وزير المعادن السوداني لـ «الشرق الأوسط»: احتياطي السودان المؤكد من الذهب يبلغ 1550 طنًا

الكاروري توقع تجاوز السودان جنوب أفريقيا في إنتاج المعدن الأصفر النفيس

أحمد محمد صادق الكاروري وزير المعادن السوداني («الشرق الأوسط»)
أحمد محمد صادق الكاروري وزير المعادن السوداني («الشرق الأوسط»)
TT

وزير المعادن السوداني لـ «الشرق الأوسط»: احتياطي السودان المؤكد من الذهب يبلغ 1550 طنًا

أحمد محمد صادق الكاروري وزير المعادن السوداني («الشرق الأوسط»)
أحمد محمد صادق الكاروري وزير المعادن السوداني («الشرق الأوسط»)

توقع وزير المعادن السوداني أن يتجاوز إنتاج الذهب في بلاده الإنتاج في جنوب أفريقيا في وقت قريب، بحجم بلغ 93.4 طن من الذهب خلال العام الماضي، بما يجعل السودان يأتي في المرحلة الثانية أفريقيًا بين منتجي الذهب في العالم.
وقال الوزير أحمد محمد صادق الكاروري، في حوار مع «الشرق الأوسط»، إن بلاده تحوز احتياطي ذهب مؤكدا يبلغ ألفا و550 طنا، وإن أراضيها غنية بآلاف الأطنان من احتياطي الذهب غير المؤكد، متوقعًا تضاعف الاحتياطات المؤكدة خلال السنوات القليلة المقبلة. بيد أن الوزير كشف أن حجم الصادرات الفعلية من الذهب بلغ 28.9 طن خلال العام السابق بقيمة بلغت 1.156 مليار دولار، وأن الفاقد بين الصادر والمنتج ناتج عن عمليات التهريب والتصنيع المحلي والتخزين وتصفية الخام في الخارج، وصعوبة السيطرة على التعدين التقليدي.
وأوضح الوزير أن الشركة الروسية العاملة في التنقيب عن الذهب، المثيرة للجدل المعروفة باسم «سيبريان»، لم توف بدفع مبلغ 5 مليارات دولار تعهدت بدفعها ضمانا للاستثمار لإشكالات تواجهها في بلادها، وتعهد بدراسة المبررات التي قدمتها واتخاذ القرار المناسب بشأنها في الوقت المناسب. كما توقع الوزير أن يبدأ السودان والمملكة العربية السعودية استثمار المعادن في المنطقة المشتركة بينهما في أعماق البحر الأحمر، والوصول إلى مرحلة الإنتاج عام 2020، بعد حصول شركة «منافع» على امتياز التنقيب.

