نزاع «البوركيني» في فرنسا

قرار المنع أحدث انشقاقا داخل صفوف الحكومة بين مؤيد ومعارض ومتحفظ

فرنسية ترتدي لباس البحر (البوركيني) على شاطئ مدينة نيس الفرنسية في 26 أغسطس 2016 (غيتي)
فرنسية ترتدي لباس البحر (البوركيني) على شاطئ مدينة نيس الفرنسية في 26 أغسطس 2016 (غيتي)
TT

نزاع «البوركيني» في فرنسا

فرنسية ترتدي لباس البحر (البوركيني) على شاطئ مدينة نيس الفرنسية في 26 أغسطس 2016 (غيتي)
فرنسية ترتدي لباس البحر (البوركيني) على شاطئ مدينة نيس الفرنسية في 26 أغسطس 2016 (غيتي)

ككل صيف، تفرغ مدن الداخل الفرنسية من سكانها خلال شهري يوليو (تموز) وأغسطس (آب) وتمتلئ المدن الساحلية بروادها أكانت تلك المطلة على المتوسط جنوب البلاد أم التي تتنشق هواء المحيط الأطلسي غربًا وشمالاً.
لكن صيف العام المنصرم كان مختلفًا ليس بحرارته التي لم تشذ عن المعدل العام بل بأجوائه الاجتماعية والسياسية الساخنة. فأول الشهرين شهد في منتصفه مقتلة مدينة نيس اللازوردية التي حولت احتفالات العيد الوطني إلى مناحة كبرى حين حصدت يد الإرهاب العشرات وجرحت المئات. ومجددًا، اجتاح مصطلح «الإرهاب الإسلامي» مع ما يحمله من صور نمطية تنمو في أجواء مشابهة حول الفراق بين الإسلام والقيم الغربية من حرية وديمقراطية وحداثة الطبقة السياسية والوسائل الإعلامية، وعادت الأجواء لتصبح خانقة كما في خريف عام 2015 بعد ما عرفته باريس من أعمال إرهابية واسعة النطاق.
في ظل هذه الأجواء، برز مصطلح جديد في اللغة الفرنسية هو كلمة «البوركيني» التي هي حصيلة دمج اسمين: «البرقع» من جهة و«البيكيني» - وهو لباس السباحة النسائي الخفيف - من جهة أخرى. وسارع المعلقون إلى وصفه بـ«لباس البحر الإسلامي» للمرأة لأنه يغطي كامل جسمها من أخمص القدمين وحتى أعلى الرأس ولا يترك سوى وجهها مكشوفًا.

من أستراليا إلى فرنسا
والحقيقة أن «البوركيني» ليس اختراعًا فرنسيًا، بل جاء إلى نساء هذه البلاد من أستراليا، وصاحبته مهاجرة لبنانية اسمها عاهدة زيناتي تقصدت قبل 12 سنة أن توفر للمرأة المسلمة فرصة الاستفادة من البحر والمسابح، مع مراعاة بعض العادات ومنها عدم التعري الجزئي في الأماكن العامة.
أما الأمر الآخر، فهو أن «البوركيني» لم يقم بغزو الشواطئ الفرنسية دفعة واحدة. ذلك أن أول «ظهور» له في المسابح العامة يعود لعام 2009. وفي عام 2011 بدأ اللغط يدور حوله محليًا إلا أنه قوي في ألمانيا وبلجيكا في عامي 2014 و2015 لينفجر الجدل في فرنسا الصيف الفائت على نطاق واسع ولأشهر طويلة، بحيث أن المراقب أخذ يعتبر أن «البوركيني» تحول إلى أولوية الأولويات للمواطن الفرنسي وشغله الشاغل.
لا يذهبن أحد للاعتقاد أن نساء «البوركيني» احتللن مئات الشواطئ الفرنسية وطردن جميلات البحر لابسات «البيكيني». ذلك أن جل ما «خدش» أنظار المستحمين والمستجمين «بضع» عشرات من النساء اللواتي اخترن «البوركيني» كحل وسط للتمتع بمياه البحر وشطآنه وشمسه. لكن رغم ذلك، استثار «البوركيني» ردة فعل عنيفة لأنه جاء في الوقت «الخطأ» وفي ظل أجواء معادية لكل ما يرمز للتشدد الإسلامي. فاليمين المتطرف اعتبره «غزوًا» إسلاميًا يكمل ما بدأ سابقًا مع الحجاب والنقاب والبرقع. وآخرون رأوا فيه رفضًا للقيم الفرنسية وأسلوب العيش. ومنهم من ذهب إلى اعتباره إذلالاً للمرأة التي عليها أن تلبس «البوركيني» لإخفاء جسدها، بينما الرجل يصول ويجول على الشاطئ من غير رقيب أو حسيب.

