انتخابات 2016 تكرّس الاستثناء المغربي

استقرار سياسي وأمني في منطقة تعجّ بالأزمات

رئيس الوزراء المغربي ابن كيران أثناء مؤتمر صحافي بعد إعلان نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة بالمغرب في أكتوبر الماضي (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء المغربي ابن كيران أثناء مؤتمر صحافي بعد إعلان نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة بالمغرب في أكتوبر الماضي (أ.ف.ب)
TT

انتخابات 2016 تكرّس الاستثناء المغربي

رئيس الوزراء المغربي ابن كيران أثناء مؤتمر صحافي بعد إعلان نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة بالمغرب في أكتوبر الماضي (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء المغربي ابن كيران أثناء مؤتمر صحافي بعد إعلان نتائج الانتخابات التشريعية الأخيرة بالمغرب في أكتوبر الماضي (أ.ف.ب)

لطالما وصفت تجربة الإصلاح السياسي في المغرب بعد «الربيع العربي» بأنها استثنائية في المنطقة، ذلك أنها سمحت بوصول أول حزب إسلامي للسلطة، والأهم من ذلك هو تمكن هذا الحزب من إكمال ولايته على رأس الحكومة (ومدتها خمس سنوات) فيما آلت الأوضاع في بلدان أخرى إلى فشل سياسي واندلاع حروب تسببت وما زالت في مآسٍ إنسانية.
كرس المغرب هذا الاستثناء عام 2016 باستقراره السياسي والأمني، ونظم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) الماضي ثاني انتخابات برلمانية بعد إقرار دستور 2011 حظيت باهتمام إقليمي ودولي، ومرت في أجواء عادية وسلسة رغم حالة الاحتقان السياسي غير المسبوق الذي ساد قبل الانتخابات، وجدد الناخبون المغاربة ثقتهم في حزب العدالة والإسلامية ذي المرجعية الإسلامية فتصدر نتائج الاقتراع.
لم تكن نتائج الانتخابات البرلمانية في المغرب مفاجئة، إذ توقع محللون سياسيون تصدر «العدالة والتنمية» النتائج متبوعًا بحزب «الأصالة والمعاصرة» المعارض يليهما حزب الاستقلال، وذلك استنادًا إلى نتائج الانتخابات البرلمانية لعام 2011، وكذلك الانتخابات البلدية والجهوية التي جرت في سبتمبر (أيلول) 2015 التي حصل فيها «العدالة والتنمية» على مليون و600 ألف صوت، في حين حصل «الأصالة والمعاصرة» على مليون صوت فقط، وأقل من مليون لحزب الاستقلال، مما يعني أن نتائج الانتخابات التشريعية حسمتها من قبل الانتخابات البلدية.
وللمرة الأولى في تاريخ الانتخابات البرلمانية التي عرفها المغرب انحصر التنافس الانتخابي فيها بين الغريمين والخصمين اللدودين أي حزب «العدالة والتنمية» وحزب «الأصالة والمعاصرة» المعارض، الذي يتهم بأنه مدعوم من السلطة، وأنه يسعى للتحكم في المشهد السياسي في البلاد وعرقلة فوز «العدالة والتنمية» في الانتخابات ليتمكن من الوصول إلى رئاسة الحكومة.
ولقد رفع «الأصالة والمعاصرة» خلال حملته الانتخابية شعار «التغيير الآن» وساد تفاؤل كبير بين مؤيديه بأنه هو الفائز حتمًا وتعهد أمينه العام إلياس العماري بأن حزبه سيصبح «القوة السياسية الأولى في البلاد»، بيد أن إخفاقه في ذلك أحدث رجّة داخل الحزب وارتباكا واضحا، فتراجع حضوره السياسي بشكل واضح، لا سيما أن أمينه العام كان قد أعلن صراحة أنه جاء لمحاربة «الإسلاميين».
وفي المقابل أظهرت الحملة الانتخابية التي استمرت على مدى 13 يوما قلة تأثر شعبية حزب «العدالة والتنمية» رغم وجوده في الحكومة لمدة خمس سنوات، إذ استطاع عبد الإله ابن كيران، الأمين العام للحزب ورئيس الحكومة، استقطاب الآلاف من المؤيدين خلال المهرجانات الخطابية التي عقدها في مختلف المدن المغربية في استعراض للقوة ضد خصومه ومعارضيه.
وفي نهاية المطاف فاز «العدالة والتنمية» بـ125 مقعدًا، متبوعا بحزب «الأصالة والمعاصرة» بـ120 مقعدا، ثم حزب الاستقلال بـ46 مقعدا. وباستثناء حزبي الصدارة تراجعت مختلف الأحزاب في الانتخابات وفقدت كثيرًا من مقاعدها، مما دفع ابن كيران إلى القول إن «نتائج الانتخابات أحدثت ما يشبه زلزالا سياسيا كانت له تداعيات كثيرة».

