عروض الأزياء لربيع وصيف 2017 التي تابعناها في العام الماضي كانت بداية عهد جديد بالنسبة للموضة. فما بدأت فكرةً أطلقها مصمم دار «بيربري» كريستوفر بايلي، ثم طبقها، زاد زخمها وتسارع إيقاعها بعد أن تبناها غيره، إلى حد أنها ستصبح عُرفًا. الفكرة كانت ببساطة طرح كل ما يعرضه على منصات العرض، في المحلات مباشرة؛ بمعنى أننا لن ننتظر بعد اليوم نحو 4 أو 6 أشهر للحصول على قطعة نشرها مدون أو «فتاة (إنستغرام)» على صفحات التواصل الاجتماعي، أو تكررت على صفحات المجلات بدرجة أفقدتها بعضا من تميزها وبريقها ووأدت الرغبة فيها.
فشتان بين عروض الخمسينات وثقافة العرض آنذاك، وما هو حادث اليوم؛ فالأولى كانت تجري في صالونات حميمة لا يدعو لها المصممون سوى باقة منتقاة من محررات الموضة والزبونات المهمات، والثانية تحولت إلى مسرح مفتوح على مصراعيه يمكن لأي أحد دخوله والتفرج عليه وهو في عقر داره بفضل الإنترنت والبث المباشر. فالعولمة من جهة؛ وظهور أسواق بعيدة وطبقات حديثة الثراء من جهة أخرى، عملت على تغيير الخريطة الشرائية وثقافة التسوق، من دون أن نتجاهل حقيقة أن تأثير وسائل التواصل الاجتماعي لم يصل إلى فنون الترويج والتسويق فحسب؛ بل أيضا للأزياء والإكسسوارات.
فالتصاميم، مثلا، توهجت بالألوان والنقوشات الغريبة حتى تأتي الصورة قوية على «إنستغرام»، فيما زادت العروض ضخامة وإبهارا كي تخلق جدلا يتداوله أصحاب المدونات على وسائل التواصل فيكون دعاية سريعة تصل إلى الملايين من متابعيهم. والنتيجة كانت زيادة الضغوط على المصممين وبيوت الأزياء للبحث عن طرق مُبتكرة يقتطعون من خلالها نصيبا من السوق. الأزمة الاقتصادية التي ألمت بالعالم زادت الأمر سوءا وسرعت من ظهور استراتيجيات جديدة كمضاد لها، لأنها أثرت على سوق المنتجات المترفة بشكل لم يكن متوقعا. «شانيل» مثلا لم تكتف بعروضها الضخمة والباذخة، فقررت في عام 2015 أن تُوحد أسعارها في كل أنحاء العالم، لتفادي تذبذب العملات من جهة، ولتحفيز السكان المحليين على التسوق في محلاتها المترامية في كل أنحاء العالم بدلا من تركيز عملية التسوق على أوروبا أو أميركا، لأنهم يحصلون فيها على المنتجات نفسها بأسعار أقل بسبب انخفاض العملة أو الإعفاء من الضرائب الجمركية.
وعلى الرغم مما أثارته «شانيل» من جدل حينها، فإنه لا شيء مقارنة بما أثاره إعلان دار «بيربري» منذ أكثر من سنة تقريبا عن طرح كل ما ستعرضه على منصات العرض في محلاتها مباشرة بدلا من الانتظار 4 أو 6 أشهر، كما جرت العادة سابقا ولعدة عقود.
عندما اقترح مصمم الدار كريستوفر بايلي الفكرة أول مرة استهجنها البعض ورحب البعض الآخر. فريق المرحبين ضم مصممين يرون أنها تطور طبيعي لمواكبة إيقاع الأسواق العالمية المتسارع في عصر الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي. كما رأوا أنها طريقة مثالية لقطع الطريق على المحلات التي تستنسخ تصاميمهم وتطرحها قبلهم، وهو ما كان يضعهم في مأزق. فكل ما يسهرون على إنتاجه وإبداعه على مدى أشهر يصبح «موضة قديمة» عندما يصل إلى المحلات بعد 4 أو 6 أشهر، لأن عين الزبون تكون قد تعودت عليه بسبب تداوله على شبكات الإنترنت و«إنستغرام»، ولا ترى فيه جديدا يثيرها.
أما الفريق غير المتقبل لها بعد، فينقسم إلى قسمين؛ قسم يقول إن الحرفية تتطلب وقتا طويلا وجهدا كبيرا، الأمر الذي يجعل هذه الاستراتيجية غير صحيحة أو «صحية»، وقسم ليست لديه الإمكانات الكافية لإنتاج كميات كبيرة في وقت وجيز، خصوصا أن بعضهم لا يزالون في بداية الطريق ويفتقدون محلات خاصة بهم، مقارنة بـ«بيربري» و«توم فورد»، و«تومي هيلفيغر، و«رالف لورين»، وكل من ركبوا موجة «العرض الآن والبيع غدا».
وقد برر كل من «ثاكون»، و«توم فورد»، و«تومي هيلفيغر»، و«رالف لورين»، و«بيربري» في مناسبات مختلفة خطوتهم، مؤكدين أن الزبون ليست له ولاءات طويلة ويفقد حماسه ورغبته في الحصول على شيء كان يتوق إليه بكل جوارحه بعد فترة؛ فهذه هي الطبيعة البشرية: تمل الانتظار ويصيبها البرود بمرور الزمن، فضلا عن أن تداول هذه التصاميم على صفحات «إنستغرام» وغيره من وسائل التواصل الاجتماعي، واستنساخ محلات شعبية كبيرة مثل «زارا» لها بسرعة أكبر، ليس في صالحهم؛ إذ يجعلها تبدو باهتة و«موضة قديمة» عند وصولها إلى المحلات.
كريستوفر بايلي المدير الفني في دار «بيربري»، قال إنه لم يتخذ قراره هذا بين ليلة وضحاها... «لقد بدأنا بجس نبض السوق بالتدريج منذ بضع سنوات؛ ففي عام 2009، مثلا طرحنا مجموعة من المعاطف والإكسسوارات للبيع مباشرة، ونجحت التجربة. الفرق الآن أننا صممنا كل التشكيلة ونصب أعيننا توفيرها للزبائن مباشرة بعد العرض». وتابع: «أخذنا بعين الاعتبار هنا أنها يجب أن تتوجه لكل المواسم والثقافات. فتغير أحوال الطقس في العالم، وظهور شرائح من الزبائن من أسواق جديدة، جعلا الأسلوب التقليدي غير متماش مع متطلبات العصر وإيقاعه السريع».
ونفى المصمم أن تؤثر هذه الاستراتيجية على الجودة والحرفية، مشيرا إلى أن العكس صحيح في زمن فقدت فيه العروض خصوصيتها القديمة وأصبحت مفتوحة للكل... «هذا ما جعل البحث عن وسائل مبتكرة للتفاعل مع الزبون وزيادة جرعة المهارات الحرفية ضرورة قصوى» حسب رأيه. في عرضه الأخير قدم تشكيلة مكونة من 83 إطلالة، يمكن القول إنها كانت من أقوى تشكيلاته للدار منذ سنوات؛ إذ حملت حنينا إلى الماضي، لعب فيه على عراقة الدار ومهارة حرفييها. وليكتب فصله الجديد، غيّر حتى مكان العرض الذي كان سابقا في حدائق «كينغستون»، إلى مبنى «مايكرز هاوس» الواقع خلف مكتبة «فويلز» الشهيرة بمنطقة «سوهو»، حيث استضاف فريقا من الحرفيين البريطانيين المتخصصين في مجالات مختلفة لاستعراض مهاراتهم أمام الحضور.
ولا ينكر أحد أن «بيربري» كانت الرائدة في هذا المجال، إلى جانب دمجها «الرجالي» و«النسائي» في عرض واحد، ليكون مجموع عروضها اثنين فقط في السنة؛ الأول باسم «فبراير» لأنه يقع في الشهر نفسه، والثاني باسم «سبتمبر»، مُلغية ما يُعرف منذ عقود بموسمي الربيع والصيف، والخريف والشتاء.
التبرير المعلن عنه هو احتواء مشكلة التشتت التي باتت تعاني منها عروض الأزياء المتوالدة في كل موسم، على أساس أن كثرتها لا تؤثر في القوة الإبداعية وتثقل كاهل المصمم فحسب، بل أيضا تصيب الزبون بالتخمة. ورغم أن الحل الأمثل هو العودة إلى ما كانت عليه الأمور في الأربعينات والخمسينات من القرن الماضي، أي العروض النخبوية في الصالونات، فإن الخريطة الشرائية التي توسعت وتفرعت بشكل غير مسبوق لم تعد تتيح ذلك. والمقصود هنا ليس الطبقات الثرية فحسب، بل أيضا الطبقات المتوسطة التي تنامت في أسواق مهمة مثل الصين، وكانت وراء تأجيج الرغبة في الموضة وكل ما يتعلق بها، بالنسبة للشباب من الجنسين.
مخاوف أولية انتهت بأرباح
كأي جديد، فإن نتائج هذه الاستراتيجية لم تكن مضمونة بالنسبة لكثيرين خاضوها في البداية، لكن يبدو أنها أعطت ثمارها بالسرعة نفسها التي طُرحت بها في الأسواق.
ويعترف كثير من العاملين في الصناعة بأنهم شعروا بالمخاوف من خوض التجربة في البداية، لا سيما أن كل ما تعلموه وتعودوا عليه سيتغير جذريا، إلا أنهم اكتشفوا سريعا أن مخاوفهم لم تكن في محلها، وأن عملية البيع المباشر أكثر ديناميكية، وتُسهل مأموريتهم على المدى البعيد أكثر مما تُعقدها. دار «رالف لورين»، مثلا، لمست ارتفاعا في مبيعاتها بعد العرض مباشرة، كذلك «توم فورد»، ودار «بيربري» التي صرح مصممها بعد انتهاء عرضه الأخير أنه يشعر بنوع من التحرر؛ فنظريته بـ«ضرب الحديد وهو ساخن» أكدت فعاليتها، بشهادة باقي المصممين، فهي على الأقل تُبرر تكاليف عروضهم الضخمة وما يتكبدونه من مصاريف لم تكن تنعكس على الأرباح سابقا.
إلى جانب كل هذا، فإن الضغوطات، من مرحلة التصميم إلى الإنتاج، تنتهي ما إن يبدأ العرض ليتنفس المصممون الصعداء بعده، وقد يأخذون إجازاتهم لشحذ طاقاتهم وأفكارهم من جديد. وحسب تصريحهم، فإن كل ما تطلبته العملية منهم هو ترتيب أوراقهم من منظور مختلف، غالبا بتقديم وقت ما كانوا يقومون به بعد العرض، إلى قبله ببضعة أشهر. مثلا كانت «بيربري» تبدأ العمل على تشكيلة الربيع والصيف، التي تُعرض في شهر سبتمبر، في شهر مايو (أيار)، الآن تبدأ العمل عليها في شهر يناير (كانون الثاني). في هذا الوقت أيضا تكون باقي الأقسام تتفاوض مع المجلات لتصويرها، والمحلات والأسواق الأخرى لتفي بالتزاماتها معها في الوقت المقرر. فبينما كانت عروض الأزياء سابقا المسرح الذي تُعرض فيه عينات يتم إنتاجها وتنفيذها فيما بعد حسب طلبيات الأسواق، الآن بات على المصممين تجهيزها بنحو 3 أشهر لعرضها أمام المشترين ووسائل الإعلام، والتعامل مع شركات خارجية متخصصة تساعدها على تصوير حملاتها الترويجية التي يجب أن يتزامن نشرها والإعلان عنها مع العرض.
المصمم ثاكون، مدعوما بالشركة الاستثمارية «برايت فايم فاشون» لفيفيان تشاو ابنة الملياردير سيلاس تشاو، مثلا، نظم عرضه في منطقة بروكلين، مستعينا بعدة وكالات فنية، كل واحدة منها لها تخصص مختلف. مهمة كل واحدة منها إما تنفيذ الصور بشكل سريع، أو خلق قصص تناسب النشر على «إنستغرام» وما شابه من أمور أصبحت ضرورية للترويج لتشكيلة لا تعترف بموسم معين.
بالنسبة لـ«بيربري»، فقد صورت حملاتها الإعلانية في شهر أغسطس (آب) الماضي، بينما بدأ تصوير المجلات عينات من تصاميم الدار، منذ شهري يونيو (حزيران) ويوليو (تموز) الماضيين في سرية تامة حتى لا تتسرب قبل العرض.
فالمتعارف عليه سابقا أن المشترين والمحلات، لم يكونوا يطلعون على هذه الأزياء ويُقدمون اختياراتهم وطلباتهم حسب ما يناسب الأسواق التي يمثلونها، بعد العرض مثلهم مثل الزبائن ووسائل الإعلام، بعد ذلك تبدأ ماكينة الإنتاج بتنفيذها. الأمر نفسه بالنسبة لوسائل الإعلام، حيث كانت تختار محررات الأزياء العينات التي ينوين تصويرها وهن يتابعن العرض.
الخلاصة - شئنا أم أبينا - أن وجه الموضة، كما عرفناه سابقا، تغير إلى الأبد، بعد أن نجحت وسائل التواصل الاجتماعي، وعلى رأسها «إنستغرام»، في فرض نفسها على السوق، إضافة إلى الضغوطات الكبيرة التي عاني منها المصممون لتحقيق الأرباح في وقت وجيز.














