوصاً بعد القرار الحكومي الذي وضع إطاراً قانونياً واضحاً لحظر نشاطه العسكري والأمني خارج مؤسسات الدولة». وتؤكد المصادر لـ«الشرق الأوسط»، أن القضاء العسكري «وضع نفسه أمام اختبار حقيقي لمدى قدرته على تطبيق قرارات الدولة وملاحقة المخالفين لها»، مشيرة إلى أن التحقيقات الاستنطاقية التي تجريها القاضية غادة أبو علوان «ستشكل مؤشراً مبكراً على المسار الذي ستسلكه الدولة في التعامل مع ملف السلاح غير الشرعي في المرحلة المقبلة».