مسيرة مجهولة ضد «العدالة والتنمية»
وكان لخروج مسيرة احتجاج ضد حزب «العدالة والتنمية» في مدينة الدار البيضاء أيامًا قليلة من بدء الحملة الانتخابية، التي حملت شعار «لا أسلمة وأخونة الدولة» أحد أبرز الأحداث السياسية الفارقة، نظرا لتوقيت خروج تلك المسيرة، التي لم تعلن أي جهة حزبية أو نقابية أو حقوقية عن تبنيها، في ظل اتهامات مبطنة وجهها «العدالة والتنمية» لوزارة الداخلية بالوقوف وراءها. وأثارت تلك المظاهرة استهجانا كبيرًا، ولاقت سخرية على نطاق واسع، لا سيما بعد نشر فيديوهات يقرّ فيها بعض المشاركين فيها من مختلف المدن بأنه جرى التغرير بهم. إذ قال هؤلاء إن منظمي المسيرة أوهموهم بأن الاحتجاج سيكون ضد الإرهاب، وأن الغاية التضامن مع فتاة تعرضت للاغتصاب، لكنهم فوجئوا بشعارات تطالب برحيل ابن كيران من دون أي مناسبة.
ومن هنا تساءل محللون سياسيون عن الجهة التي تسعى إلى إحداث شرخ في المجتمع المغربي من خلال تأليب فئة من المواطنين البسطاء ضد فئة أخرى، ودفعها لرفع شعارات وصفت بالغريبة عن السجال السياسي والمجتمعي بالمغرب، في محاولة لاستيراد تجارب بلدان عربية في محاربة ما يصطلح عليه بـ«الإسلام السياسي».
هذا، وتسبب الترخيص لتلك المسيرة المجهولة في الكشف عن صراع آخر لم يكن ظاهرا بين وزارتين تشرفان على سير الانتخابات هما وزارتا الداخلية والعدل. ولقد فاجأ مصطفى الرميد، وزير العدل والحريات المنتمي لحزب العدالة والتنمية، الرأي العام بإعلانه عبر صفحته على موقع «فيسبوك» أنه لا يستشار في التحضير للانتخابات التشريعية، أسوة بما كان عليه الحال في الانتخابات البلدية والجهوية التي أجريت في الرابع من سبتمبر 2015 وأنه «على بعد ثلاثة أسابيع من انتخابات 7 أكتوبر تقع عجائب وغرائب»، معلنا أنه ليس مسؤولا عن «أي رداءة أو نكوص أو تجاوز أو انحراف». وعلى الأثر رد محمد حصاد، وزير الداخلية، عليه عبر موقع إلكتروني معتبرًا أن «سوء فهم حدث بينه وبين الرميد بسبب عدم استشارته في الترخيص لتلك المسيرة، ودعا الرميد لاستعمال سلطته «من خلال وكلاء النيابة العامّة، ضد أي (اختلال لا يود تحمل مسؤوليته)».
ولم يكن الترخيص لمظاهرة «مجهولة» و«مصطنعة» ضد ابن كيران أياما قبل الاقتراع الخلاف الوحيد بين الرميد وحصاد، ذلك أن وزارة الداخلية منعت قبل ذلك الشيخ السّلَفي حماد القباج من الترشح باسم «العدالة والتنمية» في مراكش، فضلاً عن بيانات أصدرتها وزارة الداخلية موجهة ضد الحزب. وتميزت الانتخابات التشريعية للمرة الأولى باستقطاب الأحزاب السياسية لأسماء محسوبة على التيار السلفي، منهم القباج، كما جرت الإشارة من قبل، وهو ما أثار جدلاً كبيرًا دفع وزارة الداخلية إلى رفض ترشحه بدعوى «مناهضته الديمقراطية، وإشاعة أفكار متطرفة تحرض على التمييز والكراهية»، بيد أنه نفى ذلك. وبدوره، رشح حزب الاستقلال المعارض كلاً من الشيخ عبد الوهاب رفيقي، الملقب بـ«أبي حفص» الذي كان قد أدين بقضايا تتعلق بالإرهاب، والمعتقل السّلَفي السابق هشام التمسماني لخوض غمار الانتخابات، إلا أن كليهما فشل في الفوز بمقعد في البرلمان.

