4 تحديات تواجه الدبلوماسية الفرنسية في 2017

السلام في الشرق الأوسط وسوريا والإرهاب واستقرار جنوب المتوسط

الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند خارج مكتبه في الإليزيه وقد زار العراق أخيرا لملاقاة الجنود الفرنسيين المنتشرين إلى جانب القوات العراقية والبيشمركة الكردية (رويترز)
الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند خارج مكتبه في الإليزيه وقد زار العراق أخيرا لملاقاة الجنود الفرنسيين المنتشرين إلى جانب القوات العراقية والبيشمركة الكردية (رويترز)
TT

4 تحديات تواجه الدبلوماسية الفرنسية في 2017

الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند خارج مكتبه في الإليزيه وقد زار العراق أخيرا لملاقاة الجنود الفرنسيين المنتشرين إلى جانب القوات العراقية والبيشمركة الكردية (رويترز)
الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند خارج مكتبه في الإليزيه وقد زار العراق أخيرا لملاقاة الجنود الفرنسيين المنتشرين إلى جانب القوات العراقية والبيشمركة الكردية (رويترز)

عادت الحياة تدب مجددا في شرايين الدبلوماسية الفرنسية بعد استراحة الأعياد. وكانت باكورتها الزيارة السريعة والمفاجئة التي قام بها الرئيس فرنسوا هولاند إلى العراق لملاقاة الجنود الفرنسيين المنتشرين إلى جانب القوات العراقية والبيشمركة الكردية. وتركيز هولاند بطبيعة الحال جاء على محاربة الإرهاب ودحر «داعش» الذي توقعه في الأسابيع القادمة. لكن الإرهاب ليس التحدي الوحيد الذي ستواجهه باريس في العام 2017 في الداخل والخارج على السواء. ورغم أنه أمني في الداخل وعسكري في الخارج، فإن له بعدا دبلوماسيا واضحا، وهو يضاف إلى أربعة تحديات رئيسية أخرى يتعين على الدبلوماسية الفرنسية أن تتعامل معها في العام الجديد.
لكن الاستحقاقات الانتخابية الرئاسية والتشريعية في الربيع القادم تفاقم صعوبة رسم دقائق هذه الدبلوماسية نظرا للتمايز في المواقف بين المرشحين المؤهلين للدخول إلى قصر الإليزيه أواخر شهر مايو (أيار) القادم.
يمثل إنجاح مؤتمر دعم السلام في الشرق الأوسط الذي من المنتظر أن تستضيفه باريس في 15 الجاري بحضور سبعين دولة ومنظمة إقليمية ودولية التحدي الأول. ووجه الأهمية فيه أن فرنسا، وفق ما أفادت به مصادر رسمية تحدثت إليها «الشرق الأوسط» أمس تريد الاستفادة من «المعطى» الأميركي الجديد الذي برز مع «تمرير» واشنطن القرار 2334 الخاص بالاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية يوم 23 ديسمبر (كانون الأول) وفي الخطاب المطول لوزير الخارجية جون كيري الأسبوع الماضي، وهو ما يتلاءم مع المقاربة الفرنسية. وتخطط باريس للاستفادة من الأيام القليلة المتبقية لإدارة الرئيس أوباما في البيت الأبيض (حتى العشرين من الشهر الجاري) من أجل محاولة استصدار قرار جديد من مجلس الأمن يسمي بشكل واضح محددات الحل السلمي للنزاع الفلسطيني - الإسرائيلي ويرسي الأسس التي يتعين أن يقوم عليها حل الدولتين، بحيث يكون صعبا على إدارة الرئيس المنتخب دونالد ترامب القفز فوقها بسهولة.
ووجه الصعوبة، بنظر المصادر الفرنسية، يتمثل في المهلة القصيرة الممتدة من مؤتمر باريس ورحيل الإدارة الأميركية إذ إنها لا تزيد على أربعة أيام. وحتى أمس، لم يكن قد صدر عن الإدارة الأميركية أي مؤشر يدل على الموقف الذي قد تتخذه واشنطن لأن ما ستقرره سيكون حاسما بالنسبة لمصير مشروع القرار المرتقب. لكن الموضوع يدرس بجدية. ولعل أوضح دليل على ذلك الارتباك الذي غلب على الحكومة الإسرائيلية ورئيسها بنيامين نتنياهو، الذي قال أول من أمس، في لقاء مع السفراء الإسرائيليين إن لديه «مؤشرات» لمساع من أجل تحويل مقررات مؤتمر باريس إلى قرار دولي آخر في مجلس الأمن. كذلك حذر من أن تعمد الرباعية الدولية التي تضم الولايات المتحدة الأميركية وروسيا والأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي إلى إصدار قرار تبني خلاصات مؤتمر باريس. وكما بشأن القرار 2334، فإن نتنياهو يعول على الرئيس الأميركي المنتخب للضغط على إدارة أوباما لردعها عن القيام بهذه الخطوة.
عندما كان لوران فابيوس وزيرا للخارجية، أعلن أكثر من مرة أنه في حال فشل الجهود الفرنسية في تحريك ملف المفاوضات، فإن باريس ستعمد للاعتراف بالدولة الفلسطينية. بيد أن الموقف الفرنسي تراخى بعض الشيء ولم يعد آليا. والجديد أن الرئيس هولاند العازف عن الترشح لولاية رئاسية ثانية أصبح حر اليدين وبالتالي فإنه يستطيع من الناحية النظرية أن يقدم على هذه الخطوة التي سيكون من شأنها دفع الأوساط الداعمة لإسرائيل للارتماء أكثر فأكثر في أحضان اليمين.