> كلما ذكرت المعادن في السودان، ذهب الحديث إلى الذهب، هل يملك السودان احتياطات ذهبية حقيقية كبيرة؟
- في السودان ما يزيد على ثلاثين معدنا، ولا نركز على الذهب تحديدا في العملية التعدينية، بل نعمل في إنتاج كل هذه المعادن، وتنتج كميات كبيرة مقارنة الذهب. وأنتج السودان 10 آلاف طن من المنجنيز، ومن الكروم 45 ألف طن، ومن معدن الكرنكل 3 آلاف و371 ألف طن، والكاولين والجبس والجير وغيرها، فآلاف الأطنان خلال 2016. ولمقارنة سعر الذهب بالمعادن الأخرى يأتي الذهب في مقدمة الصادرات المعدنية.
> ما احتياطات الذهب الفعلية في السودان؟
- لدينا عدد من الشركات العاملة في دراسات تحديد احتياطي الذهب، بجانب الدور البحثي لهيئة الأبحاث الجيولوجية. كونوا لجنة جمعت الاحتياطي المؤكد. والاحتياطي المؤكد ألف و550 طنا من الذهب. وببلوغ الشركات مراحل متقدمة من البحث يمكن أن تتضاعف هذه الأرقام. لكن لدينا احتياطات غير مؤكدة بآلاف الأطنان.
> ما احتياطات المعادن النادرة الأخرى مثل اليورانيوم؟
- لم يتم التأكد من احتياطي المعادن النادرة مثل اليورانيوم، لأن العمل فيها حساس ويحتاج إلى إمكانات كبيرة. لكننا بدأنا بتكليف الهيئة العامة للأبحاث الجيولوجية الذراع الفنية، لتبادر باستكشاف اليورانيوم وغيره من المعادن النادرة والاستراتيجية.
> تتداول معلومات كثيرة في الفترات السابقة، تتعلق بمحاولات اعتداء وسرقة يورانيوم من السودان من دول أجنبية؟
- ليس لديّ معلومات عن دخول أجانب واعتدائهم على هذه الاحتياطات، ربما تم تداول هذا الموضوع في عهود سابقة، أما الآن لا توجد عملية للاعتداء على اليورانيوم.
> ذكرتم أن السودان أنتج العام الماضي 93.4 طن ذهب بعائدات بلغت 1.156 مليار دولار، وبمقارنة العائد بالمنتج وسعر طن الذهب، هناك فرق كبير.
- تحدثنا عن العائدات التي تم تصديرها بواسطة بنك السودان، كجهة مشترية ومصدرة وحيدة، وقد تسمح لبعض الشركات العاملة بتصدير جزء من إنتاجها. وما تم تصديره عن طريق البنك المركزي 28.9 طن، وبالقيمة التي ذكرتها. ويأتي الفرق من أن هناك صادرا بغرض التصنيع وإعادته، واستهلاكا محليا عبارة عن مشغولات، وتخزينا داخليا، يضاف إلى هذا التهريب.
> ألا تملكون آليات رقابة فعلية للتقليل من هذا التهريب؟
- أنشأنا الشركة السودانية للمعادن، كذراع رقابية تقوم بالرقابة الفنية على كل القطاعات المنتجة الأربعة «التعدين التقليدي، وشركات الامتياز، والتعدين الصغير، وشركات مخلفات التعدين»، وتقوم بالرقابة الفنية والمالية والمسؤولية المجتمعية والبيئية، منذ مرحلة ما قبل الإنتاج حتى التصدير.
> ما الإجراءات للتقليل من حجم التهريب؟
- في الغالب مناطق التعدين نائية، وينشط التعدين التقليدي في 12 ولاية، و44 محلية، و65 سوقا، و221 موقعا، و43 ألفا و890 بئرا، والسيطرة عليها شبه مستحيلة، لذا شرعنا سياسات لجذب المنتج، ومن بينها إدخال القطاع الخاص للاستثمار في الشراء والتصدير، وقررنا سعرًا مجزيًا نعمل على أن تقلل من حجم التهريب.
> كم عدد الشركات التي تعمل في مجال التنقيب في السودان؟
- 52 شركة، بعضها صينية، وروسية، وتركية، وشركات عربية وغربية، بما فيها شركات كندية. ولتصل لمرحلة الإنتاج تحتاج إلى سنين ودراسات رغم استخدام التقنيات الحديثة في الاستكشاف والبحث والتحليل. ثم قللنا الوقت الذي كانت تستغرقه في السابق من سبع سنوات إلى سنتين، يجدد لعام إضافي بعد التأكد من جدية الشركة. نتوقع بداية الإنتاج الفعلي للشركات الكبيرة في 2017 و2018. فهي ذات إمكانيات أكبر، وتستعمل وسائل أفضل تمكنها من الوصول إلى أعماق لا يصلها المعدن التقليدي، مما يجعلنا نتوقع زيادة مضطردة بمتوالية هندسية في إنتاج الشركات.
> لا تزال شركة «سيبريان» الروسية تثير كثيرا من الجدل بالأرقام الكبيرة من احتياطات الذهب التي قدمتها والوعود الكبيرة التي بذلتها، ماذا فعلت هذه الشركة؟
- «سيبريان» شركة روسية يملكها فلاديمير جوكوف، اشتغلت في البداية استشاريا لتقديم دراسات لشركات أخرى عبر تقنيات الاستشعار عن بعد، وأجرت دراسات لشركات من بينها شركة «موسى موسيان»، ودرست موقعين قبل أن نوقع معها على عقد في يوليو (تموز) 2015.
وسجلت «سيبريان» 2013 كشركة تعمل في المعادن في السودان، واسمها المسجل في روسيا وهو «Golden Stone». ونص البروتوكول الموقع بين السودان وروسيا 2013، أي قبل توقيعها معنا 2015، على دعم الجانب الروسي لها، بالإضافة إلى الشركات الروسية الأخرى. التزمت الشركة بتقديم أول إنتاج في 7 فبراير (شباط) 2016، وأخضعنا دراساتها الفنية لمختصين من الوزارة وهيئة الأبحاث الجيولوجية، للتأكد من الاحتياطي الذي تحدثت عنه.
> ما تفسيرك للضجة التي أثارتها هذه الشركة؟
- قد يكون بسبب الاحتياطي الكبير الذي أعلنته، أو بسبب المعلومات غير الدقيقة والصحيحة التي يتداولها الناس، البعض يتحدث أن احتياطي أميركا من الذهب لا يتجاوز ثمانية آلاف طن، رغم أنه الاحتياطي الذي بحوزة البنك المركزي، وهكذا بالنسبة لبقية الدول. والناس قارنوا بين ما هو في حوزة البنوك المركزية من احتياطات وما في باطن الأرض. نحن مقتنعون أن في باطن أرض السودان احتياطيا بعشرات آلاف الأطنان. والآن نستخدم تقنيات الاستشعار عن بعد، بما يمكنها من تحديد هذه الاحتياطات، وبالتأكيد هي تحتاج أيضًا إلى عمل أرضي لتأكيد هذه الاحتياطيات. نفذت «سيبريان» كثيرا من الأعمال عن طريق الاستشعار عن بعد، واستخدمت تقنيات الحديثة، وأخذت عينات من الأرض، وحللت في السودان وروسيا لتأكيد ما أعلنوه من احتياطات. مثلها مثل الشركات الأخرى أجرت دراسات، وتعمل الآن على استخراج الذهب من مربعها.
> وعدت «سيبيريان» بتقديم ما قيمته 5 مليارات دولار كقرض لضمان الاستثمار، هل أوفت بهذا الشرط؟
- لم توف بالشرط، بسبب بعض الإشكالات التي تواجهها في روسيا، وجزء منها خاص بالتحويلات وآخر خاص بها في روسيا. ولا شأن لنا بالأسباب التي منعت التحويل.
> هل أنتم مطمئنون لهذه المبررات؟
- سندرس هذه المبررات، وسنتخذ قرارنا في الزمن المناسب.
> نسب إليك أن السودان أصبح الدولة الثانية من حيث إنتاج الذهب في أفريقيا بعد دولة جنوب أفريقيا، هل هو الإنتاج الفعلي أم الاحتياطات؟
- تقدير يقوم على الإنتاج الفعلي، فقد بلغ في العام الماضي 93.4 طن، فتجاوزنا عددا من الدول التي كانت تسبقنا في أفريقيا، لكن جنوب أفريقيا في المقدمة يليها السودان. فبعد أن كانت 70 في المائة من ذهب العالم، تدنى إنتاجها، الآن لتكون في المرتبة الخامسة أو السادسة بين منتجي الذهب. والسودان ما زال بكرًا وثرواته لم تستهلك، مقارنة بعمر المناجم في جنوب أفريقيا الذي يتجاوز المائة عام، نحن بدأنا فتح المناجم الآن، وإنتاجنا في تصاعد، وإنتاج جنوب أفريقيا في انخفاض، لذلك سيكون المستقبل لإنتاج الذهب في السودان.
> لماذا لا تعمل مصفاة الذهب السودانية، ليصدر بنك السودان الذهب المصنع بدلاً عن الخام؟
- مصفاة الذهب تعمل بكفاءة، وما تم تصديره عبر القنوات الرسمية، تمت تصفيته وتنقيته في مصفاة السودان للذهب. المصفاة طاقتها التصميمية كبيرة جدا تستوعب كل إنتاج السودان بل والقارة الأفريقية، فهي تصفي 270 طنا من الذهب خلال العام. وتقوم بمحاولات لاستقطاب ذهب الدول الأخرى لتصفيته.
> تحدثت عن الرمز الوطني والمواصفة السودانية للمعادن، هل تمت إجازتها؟
- الرمز الوطني التعديني «National Mining Code»، يستخدم في الدول التي سبقتنا في التعدين، فهي لديها رمز وطني ومواصفة خاصة بها. واهتداء بما فعلته الدول الأخرى وضرورات العمل التعديني، تم إنشاء لجنة من الخبراء من الوزارة ومن خارجها لوضع مواصفة سودانية للجيولوجيا والتعدين. تبدأ بمرحلة التقديم ونيل الامتياز وشروطه وانتهاءً بنهاية العملية التعدينية بإغلاق المناجم، وهي من 90 صفحة تحتوي على كل مطلوبات العملية التعدينية وفقًا للظروف السودانية.
> انتقلت ملكية شركة «آرياب» للتعدين من فرنسية لمصرية لسودانية، هل أصبحت غير مربحة؟
- العمل في «آرياب» للفرنسيين أو الشريك المصري نجيب ساويرس كان مجزيا بحسب أرقام الإنتاج وحسب الاحتياطات المؤكدة، والشركة في تطور مستمر. منذ بدأت الإنتاج 1991 وحتى عام 2015 أنتجت 82 طنا من الذهب. خرج الأطراف بإرادة مشتركة لخلافات إدارية، ورغبة الشريك في رفع أسهمه في الشركة. فاتفقنا على فض هذه الشراكة ودفعنا جل قيمة أسهم الشريك من إنتاج الشركة نفسه. وتؤكد الدراسات أن لديها موقعين فقط، احتياطي من الذهب قدره 140 طنا، وألف و300 طن، والنحاس 700 ألف طن الزنك، والفضة 3 آلاف طن، ولديها مشروعان بدأنا في تنفيذهما لاستخلاص هذه الكميات من الذهب.
> تم توقيع اتفاقية ما يعرف بكنز البحر الأحمر أو مشروع «أطلانتس2»، بين السودان والمملكة العربية السعودية قبل عامين، أين وصل هذا المشروع؟
- هو مشروع قديم نسبيا وقع أول مرة 1974، وتم تفعيله في العامين الأخيرين برغبة مشتركة، وعقدت خلال عام 2016 اجتماعين أحدهما مع وزير النفط والمعادن السعودي السابق علي النعيمي في أبريل (نيسان) الماضي بالخرطوم، وآخر في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي في المملكة، بحضور وزير النفط والمعادن الجديد خالد الفالح، مما يدل على الاهتمام بهذا المشروع، ويؤكد وجود احتياطات كبيرة جدا من الذهب والمعادن الأخرى، مثل النحاس والحديد والزنك وغيرها من المعادن، وبالمزيد من الاستكشافات نتوقع أن تتضاعف هذه الاحتياطيات.
ووقعنا مع شركة «منافع» السعودية، وحصلت على رخصة العمل بالنسبة لهذا المشروع، فاستعانت بشركات ذات مقدرة للعمل الجيولوجي في أعماق البحار، وعثرنا على شركات لديها تقنيات للعمل في أعماق البحار حتى حدود 6 آلاف كيلومتر تحت الماء. ونتوقع أن تصل مرحلة الإنتاج عام 2020، وهناك لجنة تنفيذية تتابع، وضابطا اتصال هو صديق عبد القادر من الجانب السوداني، ونظيره السعودي، ونحن على اتصال دائم حتى وصول مرحلة الإنتاج.
> تثير كثير من المجتمعات المحلية قضية تأثر البيئات المحيطة بتعدين الذهب، وتأثير مادة الزئبق ماذا ستفعلون لتجنيبها الأضرار؟
- أي نشاط يقوم به الإنسان له أثر بيئي سلبي أو إيجابي. نعمل على تعظيم الآثار الإيجابية وتقليل الآثار السلبية. أنشأنا جهازا رقابيا، وهو الشركة السودانية للمعادن، وداخلها إدارة البيئة والمسؤولية المجتمعية. يستخدم في التعدين التقليدي معدن الزئبق، أما المنظم فيستخدم السيانيد بضوابط محددة، وآثار السيانيد السالبة ليست كبيرة، لأنه يعمل في مناطق مغلقة وبمواصفات تمنع تسربه إلى باطن الأرض والإضرار بمساقط المياه والإنسان والحيوان، وتعريضه لأشعة الشمس يقلل من سميته ومفعولة.
أما عن استخدام الزئبق من المعدنين التقليديين، فقد كلفنا لجنة خبراء وضعت الخطة الوطنية للتخلص من الزئبق على أربع مراحل، أكملنا مرحلتها الأولى مرحلة التشريعات، ثم مرحلة التوعية، ونحن بصدد المرحلة الثالثة وإيجاد البدائل، وقد أدخلنا عددا من البدائل مع ضبط الاستخدام للزئبق عن طريق التوعية، والمرحلة الرابعة وهي الحظر، وتتماشى مع اتفاقية ميانمات باليابان وتحظر استخدام الزئبق بحلول عام 2020.
> يتسبب تعدين الذهب في منطقة جبل عامر بدارفور بمشكلات أمنية وسياسية كبيرة، هل تسيطر الوزارة على ما يحدث هناك؟
- العمل في جبل عامر عمل تقليديين، وصحيح أن إنتاجه لم يصل خزينة الدولة حتى الآن، لكننا نعمل على تنظيم العمل في جبل عامر، لتعم الفائدة بالنسبة للمعدنيين التقليديين والمجتمع المحلي والسودان ككل.



هدوء الأسعار السكنية يعيد توازن العقارات في السعودية

مشروع وحدات سكنية في السعودية (واس)
مشروع وحدات سكنية في السعودية (واس)
TT

هدوء الأسعار السكنية يعيد توازن العقارات في السعودية

مشروع وحدات سكنية في السعودية (واس)
مشروع وحدات سكنية في السعودية (واس)

يعكس هدوء الأسعار في القطاع السكني بالسوق العقارية السعودية تحوّلاً لافتاً نحو مرحلة أكثر توازناً واستدامة، بعد سنوات من الارتفاعات المتسارعة، وذلك بعد أن كشفت أحدث البيانات الصادرة عن الهيئة العامة للإحصاء عن تراجع في الرقم القياسي لأسعار العقارات بنسبة 1.6 في المائة خلال الربع الأول من عام 2026، وذلك مقارنة بالفترة المماثلة من العام الماضي، نتيجةً لانخفاض القطاع السكني. فالتراجع المسجّل خلال الربع الأول من عام 2026، جاء كمؤشر على إعادة تصحيح طبيعية للأسعار، تسهم في تعزيز كفاءة السوق ومواءمتها مع مستويات الطلب الفعلي.

وفي الوقت الذي يقود فيه القطاع السكني هذا التحول، تواصل القطاعات الأخرى إظهار قدر من التماسك، ما يعزز من صورة سوق عقارية أكثر نضجاً وقدرة على الاستقرار في مواجهة المتغيرات الاقتصادية. ويؤكد مختصون في حديثهم إلى «الشرق الأوسط»، أهمية هذا التراجع في رفع نسبة تملك المسكن الأول للمواطن، مع إتاحة العقارات بأسعار متوازنة في السوق المحلية، موضحين أن العرض يستمر في الارتفاع أمام الطلب، متوقعين في الوقت ذاته أن تشهد المنظومة تراجعاً خلال الفترة المقبلة.

تأثيرات قرارات ولي العهد

وأوضح المختص في الشأن العقاري رئيس «مجموعة أماكن الدولية» خالد الجاسر، لـ«الشرق الأوسط»، أن قرارات ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان كان لها تأثير مباشر وغير مباشر على القطاع، وأسهمت في هذا الانخفاض، ما يعكس مرحلة تصحيح وتنظيم.

وكشف عن أبرز تأثيرات قرارات ولي العهد في ضبط أسعار الأراضي البيضاء والحد من الاحتكار، ورفع كفاءة السوق وتقليل المضاربات، والتوجيه نحو التملك الحقيقي بدلاً من الاستثمار العشوائي، بالإضافة إلى تشديد بعض السياسات التمويلية للحد من التضخم العقاري، وأشار إلى أهمية مشاريع الإسكان الحكومية والخاصة، التي أسهمت في رفع عدد الوحدات المتاحة، وفرض رسوم الأراضي البيضاء، ما أسهم في تقليل تخزينها دون تطوير، إلى جانب زيادة تكلفة التمويل العقاري، ما يقلل من الطلب. وبيّن الجاسر أن التوجه الحكومي في الانخفاض كان «مقصوداً جزئياً» لدعم المواطن، ومن أهم تلك المحفزات: برامج مثل «سكني» التي تقدم دعماً مباشراً، وتسهيلات التمويل المدعوم من الدولة، وزيادة الخيارات بأسعار تنافسية، وأيضاً ضبط السوق لمنع تضخم الأسعار غير المبرر.

نمو متوازن

ويرى أن الأسعار أصبحت أقرب للقيمة الحقيقية، وأقساط أقل نسبياً مقارنة بالسنوات السابقة، وأن هناك فرصاً أكبر لامتلاك أول مسكن مع تقليل المخاطر المالية طويلة المدى.

وتوقع رئيس «مجموعة أماكن الدولية» أن تميل الأسعار إلى الاستقرار في الفترة المقبلة مع نمو متوازن وليس ارتفاعات حادة، وكذلك استمرار المشاريع الكبرى (مثل مشروع نيوم وغيره)، ما يدعم الطلب، وأن السوق ستتجه نحو الجودة بدل الكمية. وأكد الجاسر أن هذا الانخفاض في المؤشر العقاري سينعكس على معدل التضخم في السعودية.

الحد من ارتفاع الأسعار

من جهته، قال الرئيس التنفيذي لشركة منصات العقارية خالد المبيض، لـ«الشرق الأوسط»، أن انخفاض الرقم القياسي لأسعار العقارات بنسبة 1.6 في المائة خلال الربع الأول من العام الحالي يعد إشارة إلى دخول السوق مرحلة أكثر توازناً، خصوصاً في القطاع السكني الذي قاد التراجع بنسبة 3.6 في المائة. وواصل المبيض أن هذه المؤشرات لا تعني ضعفاً عاماً في السوق، بقدر ما تعكس إعادة تموضع للأسعار بعد موجات ارتفاع سابقة، بينما يظل القطاع التجاري والزراعي في مسار مختلف وأكثر تماسكاً.

الأراضي السكنية

وشهد القطاع السكني انخفاضاً سنوياً بنسبة 3.6 في المائة في الربع الأول. وتعود أسباب هذا التراجع إلى انخفاض أسعار مكونات رئيسية في هذه المنظومة، وهي:

- الأراضي السكنية: سجَّلت انخفاضاً بنسبة 3.9 في المائة.

- الفلل: شهدت التراجع الأكبر في هذا القطاع بنسبة 6.1 في المائة.

- الشقق: انخفضت أسعارها بنسبة 1.1 في المائة.

الأدوار السكنية: خالفت الاتجاه العام للقطاع وسجَّلت ارتفاعاً طفيفاً بنسبة 0.6 في المائة.