قرارات بلدية
إزاء هذه الظاهرة «الدخيلة»، كانت ردة الفعل الفرنسية بداية مع انطلاق قرارات إدارية من رؤساء مجموعة صغيرة من بلديات الشاطئ المتوسطي الفرنسي أولها بلدية منتجع فيلنوف لوبيه المتوسطية. وفي نص القرار البلدية المذكورة جاء أنه يمنع كل لباس «يدل على انتماء ديني مغالى فيه» من غير ذكر «البوركيني». لكن الغرض المقصود كان واضحًا. بالمقابل، بررت بلديات أخرى بأسباب «صحية» أو أمنية يفرضها تكاثر العمليات الإرهابية التي ضربت فرنسا. وفي أي حال، فإن المزاج الفرنسي العام جاء رافضًا لتكاثر ظاهرة «البوركيني» التي رأى فيها افتئاتًا على عادات المجتمع الفرنسي. وتطور الجدل بعدما دخل السياسيون ومنهم على سبيل المثال رئيس الجمهورية السابق نيكولا ساركوزي على الخط عبر تأييدهم لقرارات البلديات. ولم يقتصر ذلك على اليمين، بل إن رئيس الحكومة اليساري الاشتراكي عبر عن تأييده لهذه القرارات، مما أحدث انشقاقا داخل صفوف الحكومة بين مؤيد ومعارض ومتحفظ. وكانت النتيجة أن عددًا من البلديات تخلى عن تردده وعمد إلى اقتفاء أثر «السباقين» مانعًا بدوره ارتداء «البوركيني» على شواطئه ومنها بلديات لمدن شهيرة مثل مدينة «كان» التي تستضيف سنويا في شهر مايو (أيار) مهرجان السينما الدولي ومدينة «نيس» لؤلؤة الشاطئ اللازوردي وتضاف إليها عشرات المدن المتوسطية وأخرى واقعة على الشاطئ الأطلسي.
كان مقدرًا لقرارات المنع أن تتوسع ككرة الثلج المتدحرجة وأن تتسبب بحرب «البوركيني» و«البكيني»، خصوصا بعد أن أخذت الشرطة البلدية في تطبيق قرارات المنع عبر الطلب من السيدات اللائي يرتدين «البوركيني»، إما خلعه أو مغادرة الشاطئ. لكن ما أثار سخط جمهور واسع في فرنسا وخارجها منظر أربعة من رجال الشرطة يحيطون بسيدة مستلقية على الشاطئ بلباس «البوركيني» كأنها ارتكبت جرمًا كبيرًا أو أنها إرهابية خطيرة وهم يحررون بحقها محضر مخالفة. ولقد كان لهذه الحادثة التي استفزت مشاعر كثيرين في فرنسا وخارجها، على الأرجح، تأثير كبير على محكمة «مجلس الدولة» التي استجابت لدعوة تقدمت بها جمعيات مناهضة للتمييز العنصري ومدافعة عن الإسلام والمسلمين وحقوق الإنسان. وقد عمدت المحكمة إلى إلغاء قرار المنع الصادر عن بلدية فيلنوف لوبيه، مما اعتبر سابقة قانونية يحتذى بها في أماكن أخرى. واستغلت الجمعيات المشار إليها حكم مجلس الدولة لتقديم دعاوى ضد بلديات أخرى. وشيئًا فشيئًا، خمد الجدل ومع انتهاء الفرصة الصيفية تلاشى نهائيًا.
ما كانت حرب «البوركيني» لتندلع لولا وجود عاملين: الأول، الإرهاب، والثاني اقتراب الاستحقاقات الانتخابية الرئاسية والتشريعية وسعي كثير من السياسيين إلى استغلال الشعور المتزايد المعادي للمسلمين في الدعاية السياسية واجتذاب الناخبين. وإن هدأت هذه الحرب اليوم فلا شيء يضمن عدم اشتعالها مجددًا الصيف القادم.



أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
TT

محكمة إستونية تصدر حكماً بسجن إسرائيلي بتهمة التجسس لروسيا

أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)
أدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (رويترز)

قضت محكمة في إستونيا، الخميس، بسجن مواطن إسرائيلي ست سنوات ونصف السنة بتهمة التجسس لصالح روسيا.

وأدانت المحكمة الرجل البالغ من العمر 50 عاماً بتهمة جمع معلومات وتسليمها لجهاز الاستخبارات الداخلية الروسي (إف إس بي).

ووفقاً للمحكمة، فإن الرجل شارك في أنشطة قوّضت أمن إستونيا منذ عام 2016 وحتى اعتقاله العام الماضي، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقال المدعون إن الرجل زود جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي بمعلومات عن وكالات إنفاذ القانون والأمن، وكذلك المنشآت الوطنية للدفاع، عبر قنوات اتصال إلكترونية وأثناء لقاءات شخصية مع عملاء الجهاز في روسيا.

كما تردد أيضاً أنه قد قدم معلومات عن أفراد يمكن تجنيدهم للتعاون السري بما يخدم مصالح روسيا.

ويتردد أن المتهم شارك في أعمال تخريب وساعد جهاز الاستخبارات الداخلية الروسي في ترتيب محاولة هروب إلى روسيا لشخص كان محتجزاً في إستونيا ومطلوباً من جانب مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي (إف بي آي). ولا يزال بالإمكان استئناف الحكم.


بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
TT

بيل غيتس ينسحب من قمة للذكاء الاصطناعي بالهند وسط تدقيق في قضية إبستين

الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)
الملياردير الأميركي بيل غيتس (رويترز)

انسحب الملياردير الأميركي بيل غيتس من قمة «تأثير الذكاء الاصطناعي» في الهند، قبل ساعات من ​إلقاء كلمته فيها، اليوم الخميس، وسط زيادة التدقيق في علاقاته مع رجل الأعمال الراحل المُدان بارتكاب جرائم جنسية جيفري إبستين، بعد أن نشرت وزارة العدل الأميركية رسائل بريد إلكتروني.

وفقاً لـ«رويترز»، كان الانسحاب المفاجئ للمؤسس المشارك لشركة مايكروسوفت ‌بمثابة ضربة جديدة لفعالية ‌مهمة شابها، بالفعل، ​قصور ‌تنظيمي ⁠وخلافٌ ​بشأن الروبوتات وشكاوى ⁠من فوضى مرورية.

واستقطبت القمة، التي استمرت ستة أيام، تعهدات استثمارية تجاوزت 200 مليار دولار في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بالهند، منها خطة بقيمة 110 مليارات دولار أعلنت عنها شركة «ريلاينس إندستريز»، ⁠اليوم. كما وقّعت مجموعة تاتا ‌الهندية اتفاقية ‌شراكة مع «أوبن إيه آي».

يأتي ​انسحاب غيتس عقب ‌نشر وزارة العدل الأميركية، الشهر الماضي، رسائل ‌بريد إلكتروني تضمنت مراسلات بين إبستين وموظفين من مؤسسة غيتس.

وقالت المؤسسة إن غيتس انسحب من إلقاء كلمته؛ «لضمان بقاء التركيز منصبّاً ‌على الأولويات الرئيسية لقمة الذكاء الاصطناعي». وكانت المؤسسة قد نفت، قبل أيام ⁠قليلة، ⁠شائعات غيابه وأكدت حضوره.

وتحدّث أنكور فورا، رئيس مكاتب المؤسسة في أفريقيا والهند، بدلاً من جيتس.

ولم يردَّ ممثل المنظمة الخيرية، التي أسسها غيتس في 2000 مع زوجته في تلك الفترة، على طلب «رويترز» للتعقيب بشأن ما إذا كان الانسحاب مرتبطاً بالتدقيق في ملفات إبستين.

وقال غيتس إن علاقته مع إبستين اقتصرت ​على مناقشات ​متعلقة بالأعمال الخيرية، وإنه أخطأ عندما التقى به.