مزيد من هذا الهدوء إلى درجة تسمح بالتساؤل عن الحكمة وراءه

فيلم جيم جارموش الجديد

الزوج والزوجة والأبيض والأسود - شعر وشاعرية
الزوج والزوجة والأبيض والأسود - شعر وشاعرية
TT

مزيد من هذا الهدوء إلى درجة تسمح بالتساؤل عن الحكمة وراءه

الزوج والزوجة والأبيض والأسود - شعر وشاعرية
الزوج والزوجة والأبيض والأسود - شعر وشاعرية

اسمه باترسون، يعيش في بلدة اسمها باترسون، ويقود حافلة (باص) عليها من الأمام اسم باترسون في فيلم عنوانه «باترسون». علاوة على ذلك، باترسون الشخص يحب أشعارًا كتبها ويليام كارلوس ويليامز، ونشرها في فصول ما بين 1946 و1958 في كتاب عنوانه «باترسون»!
إنه فيلم جيم جارموش الجديد الذي بوشر بعرضه في عواصم أوروبية وأميركية منذ أيام، لكنه لن يعرض في البلاد العربية، لغياب الموزع الذي يكترث ما إذا كانت كل هذه الأسماء لها دلالات واحدة ما دام أن الفيلم لا يحتوي على مطاردة سيارات، ولا ينطوي أيضًا على مركبة فضائية اسمها «باترسون».
ليس أنه أفضل أفلام المخرج الذي صنع سابقًا أعمالاً خلبت هواة الفن السابع ونقاده مثل «قطار لغزي» (1989)، و«رجل ميت» (1995)، و«كلب شبح: طريقة الساموراي» (1999).
حتى فيلمه السابق، مباشرة قبل هذا الفيلم، وهو «العشاق فقط بقوا أحياءً» (2016) نال على كآبته مكانة طيبة بين هواة أعمال هذا المخرج الذي أخرج تدرجًا سريعًا من مهندس صوت إلى مؤلف موسيقي ومصور إلى مخرج من عام 1980.
* روتين حياة
الذين يعرفون سينما جارموش عادة لا يخفون إعجابهم. محطة هذه الأفلام الأولى كانت «كان» و«برلين» غالبًا، وأعماله دائمًا ما عرضت في صالات مليئة بالمشاهدين التواقين لفهم وقبول ما سيعرضه المخرج عليهم هذه المرة، مدركين أنه في كل مرّة يحافظ على نبرة صوت خفيفة وإيقاع يكاد لا يتغير، وحكايات تبدأ وتنتهي فجأة، كما لو أنها ابتسرت من الحياة ذاتها.
في «باترسون» هناك مزيد من هذا الهدوء وربما إلى درجة تسمح للمرء بالتساؤل عن الحكمة وراءه. هل له سبب؟ هل البقاء، كتابة وتمثيلا وإخراجا، تحت مستوى الإثارة ولو الشكلية أمر يفضي دائمًا إلى الحسنات أو أن الحسنات هي في سرد فيلم يتحدّى النمط ويختلف عن السائد؟
باترسون الشخص هو (الممثل) آدام درايفر. باترسون البلدة هي «حقيقية» تقع في ولاية أوهايو. و«باترسون» الحافلة تحمل رقم «23»، وتسير على خط واحد ينطلق من جراج صباحًا إلى بعض أنحاء المدينة. أما «باترسون» الفيلم فهو إنتاج من شركة «أمازون استوديوز» مع مشاركة فرنسية وأخرى ألمانية.
بطلنا يستيقظ صباحًا. يقبّل زوجته (غولشفته فرحاني). يتناول الإفطار. يمشي إلى جراج الحافلات القريب. يعتلي مقعد القيادة ثم يكتب شعرًا بينما ينتظر لحظة الانطلاق. في فترة الظهر يتناول غذاءه المعلّب في حديقة ويكتب «أو يقرأ علينا» مزيدا من الأشعار. بعد انتهاء الدوام يعود إلى البيت سيرًا على قدميه. يحيي زوجته. يتناول العشاء. يخرج ومعه الكلب. حين يصل إلى حانة تقع على مفترق طريق، يربط الكلب جانبا ويدخل ليشرب البيرة. كل يوم على هذه الحال ولنحو ساعة ونصف الساعة.
ذات مرّة تتعطل الحافلة التي يقودها. ينزل الركاب منها صامتين وهادئين. لا أحد منهم منزعج، وبل لا أحد منهم يتأفف. همُّ المخرج ليس هم، لكن المشهد يبدو كما لو أنه يدور على سطح كوكب غير أرضي انتزع من سكانه أي مشاعر.
هناك حوار ينتهي دائمًا بالقبول بين الزوجين. هي لا تعمل لكنها ترتب البيت باللونين الأبيض والأسود وهو راض. ربما يسألها، لكنه لا يعارض. تؤم الرسم. يؤم الشعر وكل شيء يمشي على هذه الوتيرة.
الوتيرة المرتفعة تقع فقط في الحانة التي يؤمها باترسون، إذ تشهد قصّة حب بين رجل وامرأة، هي تريد إنهاء العلاقة، وهو يستميت في استمرارها. في أحد المشاهد يسحب العاشق مسدسًا للتهديد. لا شيء يحدث بعد ذلك، فهو لا ينوي استخدامه. كل شيء يعود إلى سباته.
* جزيرة الأرواح
رغم ذلك هناك قدر من الألغاز المدفونة في هذا الفيلم تجعله أكثر مما يتبدّى.
الزوجة تزين البيت بمربّعات بيضاء وسوداء. تضع ستارة بيضاء عليها دوائر سوداء وترتدي فستانًا أسود على دوائر بيضاء. «الفوطة» التي تستخدمها وزوجها على مائدة العشاء بيضاء بدوائر سوداء.
كل من يلتقي باترسون معهم يعيشون خارج منازلهم. لا مكاتب في الفيلم. هناك حانة لكنها تحوي أشخاصًا مختلفين يدخلون ويخرجون وبينهم باترسون نفسه. رئيسه في العمل يمشي إليه قبل الإقلاع. لا نرى باترسون يطرق باب مكتب ما في عمله. الشوارع. الناس. الحدائق كلها خارجية. المشاهد المحصورة الوحيدة هي التي تقع في ذلك البيت. الزوجة لا تعمل في الخارج. لا بد أنها تخرج لتشتري حاجيات البيت، لكننا لا نراها تفعل ذلك. هي مرتاحة في منزلها وتعيش فيه كما لو أنه كل العالم.
هل هي بدورها حقيقة؟
يكاد ما سبق أن يؤكد ذلك، لولا وجود مشهد واحد لها خارج البيت. إنها بصحبة زوجها يحضران فيلم «جزيرة الأرواح الضائعة» (Island of Lost Souls)، فيلم عن عالم تحوّل إلى مجنون يشوّه البشر ويخلق منهم وحوشًا قام بتحقيقه سنة 1932 مخرج غير معروف البتة اسمه إريك س. كنتون. على ذلك تعود إلى تاريخ ذلك المخرج تجده مليئًا بنحو 150 فيلما. تسأل نفسك: لماذا هذا الفيلم بالتحديد الذي اختاره جيم جارموش في ذلك المشهد؟ ربما الجواب في أنه حكاية فانتازية أخرى من أعمال المؤلف ه. ج. وَلز عنوانها «جزيرة دكتور مورنو». هل الزوجة جزء من التاريخ على نحو ما؟ ما الذي يبعدها وزوجها عن فيلم حديث باستثناء أن الفيلم الحديث قد يعني أنهما (أو على الأقل هي وحدها) حقيقة حاضرة؟
وهناك مزيد: باترسون يكتب الشعر. فتاة صغيرة تكتب الشعر. في نهاية الفيلم يلتقي باترسون رجلا يابانيا يكتب الشعر. هناك مشهد لرجلين توأم وآخر لسيدتين توأم. فتاتان ترتديان فستانين بلون واحد. ويكفي أن كلمة باترسون لها ثلاث صفات: اسم البطل، واسم الحافلة، واسم البلدة.
ليس من بين كل هذا ما هو صدفة. لكن ما هو هذا المضمون الذي يمكن لنا استنتاجه من هذا الوضع؟
* أبيض وأسود
هل الأبيض والأسود في منزله دليل تناقض أم دليل انسجام؟ هل المشاهد التي تقدّم لنا شخصيات مزدوجة من باب التأكيد على شيء معين؟ هل للإيحاء بأن الحقيقة هي الخيال والخيال هو الحقيقة في الوقت ذاته؟ هل باترسون - الشخص حقيقي بدوره؟ وحين يقرأ شعرًا لسواه هل هو نتيجة هذا الشعر وتجسيده؟ وهناك الملح (أبيض) والفلفل (أسود) على الطاولة جنبًا إلى جنب، إشارة أخرى إلى حياة غير ملوّنة.
