2016... تكريس الانقسام اليمني

الانقلاب الحوثي في وجه الشرعية

2016... تكريس الانقسام اليمني
TT

2016... تكريس الانقسام اليمني

2016... تكريس الانقسام اليمني

لم ينقض عام 2016 إلا وقد باتت هناك حكومتان يمنيتان: الحكومة الشرعية المعترف بها دوليًا في عدن برئاسة الدكتور أحمد عبيد بن دغر. والحكومة الانقلابية في صنعاء برئاسة عبد العزيز بن حبتور، السياسي الجنوبي الأبرز المؤيد للانقلاب، الذي يعد في أدنى سلم القيادات الجنوبية البارزة - التي تؤيد معظمها الشرعية - الذي ذهب هو إلى صنعاء واختار أن يكون في صف الانقلاب، ربما بسبب العلاقة الخاصة التي تربطه بالرئيس المخلوع علي عبد الله صالح.
كذلك انقضى عام 2016، دون أن يتحقق أي تقدم على مستوى التسوية السياسية في اليمن، وذلك جراء رفض الميليشيات الانقلابية (الحوثي - صالح) كل مساعي الحلول السياسية التي بذلت للتوصل إلى الحلول سياسية. إذ بدأ العام بعد فشل جولتي المشاورات في سويسرا (جنيف وبييل) أواخر العام الماضي.
ولعل البعض يصف 2016 بأنه عام فشل الجهود السياسية بامتياز، نظرًا لإحباط الانقلابيين كل الجهود طوال عام كامل، في ظل محاولاتهم تحقيق مكاسب سياسية عبر اتصالات دولية كثيرة وخطوات أحادية الجانب، تخالف القرارات الأممية، وتحديدًا القرار 2216. وهذا القرار تتمسك به الحكومة الشرعية ومعه المرجعيات الأخرى، وهي مخرجات «مؤتمر الحوار الوطني» الشامل و«المبادرة الخليجية» وآليتها التنفيذية، على اعتبار أن هذه المرجعيات هي الأساس في أي حلول أو تسويات سياسية.

وقف إطلاق النار
في الـ10 من أبريل (نيسان)، بدأ سريان هدنة لوقف إطلاق النار بناء على مقترح من الأمم المتحدة ومبعوثها إلى اليمن، إسماعيل ولد الشيخ أحمد. وفي نهاية الشهر ذاته، وبعد ذلك بما يقرب الشهر، انطلقت المشاورات الجديدة في دولة الكويت، بعد تأخير وشد وجذب من قبل وفد الانقلابيين. ولكن خلال 90 يومًا من المشاورات، أعلن ولد الشيخ فشل مساعيه، رغم توقيع الوفد الحكومي على اتفاق - دون قناعة حسب قوله حينها إلا من أجل السلام وحقن دماء اليمنيين. ذلك أن وفد الانقلابيين رفض التوقيع رغم الوساطة التي قامت بها دولة قطر ومعها أمين عام الأمم المتحدة السابق بان كي مون. وحينئذ أعلن عن فشل جولتي المشاورات، بالتزامن مع تحركات سياسية للانقلابيين تمثلت في إعلان ما سمّي بـ«المجلس السياسي الأعلى» يوم 6 أغسطس (آب)، وهو صيغة تحالف رسمية بين الانقلابيين (الحوثي - صالح)، لأول مرة منذ الانقلاب في سبتمبر (أيلول) 2014، قبل إعلان تشكيل حكومة انقلابية في الـ28 من نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.
ومنذ أغسطس، وحتى اللحظة، ظلت الأوضاع السياسية تراوح مكانها، رغم المحاولات الخجولة وغير المجدية لوزير الخارجية الأميركي جون كيري، التي أراد أن يختم بها مسيرته السياسية من خلال التوصل إلى اتفاق بخصوص الأزمة اليمنية. حيث إن موقف الحكومة اليمنية الشرعية كان حازمًا ولاجمًا لتلك المغامرة الأميركية غير المدروسة، بحسب تعبير المراقبين. ثم إن محاولات المبعوث الأممي إسماعيل ولد الشيخ أحمد، بدت أيضًا خجولة وغير مدروسة، بنظر كثير من المراقبين، لأنها تحولت ببوصلتها نحو محاولة «شرعنة الانقلاب»، كما قالت الحكومة اليمنية في ردها على مبادرة ولد الشيخ أو ما كانت تسمى بـ«خارطة الطريق». التي رفضت رسميًا. وحتى الأيام الأخيرة من عام 2016، تردّدت أنباء عن تراجع ولد الشيخ عن خطته وقبوله بتعديلها، وكما يبدو فإن هناك ضغوطًا دولية مورست عليه لثنيه عن طروحاته في مبادرته التي اعتبرت تشريعًا للانقلاب.

حكومة انقلابية
في هذه الأثناء، شكل الانقلابيون في صنعاء حكومة تضم أكثر من 40 وزيرًا، تكريسًا للانقسام اليمني عبر خطواتهم أحادية الجانب، والمخالفة لقرارات مجلس الأمن الدولي. ويرى الباحث السياسي اليمني نجيب غلاب، رئيس مركز الجزيرة والخليج للدراسات، أن الإشكالية تكمن في «قمار انتحاري للانقلاب وأطرافه ونزعة إنسانية مبالغ فيها لدى الغرب (من خلال الحديث عن الانقلابيين الحوثيين كأقلية، كما يسوقون لأنفسهم وكما تسوق لهم إيران ودوائرها في الغرب) وقلق عربي من الوصول إلى الأهداف بأقل الخسائر».
ويعتقد غلاب، كما قال في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن السلام في اليمن «ما زال على كف عفريت، فتمرير أهداف الانقلاب مستحيلة مهما كانت الضغوط، وهذا يعني استمرار الحرب»، معتبرًا السلام «ما زال الهدف المنشود لكنه لن يتم عبر الآليات الأممية ومثاليات الدعوات المختلفة بأي شكل تجلت.. فلا سلام، بل قوة طاغية قادرة على إجبار الانقلاب على قبول الحلول التي تحقق عدالة وشراكة ودولة قانون». ويقول غلاب إن «السلام يحتاج إلى انتقال الصراع إلى اتجاهين: أولهما إعادة بناء الشرعية في المناطق المحررة والتحول إلى حركة تحرير وطني، وثانيهما انتقال الخليج إلى الرهان الكامل على الشرعية بإسناد دولي وتبني مؤتمر يمني شامل بوساطة خليجية مكثفة تكون ضامنة لمصالحة وطنية شاملة مستندة على المرجعيات ومراهنة بالمطلق على دولة يمنية اتحادية».

أضرار شاملة
من جهة أخرى، أحدثت الحرب في اليمن أضرارًا سياسية واجتماعية عميقة في المجتمع اليمني، ويرى الدكتور عبد الباقي شمسان، أستاذ علم الاجتماع السياسي في جامعة صنعاء، أن تلك الأضرار «تتفاوت من حيث منسوبها المحدث مجتمعيًا، وفقًا للإجراءات المتخذة في الحل أو من حيث استمرار الانقلاب، وليس بالضرورة أن يكون الحل وفقًا لتسوية، وإنما كذلك بالفعل الوطني العسكري». ويقول شمسان إن «عدم حدوث الاثنين يحمل مخاطر مجتمعية ذات أبعاد مركبة وطنيًا وإقليميًا ودوليًا».
وخلال العام المنقضي، كما في سابقه، ارتكب الحوثيون انتهاكات جسيمة لم يشهدها اليمن طوال عقود، ويقول الناشط السياسي أحمد الولي لـ«الشرق الأوسط» إن المناطق الخاضعة لسيطرة جماعة الحوثيين، تشهد انتهاكات مريعة بحق المدنيين والمعارضين وصلت إلى الموت تحت التعذيب. وحقًا، وثقت منظمة «مواطنة» في عام 2016 عشرات حالات التعذيب في السجون، أدت إلى حالة وفاة، ناهيك بحالات التعذيب التي أدت إلى الوفاة. كما قتل المئات من المدنيين، بينهم أطفال وجرح المئات في الهجمات العشوائية التي شنها الحوثيون وقوات صالح في مدينة تعز، بجانب عمليات التجنيد للأطفال والاعتقالات التعسفية المتواصلة.
أما الناشط سمير الأبي فيقول إن الحوثيين، الذين اجتاحوا عدة محافظات يمنية بدعم من إيران «لم يراعوا قواعد الحرب ولم يتمتعوا بحب الوطن ومصلحة هذا الشعب، بل كانوا عملاء ومنفذين لأجندة خارجية وفرت لهم كل أنواع الدعم لإنجاح مشروعهم الخاص بهم، ومن ضمن تجاوزاتهم أنهم انتهكوا كرامة الشعب وحقوقه، حيث سيطروا على موارد البلد والعبث بممتلكاته وكأنهم يتعاملون مع أملاك خاصة بهم. بل أسوأ من ذلك، فقد لعبوا باقتصاد البلد وأرغموا الناس على تنفيذ أوامرهم، وهم يواصلون بسط سيطرتهم على مؤسسات الدولة وأموال الخاصة والعامة من الناس».

البحث عن سلام
ومع دخول عام 2017، ما زال اليمن، الذي كان سعيدًا في يوم من الأيام، يبحث عن سلام ينهي حكم الميليشيات التي تحتل معظم محافظات شمال البلاد، بقوة عسكرية غاشمة. ولعل أبرز ما يمكن أن ينقله المرء على لسان عامة اليمنيين، شكرهم العميق لدول التحالف، وفي المقدمة المملكة العربية السعودية بقيادة خادم الحرمين الشريفين، على مواقفه المستمرة والمشرفة والعروبية مع أشقائه اليمنيين.



حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
TT

حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)

تسعى الحكومة اليمنية الجديدة بقيادة شائع الزنداني، لتنفيذ التزامها بالإصلاحات المالية والإدارية، بهدف استعادة الثقة المحلية والدولية في مواجهة تغول الفساد، الذي أظهر تقرير دولي وقوع البلاد ضمن أسوأ 5 بلدان حول العالم في مكافحته، في حين يرى خبراء أن التحدي يتجاوز الإرادة السياسية المعلنة، ليمسّ بنية النظام الاقتصادي والسياسي نفسه.

ووقع اليمن ضمن أسوأ الدول أداءً عالمياً في مكافحة الفساد بالقطاع العام، بعد أن احتلّ المرتبة 177 من أصل 182 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، في تصنيف يعكس انهيار منظومة الحوكمة والمساءلة في الدولة المنقسمة بفعل الحرب، إلى جانب تفشي الرشوة والجبايات غير القانونية.

وتواجه الحكومة اليمنية ضغوطاً داخلية وخارجية لإظهار تقدم ملموس في مكافحة الفساد، خصوصاً مع ارتباط الدعم الدولي بإصلاحات مالية ومؤسسية، وتتعامل حالياً مع البيئة السياسية والأمنية المنقسمة التي تجعل أي إصلاح عميق محفوفاً بتوازنات قوى معقدة.

وتعهد رئيس الحكومة اليمنية الجديدة، شائع الزنداني، مطلع هذا الشهر، بمنح الأولوية لمكافحة الفساد وتعزيز الأداء المؤسسي وتحسين ظروف المعيشة والخدمة للمواطنين، وتسريع الإجراءات ورفع مستويات الأداء.

بعد تشكيل الحكومة الجديدة ينتظر اليمنيون إصلاحات جادة تنهي معاناتهم وتردي المعيشة (رويترز)

ويؤكد فارس النجار، مستشار مكتب الرئاسة اليمنية للشؤون الاقتصادية، أنه لم يعدْ ممكناً اختصار معركة الفساد في إجراءات جزئية أو حملات إعلامية؛ بل بإعادة بناء منظومة الحوكمة المالية وفي بنية مؤسسية واضحة تربط بين السياسة المالية والسياسية النقدية، وتعزز الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام.

ويوضح النجار لـ«الشرق الأوسط»، أن الحكومة عملت على مسارات متكاملة مع الشركاء الدوليين؛ مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وركزت الأولويات على إصلاح الإدارات المالية العامة وضبط الإنفاق، وتطوير بعض آليات التحصيل، وهو ما انعكس في كثير من المشاريع الداعمة للتوجه نحو الحوكمة المالية والنقدية.

ولا تزال مؤسسات الرقابة القضائية والإدارية في اليمن ضعيفة ومن دون استقلالية تامة، مما يجعل تنفيذ مكافحة الفساد وتطبيق القوانين بشكل موحد وفعّال، أمراً صعباً في بيئة سيادية ضعيفة.

إعادة تعريف الفساد

يبدو تراجع اليمن في مؤشر الفساد أكثر من مجرد نتيجة ظرفية للحرب الممتدة لأكثر من عقد؛ بل هو انعكاس لتحول الفساد من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب، ومع استمرار هذا الواقع، يبقى أي معالجات نقدية أو مالية محدود الأثر، ما لم يمسّ جوهر العلاقة بين السلطة والموارد والسلاح.

وقفة احتجاجية في مدينة تعز (قبل سنوات) احتجاجاً على استمرار تردي المعيشة بسبب الفساد (أ.ف.ب)

ويقدّم الأكاديمي اليمني المتخصص في الاقتصاد السياسي للحرب، يوسف شمسان، قراءة بنيوية لأسباب تراجع اليمن في المؤشر، ويؤكد أن الفساد في مرحلة ما قبل الحرب لم يكن انحرافاً عن النظام؛ بل كان جزءاً من آليته التشغيلية.

ووفقاً للتحليل الذي طرحه شمسان لـ«الشرق الأوسط»، مثّل الفساد أداة لضمان استمرار الاختلالات الهيكلية، من خلال تعطيل القوانين وتحويل المؤسسات إلى أدوات لحماية النخبة السياسية والاقتصادية، وبهذا المعنى، لم تكن مكافحة الفساد خياراً واقعياً داخل النظام، لأن محاربته كانت ستعني المساس بأسسه.

وبحسب شمسان، فإن التحول الأخطر حدث بعد اندلاع الحرب، عندما انتقل الفساد من الحماية بالقانون والمؤسسة إلى الحماية بالقوة والسلاح، وأصبح جزءاً من اقتصاد الحرب، ومصدراً رئيسياً للريع والتمويل، ليتمركز في قطاعات سيادية حاسمة، مثل الجيش والأمن والنفط والغاز والمالية العامة والبنك المركزي والكهرباء والمساعدات الإنسانية.

لم تنجُ المساعدات الإنسانية في اليمن من الفساد الذي حولها إلى مورد ريعي وسوق سوداء (رويترز)

وشهدت البلاد خلال سنوات الحرب، إنشاء قوات عسكرية وأمنية وهمية، وازدواجية في مرتبات المنتمين إلى هذين القطاعين، إضافة إلى فساد في عقود الإمداد، وتهريب الوقود والسلاح، بينما أبرمت عقود غير شفافة في قطاع الطاقة إلى جانب إيرادات خارج الموازنة، وتحويل الموارد إلى شبكات نفوذ مسلحة.

اختبار الإرادة

في ظل هذه التعقيدات، تراجع سعر العملة اليمنية بشكل كبير، متسبباً في انهيار القدرة الشرائية وتردي المعيشة بفعل سوء إدارة سعر الصرف، ونهب الإيرادات، وشبكات التحويل غير القانونية، فيما استشرى الفساد بعقود قطاع الكهرباء، وتحولت المساعدات الإنسانية إلى مورد ريعي وسوق سوداء.

من جهته، يرى الباحث الاقتصادي اليمني عبد الحميد المساجدي، أن ترتيب اليمن المتأخر في مؤشر الشفافية الدولية ليس مفاجئاً؛ بل يمثل «تأكيداً رقمياً» على انهيار مؤسسات الدولة.

يمني رفقة أطفاله قرب مخيم للنزوح في مأرب حيث يعاني النازحون من سوء إدارة المساعدات الإنسانية (رويترز)

ويلفت، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن المؤشر يقيس الرشوة، ويعكس ضعف الحوكمة، وتسييس الموارد العامة، وتآكل منظومة الرقابة والمساءلة.

ويعدد المساجدي أبرز مظاهر الفساد خلال السنوات الأخيرة، كازدواجية المؤسسات المالية والنقدية التي أنتجت تضارباً في القرارات وإضعافاً لاستقلال السياسة النقدية، والتوسع في الإنفاق غير المنتج، وغياب الانضباط في إدارة الإيرادات، خصوصاً في القطاعات السيادية واقتصاد الامتيازات والاحتكارات المرتبط بشبكات النفوذ، ما شوّه بيئة المنافسة وأقصى القطاع الخاص الحقيقي.

ويبين أن هذه الممارسات لم تبقَ في إطار الانحراف الأخلاقي؛ بل تحولت إلى عامل اقتصادي مباشر لتآكل العملة، وارتفاع تكلفة الاستيراد، وتراجع الاستثمار المحلي والأجنبي، وزيادة المخاطر السيادية وتكلفة التمويل.

الفساد في اليمن تحول من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب (رويترز)

وبينما ينبه النجار إلى أن برامج التعاون مع البرنامج السعودي لإعادة إعمار اليمن، لم تقتصر على تقديم الدعم المالي؛ بل تضمنت شروطاً لمعايير الحوكمة وآليات الإنفاق وتحسين الخدمات، يتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تركيزاً أكبر على عدد من الإجراءات العملية؛ كتفعيل الحساب الحكومي الموحد وإقرار الموازنة العامة، وتوسيع نطاق الرقمنة.

ويشدد شمسان على أن الدولة التي لا تحتكر العنف والإيراد والقرار لا تستطيع فعلياً محاربة الفساد. وضمن اقتصاد الحرب، وفق قوله، يصبح الفساد عقلانياً ومربحاً ومحمياً بالقوة، ما يجعل الخطاب الإصلاحي غير كافٍ ما لم يُكسر هذا المنطق البنيوي، حيث تكمن نقطة الانطلاق الحقيقية في كسر الحلقة التي جعلت الفساد جزءاً من اقتصاد الحرب.

ولا يستبعد المساجدي إمكانية التحسن؛ لكنه يربطه بشروط واضحة مثل توحيد المؤسسات المالية، وتعزيز استقلال البنك المركزي، وتفعيل أجهزة الرقابة، ورقمنة الإيرادات والجمارك والضرائب، وشفافية كاملة على الموارد السيادية، وربط أي دعم خارجي بإصلاحات قابلة للقياس.


زعيم «الحوثية» يدعم إيران دون التصريح بخوض الحرب

زعيم الجماعة الحوثية مختبئ في مكان غير معروف (أ.ف.ب)
زعيم الجماعة الحوثية مختبئ في مكان غير معروف (أ.ف.ب)
TT

زعيم «الحوثية» يدعم إيران دون التصريح بخوض الحرب

زعيم الجماعة الحوثية مختبئ في مكان غير معروف (أ.ف.ب)
زعيم الجماعة الحوثية مختبئ في مكان غير معروف (أ.ف.ب)

على وقع العمليات العسكرية الأميركية والإسرائيلية الجديدة ضد النظام الإيراني، أعلن زعيم الجماعة الحوثية في اليمن، عبد الملك الحوثي، استعداد جماعته للتحرك في مسارات متعددة سياسياً وشعبياً وإعلامياً تضامناً مع طهران، دون التصريح المباشر بإعلان الحرب إلى جانبها.

وجاءت تصريحات الحوثي خلال خطاب متلفز، مساء السبت، دعا فيه أنصار جماعته إلى الخروج في مظاهرات حاشدة في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء وبقية المناطق الخاضعة لسيطرتها، مؤكداً أن الجماعة في «أهبة الاستعداد لأي تطورات»، وأن التحركات المقبلة ستشمل أنشطة جماهيرية وإعلامية وسياسية تهدف إلى إظهار التضامن مع طهران في مواجهة ما وصفه بالتصعيد الأميركي الإسرائيلي.

ويرى مراقبون أن الدعوة إلى التظاهر تمثل محاولة لإعادة تعبئة الشارع في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، وربط الصراع الداخلي اليمني بالتطورات الإقليمية، حيث ينظر إلى الجماعة بأنها أهم الأذرع العسكرية لإيران في المنطقة.

حشد من أنصار الجماعة الحوثية خلال تظاهرة في صنعاء أمام مبنى السفارة الأميركية (أ.ف.ب)

وزعم الحوثي في خطبته أن الضربات الإيرانية التي استهدفت قواعد عسكرية أميركية في المنطقة تمثل «حقاً مشروعاً»، معتبراً أنها تستهدف الوجود العسكري الأميركي وليس الدول التي تستضيف تلك القواعد.

ويأتي هذا الموقف متسقاً مع الخطاب السياسي والعسكري الذي تبنته الجماعة خلال الفترة الماضية، والقائم على تصوير الصراع بوصفه مواجهة إقليمية واسعة ضد النفوذ الأميركي والإسرائيلي ومناصرة الفلسطينيين في غزة.

ارتهان للمحور الإيراني

خلال الأعوام الأخيرة، تجاوز خطاب الجماعة الحوثية المجال الداخلي للصراع في اليمن، خصوصاً بعد تنفيذ هجمات بحرية وصاروخية مرتبطة بالحرب في غزة، الأمر الذي أدى إلى تصعيد المواجهة مع القوات الأميركية والإسرائيلية التي نفذت بدورها ضربات جوية ضد الجماعة والتي أدت إلى مقتل قيادات عسكرية ومدنية، بينهم رئيس أركان الجماعة وأكثر من نصف وزراء حكومتها الانقلابية.

ويشير محللون إلى أن ربط الحوثيين موقفهم بالتطورات الإيرانية يندرج ضمن ما يُعرف باستراتيجية «وحدة الساحات»، حيث تسعى الجماعة إلى تقديم نفسها كجزء من المحور الذي تقوده إيران، وليس مجرد طرف محلي في النزاع اليمني.

كما أن الدعوة إلى الحشد الشعبي تحمل بعداً داخلياً يهدف إلى تعزيز التماسك التنظيمي في ظل الضغوط الاقتصادية والإنسانية المتفاقمة داخل مناطق سيطرة الجماعة التي تتخوف من إسقاط انقلابها إذا ما فقدت الداعم الرئيسي في طهران.

الجماعة الحوثية المدعومة من إيران تسببت في مقتل أكثر من 300 ألف يمني خلال سنوات الانقلاب (إ.ب.أ)

وتأتي تصريحات زعيم الحوثيين وسط مخاوف دولية من أن يؤدي أي تصعيد إضافي إلى توسيع نطاق المواجهة العسكرية، خصوصاً في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الممرات الحيوية للتجارة العالمية.

وكانت الهجمات الحوثية السابقة ضد سفن مرتبطة بإسرائيل أو متجهة إلى موانيها قد دفعت الولايات المتحدة إلى تشكيل تحالف بحري لحماية الملاحة الدولية، أعقبته ضربات عسكرية استهدفت منصات إطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة، قبل أن تتعهد الجماعة بعدم مهاجمة السفن الأميركية بناء على وساطة عمانية في منتصف 2025.

ويرى خبراء أن إعلان الجماعة الحوثية الاستعداد للتحرك تضامناً مع إيران قد يفتح الباب أمام عودة الهجمات بوتيرة أعلى، سواء عبر الهجمات البحرية أو إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

الموقف الحكومي

في بيان رسمي، حملت الحكومة اليمنية، النظام الإيراني المسؤولية الكاملة عن أي تصعيد يهدد أمن المنطقة، وعن استمرار سياساته القائمة على توسيع نطاق المواجهة عبر أدواته ووكلائه، وما يترتب على ذلك من تقويض لأمن الممرات المائية الدولية، وتهديد مصادر الطاقة، وتعريض شعوب المنطقة لمخاطر حرب مفتوحة لا تخدم سوى مشاريع الفوضى، والتخريب، والإرهاب.

وحذرت الحكومة الجماعة الحوثية من الانخراط بأي مغامرات عسكرية، دعماً للأجندة الإيرانية، أو محاولة استخدام الأراضي اليمنية منصة لاستهداف دول الجوار أو المصالح الدولية، مؤكدة أن أي تصرف من هذا القبيل يمثل عملاً عدائياً ضد اليمن، وتهديداً لمصالح شعبه، وأمنه القومي.

قيود الحوثيين وتعسفاتهم حرمت ملايين اليمنيين من المساعدات الإغاثية (أ.ف.ب)

وجددت الحكومة اليمنية دعوتها المجتمع الدولي إلى اتخاذ موقف حازم إزاء الانتهاكات الإيرانية المتكررة لسيادة الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، والعمل على ردع أي سلوك يزعزع أمن واستقرار المنطقة، ويفتح الباب أمام تصعيد واسع ستكون تكلفته باهظة على الجميع.

وشددت على أن أمن المنطقة مسؤولية جماعية، وأن الاستقرار لن يتحقق إلا باحترام سيادة الدول، والكف عن دعم المليشيات المسلحة، والامتثال الصارم لقواعد القانون الدولي.


البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن يودع دعم معالجة عجز الموازنة اليمنية

الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي (البرنامج السعودي)
الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي (البرنامج السعودي)
TT

البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن يودع دعم معالجة عجز الموازنة اليمنية

الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي (البرنامج السعودي)
الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي (البرنامج السعودي)

وقّع البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن اتفاقية مع وزارة المالية اليمنية، للبدء في إيداع الدعم الاقتصادي البالغ 1.3 مليار ريال سعودي؛ إنفاذاً لتوجيهات القيادة السعودية، المُخصصة لتغطية النفقات التشغيلية والرواتب.

وتأتي الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية، وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي، بما يعزز الاستقرار الاقتصادي ودعم التعافي المستدام في اليمن، حيث مثّل وزارة المالية اليمنية مروان بن غانم وزير المالية، فيما مثّل البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن المشرف العام السفير محمد آل جابر.

الاتفاقية تعزيزاً للحوكمة المالية والشفافية وفق إطار متكامل من التعاون المؤسسي (البرنامج السعودي)

ومن المنتظر أن يسهم الدعم في معالجة عجز الموازنة، وتعزيز قدرة الدولة اليمنية على الإيفاء بالتزاماتها ودعم جهود الإصلاح الاقتصادي، ترسيخاً لدعائم الاستقرار المستدام، وينعكس إيجاباً على تعزيز القوة الشرائية، وانتظام الدخل للأسر، وتحسين مستوى المعيشة، وكذلك تنشيط الأسواق التجارية.

كما يساهم الدعم في تعزيز قدرة المؤسسات اليمنية على مواصلة تقديم الخدمات للشعب اليمني، وتخفيف حدة الضغوط الاقتصادية والاجتماعية، وتعزيز احتياطيات النقد الأجنبي، تحقيقاً لمستوى من التوازن المالي ودعم استقرار الاقتصاد الكلي.

ويُعدّ هذا الدعم الاقتصادي امتداداً لسلسلة الدعوم الاقتصادية والتنموية المقدمة من المملكة العربية السعودية، وشملت ودائع ومنحاً لصالح البنك المركزي اليمني ومنحاً للمشتقات النفطية، وكذلك مشاريع ومبادرات تنموية عبر البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، وشكّلت إحدى الدعائم الرئيسية نحو التعافي الاقتصادي في اليمن.

كما يمتد دعم البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن ليشمل مساراً متكاملاً لبناء القدرات المؤسسية، الذي انطلق منتصف عام 2021، واستهدف وزارة التخطيط والتعاون الدولي ووزارة المالية اليمنية، تعزيزاً لقدرات الكوادر اليمنية، وتمكين الجهات الحكومية من تشخيص احتياجاتها، وتقييم قدراتها، والارتقاء بأدائها، بما ينسجم مع أفضل الممارسات.

يُعدّ هذا الدعم الاقتصادي امتداداً لسلسلة الدعوم الاقتصادية والتنموية المقدمة من السعودية (البرنامج السعودية)

ويساهم البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن في بناء وتنمية القدرات الحكومية وتطوير الكوادر بمختلف المستويات: المؤسساتية، والفنية، والأصول المجتمعية، عبر نقل الخبرات وتطوير الكفاءات الإدارية والفنية في مختلف القطاعات الأساسية والحيوية، حيث يمثل تعزيز قدرات المؤسسات الحكومية خطوة محورية في تعزيز الاستقرار وتحفيز النمو الاقتصادي.

عاجل تصاعد سحب الدخان من محيط السفارة الأميركية في الكويت (رويترز)