تجسد سوريا التحدي الثاني الذي يتعين على الدبلوماسية الفرنسية أن تتعامل معه في الوقت الذي تبدو فيه باريس مهمشة سياسيا ودبلوماسيا بعد الاتفاق الروسي - التركي على إعلان وقف للعمليات العدائية والعمل على تحضير اجتماع للمعارضة والنظام في آستانة، عاصمة كازاخستان. وتعتبر مصادر دبلوماسية في باريس أن من بين أهداف زيارة الرئيس هولاند إلى العراق «إعادة إبراز الدور الفرنسي في الحرب على الإرهاب والعودة، عبر البوابة العراقية، إلى المشهد السياسي في سوريا».
حقيقة الأمر أن باريس التي أعلنت دائما وقوفها إلى جانب المعارضة السورية واعتبارها أن لا مكان للرئيس الأسد في مستقبل سوريا، تعتبر أن الجانب الروسي قد أصبح «متمكنا» من الأوراق السياسية والدبلوماسية بعد أن تمكن من الأوراق العسكرية بفضل تدخله المكثف إلى جانب النظام منذ سبتمبر (أيلول) 2015 وأن التدخل المشار إليه «توج» في معركة حلب التي مكنت النظام من إعادة فرض سيطرته على المدينة الثانية. وتنحو باريس باللائمة على السياسة الأميركية «الضعيفة والمترددة»، وفق وصف مصدر دبلوماسي كبير، الأمر الذي مكن «قوى إقليمية» من أن تحل مكانها وتأخذ دورها في إشارة إلى تركيا. ولذا، فإن باريس تجد نفسها «مكبلة»: فلا هي قادرة على التأثير على مجرى المعارك ولا قادرة على إطلاق مبادرات سياسية ودبلوماسية مستقلة. ولذا، فإنها جهدت في الأشهر الماضية على لعب دور من خلال مجلس الأمن الدولي. لكن كافة مشاريع القرارات التي تقدمت بها واجهها الفيتو الروسي. ولعل ما يزيد من حراجة موقف باريس أن سياستها في سوريا لم تعد موضع إجماع الطبقة السياسية: ذلك أن مرشح اليمين الكلاسيكي فرنسوا فيون الذي لديه فرصة الوصول إلى قصر الإليزيه، يريد «التقارب» مع روسيا و«الحوار» مع إيران بشأن الملف السوري لا بل تقبل التوصل إلى اتفاق «مرحلي» مع النظام السوري. وما يقوله فيون تقوله مرشحة اليمين المتطرف وزعيمة الجبهة الوطنية مارين لوبن لا بل إنه قريب من موقف مرشح اليسار المتشدد جان لوك ميلونشون. ولذا، ليس من المؤكد أن سياسة فرنسا لما بعد الانتخابات الرئاسية في شهر مايو (أيار) القادم ستكون شبيهة بسياستها لما قبلها الأمر الذي من شأنه أن يضعف موقف الحكومة ودبلوماسيتها إذا كانت الهجمات تشن عليها صبحا ومساء.
كما في 2015 و2016، سيكون الإرهاب أحد أهم التحديات التي سيتعين على باريس مواجهتها، خصوصا أن مقتلة مدينة نيس التي حصلت ليلة 14 يوليو (تموز) الفائت ما زالت ماثلة في أذهان الفرنسيين بسبب حجم الخسائر البشرية والزلزال السياسي الذي أحدثته في الداخل. والمحزن فيها أن حالة الوحدة الوطنية التي تجلت بعد عمليات نوفمبر (تشرين الثاني) 2015 في ملهى الباتاكلان ومقاهي ومطاعم باريس تراجعت وحل مكانها الجدل حول «عجز» الحكومة والأجهزة الأمنية عن حماية المواطنين وقطع دابر الإرهاب. وفي هذا السياق، ورغم أن الحرب على الإرهاب هو من اختصاص أجهزة الأمن في الداخل والجيش والمخابرات العسكرية في الخارج، فإن للدبلوماسية دورا في توثيق التعاون داخل الاتحاد الأوروبي ومع الأطراف الخارجية خصوصا بعدما تبين وجود تداخل بين تيارات الهجرة إلى الاتحاد الأوروبي والعمليات الإرهابية. وكانت هذه الحقيقة قد برزت في خريف عام 2015 قي باريس كما ظهرت لاحقا في بروكسل والشهر الماضي في برلين.
يبقى التحدي الرابع (وليس الأخير) وعنوانه المحافظة على استقرار الجوار المتوسطي الذي تهدده الحرب في ليبيا بوجهيها الداخلي (الأهلي) والحرب على الإرهاب والاستقرار الضعيف في تونس واستمرار تدفق اللاجئين والمهاجرين غير الشرعيين من الشواطئ المتوسطية الجنوبية. وتعمل الدبلوماسية الفرنسية على تدعيم حكومة الوفاق الوطني في ليبيا وعلى مساندة الدولة التونسية سياسيا واقتصاديا على المستوى الثنائي ولكن أيضا عبر الاتحاد الأوروبي. لكن الشرق الأوسط والمتوسط ليست سوى غيض من فيض وجزء من تحديات الدبلوماسية الفرنسية التي عليها أن تتعامل مع إدارة أميركية جمهورية وافدة تريد عرقلة تنفيذ اتفاقية المناخ الموقعة في باريس نهاية عام 2015، ومع خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي ومع التهديدات الماثلة بوجه الاتحاد المذكور ومع عودة روسية القوية إلى المسرح الدولي عبر البوابة السورية.



أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.