بيان الديوان الملكي
وفي غمار التحضير للانتخابات والتجاذبات السياسية التي رافقتها أصدر الديوان الملكي في 13 سبتمبر الماضي بيانا غير مسبوق وجه فيه انتقادات حادة لنبيل بن عبد الله، وزير السكنى وسياسة المدينة والأمين العام لحزب «التقدم والاشتراكية» (اليساري)، الحليف الرئيسي لحزب «العدالة والتنمية»، وذلك على خلفية تصريحات وصفها القصر بالخطيرة تتعلق بفؤاد عالي الهمة، مستشار العاهل المغربي ومؤسس حزب «الأصالة والمعاصرة» المعارض. ووصف البيان تلك التصريحات بأنها ليست «سوى وسيلة للتضليل السياسي في فترة انتخابية». وكان بن عبد الله قد قال في حوار صحافي إن مشكلة حزبه ليست مع «الأصالة والمعاصرة» بل مع من أسسه، وهو مَن يجسّد التحكّم. وردّ الحزب بعد ذلك بأن تصريحات أمينه العام تدخل في سياق تنافس انتخابي، وأنه لم يكن ينوي إقحام المؤسسة الملكية في نزاعات حزبية. ولكن في أي حال، كان لهذا البيان أثر كبير في توجيه الخطاب السياسي، حيث غاب مصطلح «التحكّم» عن قاموس عدد كبير من السياسيين، وعلى رأسهم ابن كيران، «عرّاب» هذه الكلمة السحرية، التي ظل يشهرها في وجه خصومه ومعارضيه.

تحديات تشكيل الحكومة
ولكن، ابن كيران لم يفرح كثيرًا بنشوة الفوز في الانتخابات، وتعيين الملك محمد السادس له رئيسًا للحكومة في 10 أكتوبر الماضي. إذ وجد عاجزًا عن تأمين أغلبية متجانسة لقيادة التحالف الحكومي المقبل. وبعد مشاورات بدت في البداية يسيرة وسادها الكثير من التفاؤل، دخلت مشاورات الحكومة مرحلة الجمود والعرقلة. ويذكر أنه قبل الانتخابات كان «العدالة والتنمية» (125 مقعدًا) و«التقدم والاشتراكية» (12 مقعدًا) قد اتفقا أن يظلا معا سواء أكانا في الحكومة أو انتقلا إلى المعارضة. وبالفعل، تشبث ابن كيران بحليفه ابن عبد الله وضمه إلى تحالفه، وسرعان ما التحق بهما حزب الاستقلال المعارض الذي طوى صفحة الخلاف بينه وبين ابن كيران. إلا أن انضمام «الاستقلال» إلى التحالف سيصبح عقبة في استكمال المشاورات مع باقي الأحزاب، بعدما اشترط عزيز أخنوش، الرئيس الجديد لحزب «التجمع الوطني للأحرار» - المقرّب من القصر - إبعاد حزب الاستقلال عن الحكومة المقبلة كي يقبل الانضمام إليها.
وبذلك دخلت مشاورات تشكيل الحكومة مرحلة من التصعيد بين الأحزاب السياسية، وشن حزب الاستقلال هجوما كبيرا على الجهات التي اتهمها بـ«الانقلاب على الدستور»، وقال إن «الأحزاب الوطنية الديمقراطية والشعب المغربي لن يستسلموا لقوى الردة والانقلاب على الدستور، أو القبول بسرقة إرادته التي عبر عنها في انتخابات السابع من أكتوبر».
ومن جهته، دافع ابن كيران عن وجود حزب الاستقلال في الحكومة المقبلة، وعزا تشبثه به والتغاضي عن الخصومة السابقة معه إلى «موقف البطولة والرجولة» الذي اتخذه أمينه العام حميد، عندما رفض المذكرة التي كانت أحزاب المعارضة «الأصالة والمعاصرة» و«الاتحاد الدستوري» و«الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية» إلى جانب «التجمع الوطني للأحرار»، تعتزم توجيها إلى الملك لتعلن فيها عن رفضها التحالف مع «العدالة والتنمية» إبان ظهور نتائج الانتخابات، وذلك بغرض إسقاط ابن كيران والانقلاب على نتائج الانتخابات. ومن ثم انتخاب رئيس للبرلمان من خارج الأغلبية. وكان من المخطط له أن يتولى المنصب أحد قياديي حزب «الاتحاد الاشتراكي»، وذلك قبل أن تنكشف المناورة التي اتهم حزب «الأصالة والمعاصرة» بالوقوف وراءها. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل ظهرت اجتهادات تدعو لتعيين أمين عام الحزب الذي حصل على المرتبة الثانية في الانتخابات رئيسًا للحكومة، ما دام فشل ابن كيران في تشكيل غالبيته الحكومية، وإن لم ينص الدستور على ذلك. وهو ما عارضه حزب «العدالة والتنمية» بشدة مدعومًا من حزبي «الاستقلال» و«التقدم والاشتراكية».