في فيلمه السابق «العشاق فقط بقوا أحياءً» نلتقي رجلا اسمه آدام (توم هدلستون) وامرأة اسمها إيف، حواء، (تيلدا سوينتون) يعيشان في منزل مليء بالتاريخ. هما نفسيهما تاريخ كونها من مصاصي الدماء. عاشا مئات السنين وما زالا، لكن الحياة ليست مبهجة بل هي مقلب لهما. فخ محكم لا يستطيعان الفكاك منه لا بالموت و… لا بالحياة. ولا الفيلم من النوع المرعب ولا حتى الشائق. إنه كما لو أن المخرج يرصد استمرار الحياة وهي جافة من كل أسباب بهجتها أو حتى كآبتها.
هذا يتكرر هنا بمعطيات أخرى. إنه فيلم حول أسبوع واحد من حياة بطله، لكن كل ما يحدث ليس حدثًا وحتى ما يقع في الحانة غير مرتبط عضويًا بما يعيشه باترسون في حياته لا الزوجية ولا المهنية. ذلك المشهد حيث تتعطل الحافلة ويهبط منها الجميع بلا تردد أو غضب (امرأة متقدّمة في السن، تسأل باترسون عن موعد الحافلة البديلة وترضى بجواب مختصر. ما يحدث هو شيء من نتوءات الرتابة. مثل شاشة ترصد دقات القلب فيبدو ساكنًا باستثناء شارات بسيطة.
لكن المفاد في النهاية، ومع كل هذه الظواهر، هي واحدة: الحياة هي بمثل هذه الرتابة لولا الشعر والفن. صحيح أن الفيلم ينتقل من البيت إلى خارجه نهارًا وليلاً ما يخلق تنويعًا لم يعهده «العشاق فقط بقوا أحياءً»، إلا أن المعنى المتسرب من بين أصابع يدي المخرج هو أن العالم، أينما كان، هو فخ لمن يعيش فيه، إلا إذا خرج من منواله بكيانه الداخلي. وهذا الكيان هو الفن (لدى الزوجة إذ تؤم الرسم) والشعر لدى الزوج الذي لا يتركه وحيدًا.
* شعر وشاعرية
باترسون نفسه يحب شعر ويليام كارلوس ويليامز وشعر فرانك أوهارا وهما من زمن سابق. لكن الأهم هو أن النهاية تحمل أملاً في استمرارية منعشة إذا ما استطاع باترسون أن يواصل روتينه اليومي ما دام أن هذه الحياة (التي تبدو كفخ نعيشه ولا نستطيع مغادرته) مصحوبة بما يرفع من حبور الوجود: الطبيعة الغناء في مشهد النهاية حيث يلتقي باترسون مع ذلك السائح الياباني (ماساتوشي ناغاسي الذي كان ظهر في فيلم جارموش السابق «قطار لغزي» حين كان لا يزال شابًا) الذي بدوره يكتب ويحب الشعر. يحمل الياباني ما يبدو هواء نقيًا يبثه بأناقة وحبور. يتلقف باترسون هذا الهواء في الحديقة، ويبدو منتعشًا متجددًا للمرّة الأولى. هناك ابتسامة ووداعة في هذه الألفة. زيارة الياباني تبدو بدورها مثل حلم عبر حياة باترسون.
حب جارموش للسينما اليابانية مشهود. ليس فقط أنه حقق فيلم ساموراي، بطله الأفرو - أميركي فورست ويتيكر يجيد الساموراي، بل هي هناك، كما لاحظ الناقد جوناثان رومني منفردًا، طيفًا من أفلام كوري - إيدا هيروكازو التي صوّرها في بلدات يابانية صغيرة (وأضيف «لا أحد يعلم» و«جزر جميلة» كمثالين).
بذلك فإن الشعر، في هذا الفيلم، والشاعرية، في رسمه وصياغته، هما الحياة الأرقى ويمكن النظر إلى الفيلم على أنه جزء مترجم من أشعار كتاب ويليامز المعنون «باترسون»، الذي دار حول شخصيات بنبرات هادئة ويوميات غير مثيرة في مدينة اسمها باترسون، في الوقت الذي هو فيه معالجة شعرية تدخل وتخرج من الحياة والواقع في زيارات لرتابتها وخيالاتها.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».