«إرهاب رأس السنة» رسالة قاسية إلى تركيا

وسط همومها السياسية محليًا وإقليميًا

«إرهاب رأس السنة» رسالة قاسية إلى تركيا
TT

«إرهاب رأس السنة» رسالة قاسية إلى تركيا

«إرهاب رأس السنة» رسالة قاسية إلى تركيا

جاءت بداية عام 2017 في تركيا ساخنة وثقيلة، وهي تنبئ بأنه لن يكون أقل من سابقه، من حيث وطأة الإرهاب الذي حوّل عام 2016 إلى واحد من أسوأ الأعوام في تركيا وغيرها، من حيث العمليات الإرهابية وتعددها وتنوع أساليبها وتأثيرها الموجع على مختلف مناحي الحياة، وفي مقدمتها السياحة والاستثمار.
5 أيام فقط من العام شهدت هجومين إرهابيين يؤكدان أن تركيا دخلت دوامة الإرهاب، وأنها تخوض حربًا حقيقية على الجبهة الداخلية، فضلاً عن حربها على الجبهة الخارجية منذ دخولها سوريا في 24 أغسطس (آب) 2016، عبر عملية «درع الفرات» التي تستهدف «داعش» والميليشيات الكردية الانفصالية في سوريا معًا، لمنعهم من الاقتراب من حدودها الجنوبية.
كان المئات يحتفلون في أجواء من المرح والسعادة باستقبال العام الجديد في مطعم ونادي «رينا» الليلي الفخم، في منطقة أورتاكوي بمدينة إسطنبول، كبرى مدن تركيا وعاصمتها الاقتصادية، الذي يعد ملتقى الصفوة في تركيا. وبعد منتصف الليل بـ75 دقيقة فقط، كان الموت يدق الأبواب.
فجأة انشقت الأرض عن قاتل محترف داعشي عالي التدريب - بحسب ما وصفته سلطات التحقيق التركية - يفتح نيرانه على الساهرين لاستقبال العام الجديد، فيوقع 39 قتيلاً و65 مصابًا، غالبيتهم من العرب والأجانب. وقد أعلن تنظيم داعش الإرهابي المسؤولية عن هذا الحادث.
وبعد 4 أيام فقط، ووسط استمرار التحقيقات المعقّدة في الهجوم الإرهابي المسلح على نادي «رينا»، استقبلت تركيا ضربة إرهابية جديدة في مدينة إزمير. وحددت سلطات التحقيق في هجوم «رينا» هوية المنفذ بعد طول ارتباك، وتقديم أكثر من صورة لمنفذين محتملين، إذ قال نائب رئيس الوزراء ويسي كايناك، الخميس، إنه من الأويغور، وهي أقلية من أصول تركية تشكل نسبة عالية من سكان إقليم سنكيانغ - أو تركستان الشرقية - في الصين، وأنه «على الأرجح» أيضًا لا يزال في إسطنبول، وهناك من ساعده داخل تركيا.

