عادت الحياة تدب مجددا في شرايين الدبلوماسية الفرنسية بعد استراحة الأعياد. وكانت باكورتها الزيارة السريعة والمفاجئة التي قام بها الرئيس فرنسوا هولاند إلى العراق لملاقاة الجنود الفرنسيين المنتشرين إلى جانب القوات العراقية والبيشمركة الكردية. وتركيز هولاند بطبيعة الحال جاء على محاربة الإرهاب ودحر «داعش» الذي توقعه في الأسابيع القادمة. لكن الإرهاب ليس التحدي الوحيد الذي ستواجهه باريس في العام 2017 في الداخل والخارج على السواء. ورغم أنه أمني في الداخل وعسكري في الخارج، فإن له بعدا دبلوماسيا واضحا، وهو يضاف إلى أربعة تحديات رئيسية أخرى يتعين على الدبلوماسية الفرنسية أن تتعامل معها في العام الجديد.
لكن الاستحقاقات الانتخابية الرئاسية والتشريعية في الربيع القادم تفاقم صعوبة رسم دقائق هذه الدبلوماسية نظرا للتمايز في المواقف بين المرشحين المؤهلين للدخول إلى قصر الإليزيه أواخر شهر مايو (أيار) القادم.
يمثل إنجاح مؤتمر دعم السلام في الشرق الأوسط الذي من المنتظر أن تستضيفه باريس في 15 الجاري بحضور سبعين دولة ومنظمة إقليمية ودولية التحدي الأول. ووجه الأهمية فيه أن فرنسا، وفق ما أفادت به مصادر رسمية تحدثت إليها «الشرق الأوسط» أمس تريد الاستفادة من «المعطى» الأميركي الجديد الذي برز مع «تمرير» واشنطن القرار 2334 الخاص بالاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية يوم 23 ديسمبر (كانون الأول) وفي الخطاب المطول لوزير الخارجية جون كيري الأسبوع الماضي، وهو ما يتلاءم مع المقاربة الفرنسية. وتخطط باريس للاستفادة من الأيام القليلة المتبقية لإدارة الرئيس أوباما في البيت الأبيض (حتى العشرين من الشهر الجاري) من أجل محاولة استصدار قرار جديد من مجلس الأمن يسمي بشكل واضح محددات الحل السلمي للنزاع الفلسطيني - الإسرائيلي ويرسي الأسس التي يتعين أن يقوم عليها حل الدولتين، بحيث يكون صعبا على إدارة الرئيس المنتخب دونالد ترامب القفز فوقها بسهولة.
ووجه الصعوبة، بنظر المصادر الفرنسية، يتمثل في المهلة القصيرة الممتدة من مؤتمر باريس ورحيل الإدارة الأميركية إذ إنها لا تزيد على أربعة أيام. وحتى أمس، لم يكن قد صدر عن الإدارة الأميركية أي مؤشر يدل على الموقف الذي قد تتخذه واشنطن لأن ما ستقرره سيكون حاسما بالنسبة لمصير مشروع القرار المرتقب. لكن الموضوع يدرس بجدية. ولعل أوضح دليل على ذلك الارتباك الذي غلب على الحكومة الإسرائيلية ورئيسها بنيامين نتنياهو، الذي قال أول من أمس، في لقاء مع السفراء الإسرائيليين إن لديه «مؤشرات» لمساع من أجل تحويل مقررات مؤتمر باريس إلى قرار دولي آخر في مجلس الأمن. كذلك حذر من أن تعمد الرباعية الدولية التي تضم الولايات المتحدة الأميركية وروسيا والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى إصدار قرار تبني خلاصات مؤتمر باريس. وكما بشأن القرار 2334، فإن نتنياهو يعول على الرئيس الأميركي المنتخب للضغط على إدارة أوباما لردعها عن القيام بهذه الخطوة.
عندما كان لوران فابيوس وزيرا للخارجية، أعلن أكثر من مرة أنه في حال فشل الجهود الفرنسية في تحريك ملف المفاوضات، فإن باريس ستعمد للاعتراف بالدولة الفلسطينية. بيد أن الموقف الفرنسي تراخى بعض الشيء ولم يعد آليا. والجديد أن الرئيس هولاند العازف عن الترشح لولاية رئاسية ثانية أصبح حر اليدين وبالتالي فإنه يستطيع من الناحية النظرية أن يقدم على هذه الخطوة التي سيكون من شأنها دفع الأوساط الداعمة لإسرائيل للارتماء أكثر فأكثر في أحضان اليمين.
تجسد سوريا التحدي الثاني الذي يتعين على الدبلوماسية الفرنسية أن تتعامل معه في الوقت الذي تبدو فيه باريس مهمشة سياسيا ودبلوماسيا بعد الاتفاق الروسي - التركي على إعلان وقف للعمليات العدائية والعمل على تحضير اجتماع للمعارضة والنظام في آستانة، عاصمة كازاخستان. وتعتبر مصادر دبلوماسية في باريس أن من بين أهداف زيارة الرئيس هولاند إلى العراق «إعادة إبراز الدور الفرنسي في الحرب على الإرهاب والعودة، عبر البوابة العراقية، إلى المشهد السياسي في سوريا».