ابن كيران يتفادى إقحام القصر في خلافات حزبية
بعد أكثر من شهرين على ظهور نتائج الانتخابات، لم تغير كل الأطراف السياسية مواقفها، ليعلن بعدها ابن كيران أنه لا يحبذ اللجوء إلى الملك من أجل حل خلافات تشكيل الحكومة «فالملك حكم بين المؤسسات وليس الأحزاب، ولن أقحم الملك في أمر بين الأحزاب السياسية، التي يجب أن تتحمل مسؤوليتها».
إلا أن الملك محمد السادس لم يكن بعيدا عن مخاض تشكيل الحكومة. والخلافات التي ظهرت بين الأحزاب فقد وجه بعد شهر من الانتخابات انتقادات صريحة إلى الحلفاء المرشحين لتسيير الحكومة المقبلة، وذلك في خطاب ألقاه بمناسبة الذكرى الـ41 لـ«المسيرة الخضراء»، وقال فيه إن «المغرب يحتاج لحكومة جادة ومسؤولة، وإن الحكومة المقبلة لا ينبغي أن تكون مسألة حسابية تتعلق بإرضاء رغبات أحزاب سياسية، وتكوين أغلبية عددية، وكأن الأمر يتعلق بتقسيم غنيمة انتخابية». وشدد على أنه لن يتسامح مع الخروج عن معايير الكفاءة ووضع أولويات محددة وبرامج مضبوطة عند تشكيل الحكومة المقبلة. ومن ثم توقع كثيرون أن يشكل خطاب الملك دفعة من أجل تسريع المفاوضات والإعلان عن الحكومة، تجنبًا للفراغ السياسي وتعطيل المؤسسات إلا أن ذلك لم يحصل لتستمر حالة الانتظار.

بداية الانفراج: كل الاحتمالات واردة
وأمام تأخّر تشكيل الحكومة أبلغ مستشاران للعاهل المغربي، السبت الماضي، رئيس الحكومة المعيّن حرص الملك محمد السادس على «أن يتم تشكيل الحكومة الجديدة في أقرب الآجال». وذكر بيان للديوان الملكي أن المستشارين الملكيين عبد اللطيف المنوني وعمر القباج أبلغا ابن كيران بانتظارات العاهل المغربي وكل المغاربة بشأن تشكيل الحكومة الجديدة. ولكن كان لافتًا أن المستشار الملكي البارز فؤاد عالي الهمة لم يكن ضمن المبعوثين الملكيين إلى ابن كيران.
ويرى المراقبون أن الطريقة التي اختارها العاهل المغربي لإبلاغ رئيس الحكومة المعين بانتظاراته وانتظارات المغاربة بخصوص تشكيل الحكومة تكتسي أكثر من مغزى. فقد كلف العاهل المغربي بهذه المهمة مستشاره عبد اللطيف المانوني، الذي تولى رئاسة اللجنة التي أشرفت على إعداد وصياغة دستور 2011، ورافقه فيها المستشار عمر القباج، المعروف عنه أنه يتدخل فقط في القضايا الاقتصادية. إضافة إلى ذلك، اختار الملك بعث رسالة عبر مستشاريه بدل استقبال ابن كيران، أو الاتصال به مباشرة، ليسأله عن تطورات مشاورات تشكيل الحكومة.
إلا أن المبادرة الملكية حرّكت مياه بركة مشاورات الحكومة الراكدة. واستقبل ابن كيران أخنوش مساء الاثنين الماضي في محاولة جديدة لإخراج المشاورات من عنق الزجاجة. لكن حتى تاريخ كتابة هذه السطور كانت أن عقدة «الاستقلال» قائمة.
وزاد في تعقيد الأمور التصريحات التي أدلى بها أخيرا أمين عام «الاستقلال» بشأن حدود موريتانيا، وهو ما أقام الدنيا وأقعدها عليه سواء في نواكشوط (بيان الحزب الحاكم) والرباط (بيان وزارة الخارجية)، وإدلاء اخنوش عقب خروجه من لقاء ابن كيران بأنه يصعب على حزبه المشاركة في حكومة فيها حزب «الاستقلال» لا يتوانى أمينه العام عن الإدلاء بتصريحات لا تخدم الدبلوماسية المغربية. ومما زاد الطين بلة أن ابن كيران أعلن الأربعاء في تصريحات أدلى بها بموريتانيا أن تصريحات غير مسؤولة ولا تتماشى مع الدبلوماسية المغربية. وزاد قائلا إنها لا تعبر إلا عن رأيه الشخصي، ولا تعبر عن رأي الملك أو الحكومة أو الشعب المغربي، الأمر الذي وضع مشاركة «الاستقلال» في الحكومة المنتظرة في مهب الريح.



الخارجية الفلسطينية: الصمت على ممارسات إسرائيل لم يعد خياراً

جانب من الاجتماع الاستثنائي للجنة التنفيذية على مستوى وزراء الخارجية (منظمة التعاون الإسلامي)
جانب من الاجتماع الاستثنائي للجنة التنفيذية على مستوى وزراء الخارجية (منظمة التعاون الإسلامي)
TT

الخارجية الفلسطينية: الصمت على ممارسات إسرائيل لم يعد خياراً

جانب من الاجتماع الاستثنائي للجنة التنفيذية على مستوى وزراء الخارجية (منظمة التعاون الإسلامي)
جانب من الاجتماع الاستثنائي للجنة التنفيذية على مستوى وزراء الخارجية (منظمة التعاون الإسلامي)

أكدت الدكتورة فارسين شاهين وزيرة الخارجية الفلسطينية، أن السلام والأمن في الشرق الأوسط، بوصفهما خياراً استراتيجياً، لن يتحققا إلا بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي غير القانوني، والانسحاب الكامل من أرض فلسطين المحتلة منذ عام 1967، وفق مبادئ القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة، ومخرجات محكمة العدل الدولية، ومبادرة السلام العربية بعناصرها كافة وتسلسلها الطبيعي، وإزالة آثار الاحتلال وجبر الضرر.

جاء حديث الوزيرة الفلسطينية خلال اجتماع استثنائي للجنة التنفيذية المفتوحة العضوية على مستوى وزراء خارجية الدول الأعضاء بمنظمة التعاون الإسلامي لبحث القرارات الإسرائيلية الأخيرة، الذي استضافته جدة، مساء الخميس.

وشدَّدت شاهين على أن الصمت لم يعد خياراً، والاكتفاء بالإدانة لم يعد كافياً، داعية لموقف جماعي حازم، يؤكد أن القانون الدولي ليس انتقائياً، ويجب أن يُتَرجم إلى خطوات عملية، بما في ذلك التحرك الجاد بمجلس الأمن الدولي والجمعية العامة للأمم المتحدة، والمحاكم الدولية، وجميع الهيئات والمنظمات الدولية المختصة، لمواجهة هذه السياسات الاستعمارية والتوسعية، وإجبار إسرائيل للانصياع للقانون الدولي.

وأضافت: «إن شعبَنا، رغم كل الألم، لا يزال متمسكاً بحقوقِهِ وثوابتِه الوطنية، وبأرضه وحريته، ومؤمناً بأن العدالة ستتحقق، لكن تحقيقها يتطلب إرادة دولية صادقة، وتضامناً فعلياً يتجاوز البيانات إلى فعلٍ يرتقي لمستوى التحديات، ويجسد روح التضامن الإسلامي الحقيقي لِسَحق وطأة هذا الاحتلال الغاشم، ويفتح أفقاً حقيقياً للحرية والعودة والاستقلال».

الاجتماع الاستثنائي بحث في جدة القرارات الإسرائيلية الأخيرة (منظمة التعاون الإسلامي)

وأردفت شاهين أنه «في ظل تَغيُّر الظروف، وتعاظم الانتهاكات والجرائم والإبادة؛ نحن هنا اليوم وإياكم، للتفكير والعمل في سبل مواجهة كل هذا، في مرحلة بالغة الخطورة، وفي ظل التصعيد الإسرائيلي المتواصل، وإعلان إسرائيل، القوة القائمة بالاحتلال، عن قرارات وإجراءات وتدابير لتعميق أمر واقع غير قانوني».

وأشارت إلى قيام إسرائيل بـ«تزوير وتشويه الحقائق التاريخية والقانونية، وتصعيد إرهاب ميليشيات المستعمرين الممنهج، والمحمي من جيش الاحتلال، لجر الضفة الغربية إلى دوامة عنف دموي لنقل جريمة الإبادة الجماعية وبشاعتها من قطاع غزة إلى الضفة الغربية، بما فيها القدس».

ونوَّهت الوزيرة بأن ما تقوم به إسرائيل منذ عقود «هو استمرار لسياسة ممنهجة، ومخطط استعماري توسعي متكامل الأركان، يهدفان إلى تصفية القضية الفلسطينية، وفرض وقائع قسرية على الأرض عبر الاستيطان الاستعماري، ومصادرة الأراضي، وتقطيع أوصال الجغرافيا الفلسطينية، وفرض نظام تمييز عنصري، واضطهاد ضد شعبنا الفلسطيني، بهدف تهجيره قسراً من أرضه، وتدمير حل الدولتين».

وشددت على أن «هذه الممارسات تشكل جرائم حرب، وجرائم ضد الإنسانية، تعرض السلم والأمن الدوليين للخطر، وتزعزع الاستقرار في مِنطَقَتِنا وفي العالم أجمع، وتؤكد الطبيعة الاستعمارية الإحلالية للاحتلال الإسرائيلي، غير القانوني، لأرض دولة فلسطين».

منظمة التعاون الإسلامي دعت إلى الإسراع في تنفيذ المرحلة الثانية من «خطة السلام» (الخارجية السعودية)

وأكدت شاهين أن «القدس المحتلة عاصمة دولة فلسطين، بما لها من مكانة دينية وتاريخية وحضارية، تتعرض لعدوان يومي، لا سيما في هذا الشهر الفضيل، يستهدف طمس هويتها العربية والإسلامية والمسيحية، وتغيير معالمها التاريخية، والوضع القانوني والتاريخي القائم، وفرض السيادة الإسرائيلية المزعومة عليها، من خلال مخططات استعمارية كالمخطط E1».

ولفتت إلى خطورة الإجراءات الإسرائيلية الأخيرة التي تستهدف المقدسات الإسلامية والمسيحية، بما فيها محاولات تغيير الوضع التاريخي والقانوني في الحرم الإبراهيمي الشريف في الخليل، عبر نقل صلاحيات الإشراف والإدارة من الجهات الفلسطينية الشرعية، إلى مجالس استيطانية غير قانونية، في خطوة استفزازية خطيرة تمثل انتهاكاً صارخاً للاتفاقيات الدولية، ولقرارات الأمم المتحدة واليونسكو، واعتداءً مباشراً على الإرث الديني والحضاري والإنساني.

كما أكدت الوزيرة أنه «لا يمكن تجاهل فداحة استمرار ما يتعرض له قطاع غزة من كارثة إنسانية غير مسبوقة، وما ترتكِبُه قوات الاحتلال من جرائم جماعية ودمار ممنهج، حيث استُشهد منذ وقف إطلاق النار الهش، أكثر من 500 فلسطيني، بالإضافة إلى تباطؤ فتح المعابر، ومنع تدفق المساعدات الإنسانية بشكل كافٍ ودائم، والمماطلة في الانتقال إلى المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار، بما يضمن الانسحاب الإسرائيلي الكامل من قطاع غزة، ومنع التهجير وتحقيق الاستقرار، وإعادة الإعمار لإنهاء معاناة شعبنا».

وأشارت إلى أن «هذا يتطلب أيضاً مواجهة الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة ضد المنظمات الدولية والأممية والإنسانية العاملة في الأرض الفلسطينية المحتلة، وعلى رأسها وكالة (الأونروا)، عبر استهداف مقارها وموظفيها وعرقلة عَمَلِها، ومنع وصولها الإنساني وفرض القيود غير القانونية عليها، في انتهاكٍ فاضح لمبدأ حماية العاملين في المجال الإنساني، ولقواعد القانون الدولي الإنساني، وبما يشكل محاولة لتقويض حق اللاجئين الفلسطينيين وطمس قضيتهم».

وتحدثت شاهين عن «سعي سلطات الاحتلال لإقرار قانون إعدام أسرى الشعب الفلسطيني، ومواصلة سياسة الاعتقال والاحتجاز التعسفي والتعذيب، واحتجاز جثامين الشهداء، فيما يسمى (مقابر الأرقام) وهي جريمة غير أخلاقية وغير قانونية»، مؤكدة أنه «آن الأوان لعلاج جميع أعراض هذا الاحتلال المجرم، جذر كل المعاناة التي يتعرض لها الشعب الفلسطيني، من خلال المساءلة وملاحقة جميع المسؤولين عن الانتهاكات والجرائم».

المهندس وليد الخريجي يلتقي الدكتورة فارسين شاهين على هامش الاجتماع الاستثنائي (الخارجية السعودية)

وجدَّدت الوزيرة الفلسطينية التأكيد على أن «ما يشجع إسرائيل هو الصمت الدولي والمعايير المزدوجة وغياب المحاسبة، بالإضافة إلى خطاب عنصري تحريضي استفزازي، يَضُخّ مزاعم دينية أو آيديولوجية مزورة، تُشوه الحقائق التاريخية والحقوق القانونية والأساسية للشعب الفلسطيني، تُبرر الاستيلاء على أراضي دُوَل في الشرق الأوسط أو في الأرض الفلسطينية المحتلة».

وأضافت: «لقد عبرنا عن إدانتِنا ورفضنا للتصريحات الصادرة عن سفير الولايات المتحدة لدى سلطة الاحتلال الإسرائيلي، مايك هاكابي، التي أشار فيها بقبول ممارسة إسرائيل سيطرتها على أراضٍ تعود لدول عربية، بما في ذلك الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، وإدانتِنا لإعلان السفارة الأميركية في مدينة القدس المحتلة إصدار تأشيرات، وتقديم خدمات قنصلية للمستعمرين في المستوطنات، في مخالفة للقانون الدولي، وللاتفاقيات الدولية».

ونوَّهت بالجرائم الإسرائيلية التي «طالت جميع سبل الحياة في فلسطين، من الأرض والحجر والبشر»، مشددة على أن «المطلوب اليوم هو الحفاظ على القضية الفلسطينية، والشعب والأرض، من خلال تحرك عملي، ليس فقط من الدول الأعضاء بل من دول العالم كافة، وعدم ادخار أي جهد لردع جرائم الاحتلال، واتخاذ جميع الإجراءات العقابية والضغوط لمواجهة الاحتلال الإسرائيلي، وممارساته الاستعمارية التي تقوض قواعد القانون الدولي، وتزعزع أسس النظام الدولي القائم على القانون».

وطالبَت شاهين الدول بـ«قطع العلاقات مع دولة الاحتلال، بما فيها الدبلوماسية والاقتصادية والتجارية والثقافية، بالإضافة إلى البرلمانية، التي من شأنها استدامة الاحتلال الإسرائيلي ومنظومته، وتوظيف علاقاتكم الدولية لفرض عقوبات اقتصادية وسياسية، لإنهاء الاحتلال والانسحاب الشامل والكامل، وغير المشروط من الأرض الفلسطينية المحتلة منذ الرابع من يونيو (حزيران) لعام 1967، والاعتراف بدولة فلسطين، وتمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة حقوقه غير القابلة للتصرف في الاستقلال والعودة وتقرير المصير».

كما شددت على «التأكيد على أن العالم ومعه الأمم المتحدة يجب أن يتحمّلا مسؤولياتهما في ضمان التزام إسرائيل بالشروط التي قُبِلَت على أساسِها عضواً في الأمم المتحدة عام 1949، ولا سيما التزاماتها باحترام وتنفيذ قرار الجمعية العامة رقم 181 (قرار التقسيم لعام 1947) وقرار الجمعية العامة رقم 194 عام 1948 بشأن حقوق اللاجئين الفلسطينيين».

وأشارت المسؤولة الفلسطينية إلى «التعهّدات الرسمية التي قدّمها وزير خارجية إسرائيل آنذاك، موشيه شاريت، في رسالته المؤرخة إلى الأمم المتحدة، التي أكد فيها قبول إسرائيل بهذه القرارات والتزامها بتنفيذها، وهو ما شكّل أساس قبول عضويتها في الأمم المتحدة بموجب قرار الجمعية العامة رقم 273 عام 1949».

ولفتت إلى أن «استمرار إسرائيل في سياساتها وإجراءاتها وفرض قوانينها غير الشرعية، بما في ذلك الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية، والتوسع الاستيطاني، ومحاولات الضم الفعلي، وإرهاب المستوطنين، واحتجاز أموال المقاصة الفلسطينية، وتقويض مؤسسات الدولة الفلسطينية، يشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي ولقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة، ولمتطلبات عضويتها في المنظمة الدولية».

وحذرت شاهين من استمرار هذه الإجراءات التي «ستؤدي إلى تفجير الأوضاع على الأرض الفلسطينية، وتقوض الجهود السياسية التي تَبذُلها الولايات المتحدة والمجتمع الدولي لإعادة إطلاق مسار سياسي جاد، وتهدد الأمن والاستقرار الإقليمي، وتقوّض بشكل مباشر فُرص تحقيق حل الدولتين الذي يحظى بإجماع دولي واسع».


الخنبشي لـ «الشرق الأوسط» : حضرموت انتصرت وتسع الجميع

 عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني لدى تحدثه مع «الشرق الأوسط بودكاست» في الرياض (الشرق الأوسط)
عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني لدى تحدثه مع «الشرق الأوسط بودكاست» في الرياض (الشرق الأوسط)
TT

الخنبشي لـ «الشرق الأوسط» : حضرموت انتصرت وتسع الجميع

 عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني لدى تحدثه مع «الشرق الأوسط بودكاست» في الرياض (الشرق الأوسط)
عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني لدى تحدثه مع «الشرق الأوسط بودكاست» في الرياض (الشرق الأوسط)

قال سالم الخنبشي، عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني بمرتبة نائب رئيس، إن حضرموت «انتصرت لذاتها» وإنها «تتسع للجميع»، محذراً من التحريض والدعوات التي قد تمس السلم الأهلي، ودعا إلى انتهاج السلوك المدني والحفاظ على الاستقرار في المحافظة.

وأوضح الخنبشي، خلال حوار مع «الشرق الأوسط بودكاست»، أن ما شهدته حضرموت نهاية العام الماضي ومطلع يناير (كانون الثاني) الماضي جاء في إطار «تسلم المعسكرات» بهدف تجنيبها الصراع الداخلي، مؤكداً أن الأولوية اليوم تتجه إلى تثبيت الأمن وتحريك التنمية وتهيئة بيئة جاذبة للاستثمار.

وأكد الخنبشي أن استقرار حضرموت سيفتح الباب أمام مرحلة تنموية أوسع، مشيراً إلى فرص في الطاقة والاستثمار يمكن أن تعزز دور المحافظة اقتصادياً وتحسن حياة سكانها.

ووجّه عضو مجلس القيادة ثلاث نصائح للحكومة اليمنية الجديدة، تمثلت في الابتعاد عن الحزبية وعدم الانجرار خلف المصالح الضيقة، ومكافحة الفساد في مؤسسات الدولة، ورفع كفاءة تحصيل الموارد وتوريدها إلى البنك المركزي، وخصوصاً في الوزارات الإيرادية.


باريس: عمليات الفرار من مخيم الهول في سوريا لم تشمل مواطنين فرنسيين

مخيم الهول في سوريا (د.ب.أ)
مخيم الهول في سوريا (د.ب.أ)
TT

باريس: عمليات الفرار من مخيم الهول في سوريا لم تشمل مواطنين فرنسيين

مخيم الهول في سوريا (د.ب.أ)
مخيم الهول في سوريا (د.ب.أ)

أعلن المتحدث باسم وزارة الخارجية الفرنسية، الخميس، أنه لم يفرّ أي مواطن فرنسي من مخيم الهول في سوريا، الذي كان يستقبل عائلات عناصر في تنظيم «داعش».

ووفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، قال باسكال كونفافرو: «على حد علمي، لم يشارك أي فرنسي في عمليات الفرار» من المخيم بعد انسحاب القوات الكردية منه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، في حين أكدت وزارة الداخلية السورية، الأربعاء، وقوع عمليات هروب جماعي.

كان مخيم الهول، وهو أكبر مخيم لأقارب عناصر «داعش» في شمال شرقي سوريا، تحت سيطرة «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)»، التي تُشكل وحداتُ حماية الشعب الكردية عمادها.

وانسحبت «قوات سوريا الديمقراطية» من المخيم، في 20 يناير، في ظل تقدم للجيش السوري الذي سيطر على المخيم بعد بضع ساعات من انسحاب الأكراد.

وقال المتحدّث باسم وزارة الداخلية السورية نور الدين البابا إن قوات الأمن رصدت «أكثر من 138 فتحة في سور المخيم الممتد على طول نحو 17 كيلومتراً، ما سهّل عمليات الخروج غير المنظم عبر شبكات تهريب».

وفرّ آلاف النساء والأطفال إلى وجهة مجهولة.

وضمّ المخيم، وفق البابا، نحو 23 ألفاً و500 شخص «70 في المائة» منهم من الأطفال والنساء وكبار السن، ومعظمهم من السوريين والعراقيين، إضافة إلى نحو 6 آلاف و500 شخص من 44 جنسية كانوا في قسم شديد الحراسة من المخيم.

وأجْلت السلطات العائلات المتبقية من المخيم، الأسبوع الماضي، إلى مخيم آخر في محافظة حلب (شمال).

وأكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الفرنسية أن باريس «تتابع، بقلق، التطورات التي حدثت في المخيم».

وأضاف أن وزير الخارجية جان نويل بارو «أعرب عن مخاوف فرنسا»، لنظيره السوري أسعد الشيباني عندما التقاه مؤخراً في ميونيخ.