عملية إزمير
أما في مدينة إزمير (غرب تركيا)، فوقع هجوم بأسلوب مختلف، من خلال استخدام السيارات المفخخة والقنابل وبنادق الكلاشينكوف الرشاشة، إلا أن تدخل قوات الأمن في الوقت المناسب حال دون وقوع مجزرة ثانية، ليسقط قتيلان، أحدهما شرطي، وآخران من الإرهابيين، ويهرب ثالث، وتكون الحصيلة 7 مصابين.
وهنا أعلن كايناك أن هجومًا أكبر كان يجري التخطيط له فيما يبدو، استنادًا إلى كمية الأسلحة التي عثر عليها في موقع تفجير السيارة المفخخة في إزمير، التي لم تكن الوحيدة إذ فجّر الخبراء سيارة أخرى كانت معدة للتفجير. وقال مسؤولون إن من يشتبه بأنهم مسلحون أكراد انفصاليون اشتبكوا مع الشرطة التركية، الخميس، وفجّروا سيارة مفخخة بعد توقيف مركبتهم في نقطة للتفتيش، مما أدى إلى مقتل شرطي وموظف في محكمة.
ولقد سلّط الانفجار وتبادل إطلاق النار خارج المحكمة الرئيسية في إزمير - ثالث أكبر مدينة تركية - الضوء على الأوضاع الأمنية المتدهورة في البلاد بعد 5 أيام من هجوم إسطنبول، بينما أوضح إيرول آي يلديز، والي المدينة، أن الأسلحة التي ضبطها شملت بنادق كلاشينكوف وقنابل يدوية وقذائف صاروخية، لافتًا إلى أن النتائج الأولية تشير إلى تورط حزب العمال الكردستاني.
هذا وذكر مصدر بالشرطة أنه تجري ملاحقة إرهابي ثالث بعد مقتل اثنين في الاشتباكات، كما اعتقل لاحقًا شخصان يعتقد أنهما باعا السيارة التي استخدمت في الهجوم للمهاجمين، وأضاف أن قوات الأمن فجّرت سيارة مفخخة ثانية اشتبهت الشرطة في أن المهاجمين خططوا للهروب فيها.

تحقيقات معقّدة
من خلال تحقيقات شديدة التعقيد والسرّية أيضًا، يظهر أن السلطات التركية حددت بدرجة كبيرة هوية منفذ هجوم رأس السنة على مطعم ونادي «رينا» في إسطنبول. وكما سبقت الإشارة، قال نائب رئيس الوزراء كايناك إن المسلح «الهارب حتى الآن» من أقلية الأويغور المسلمة في تركستان الشرقية (سنكيانغ بغرب الصين) «على الأرجح»، وأن أجهزة الأمن التركية حددت «مكان اختبائه المحتمل في إسطنبول»، في حين تتابع ظهور مقاطع فيديو رصدت تحرّكاته من كونيًا إلى إسطنبول، وأماكن وجوده قبل وبعد تنفيذ هجومه المسلح. وذهب نائب رئيس الوزراء المتحدث باسم الحكومة التركية نعمان كورتولموش إلى أنه تلقى مساعدة من داخل المطعم، في الوقت الذي عبر فيه كثير من المواطنين الأتراك عن اعتقادهم في ضلوع أميركي في الهجوم.
وقال كايناك إن منفذ الهجوم تلقى تدريبًا خاصًا، وأنه عضو في خلية.
وحسب المعلومات المتوافرة، «نفذ الهجوم منفردًا»، خلافًا لما ذكره بعض الناجين من أن هناك أكثر من شخص شاركوا في الهجوم. وأضاف أنه رغم عدم استبعاد احتمال هروبه خارج البلاد، فإن الأرجح أن تؤدي العمليات الأمنية داخل تركيا إلى الوصول إليه.
وبالفعل، تم تشديد الإجراءات الأمنية على الحدود التركية مع اليونان وبلغاريا، وعلى حدود تركيا المختلفة، وفي الموانئ والمطارات، ويجري تفتيش السيارات والأشخاص الذين يغادرون الأراضي التركية.
كذلك عُلّقت صور للمهاجم على المركز الحدودي في كابي كولي، في إدرنة القريبة من إسطنبول، على الحدود البلغارية، حيث يقوم عناصر أمن بالتدقيق في جوازات السفر.
وينفي هذا ما تردّد من أنباء عن هروب الإرهابي منفّذ الهجوم إلى مدينة الرقّة، معقل «داعش» في شمال سوريا. وكان أحد مسؤولي صفحة «الرقّة تذبح بصمت» المعنية بأخبار المدينة السورية التي جعلها التنظيم الإرهابي عاصمة له، ورصد الانتهاكات من قبل عناصر «داعش» في المدينة، قد أكد أن هناك أنباء عن احتفال عناصر من «داعش» بإطلاق الرصاص ابتهاجًا بوصول منفذ الهجوم إلى الرقّة.
وحسب كايناك، «هوية الإرهابي حددتها قوات الأمن، كما تم تحديد أماكن وجوده المحتملة، وكشفت صلاته أيضًا خلال التحقيقات».