حقيقة الأمر أن باريس التي أعلنت دائما وقوفها إلى جانب المعارضة السورية واعتبارها أن لا مكان للرئيس الأسد في مستقبل سوريا، تعتبر أن الجانب الروسي قد أصبح «متمكنا» من الأوراق السياسية والدبلوماسية بعد أن تمكن من الأوراق العسكرية بفضل تدخله المكثف إلى جانب النظام منذ سبتمبر (أيلول) 2015 وأن التدخل المشار إليه «توج» في معركة حلب التي مكنت النظام من إعادة فرض سيطرته على المدينة الثانية. وتنحو باريس باللائمة على السياسة الأميركية «الضعيفة والمترددة»، وفق وصف مصدر دبلوماسي كبير، الأمر الذي مكن «قوى إقليمية» من أن تحل مكانها وتأخذ دورها في إشارة إلى تركيا. ولذا، فإن باريس تجد نفسها «مكبلة»: فلا هي قادرة على التأثير على مجرى المعارك ولا قادرة على إطلاق مبادرات سياسية ودبلوماسية مستقلة. ولذا، فإنها جهدت في الأشهر الماضية على لعب دور من خلال مجلس الأمن الدولي. لكن كافة مشاريع القرارات التي تقدمت بها واجهها الفيتو الروسي. ولعل ما يزيد من حراجة موقف باريس أن سياستها في سوريا لم تعد موضع إجماع الطبقة السياسية: ذلك أن مرشح اليمين الكلاسيكي فرنسوا فيون الذي لديه فرصة الوصول إلى قصر الإليزيه، يريد «التقارب» مع روسيا و«الحوار» مع إيران بشأن الملف السوري لا بل تقبل التوصل إلى اتفاق «مرحلي» مع النظام السوري. وما يقوله فيون تقوله مرشحة اليمين المتطرف وزعيمة الجبهة الوطنية مارين لوبن لا بل إنه قريب من موقف مرشح اليسار المتشدد جان لوك ميلونشون. ولذا، ليس من المؤكد أن سياسة فرنسا لما بعد الانتخابات الرئاسية في شهر مايو (أيار) القادم ستكون شبيهة بسياستها لما قبلها الأمر الذي من شأنه أن يضعف موقف الحكومة ودبلوماسيتها إذا كانت الهجمات تشن عليها صبحا ومساء.
كما في 2015 و2016، سيكون الإرهاب أحد أهم التحديات التي سيتعين على باريس مواجهتها، خصوصا أن مقتلة مدينة نيس التي حصلت ليلة 14 يوليو (تموز) الفائت ما زالت ماثلة في أذهان الفرنسيين بسبب حجم الخسائر البشرية والزلزال السياسي الذي أحدثته في الداخل. والمحزن فيها أن حالة الوحدة الوطنية التي تجلت بعد عمليات نوفمبر (تشرين الثاني) 2015 في ملهى الباتاكلان ومقاهي ومطاعم باريس تراجعت وحل مكانها الجدل حول «عجز» الحكومة والأجهزة الأمنية عن حماية المواطنين وقطع دابر الإرهاب. وفي هذا السياق، ورغم أن الحرب على الإرهاب هو من اختصاص أجهزة الأمن في الداخل والجيش والمخابرات العسكرية في الخارج، فإن للدبلوماسية دورا في توثيق التعاون داخل الاتحاد الأوروبي ومع الأطراف الخارجية خصوصا بعدما تبين وجود تداخل بين تيارات الهجرة إلى الاتحاد الأوروبي والعمليات الإرهابية. وكانت هذه الحقيقة قد برزت في خريف عام 2015 قي باريس كما ظهرت لاحقا في بروكسل والشهر الماضي في برلين.
يبقى التحدي الرابع (وليس الأخير) وعنوانه المحافظة على استقرار الجوار المتوسطي الذي تهدده الحرب في ليبيا بوجهيها الداخلي (الأهلي) والحرب على الإرهاب والاستقرار الضعيف في تونس واستمرار تدفق اللاجئين والمهاجرين غير الشرعيين من الشواطئ المتوسطية الجنوبية. وتعمل الدبلوماسية الفرنسية على تدعيم حكومة الوفاق الوطني في ليبيا وعلى مساندة الدولة التونسية سياسيا واقتصاديا على المستوى الثنائي ولكن أيضا عبر الاتحاد الأوروبي. لكن الشرق الأوسط والمتوسط ليست سوى غيض من فيض وجزء من تحديات الدبلوماسية الفرنسية التي عليها أن تتعامل مع إدارة أميركية جمهورية وافدة تريد عرقلة تنفيذ اتفاقية المناخ الموقعة في باريس نهاية عام 2015، ومع خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ومع التهديدات الماثلة بوجه الاتحاد المذكور ومع عودة روسية القوية إلى المسرح الدولي عبر البوابة السورية.
4 تحديات تواجه الدبلوماسية الفرنسية في 2017
السلام في الشرق الأوسط وسوريا والإرهاب واستقرار جنوب المتوسط
الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند خارج مكتبه في الإليزيه وقد زار العراق أخيرا لملاقاة الجنود الفرنسيين المنتشرين إلى جانب القوات العراقية والبيشمركة الكردية (رويترز)
4 تحديات تواجه الدبلوماسية الفرنسية في 2017
الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند خارج مكتبه في الإليزيه وقد زار العراق أخيرا لملاقاة الجنود الفرنسيين المنتشرين إلى جانب القوات العراقية والبيشمركة الكردية (رويترز)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة




