انتخابات 2016 تكرّس الاستثناء المغربي

استقرار سياسي وأمني في منطقة تعجّ بالأزمات

رئيس الوزراء المغربي ابن كيران أثناء مؤتمر صحافي بعد إعلان نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة بالمغرب في أكتوبر الماضي (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء المغربي ابن كيران أثناء مؤتمر صحافي بعد إعلان نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة بالمغرب في أكتوبر الماضي (أ.ف.ب)
TT

انتخابات 2016 تكرّس الاستثناء المغربي

رئيس الوزراء المغربي ابن كيران أثناء مؤتمر صحافي بعد إعلان نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة بالمغرب في أكتوبر الماضي (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء المغربي ابن كيران أثناء مؤتمر صحافي بعد إعلان نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة بالمغرب في أكتوبر الماضي (أ.ف.ب)

لطالما وصفت تجربة الإصلاح السياسي في المغرب بعد «الربيع العربي» بأنها استثنائية في المنطقة، ذلك أنها سمحت بوصول أول حزب إسلامي للسلطة، والأهم من ذلك هو تمكن هذا الحزب من إكمال ولايته على رأس الحكومة (ومدتها خمس سنوات) فيما آلت الأوضاع في بلدان أخرى إلى فشل سياسي واندلاع حروب تسببت وما زالت في مآسٍ إنسانية.
كرس المغرب هذا الاستثناء عام 2016 باستقراره السياسي والأمني، ونظم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي ثاني انتخابات برلمانية بعد إقرار دستور 2011 حظيت باهتمام إقليمي ودولي، ومرت في أجواء عادية وسلسة رغم حالة الاحتقان السياسي غير المسبوق الذي ساد قبل الانتخابات، وجدد الناخبون المغاربة ثقتهم في حزب العدالة والإسلامية ذي المرجعية الإسلامية فتصدر نتائج الاقتراع.
لم تكن نتائج الانتخابات البرلمانية في المغرب مفاجئة، إذ توقع محللون سياسيون تصدر «العدالة والتنمية» النتائج متبوعًا بحزب «الأصالة والمعاصرة» المعارض يليهما حزب الاستقلال، وذلك استنادًا إلى نتائج الانتخابات البرلمانية لعام 2011، وكذلك الانتخابات البلدية والجهوية التي جرت في سبتمبر (أيلول) 2015 التي حصل فيها «العدالة والتنمية» على مليون و600 ألف صوت، في حين حصل «الأصالة والمعاصرة» على مليون صوت فقط، وأقل من مليون لحزب الاستقلال، مما يعني أن نتائج الانتخابات التشريعية حسمتها من قبل الانتخابات البلدية.
وللمرة الأولى في تاريخ الانتخابات البرلمانية التي عرفها المغرب انحصر التنافس الانتخابي فيها بين الغريمين والخصمين اللدودين أي حزب «العدالة والتنمية» وحزب «الأصالة والمعاصرة» المعارض، الذي يتهم بأنه مدعوم من السلطة، وأنه يسعى للتحكم في المشهد السياسي في البلاد وعرقلة فوز «العدالة والتنمية» في الانتخابات ليتمكن من الوصول إلى رئاسة الحكومة.
ولقد رفع «الأصالة والمعاصرة» خلال حملته الانتخابية شعار «التغيير الآن» وساد تفاؤل كبير بين مؤيديه بأنه هو الفائز حتمًا وتعهد أمينه العام إلياس العماري بأن حزبه سيصبح «القوة السياسية الأولى في البلاد»، بيد أن إخفاقه في ذلك أحدث رجّة داخل الحزب وارتباكا واضحا، فتراجع حضوره السياسي بشكل واضح، لا سيما أن أمينه العام كان قد أعلن صراحة أنه جاء لمحاربة «الإسلاميين».
وفي المقابل أظهرت الحملة الانتخابية التي استمرت على مدى 13 يوما قلة تأثر شعبية حزب «العدالة والتنمية» رغم وجوده في الحكومة لمدة خمس سنوات، إذ استطاع عبد الإله ابن كيران، الأمين العام للحزب ورئيس الحكومة، استقطاب الآلاف من المؤيدين خلال المهرجانات الخطابية التي عقدها في مختلف المدن المغربية في استعراض للقوة ضد خصومه ومعارضيه.
وفي نهاية المطاف فاز «العدالة والتنمية» بـ125 مقعدًا، متبوعا بحزب «الأصالة والمعاصرة» بـ120 مقعدا، ثم حزب الاستقلال بـ46 مقعدا. وباستثناء حزبي الصدارة تراجعت مختلف الأحزاب في الانتخابات وفقدت كثيرًا من مقاعدها، مما دفع ابن كيران إلى القول إن «نتائج الانتخابات أحدثت ما يشبه زلزالا سياسيا كانت له تداعيات كثيرة».

مسيرة مجهولة ضد «العدالة والتنمية»
وكان لخروج مسيرة احتجاج ضد حزب «العدالة والتنمية» في مدينة الدار البيضاء أيامًا قليلة من بدء الحملة الانتخابية، التي حملت شعار «لا أسلمة وأخونة الدولة» أحد أبرز الأحداث السياسية الفارقة، نظرا لتوقيت خروج تلك المسيرة، التي لم تعلن أي جهة حزبية أو نقابية أو حقوقية عن تبنيها، في ظل اتهامات مبطنة وجهها «العدالة والتنمية» لوزارة الداخلية بالوقوف وراءها. وأثارت تلك المظاهرة استهجانا كبيرًا، ولاقت سخرية على نطاق واسع، لا سيما بعد نشر فيديوهات يقرّ فيها بعض المشاركين فيها من مختلف المدن بأنه جرى التغرير بهم. إذ قال هؤلاء إن منظمي المسيرة أوهموهم بأن الاحتجاج سيكون ضد الإرهاب، وأن الغاية التضامن مع فتاة تعرضت للاغتصاب، لكنهم فوجئوا بشعارات تطالب برحيل ابن كيران من دون أي مناسبة.
ومن هنا تساءل محللون سياسيون عن الجهة التي تسعى إلى إحداث شرخ في المجتمع المغربي من خلال تأليب فئة من المواطنين البسطاء ضد فئة أخرى، ودفعها لرفع شعارات وصفت بالغريبة عن السجال السياسي والمجتمعي بالمغرب، في محاولة لاستيراد تجارب بلدان عربية في محاربة ما يصطلح عليه بـ«الإسلام السياسي».
هذا، وتسبب الترخيص لتلك المسيرة المجهولة في الكشف عن صراع آخر لم يكن ظاهرا بين وزارتين تشرفان على سير الانتخابات هما وزارتا الداخلية والعدل. ولقد فاجأ مصطفى الرميد، وزير العدل والحريات المنتمي لحزب العدالة والتنمية، الرأي العام بإعلانه عبر صفحته على موقع «فيسبوك» أنه لا يستشار في التحضير للانتخابات التشريعية، أسوة بما كان عليه الحال في الانتخابات البلدية والجهوية التي أجريت في الرابع من سبتمبر 2015 وأنه «على بعد ثلاثة أسابيع من انتخابات 7 أكتوبر تقع عجائب وغرائب»، معلنا أنه ليس مسؤولا عن «أي رداءة أو نكوص أو تجاوز أو انحراف». وعلى الأثر رد محمد حصاد، وزير الداخلية، عليه عبر موقع إلكتروني معتبرًا أن «سوء فهم حدث بينه وبين الرميد بسبب عدم استشارته في الترخيص لتلك المسيرة، ودعا الرميد لاستعمال سلطته «من خلال وكلاء النيابة العامّة، ضد أي (اختلال لا يود تحمل مسؤوليته)».
ولم يكن الترخيص لمظاهرة «مجهولة» و«مصطنعة» ضد ابن كيران أياما قبل الاقتراع الخلاف الوحيد بين الرميد وحصاد، ذلك أن وزارة الداخلية منعت قبل ذلك الشيخ السّلَفي حماد القباج من الترشح باسم «العدالة والتنمية» في مراكش، فضلاً عن بيانات أصدرتها وزارة الداخلية موجهة ضد الحزب. وتميزت الانتخابات التشريعية للمرة الأولى باستقطاب الأحزاب السياسية لأسماء محسوبة على التيار السلفي، منهم القباج، كما جرت الإشارة من قبل، وهو ما أثار جدلاً كبيرًا دفع وزارة الداخلية إلى رفض ترشحه بدعوى «مناهضته الديمقراطية، وإشاعة أفكار متطرفة تحرض على التمييز والكراهية»، بيد أنه نفى ذلك. وبدوره، رشح حزب الاستقلال المعارض كلاً من الشيخ عبد الوهاب رفيقي، الملقب بـ«أبي حفص» الذي كان قد أدين بقضايا تتعلق بالإرهاب، والمعتقل السّلَفي السابق هشام التمسماني لخوض غمار الانتخابات، إلا أن كليهما فشل في الفوز بمقعد في البرلمان.

بيان الديوان الملكي
وفي غمار التحضير للانتخابات والتجاذبات السياسية التي رافقتها أصدر الديوان الملكي في 13 سبتمبر الماضي بيانا غير مسبوق وجه فيه انتقادات حادة لنبيل بن عبد الله، وزير السكنى وسياسة المدينة والأمين العام لحزب «التقدم والاشتراكية» (اليساري)، الحليف الرئيسي لحزب «العدالة والتنمية»، وذلك على خلفية تصريحات وصفها القصر بالخطيرة تتعلق بفؤاد عالي الهمة، مستشار العاهل المغربي ومؤسس حزب «الأصالة والمعاصرة» المعارض. ووصف البيان تلك التصريحات بأنها ليست «سوى وسيلة للتضليل السياسي في فترة انتخابية». وكان بن عبد الله قد قال في حوار صحافي إن مشكلة حزبه ليست مع «الأصالة والمعاصرة» بل مع من أسسه، وهو مَن يجسّد التحكّم. وردّ الحزب بعد ذلك بأن تصريحات أمينه العام تدخل في سياق تنافس انتخابي، وأنه لم يكن ينوي إقحام المؤسسة الملكية في نزاعات حزبية. ولكن في أي حال، كان لهذا البيان أثر كبير في توجيه الخطاب السياسي، حيث غاب مصطلح «التحكّم» عن قاموس عدد كبير من السياسيين، وعلى رأسهم ابن كيران، «عرّاب» هذه الكلمة السحرية، التي ظل يشهرها في وجه خصومه ومعارضيه.

تحديات تشكيل الحكومة
ولكن، ابن كيران لم يفرح كثيرًا بنشوة الفوز في الانتخابات، وتعيين الملك محمد السادس له رئيسًا للحكومة في 10 أكتوبر الماضي. إذ وجد عاجزًا عن تأمين أغلبية متجانسة لقيادة التحالف الحكومي المقبل. وبعد مشاورات بدت في البداية يسيرة وسادها الكثير من التفاؤل، دخلت مشاورات الحكومة مرحلة الجمود والعرقلة. ويذكر أنه قبل الانتخابات كان «العدالة والتنمية» (125 مقعدًا) و«التقدم والاشتراكية» (12 مقعدًا) قد اتفقا أن يظلا معا سواء أكانا في الحكومة أو انتقلا إلى المعارضة. وبالفعل، تشبث ابن كيران بحليفه ابن عبد الله وضمه إلى تحالفه، وسرعان ما التحق بهما حزب الاستقلال المعارض الذي طوى صفحة الخلاف بينه وبين ابن كيران. إلا أن انضمام «الاستقلال» إلى التحالف سيصبح عقبة في استكمال المشاورات مع باقي الأحزاب، بعدما اشترط عزيز أخنوش، الرئيس الجديد لحزب «التجمع الوطني للأحرار» - المقرّب من القصر - إبعاد حزب الاستقلال عن الحكومة المقبلة كي يقبل الانضمام إليها.
وبذلك دخلت مشاورات تشكيل الحكومة مرحلة من التصعيد بين الأحزاب السياسية، وشن حزب الاستقلال هجوما كبيرا على الجهات التي اتهمها بـ«الانقلاب على الدستور»، وقال إن «الأحزاب الوطنية الديمقراطية والشعب المغربي لن يستسلموا لقوى الردة والانقلاب على الدستور، أو القبول بسرقة إرادته التي عبر عنها في انتخابات السابع من أكتوبر».
ومن جهته، دافع ابن كيران عن وجود حزب الاستقلال في الحكومة المقبلة، وعزا تشبثه به والتغاضي عن الخصومة السابقة معه إلى «موقف البطولة والرجولة» الذي اتخذه أمينه العام حميد، عندما رفض المذكرة التي كانت أحزاب المعارضة «الأصالة والمعاصرة» و«الاتحاد الدستوري» و«الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية» إلى جانب «التجمع الوطني للأحرار»، تعتزم توجيها إلى الملك لتعلن فيها عن رفضها التحالف مع «العدالة والتنمية» إبان ظهور نتائج الانتخابات، وذلك بغرض إسقاط ابن كيران والانقلاب على نتائج الانتخابات. ومن ثم انتخاب رئيس للبرلمان من خارج الأغلبية. وكان من المخطط له أن يتولى المنصب أحد قياديي حزب «الاتحاد الاشتراكي»، وذلك قبل أن تنكشف المناورة التي اتهم حزب «الأصالة والمعاصرة» بالوقوف وراءها. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل ظهرت اجتهادات تدعو لتعيين أمين عام الحزب الذي حصل على المرتبة الثانية في الانتخابات رئيسًا للحكومة، ما دام فشل ابن كيران في تشكيل غالبيته الحكومية، وإن لم ينص الدستور على ذلك. وهو ما عارضه حزب «العدالة والتنمية» بشدة مدعومًا من حزبي «الاستقلال» و«التقدم والاشتراكية».

ابن كيران يتفادى إقحام القصر في خلافات حزبية
بعد أكثر من شهرين على ظهور نتائج الانتخابات، لم تغير كل الأطراف السياسية مواقفها، ليعلن بعدها ابن كيران أنه لا يحبذ اللجوء إلى الملك من أجل حل خلافات تشكيل الحكومة «فالملك حكم بين المؤسسات وليس الأحزاب، ولن أقحم الملك في أمر بين الأحزاب السياسية، التي يجب أن تتحمل مسؤوليتها».
إلا أن الملك محمد السادس لم يكن بعيدا عن مخاض تشكيل الحكومة. والخلافات التي ظهرت بين الأحزاب فقد وجه بعد شهر من الانتخابات انتقادات صريحة إلى الحلفاء المرشحين لتسيير الحكومة المقبلة، وذلك في خطاب ألقاه بمناسبة الذكرى الـ41 لـ«المسيرة الخضراء»، وقال فيه إن «المغرب يحتاج لحكومة جادة ومسؤولة، وإن الحكومة المقبلة لا ينبغي أن تكون مسألة حسابية تتعلق بإرضاء رغبات أحزاب سياسية، وتكوين أغلبية عددية، وكأن الأمر يتعلق بتقسيم غنيمة انتخابية». وشدد على أنه لن يتسامح مع الخروج عن معايير الكفاءة ووضع أولويات محددة وبرامج مضبوطة عند تشكيل الحكومة المقبلة. ومن ثم توقع كثيرون أن يشكل خطاب الملك دفعة من أجل تسريع المفاوضات والإعلان عن الحكومة، تجنبًا للفراغ السياسي وتعطيل المؤسسات إلا أن ذلك لم يحصل لتستمر حالة الانتظار.

بداية الانفراج: كل الاحتمالات واردة
وأمام تأخّر تشكيل الحكومة أبلغ مستشاران للعاهل المغربي، السبت الماضي، رئيس الحكومة المعيّن حرص الملك محمد السادس على «أن يتم تشكيل الحكومة الجديدة في أقرب الآجال». وذكر بيان للديوان الملكي أن المستشارين الملكيين عبد اللطيف المنوني وعمر القباج أبلغا ابن كيران بانتظارات العاهل المغربي وكل المغاربة بشأن تشكيل الحكومة الجديدة. ولكن كان لافتًا أن المستشار الملكي البارز فؤاد عالي الهمة لم يكن ضمن المبعوثين الملكيين إلى ابن كيران.
ويرى المراقبون أن الطريقة التي اختارها العاهل المغربي لإبلاغ رئيس الحكومة المعين بانتظاراته وانتظارات المغاربة بخصوص تشكيل الحكومة تكتسي أكثر من مغزى. فقد كلف العاهل المغربي بهذه المهمة مستشاره عبد اللطيف المانوني، الذي تولى رئاسة اللجنة التي أشرفت على إعداد وصياغة دستور 2011، ورافقه فيها المستشار عمر القباج، المعروف عنه أنه يتدخل فقط في القضايا الاقتصادية. إضافة إلى ذلك، اختار الملك بعث رسالة عبر مستشاريه بدل استقبال ابن كيران، أو الاتصال به مباشرة، ليسأله عن تطورات مشاورات تشكيل الحكومة.
إلا أن المبادرة الملكية حرّكت مياه بركة مشاورات الحكومة الراكدة. واستقبل ابن كيران أخنوش مساء الاثنين الماضي في محاولة جديدة لإخراج المشاورات من عنق الزجاجة. لكن حتى تاريخ كتابة هذه السطور كانت أن عقدة «الاستقلال» قائمة.
وزاد في تعقيد الأمور التصريحات التي أدلى بها أخيرا أمين عام «الاستقلال» بشأن حدود موريتانيا، وهو ما أقام الدنيا وأقعدها عليه سواء في نواكشوط (بيان الحزب الحاكم) والرباط (بيان وزارة الخارجية)، وإدلاء اخنوش عقب خروجه من لقاء ابن كيران بأنه يصعب على حزبه المشاركة في حكومة فيها حزب «الاستقلال» لا يتوانى أمينه العام عن الإدلاء بتصريحات لا تخدم الدبلوماسية المغربية. ومما زاد الطين بلة أن ابن كيران أعلن الأربعاء في تصريحات أدلى بها بموريتانيا أن تصريحات غير مسؤولة ولا تتماشى مع الدبلوماسية المغربية. وزاد قائلا إنها لا تعبر إلا عن رأيه الشخصي، ولا تعبر عن رأي الملك أو الحكومة أو الشعب المغربي، الأمر الذي وضع مشاركة «الاستقلال» في الحكومة المنتظرة في مهب الريح.



«الوازعية» مفتاح تأمين الساحل الغربي في عملية «فجر اليمن»

آلية عسكرية تابعة لقوات «ألوية العمالقة» في مديرية ذوباب (إعلام عسكري)
آلية عسكرية تابعة لقوات «ألوية العمالقة» في مديرية ذوباب (إعلام عسكري)
TT

«الوازعية» مفتاح تأمين الساحل الغربي في عملية «فجر اليمن»

آلية عسكرية تابعة لقوات «ألوية العمالقة» في مديرية ذوباب (إعلام عسكري)
آلية عسكرية تابعة لقوات «ألوية العمالقة» في مديرية ذوباب (إعلام عسكري)

دخلت عملية «فجر اليمن» يومها الثالث مع تركيز القوات الحكومية اليمنية على تثبيت مكاسبها في الساحل الغربي وتأمين طرق التقدم والامتداد نحو باب المندب والمخا، بالتوازي مع استمرار العمليات في عدد من الجبهات، في وقت تكبّدت فيه الجماعة الحوثية خلال الأيام الثلاثة الأولى خسائر تُقدّر بمئات القتلى والجرحى وعشرات الأسرى، خصوصاً في جبهة باب المندب، جرّاء الضربات الجوية والمواجهات البرية المباشرة.

وبينما لا يزال التقدم الحكومي متركزاً في مديرية ذوباب ومطارها ومحيطها على الساحل الغربي، برزت مديرية الوازعية، غرب تعز، باعتبارها الجبهة الأكثر ارتباطاً بأمن هذا التقدم، إذ تخوض «ألوية العمالقة» وقوات «درع الوطن» معاركها هناك للسيطرة على المرتفعات والتلال المشرفة على طرق الحركة وخطوط الإمداد.

وتأتي هذه العمليات ضمن عملية «فجر اليمن»، التي أطلقتها القوات الحكومية، الاثنين الماضي، لاستعادة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين وإنهاء الانقلاب واستعادة مؤسسات الدولة، بمساندة «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية.

أطلقت قوات «درع الوطن» اليمنية عملية لتحرير مديرية الوازعية غرب تعز (إعلام عسكري)

وأعلنت قوات «درع الوطن» إطلاق عملية عسكرية واسعة لتحرير الوازعية، وقالت إنها حققت تقدماً وسيطرت على تلال استراتيجية مطلة على منطقة المنصورة، بالتزامن مع ضربة نفذتها طائرة مسيّرة تابعة لها واستهدفت موقعاً حوثياً في الجبهة، وأسفرت، وفق القوات الحكومية، عن مقتل عدد من عناصر الجماعة.

كما قالت القوات إن مدفعيتها استهدفت مواقع وتحصينات حوثية في معسكر اللبنات الاستراتيجي بمحافظة الجوف شرقاً، ضمن العمليات المتزامنة التي تنفذها في إطار «فجر اليمن».

وتكتسب الوازعية أهمية خاصة في حسابات المعركة، ليس فقط باعتبارها هدفاً عسكرياً قائماً بذاته، وإنما لكونها منطقة جبلية مرتفعة تتحكم في طرق الحركة بين الداخل والساحل.

وحسب محللين عسكريين، فإن التقدم مباشرة نحو المخا وترك المرتفعات الحوثية في الوازعية خلف القوات المتقدمة كان سيتيح للجماعة شن هجمات مباغتة من الجبال، وقطع طرق الإمداد أو تهديد القوات من الخلف، بما يحوّل التقدم الساحلي إلى عبء عسكري بدلاً من أن يكون مكسباً قابلاً للتثبيت.

ولهذا تبدو السيطرة على الوازعية، بالنسبة إلى القوات الحكومية، جزءاً من معركة تأمين الساحل قبل توسيع نطاق التقدم فيه؛ إذ إن إغلاق المرتفعات والسيطرة على التلال المشرفة على الطرق الخلفية يحدّ من قدرة الحوثيين على المناورة والنزول باتجاه الساحل، ويؤمّن خطوط الإمداد للقوات المتقدمة.

جبهات تحت الضغط

في قطاع مديرية ذوباب، ظل التقدم الحكومي متركزاً في المدينة ومطارها ومحيطهما، من دون إعلان جديد عن انتقال ثابت لمواقع السيطرة خلال الساعات الأخيرة.

وقالت «قوات العمالقة الجنوبية» إنها كسرت هجوماً حوثياً على مواقعها في قطاع المطار، وأجبرت المهاجمين على التراجع بعد تكبيدهم خسائر في الأرواح والعتاد.

وتتصل أهمية ذوباب بالسيطرة على المدخل الجنوبي للساحل الغربي، وبموقعها القريب من «باب المندب»، ما يجعل تثبيت القوات الحكومية لمواقعها فيها خطوة أساسية قبل أي توسع باتجاه المخا.

قوات من «ألوية العمالقة» في أثناء هجومها على الحوثيين بالقرب من باب المندب (إ.ب.أ)

وفي تعز، أعلنت القوات الحكومية كسر هجمات حوثية على جبهة الصلو في الجنوب الشرقي، فيما ظلت مناطق قدس وبني يوسف مناطق قتال. كما أعلنت «درع الوطن» كذلك إحكام سيطرتها على أعلى قمة في جبل حبشي بالجبهة الغربية لمدينة تعز، في تطور يضيف إلى شبكة المواقع المرتفعة التي تسعى القوات الحكومية إلى تأمينها ضمن عملياتها في تعز.

وقال الناطق باسم القوات المسلحة، العقيد الركن ماجد النزيلي، إن القوات تواصل استهداف تحركات الحوثيين وخطوط إمدادهم ومواقعهم العسكرية ضمن عملية «فجر اليمن»، مؤكداً أن معركة استعادة الدولة مستمرة.

وأضاف النزيلي أن رسالة رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي تقوم على توفير الأمان للمواطنين، وإتاحة العفو والعودة الآمنة لمن يترك السلاح ويتوقف عن القتال، قائلاً إن الفرصة لا تزال قائمة أمام من يختار وطنه «قبل فوات الأوان».

وفي السياق ذاته، أشاد وزير الدفاع اليمني الفريق الركن الدكتور طاهر العقيلي بما وصفها بالانتصارات التي تحققها القوات المسلحة والتشكيلات العسكرية والمقاومة الشعبية في أكثر من جبهة، وشدد على تعزيز التنسيق والتكامل بين مختلف التشكيلات.

واستمع العقيلي إلى تقييم للموقف الميداني والمهام المنفذة على امتداد خطوط المواجهة، ووجّه بمواصلة العمليات وفق الخطط المعتمدة، ورفع مستوى الجاهزية والتنسيق والمتابعة الميدانية.

خسائر الحوثيين

حسب المعطيات الميدانية التي أعلنتها القوات الحكومية خلال الأيام الثلاثة الأولى، فإن خسائر الحوثيين تُقدّر بمئات القتلى والجرحى وعشرات الأسرى، في حصيلة نتجت عن الضربات الجوية والمواجهات البرية المباشرة.

وتتركز الخسائر الأشد، وفق هذه المعطيات، في جبهة باب المندب، حيث واجهت القوات الحكومية الحوثيين في اشتباكات مباشرة بالتزامن مع الضربات الجوية التي استهدفت مواقع وتحركات وآليات الجماعة.

قوات «ألوية العمالقة» وقوات «درع الوطن» تقود عملية «فجر اليمن» في الساحل الغربي (إ.ب.أ)

وتعكس هذه الخسائر طبيعة المرحلة الجديدة من العمليات؛ فالقوات الحكومية اليمنية لا تكتفي، وفق ما تعلنه، بصد الهجمات الحوثية، وإنما تعمل على ضرب خطوط الإمداد والمواقع العسكرية، ودفع الجماعة إلى التراجع عن مواقعها الأمامية، بالتزامن مع محاولة تأمين المرتفعات والطرق التي تحمي التقدم الساحلي.

وتؤكد القوات الحكومية أن «فجر اليمن» مستمرة على أكثر من محور، بدعم من «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية، وأن هدفها المعلن يتجاوز استعادة موقع أو مديرية إلى استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء سيطرة الحوثيين.


نزوح متسارع في اليمن والاستجابة الإنسانية تتراجع

مشردة يمنية بسبب هجمات الحوثيين تنتظر الحصول على المساعدة شمال عدن (أ.ب)
مشردة يمنية بسبب هجمات الحوثيين تنتظر الحصول على المساعدة شمال عدن (أ.ب)
TT

نزوح متسارع في اليمن والاستجابة الإنسانية تتراجع

مشردة يمنية بسبب هجمات الحوثيين تنتظر الحصول على المساعدة شمال عدن (أ.ب)
مشردة يمنية بسبب هجمات الحوثيين تنتظر الحصول على المساعدة شمال عدن (أ.ب)

أظهرت بيانات أممية حديثة أن النساء والأطفال يشكلون 75 في المائة من النازحين الجدد في اليمن، في مؤشر على اتساع الكلفة الإنسانية للتصعيد العسكري الحوثي، بينما لا تزال المساعدات تواجه قيوداً شديدة تحول دون الوصول إلى أعداد كبيرة من المتضررين.

وبحسب البيانات، بلغ متوسط حجم الأسرة بين النازحين الجدد 3.8 فرد، مقارنة بنحو ستة أفراد بين الأسر النازحة في البلاد، وهو ما يشير إلى أن عدداً من أفراد الأسر اضطروا إلى مغادرة مناطقهم بصورة منفردة أو في مجموعات أصغر.

ويأتي ذلك في وقت تجاوز فيه عدد النازحين منذ الأول من أغسطس (آب) 200 ألف شخص، فيما وصل 3986 شخصاً إلى شرق أفريقيا، بينهم 3799 لاجئاً في أوبوك بجيبوتي، و187 لاجئاً صومالياً عادوا طوعاً من اليمن إلى بلادهم عبر برنامج العودة الطوعية بمساعدة المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.

أسر يمنية شردها الحوثيون تعيش في العراء (إعلام محلي)

وحذرت الأمم المتحدة من اشتداد الأعمال القتالية خلال الأيام الأخيرة، رغم تسجيل تراجع في أعداد النازحين الجدد خلال الأسبوع الماضي.

ووفق البيانات، نزحت 2031 أسرة خلال الأسبوع الأخير، بانخفاض نسبته 39 في المائة مقارنة بالأسبوع السابق. واستقبلت تعز 54 في المائة من هؤلاء النازحين، تلتها لحج بنسبة 24 في المائة، ثم عدن بنسبة 10 في المائة.

ولا تشمل هذه الأرقام محافظة الحديدة الخاضعة لسيطرة الحوثيين، بعدما تعذر الرصد فيها منذ 9 سبتمبر (أيلول) بسبب القيود المفروضة على الوصول.

ويواجه أكثر من 65 ألف لاجئ وطالب لجوء في اليمن تراجعاً في إمكانية الوصول إلى خدمات تعاني أصلاً من ضغوط كبيرة. ولم تتمكن المفوضية من الوصول إلى مخيم خراز للاجئين منذ 10 سبتمبر الماضي، بينما لا تزال أنشطة التسجيل والتوثيق معلقة في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين.

فجوة الاستجابة

وقالت الأمم المتحدة إن وصول المساعدات الإنسانية لا يزال مقيداً بشدة بسبب انعدام الأمن، وتضرر البنية التحتية، وانقطاع الاتصالات، وقيود الحركة.

ويؤثر استمرار إغلاق الطرق الرئيسية، وبينها الطريق الرابط بين عدن وصنعاء، في حركة المساعدات الإنسانية ووصولها إلى السكان المتضررين، فيما لا تزال الأنشطة معلقة في مواقع عدة على الساحل الغربي.

نازحون هربوا من بطش الحوثيين لا يمتلكون أي مقومات للحياة (إعلام محلي)

وحتى الآن، قدمت المفوضية مساعدات نقدية طارئة إلى 442 أسرة نازحة حديثاً، من أصل هدف للاستجابة يبلغ 5000 أسرة. كما تلقت 143 أسرة أخرى مساعدات نقدية للمأوى.

واشترت المفوضية 1000 مجموعة من أدوات إصلاح الملاجئ، وبدأت توزيعها في أبين ولحج، بينما لا تزال عمليات التسليم إلى الحديدة وتعز معلقة بسبب انعدام الأمن.

ومن المنتظر وصول شحنة تضم 3000 مجموعة من مواد الإغاثة الأساسية إلى عدن في نحو 20 أكتوبر (تشرين الأول)، على أن تستهدف 3000 أسرة، وتشمل بطانيات وحصائر للنوم وناموسيات وأغطية بلاستيكية ومصابيح تعمل بالطاقة الشمسية ومجموعات للمطبخ وغيرها من الاحتياجات الأساسية.

وعلى مستوى الاستجابة المشتركة، قدم شركاء مجموعة تنسيق المأوى والأراضي والمواقع مساعدات لأكثر من 4300 أسرة، فيما وصل شركاء مجموعة الحماية إلى أكثر من 13.500 شخص عبر أنشطة شملت الرصد والتقييمات والإحالات وإدارة الحالات.

الأزمة تعبر البحر

لا تقتصر التداعيات الإنسانية للتصعيد اليمني على الداخل، إذ حذرت المنظمة الدولية للهجرة من الضغوط المتزايدة على جيبوتي، التي تستقبل أشخاصاً قادمين من اليمن، في وقت يواصل مهاجرون آخرون عبور أراضيها في طريقهم إلى اليمن ودول الخليج.

وقالت المنظمة إن أكثر من 3700 لاجئ يمني وصلوا إلى جيبوتي خلال الأسابيع الثلاثة الأخيرة، بعد عبور البحر الأحمر في ظروف شديدة الخطورة.

وفي الاتجاه المقابل، تحاول مجموعة تضم أكثر من 500 مهاجر إثيوبي العودة إلى بلادهم، بينما دخل أكثر من 20 ألف شخص من إثيوبيا إلى جيبوتي بهدف مواصلة رحلتهم باتجاه اليمن.

طفلة يمنية نازحة تقف في مدخل مأوى مصنوع من القش شمال مدينة عدن (أ.ب)

وأبدت المنظمة قلقها إزاء أوضاع مهاجرين تقطعت بهم السبل في المناطق الصحراوية وعلى الطرقات، محذرة من تعرضهم للجفاف والإجهاد ونقص المياه والغذاء.

وتواصل فرق المنظمة تقديم المساعدات العاجلة، لكن الوصول إلى المحتاجين أصبح أكثر تعقيداً مع اعتماد أعداد متزايدة من المهاجرين على طرق ومسارات بعيدة عن الطرق الرئيسية، ما يزيد صعوبة الرصد والاستجابة.

وأكدت المنظمة أن السلطات الجيبوتية تحركت سريعاً لمواجهة التدفقات، غير أن اتساع حجمها وتنوع احتياجات القادمين يفرضان ضغوطاً كبيرة على الإمكانات المتاحة، داعية إلى دعم إضافي يشمل الوافدين من اليمن والمهاجرين الذين يواجهون ظروفاً إنسانية قاسية، إلى جانب المجتمعات المحلية التي تتحمل أعباء استضافتهم.


من الكهرباء إلى المنازل... الحوثيون يحولون غرب اليمن إلى غنيمة

معدات وألواح الطاقة الشمسية نهبها الحوثيون من محافظة الحديدة (فيسبوك)
معدات وألواح الطاقة الشمسية نهبها الحوثيون من محافظة الحديدة (فيسبوك)
TT

من الكهرباء إلى المنازل... الحوثيون يحولون غرب اليمن إلى غنيمة

معدات وألواح الطاقة الشمسية نهبها الحوثيون من محافظة الحديدة (فيسبوك)
معدات وألواح الطاقة الشمسية نهبها الحوثيون من محافظة الحديدة (فيسبوك)

وسّع الحوثيون عمليات الاستيلاء المنظم على الممتلكات العامة والخاصة في المناطق التي أحكمت سيطرتها عليها في الساحل الغربي اليمني بمحافظة الحديدة وأجزاء من محافظة تعز، في ممارسات تعكس نهجاً يتعامل مع المدن ومرافقها الخدمية باعتبارها غنائم يجري الاستحواذ عليها ونقلها إلى مناطق نفوذ الجماعة.

وتجلّت أحدث هذه الممارسات في تفكيك ومصادرة معدات وألواح محطتي الطاقة الشمسية في مديريتي حيس والخوخة بمحافظة الحديدة، ونقلها إلى صعدة، المعقل الرئيسي للجماعة، ما حرم آلاف السكان من خدمة الكهرباء التي كانت تمثل شرياناً أساسياً لحياتهم اليومية، وفاقم معاناتهم في ظل تردي الخدمات وارتفاع درجات الحرارة في المناطق الساحلية.

وأكدت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط» أن القيادي غرسان المطري، الذي ينتحل صفة مدير كهرباء الحديدة، وجّه قبل أيام عناصر الجماعة بتفكيك منظومتي الطاقة الشمسية في حيس والخوخة، ونقل كامل مكوناتهما وأجهزتهما ومستلزماتهما الفنية على متن شاحنات كبيرة باتجاه صعدة.

الحوثيون استولوا على المساعدات الغذائية في المخا وأعادوا توزيعها مقابل الولاء (إعلام حوثي)

وبحسب المصادر، كانت المنظومتان توفران نحو 20 ميغاواط من الكهرباء، وأسهمتا في تشغيل المنازل والتخفيف من معاناة السكان، لا سيما في المناطق الساحلية التي تشهد درجات حرارة مرتفعة، قبل أن تتحول معدات المشروعين إلى هدف لعملية مصادرة ونقل منظمة.

وتشير هذه الواقعة، وفق المصادر، إلى نمط أوسع من عمليات الاستيلاء التي تنفذها الجماعة بحق المنشآت الخدمية والممتلكات العامة والخاصة في المناطق التي بسطت سيطرتها عليها، حيث يجري حالياً تفكيك تجهيزات ومعدات وشبكات خدمية أخرى ونقلها إلى صعدة وصنعاء، بدلاً من إبقائها لخدمة السكان في مناطقها الأصلية.

اقتصاد الغنيمة

يرى ناشطون من أبناء الحديدة أن نقل منظومات الكهرباء من حيس والخوخة إلى صعدة يمثل نموذجاً لما وصفوه بـ«اقتصاد الغنيمة» الذي تتعامل به الجماعة مع المناطق الخاضعة لسيطرتها، مؤكدين أن السكان يدفعون ثمن هذا السلوك بحرمانهم من الخدمات الأساسية، بينما تُكدّس الموارد في مراكز نفوذ الحوثيين.

وفي مديرية المخا الساحلية، كشفت مصادر محلية عن استمرار عمليات السطو والاستيلاء التي بدأتها الجماعة منذ الساعات الأولى لسيطرتها على المدينة، واستهدفت منازل ومرافق حكومية ومقار منظمات إنسانية وجمعيات خيرية.

الحوثيون سيطروا على فرع «المركزي اليمني» في المخا (فيسبوك)

وأوضحت المصادر لـ«الشرق الأوسط» أن عناصر الجماعة داهمت عشرات المنازل والشقق، خصوصاً في حي الحالي ومدينة الثاني من ديسمبر، واستولت على الأثاث والأجهزة المنزلية ومحتويات أخرى، قبل تحميلها على شاحنات ونقلها إلى خارج المدينة.

كما طالت عمليات النهب، حسب المصادر، مقرات حكومية، بينها مقر السلطة المحلية وفرع البنك المركزي اليمني في المدينة، حيث جرى الاستيلاء على محتوياتها ونقلها إلى جهات غير معلومة.

ولم تتوقف عمليات السطو عند المؤسسات والمنازل، إذ أفاد شهود عيان بأن دوريات حوثية شوهدت وهي تنقل بشكل متواصل كميات من المواد الغذائية والسلع الاستهلاكية من عدد من محال الجملة وسط مدينة المخا إلى خارجها.

وأفاد ناشطون محليون بأن عمليات الاستيلاء جرت تحت إشراف عناصر مجهولة يُعتقد بارتباطها بالأجهزة الأمنية والاستخباراتية التابعة للجماعة.

تكسير ونهب في «التربة»

في مدينة التربة، مركز مديرية الشمايتين جنوب غربي محافظة تعز، قالت مصادر محلية إن جماعة الحوثيين كررت النهج ذاته، مستهدفة مؤسسات حكومية ومنازل مواطنين وقيادات مرتبطة بالحكومة اليمنية.

وأضافت المصادر أن عدداً من أصحاب المتاجر اضطروا إلى إغلاق محالهم التجارية مع دخول الجماعة، خشية تعرضها للنهب، لكن ذلك لم يمنع، وفق شهادات سكان، من استهداف بعضها بالقوة.

مقر السلطة المحلية لمديرية الشمايتين في مدينة التربة جنوب تعز (فيسبوك)

ووفق الشهادات، أقدمت عناصر الجماعة على كسر أبواب عدد من المتاجر المغلقة والاستيلاء على محتوياتها من السلع بالقوة، في إجراء قال السكان إنه جاء رداً على إغلاق أصحابها محالهم في أثناء دخول الجماعة إلى المدينة.

وتكشف هذه الوقائع المتتالية عن نهج متكرر في الاستيلاء على الممتلكات والمرافق، يتجاوز الأضرار العسكرية المباشرة إلى تفريغ المدن من مقدراتها الخدمية والاقتصادية ونقلها إلى مناطق سيطرة الحوثيين، بما يفاقم معاناة السكان ويعمّق انهيار الخدمات.

ويحذر سكان وناشطون من أن استمرار هذه الممارسات سيحوّل سيطرة الجماعة على أي مناطق جديدة إلى عملية استنزاف ممنهجة لمواردها، في وقت يُترك فيه السكان أمام واقع أكثر فقراً وخدمات أقل، بينما تُنقل المعدات والممتلكات بعيداً عنهم لصالح مراكز النفوذ الحوثية.