العقارات التجارية والزراعية

في المقابل، أظهرت العقارات التجارية والزراعية صموداً ونمواً خلال الفترة نفسها. وسجَّل القطاع التجاري ارتفاعاً إيجابياً بنسبة 3.4 في المائة، مدعوماً بارتفاع أسعار قطع الأراضي التجارية 3.6 في المائة، والعمائر 2.6 في المائة، في حين تراجعت أسعار المعارض والمحلات 3.5 في المائة. أما القطاع الزراعي، فحافظ على وتيرة نمو قوية بلغت 11.8 في المائة، متأثراً بشكل مباشر بارتفاع أسعار الأراضي الزراعية بنفس النسبة.

المناطق الإدارية

أظهرت المناطق الإدارية تبايناً كبيراً في مستويات الأسعار، حيث حقَّقت المنطقة الشرقية أعلى ارتفاع في الأسعار بنسبة 6.9 في المائة، تلتها نجران 3.5 في المائة، ثم تبوك وعسير.

وبالنسبة إلى المناطق المنخفضة، سجَّلت الباحة أكبر تراجع بنسبة 9.2 في المائة، تلتها حائل 8.0 في المائة، والحدود الشمالية 6.6 في المائة. وفي المدن الكبرى، سجلت منطقة الرياض انخفاضاً بنسبة 4.4 في المائة، بينما كان التراجع في مكة المكرمة طفيفاً بنسبة 0.7 في المائة. وعلى أساس ربع سنوي مقارنة بالربع الرابع من عام 2025، سجَّل المؤشر العام انخفاضاً طفيفاً بنسبة 0.2 في المائة.


مع تشديد الحظر... الصين تُقلّص صادرات الوقود دون حظرها

ناقلة نفط عملاقة أمام ساحل مدينة قينغداو شرق الصين (أ.ب)
ناقلة نفط عملاقة أمام ساحل مدينة قينغداو شرق الصين (أ.ب)
TT

مع تشديد الحظر... الصين تُقلّص صادرات الوقود دون حظرها

ناقلة نفط عملاقة أمام ساحل مدينة قينغداو شرق الصين (أ.ب)
ناقلة نفط عملاقة أمام ساحل مدينة قينغداو شرق الصين (أ.ب)

تُقلّص الصين صادرات الوقود المكرر بدلاً من حظرها، حيث تستقبل دول من بينها ماليزيا وأستراليا، الإمدادات حتى بعد أن مددت بكين القيود المفروضة الشهر الماضي إلى أبريل (نيسان)، وذلك وفقاً لبيانات الشحن والتجار.

كان خفض الصادرات في أبريل أعمق مما كان عليه في مارس (آذار)، وفقاً لشركة «فورتيكسا» المتخصصة في تتبع ناقلات النفط، حيث بلغ إجمالي شحنات الديزل ووقود الطائرات والبنزين إلى وجهات أخرى غير هونغ كونغ 320 ألف طن متري في الأسبوعين الأولين من هذا الشهر؛ أي سدس مستويات العام الماضي فقط.

ولطالما فرضت الصين، رابع أكبر مُصدّر للوقود النظيف في آسيا، قيوداً على صادراتها من الوقود عبر نظام الحصص. وجاءت هذه القيود عقب اندلاع الحرب مع إيران، في وقتٍ خفّضت فيه مصافي التكرير في آسيا والشرق الأوسط إنتاجها بسبب صعوبة تأمين النفط الخام، مما زاد من شحّ الإمدادات في أسواق الوقود.

ووفقاً لبيانات شركة «فورتيكسا»، شملت شحنات الصين في أبريل 234 ألف طن مُجمّعة إلى فيتنام وإندونيسيا وماليزيا وأستراليا والفلبين، بالإضافة إلى 82 ألف طن إلى جنوب آسيا عبر سنغافورة.

في الوقت نفسه، حافظت مصافي التكرير على مستويات شحن عالية إلى هونغ كونغ، مستفيدةً من هوامش الربح التي ارتفعت نتيجة الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، وفقاً لتجار وبيانات الشحن.

وفي منتصف مارس، أصدرت بكين قراراً بحظر صادرات الوقود لإعطاء الأولوية لإمداداتها المحلية، حسبما أفادت به مصادر في ذلك الوقت. وتستثني القيود، التي لم تعلنها الصين رسمياً، هونغ كونغ وماكاو، بالإضافة إلى تزويد الطائرات بالوقود للرحلات الدولية وبيع وقود السفن للشاحنين في الرحلات الدولية.

صادرات مارس

وأفادت مصادر بأن الصين مدَّدت قيودها إلى أبريل لتعويض خفض الإنتاج في مصافي التكرير المملوكة للدولة بشكل رئيسي، مع استثناءات لكميات صغيرة للمشترين الإقليميين الذين طلبوا المساعدة لتخفيف نقص الوقود. وبينما سارعت مصافي التكرير في شحن بعض البضائع قبل صدور أمر مارس، تخضع صادرات أبريل لتدقيق أشد، وفقاً لتجار ومحللين.

وقال مدير تجارة الوقود في شركة مملوكة للدولة لوكالة «رويترز»، رافضاً الكشف عن اسمه نظراً لحساسية الموضوع، إن بكين ستتولى «ترتيب جميع الشحنات» في أبريل باستثناء تلك المتجهة إلى هونغ كونغ، مما سيؤدي إلى انخفاض حاد في الصادرات مقارنةً بشهر مارس.

وفي مارس، بلغت صادرات أنواع الوقود الثلاثة إلى أسواق تشمل سنغافورة وماليزيا والفلبين وأستراليا وفيتنام وبنغلاديش 436 ألف برميل يومياً، بانخفاض قدره 20 في المائة عن 551 ألف برميل يومياً في فبراير (شباط)، وفقاً لشركة «فورتيكسا».

وأظهرت بيانات شركة «كيبلر» انخفاض الصادرات من خارج هونغ كونغ بمقدار الثلث لتصل إلى 250 ألف برميل يومياً في مارس، مقارنةً بـ375 ألف برميل يومياً في فبراير. ولا تتطابق بيانات جهات التتبع دائماً بسبب اختلافات محتملة في التصنيف.

وقال المحلل زمير يوسف، من شركة «كيبلر»: «ظلت التدفقات إلى ماليزيا وفيتنام قريبة من مستويات ما قبل الحظر، مما يشير إلى أن بكين تتخذ قرارات تخصيص مدروسة بدلاً من فرض قيود شاملة». ويتسق هذا مع استعداد وزارة الخارجية المعلن للتعاون مع دول جنوب شرق آسيا المجاورة في مجال أمن الطاقة.

وأظهرت حساباتٌ مبنيةٌ على بياناتٍ جمركيةٍ نُشرت يوم السبت، أن صادرات شهر مارس من الديزل والبنزين ووقود الطائرات مجتمعةً -بما في ذلك إلى هونغ كونغ- كانت ثابتةً مقارنةً بشهر فبراير، لكنها انخفضت بنسبة الربع عن العام السابق لتصل إلى 2.58 مليون طن، حيث تراجع البنزين بنسبة 68 في المائة خلال الشهر، وانخفض وقود الطائرات بنسبة 13.1 في المائة. بينما حافظ الديزل على استقراره. وتشمل الأرقام الجمركية شحنات البضائع والمبيعات من المستودعات الجمركية لتزويد الطائرات بالوقود وتزويد السفن بالوقود.

تدفقات هونغ كونغ مستقرة

وأظهرت بياناتٌ من مجموعة بورصة لندن للأوراق المالية وشركة «فورتيكسا» أن الشحنات الصينية من كيروسين الطائرات والديزل إلى هونغ كونغ لم تشهد تغييراً يُذكر، حيث بلغت 166 ألف برميل يومياً في مارس.

وقال تجارٌ إن مصافي التكرير التي حافظت على تدفقات هونغ كونغ مرتفعةً، حققت هوامش ربحٍ تصديريةً قوية.

واستقرت هوامش معالجة الديزل ووقود الطائرات في آسيا عند مستويات تزيد على ضعف وثلاثة أضعاف مستويات ما قبل النزاع، حيث بلغت نحو 45 دولار و56.50 دولار للبرميل على التوالي، في 20 أبريل، بعد أن سجلت مستويات قياسية في نهاية مارس.


إدارة ترمب تعيد 127 ملياراً من الرسوم الجمركية غير المشروعة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
TT

إدارة ترمب تعيد 127 ملياراً من الرسوم الجمركية غير المشروعة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

فتحت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الاثنين، بوابة إلكترونية جديدة لتمكين الشركات من المطالبة باسترداد الرسوم الجمركية التي دفعتها بسبب سياسات أبطلتها المحكمة العليا الأميركية في وقت سابق من هذا العام. وتتجاوب هذه الخطوة مع الحكم الذي أصدرته المحكمة العليا بعدم دستورية الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس ترمب بُعيد بدء رئاسته الثانية وبموجب قانون سلطات الطوارئ الاقتصادية الدولية بغية «جعل أميركا غنيّة مجدداً». ويتوقع أن تُتاح استردادات بقيمة 127 مليار دولار في المرحلة الأولى، علماً بأن الاستردادات يمكن أن تصل إلى أكثر من 166 مليار دولار في وقت لاحق.

وعلى الرغم من أن المستهلكين لن يتلقوا شيكات استرداد مباشرة، فإن البعض قد يسترد أمواله من خلال شركات التوصيل مثل «فيديكس»، بالإضافة إلى الدعاوى القضائية الجماعية الجارية التي تستهدف كبرى متاجر التجزئة، مثل «كوستكو» و«راي بان» و«إيسيلور لوكسوتيكا» و«كاواساكي موتورز». وأمرت المحكمة العليا بأكثرية ستة أصوات مقابل ثلاثة أصوات في 20 فبراير (شباط) الماضي بأن الرئيس ترمب قد تجاوز صلاحيات الكونغرس في تحديد الضرائب عندما فرض معدلات ضريبية جديدة على واردات المنتجات من كل دول العالم تقريباً، مُشيرة إلى العجز التجاري الأميركي بصفته حالة طوارئ وطنية. وقرر قاضٍ في محكمة التجارة الدولية الأميركية لاحقاً أن الشركات الخاضعة لهذه الرسوم الجمركية يحق لها استردادها. وخلص تقرير صادر عن مؤسسة الضرائب في فبراير أيضاً إلى أن الرسوم هذه تُعادل زيادة ضريبية قدرها ألف دولار لكل أسرة. وتقتصر أهلية المرحلة الأولى على المستوردين الذين دفعوا هذا النوع من الرسوم الجمركية، على أن يكون المتقدم هو المستورد المسجل أو وسيط الجمارك المرخص الذي قدم البيان الجمركي.

• 330 ألف مستورد

وأفادت إدارة الجمارك وحماية الحدود الأميركية في ملفات المحكمة بأن أكثر من 330 ألف مستورد دفعوا زهاء 166 مليار دولار أميركي رسوماً على 53 مليون شحنة. مع ذلك، لا تستوفي كل هذه المدفوعات شروط استرداد المرحلة الأولى. ومن 330 ألف مستورد دفعوا الرسوم، لم يُكمل سوى 56497 مستورداً التسجيل في نظام الدفع الإلكتروني التابع لهيئة الجمارك وحماية الحدود حتى 14 أبريل (نيسان) الماضي، مما يجعلهم مؤهلين لاسترداد رسوم جمركية بقيمة إجمالية قدرها 127 مليار دولار، شاملة الفوائد. وسيتم التعامل مع باقي المستوردين والشحنات في مراحل لاحقة. وتعهدت «فيديكس»، التي كانت تجمع الرسوم مباشرة من المستهلكين، بإعادة المبالغ المستردة إلى العملاء الذين دفعوها. وأفادت في بيان بأن «هدفنا واضح: إذا تم إصدار أي مبالغ مستردة لـ(فيديكس)، فسنرد رسوم قانون سلطات الطوارئ الاقتصادية الدولية المدفوعة إلى الشاحنين والمستهلكين الذين تحملوا هذه الرسوم».

وكانت الشركة توقفت عن تحصيل الرسوم بعد يومين من قرار المحكمة العليا. وكانت شركة «كوستكو» رفعت دعوى قضائية فيدرالية في 28 نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، طعنت فيها بكل رسوم قانون سلطات الطوارئ بوصفها غير قانونية، مطالبة بإصدار أمر برد كامل المبالغ المدفوعة، بما فيها الفوائد. والتزمت الشركة بتحويل أي مبالغ مستردة تتلقاها مباشرة إلى أصحابها.

ونقلت صحيفة «بيوجت ساوند بيزنس جورنال» عن الرئيس التنفيذي لـ«كوستكو» رون فاكريس قوله: «كما فعلنا في السابق، عندما نجحت الطعون القانونية في استرداد الرسوم التي تم تمريرها بشكل أو بآخر إلى أعضائنا، فإن التزامنا هو إيجاد أفضل طريقة لإعادة هذه القيمة من خلال خفض الأسعار». ورفعت شركات كبرى أخرى دعاوى قضائية مماثلة، بما في ذلك شركات تصنيع النظارات «راي بان» و«إيسيلور لوكسوتيكا» و«كاواساكي موتورز».

وتُقدر إدارة الجمارك وحماية الحدود أن تستمر عمليات استرداد الرسوم من 60 إلى 90 يوماً من تاريخ قبول الإقرار. ونقلت وكالة «أسوشييتد برس» عن الشريكة في شركة «آيس ميلر» ميغان سوبينو توقعها «حدوث بعض المشاكل» على غرار «أي برنامج إلكتروني». وقالت: «تُعدّ الدقة بالغة الأهمية أيضاً، إذ يمكن رفض الطلبات في حال وجود خطأ في التنسيق أو البيانات، كما أن معلومات الحساب المصرفي غير الصحيحة ستؤدي إلى تأخير أو منع الدفع».