«الإرهابي الشبح»
على صعيد آخر، نفذت الشرطة التركية عملية مداهمة في حي سليم باشا، على أطراف إسطنبول، فجّر الخميس، اعتقلت خلالها عددًا من المشتبه بأنهم على صلة بالهجوم. وداهمت شرطة مكافحة الإرهاب مصحوبة بقوات من الدرك وقوات خاصة مجمعًا سكنيًا في بلدة سليم باشا الساحلية، الواقعة غرب المدينة، بعد تلقي معلومة عن وجود أفراد بداخله ربما ساعدوا منفذ هجوم «رينا».
هذا وذكرت وسائل الإعلام أن أويغوريين من بين المعتقلين، لكن لم يتضح عدد الأشخاص الذين أمكن اعتقالهم منذ وقوع الهجوم، لكن العدد يرجح أن يكون 36 شخصًا على الأقل يعتقد أنهم - أو بعضهم - على صلة مع منفذه. ولقد نفذت قوات الأمن التركية على مدى 4 أيام حملات في مدن قونية وإزمير وإسطنبول لضبط من يشك بأن لهم صلة بالمنفذ الذي لا يزال هاربًا وكأنه شبح. وتعتقد السلطات التركية أن هذا الإرهابي «الشبح» الذي نشرت له فيديوهات وصور كثيرة ترصد تحركاته، قبل الهجوم وبعده، قد تلقى مساعدة من آخرين، مع أنه نفذ جريمته منفردًا. وهو ما أكده أيضًا كورتولموش، قائلاً إن منفذ الهجوم ربما كان له شركاء آخرين داخل الملهى.
وأردف كورتولموش إن «هذا الاستنتاج نابع من عدم إقدام الإرهابي الذي نفذ الهجوم بحرفية عالية، على الانتحار في مكان الجريمة».
في المقابل، لا يستبعد المحققون تورّط شخص آخر في الهجوم، بعد تحليل الفيديوهات التي سجلتها كاميرات النادي والكاميرات المجاورة له. وفي حين ذكر نائب رئيس الوزراء أن مرتكب مذبحة إسطنبول يعتقد أنه جاء إلى تركيا من جمهورية قيرغيزستان، فإن التحقيقات لا تزال تدرس خيارات أخرى، من بينها أنه ربما جاء من سوريا.
إذ كشفت التحقيقات أن المنفذ جاء إلى تركيا برفقة زوجته وطفليه في 20 من نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، ثم ذهب إلى مدينة قونية (في هضبة الأناضول) لمقابلة أحد عناصر «داعش»، ويدعى «الشيخ يوسف» (يوسف هوجا). واستندت السلطات إلى فيديو تم التقاطه لمنفذ العملية ومعه الشيخ الداعشي في أثناء استقلالهما الحافلة المتجهة من قونية إلى إسطنبول، لكنهما كانا يسيران بشكل منفصل وكأنها لا يعرف أحدهما الآخر. ثم بعد ذلك استقل تاكسي، واستخدم هاتف صاحبه في الاتصال، وأخبر سائق التاكسي بأنه سيدفع له بمجرد وصوله إلى المكان، لكنه نزل واستقل سيارة أخرى للوصول إلى منطقة زيتين بورنو، ثم اختفى عن الأنظار. وترجح السلطات أن يكون الرجل الذي رافق منفذ العملية قد ساعده في تنفيذ الهجوم الإرهابي، وتأمين عملية هروبه من المكان، وهو ما قد يفسّر حرص منفذ الهجوم على إخفاء ملامح وجهه بطريقة جيدة، وعدم وجود صور واضحة له على أجهزة كاميرات المراقبة.

ألاعيب «داعش»
على صعيد آخر، مارس تنظيم «داعش» كثيرًا من الألاعيب لتضليل سلطات التحقيق منذ اللحظات الأولى لهجوم إسطنبول، إذ كذّبت السلطات التركية الشائعات التي تحدثت عن وصول منفذ الهجوم إلى مدينة الرقّة السورية، أو إمكانية هروبه خارج الحدود التركية، مؤكدة أن تنظيم داعش يحاول الترويج لهذه الشائعات حول مكان اختباء منفذي العملية «لتضليل الجهات الأمنية، وصرف الأنظار عن المنفذين الحقيقيين، وأماكن وجودهم». وكشفت التحقيقات عن كثير من محاولات التضليل التي قام بها التنظيم الإرهابي لإرباك جهات التحقيق، مثل الزعم بأن العملية استغرق تنفيذها 7 دقائق، وهي المدة التي دخل وخرج فيها المواطن الكازاخستاني الذي نشرت صورته من قبل على أنه منفذ الهجوم، ثم نشر جواز سفر مواطن من قيرغيزستان تم التحقيق معه في إسطنبول قبل سفره إلى بلاده على أنه المنفذ أيضًا.

اتهامات لأميركا
على صعيد آخر، كشفت سلطات التحقيق عن أن منفذ الهجوم استعمل قنبلة صوتية أميركية الصنع لإصابة رواد المطعم بحالة من عدم التركيز، بسبب صوتها واحتوائها في الوقت نفسه على غاز يصيب بالدوار وعدم التركيز، وعرضت لقطات للقنبلة، وتبين أنه تم طمس الرقم المسلسل لها.
وأثار الكشف عن هذه القنبلة ضجة كبيرة على مواقع التواصل الاجتماعي في تركيا، حيث اعتبر كثيرون أن أميركا «ضالعة في الهجوم» بسبب وجود هذه القنبلة التي يندر استخدامها خارج الجيش الأميركي. ونشرت صحيفة «يني عقد» القريبة من الحكومة التركية، الأربعاء، على موقعها الإلكتروني، وكذلك على «تويتر» صورتين مركّبتين تتعلقان بالرئيس الأميركي باراك أوباما. الصورة اليمنى للإرهابي الذي هاجم مطعم «رينا» بعد استبدال وجهه بوجه الرئيس أوباما، واليسرى عبارة عن صورة عادية لأوباما. وعلى الفور انتشرت الصورة المركّبة في الإنترنت كالنيران في الهشيم. وللعلم، يوجد أكثر من مائة ألف مشترك في حساب الصحيفة على موقع «تويتر»، ويعتبر موقعها في الإنترنت من أكثر المواقع التركية زيارة في الشبكة العالمية. وقد ترافقت التغريدات مع تعليقات ساخرة ولاذعة، مثل: «هذه أوضح صورة للقاتل».
والعبارة نفسها وردت في العنوان الرئيسي للمادة التي نشرتها الصحيفة. وتتكون هذه المادة من فقرة واحدة: «في الشبكات الاجتماعية تنتشر آراء تؤكد أن الولايات المتحدة تقف وراء الهجوم الإرهابي في نادي رينا».

مسلسل الإرهاب
* مرّت تركيا في عام 2016 بواحد من أكثر أعوامها دموية، حيث تصاعدت الهجمات الإرهابية وضربت قلب المدن الكبرى ومواقع استراتيجية وسياحية في قلب العاصمة أنقرة ومدينة إسطنبول.
وكانت في مجملها هجمات انتحارية، وباستخدام سيارات مفخخة، وغالبيتها استهدف الشرطة إلى جانب المدنيين، وتوزّعت المسؤولية عنها ما بين تنظيم داعش الإرهابي وحزب العمال الكردستاني ومنظمة صقور حرية كردستان، القريبة منه.
كثير من الهجمات الإرهابية ضربت أنحاء مختلفة في تركيا، أبرزها هجوم السلطان أحمد في الثاني عشر من يناير (كانون الثاني) الذي افتتح به سجل العمليات الإرهابية في 2016، حين استهدف هجوم انتحاري في منطقة ديكيلتاش في ميدان السلطان أحمد بإسطنبول مجموعة من السياح، مخلفًا 10 قتلى و15 مصابًا، غالبيتهم من الألمان. وأعلن تنظيم داعش الإرهابي مسؤوليته عن هذا الهجوم.
وفي السابع عشر من فبراير (شباط)، وقع هجوم بسيارة مفخخة في أثناء مرور سيارة عسكرية بالقرب من مقر قيادة القوات الجوية في منطقة كيزلاي، بوسط العاصمة أنقرة، مما أسفر عن مقتل 29 شخصًا وإصابة 61 آخرين، غالبيتهم من العسكريين، وتبنّت جماعة صقور حرية كردستان الهجوم.
ووقع هجوم ثان في أنقرة، في الثالث عشر من مارس (آذار)، في استهداف آخر للعاصمة السياسية للبلاد، حيث وقع هجوم انتحاري بالقرب من ميدان كيزيلاي، مما أدى إلى مقتل 37 شخصًا وإصابة 125 آخرين، وتبنته أيضًا حركة صقور حرية كردستان التي أعلنت مسؤوليتها عن هذا الهجوم أيضًا.
وسبق هذا الهجوم الإرهابي هجوم وقع في التاسع عشر من مارس استهدف السياح مرة أخرى بهجوم انتحاري وقع في شارع الاستقلال بميدان تقسيم، قلب إسطنبول السياحي، وتبنى «داعش» الهجوم الانتحاري الذي أسفر عن مقتل 4 أشخاص، منهم إيرانيان وإسرائيلي وإصابة 36 آخرين.
وفي 27 أبريل (نيسان)، أقدم انتحاري على تفجير نفسه بالقرب من جامع أولو الشهير بمدينة بورصة، ليُسقط 13 مصابًا دون تسجيل قتلى، وتبناه تنظيم صقور حرية كردستان.
وفي الأول من مايو (أيار)، قتل 3 من عناصر الشرطة وأصيب 22 آخرون، في هجوم انتحاري شنّه تنظيم داعش الإرهابي بالقرب من مديرية أمن غازي عنتاب (جنوب تركيا، قرب الحدود السورية).
وفي 7 يونيو (حزيران)، استهدف هجوم إرهابي سيارة تابعة للشرطة في منطقة فزناجيلار في إسطنبول بالقرب من محطة للحافلات العامة، خلف 11 قتيلاً، من بينهم 7 من عناصر الشرطة و36 مصابًا.
وفي 8 يونيو، استهدفت سيارة مفخخة مديرية الأمن في بلدة مديات، التابعة لمحافظة ماردين (جنوب تركيا)، قتل فيه شرطي ومدنيان وأصيب 30 آخرون على الأقل، ونسبته السلطات إلى العمال الكردستاني.
وفي مساء 28 يونيو، وقع هجوم انتحاري ثلاثي في صالة الخطوط الدولية بمطار أتاتورك الدولي في إسطنبول، أعقبه إطلاق نار على المسافرين المنتظرين، مما تسبب في مقتل 47 شخصًا وإصابة 237 آخرين، ونسب إلى تنظيم داعش الإرهابي.
وفي 21 أغسطس، شهدت مدينة غازي عنتاب هجومًا انتحاريًا استهدف حفل زفاف في أحد الشوارع بالمدينة الجنوبية شبه الحدودية، مما أسفر عن مقتل 56 شخصًا وإصابة 91 آخرين، ونفذه تنظيم داعش.
وقبل أن يلملم العام أوراقه الأخيرة وقع في 10 ديسمبر (كانون الأول) الحالي هجومان، أحدهما بسيارة مفخخة والآخر نفذه انتحاري بالقرب من استاد «فودافون أرينا» لكرة القدم، بمنطقة بشيكتاش في مدينة إسطنبول، استهدفا قوات مكافحة الشغب، وأسفرا عن مقتل 44 شخصًا، 37 من قوات شرطة مكافحة الشغب و7 مدنيين، وإصابة 149 آخرين.
ثم كان هجوم مطعم «رينا» في إسطنبول الذي شكل حلقة الوصل بين عام منتهٍ بأحداثه الإرهابية المتتابعة وبداية عام جديد أكثر سخونة على ما يبدو.



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.