المتطرفون يعززون مواقعهم في ليبيا

آخر الأفواج تضم عناصر خطرة من مصر وتونس والعراق وسوريا

المتطرفون يعززون مواقعهم في ليبيا
TT

المتطرفون يعززون مواقعهم في ليبيا

المتطرفون يعززون مواقعهم في ليبيا

في اجتماعات لم تستغرق أكثر من يومين في قاعة مجاورة لمطار القاهرة الدولي، بدا أن مسؤولين في أجهزة أمنية إقليمية يتحركون بسرعة أكبر من المعتاد على خلفية تفجيرات وأعمال إرهابية شهدتها أخيرا دول في منطقة الشرق الأوسط وأوروبا. وتشير المعلومات إلى نزوح عدد كبير من المتطرفين إلى ليبيا التي تشهد هشاشة أمنية وتهيمن فيها جماعات غير منضبطة على عدة مطارات وعلى منظومة السجل المدني وجوازات السفر. ووضع أحد ضباط الأمن خطا تحت اسم رجل ليبي يدعى «ديكنة». هل هو في تركيا أم في مصر أم في أوروبا؟ وبدا للوهلة الأولى أن الرجل خطير، وأن له علاقة بأعمال تفجيرات في مكان ما في المنطقة. لم تكن هناك إجابة واضحة. لكن الضابط، وهو ليبي أيضا، التفت وقال ما معناه إن «ديكنة» كان تحت رقابة أمنية مستمرة تتعاون عليها عدة أجهزة. ثم اختفى فجأة قبل أيام من تفجير الكنيسة البطرسية في العاصمة المصرية.
رغم كل شيء تضفي أشجار أعياد الميلاد (الكريسماس) المزينة بالفوانيس الملونة السعادة أمام القاعة في مطار القاهرة الدولي، وتنساب موسيقى البهجة من المتنزهات القريبة. لكن يوجد خلف باب غرفة الاجتماعات المجاورة للمصعد، عمل محموم يقوم به ضباط يحاولون إنقاذ ما يمكن إنقاذه. ويقول أحد المسؤولين الأمنيين كأنه يلهث: تحركات المتطرفين سريعة... سريعة للغاية. كل يوم يجد جديد. وهذا أمر مرهق.
وفي وقت الاستراحة القصير بدا من إفادات أحد المشاركين الآخرين ممن جاءوا من وراء البحر بالطائرة على عجل، أن عبء المراقبة والتتبع للمتطرفين أصبح أكبر صعوبة من السابق بكثير، خاصة بعدما شددت القوى الدولية والإقليمية من ضرباتها على مواقع تنظيم داعش في العراق وسوريا وملاحقة المجاميع المتطرفة عبر العالم، مع التدقيق في عمليات التحويلات المالية المشبوهة وتحركات المشتبه في علاقتهم بالأعمال التخريبية. هذه ليست قضية محلية... أصبحت مسألة دولية... «الإرهابي هنا يمكن أن يتسبب في كارثة هناك».

الغالبية عرب
يقول الضابط، وهو مسؤول أمني إقليمي، إن مجاميع من المتطرفين، أغلبهم عرب وبينهم من يحمل جنسيات دول أوروبية، يعززون مواقعهم في ليبيا بشكل لافت لتنفيذ عمليات إرهابية عابرة للحدود، خاصة في دول الجوار وعدة دول شمال البحر المتوسط. وكان المسؤول المشار إليه من ضمن قادة وصلوا إلى هنا بالتزامن مع لقاء عربي - أوروبي نظمته الجامعة العربية حول الإرهاب والهجرة غير الشرعية وغيرها من القضايا الملتهبة في المنطقة.
وفي المساء رشح من كواليس المناقشات الحامية أن هناك مجموعة متطرفين عرب يقودهم رجل آخر يبدو أنه ليبي الجنسية أيضا، أفلت من المراقبة خلال الأسابيع الأخيرة، رغم خطورته، يدعى «مرجيني». ويضيف المسؤول الأمني وهو يحمل بين يديه ملفا كبيرا من الأوراق والأقراص الإلكترونية المدمجة، أن كلا من «ديكنة» و«مرجيني»، يشتبه في انتمائهما لجماعة الإخوان الليبية، وأنهما يستغلان مكتبا في مصراتة لاستقبال متطرفين من الخارج، من بينهم مجموعة تضم مصريين من سيناء وفلسطينيين من غزة، تمركزت في المدينة نفسها التي تقع على بعد 200 كيلومتر إلى الشرق من طرابلس.
ويشير إلى أنه منذ مطلع الشهر الماضي، جرى التخطيط في المكتب المشار إليه لتنفيذ أعمال إرهابية عابرة للحدود. وتم تخصيص مبلغ يصل إلى نحو 30 مليون دولار لهذا الغرض، وفقا لمصادر التحقيقات.

مصراتة في الواجهة
ويقول مصدر أمني مقرب من المجلس الرئاسي الليبي إن قيادات سياسية وعسكرية تنتمي لمدينة مصراتة اكتشفت هذا النشاط الذي رأت أنه «يسيء لمصراتة التي قدمت آلافا من أبنائها بين قتيل وجريح أثناء محاربتهم المتطرفين في سرت». وبدأت إجراءات التحقيق التي يشارك فيها مسؤول مهم في الاستخبارات العسكرية الليبية. ومن بين المقترحات التي جرى التعاطي معها لكبح جماح نشاط المكتب المشار إليه، مصادرة الأموال التي تم تخصيصها للمجموعات الليبية والعربية المتطرفة. ويشمل ملف التحقيق - وفقا للمصدر نفسه - تسجيلات فيها تخطيط «ديكنة» و«مرجيني» لتنفيذ عمليات تخريبية قبل أيام من تفجير الكنيسة البطرسية في القاهرة. وما زال البحث عن الرجلين مستمرا عبر عدة دول في المنطقة.
ويعتقد رجال الأمن أن هناك معلومات جديدة ومهمة عن خطط أخرى لتنظيم داعش في منطقة الشرق الأوسط وأوروبا انطلاقا من ليبيا. ومن هذه المعلومات أن من بين قيادات «داعش» التي فرت من العراق وسوريا إلى ليبيا أخيرا رجلا لبناني الجنسية يدعى «أبو طلحة»، وتونسيا يلقب بـ«أبو حيدرة»، وجزائريا يعرف بـ«مُعِز»، وصوماليا يدعى «حسن»، إضافة إلى اسم القائد الجديد لما يسمى «ولاية طرابلس» ويدعى «أبو حذيفة المهاجر».
وتشير المعلومات إلى تحركات تقوم بها مثل هذه القيادات في ضواحي طرابلس الغرب وما حولها. وهذا في حد ذاته أمر مربك للمحققين، لأن «أبو طلحة» و«أبو حذيفة» كان يعتقد أنهما قتلا في الهجمات التي تشنها القوات العراقية المدعومة دوليا على تنظيم داعش في الموصل. وبدأت عملية طويلة من إعادة ترتيب الأوراق وتسلسل الأحداث لمعرفة ماذا يجري على الساحل الليبي المواجه لأوروبا الذي يبلغ طوله ألفي كيلومتر.
قضبان السكك الحديدية التي تتحرك عليها المجموعة التابعة لكل من «ديكنة» و«مرجيني» تختلف تماما عن قضبان السكك الحديدية التي يسير عليها قطار الدواعش القادمين من العراق وسوريا، لكن التحقيقات تقول إن هذين الطريقين يتلاقيان أحيانا في بعض التقاطعات. ويتعاونان أيضا.
فالمجموعة التي فيها «أبو طلحة» دخلت إلى ليبيا بمساعدة من قيادي يشرف أساسا على تحركات «ديكنة» و«مرجيني». لكن مركز انطلاق هذين الأخيرين كان من خلال فرع مكتب في بلدة مصراتة يديره زعيم سياسي لحزب ديني.
أما تحركات مجموعة الدواعش فتتركز في كل من طرابلس والخُمس وصبراتة والزاوية، وكلها قريبة من الحدود مع تونس. ويديرها رجل مقرب من الخليفة المزعوم أبو بكر البغدادي. وهذا الرجل ما زال يقيم في الموصل على ما يبدو، ويدعى «الشيخ ياسين».

تعاون أمني إقليمي
ويظهر أن تعاون رجال الأمن في منطقة الشرق الأوسط قادر على فك الكثير من الطلاسم. فاسم «أبو طلحة» اللبناني موجود أيضا في ملفات قديمة، حيث كان من بين مجاميع متطرفة تنشط في آسيا، خاصة أثناء محاربة الاتحاد السوفياتي في أفغانستان في ثمانينات القرن الماضي. ومن الأوصاف المذكورة عن ملامحه التي كان عليها في ذلك الزمن الغابر أنه ذو وجه مستدير وشعر أشقر، ويميل إلى التحدث في تخاطبه اليومي مع الآخرين باللغة العربية الفصحى المتقنة.
كما يسود اعتقاد أن المرة الأولى التي دخل فيها «أبو طلحة» إلى ليبيا كانت في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، حيث وصل إلى مدينة سرت عبر زورق بحري رفقة «أبو حيدرة» و«أبو الزبير الدمشقي» وآخرين. ثم اختفى وعاود الظهور في ليبيا مجددا بعد تزايد الضربات ضد «داعش» في الموصل.
ويعود الظهور الجديد لـ«أبو طلحة» في المناطق القريبة من طرابلس إلى منتصف الشهر الماضي. ومنذ ذلك الوقت بدأ ينشط بقوة في أوساط الدواعش، خاصة في مدينة الزاوية التي جرى فيها رصد تعاون عسكري بين قيادات التنظيم المتطرف وقيادات من جماعة «ديكنة» و«مرجيني»، خلال حرب الزاوية التي أحرقت أطراف المدينة في الأسابيع الأخيرة.
ووفقا للمصادر الأمنية يعد لواء الفاروق الداعشي الذي له وجود في كل من مصراتة والزاوية أحد المشتركات بين المجموعتين المشار إليهما. ويقود لواء الفاروق في الزاوية رجل ليبي يدعى «هدية». بينما يتولى «أبو طلحة» الإشراف بنفسه على فرع مصراتة بعد مقتل قائده «غليو» في الحرب في سرت مطلع الشهر الجاري.
وجرى جلب غالبية المنتمين للواء الفاروق منذ البداية، من جماعة «أنصار بيت المقدس» التي تنشط أساسا في سيناء بمصر، ومن بقايا لجماعة الإخوان المصريين المبعثرين في عدة دول بالمنطقة منذ الإطاحة بحكم الرئيس الأسبق محمد مرسي... بالإضافة إلى مقاتلين تونسيين من جبل الشعانبي منتمين لما يعرف بـ«أنصار الشريعة». وتدرب كل هؤلاء لبعض الوقت في معسكر يقع في بلدة تاورغاء المهجورة قرب مصراتة.
المحزن في الأمر أن مجموعة داعشية جرى القبض على خمسة منها في نهاية المطاف، الأسبوع الماضي، يتبعون «أبو طلحة»، شعروا منذ وقت مبكر من هذا الشهر بوجود ملاحقة لهم. واتهمت مجموعة «أبو طلحة» في منطقة الخُمس عائلة رجل يسمى «إحميدة» بأنه هو من يبلغ بتحركاتهم. وعلى هذا قتل الدواعش «إحميدة» في منزله مع ابنيه الاثنين وابنته. واتضح فيما بعد أن الرجل لا علاقة له بالأمر من قريب ولا من بعيد، لكن هذا كان بعد فوات الأوان.
وبينما كانت تحركات المجموعة الإخوانية الليبية، انطلاقا من مصراتة، بمن فيها الرجلان الغامضان «ديكنة» و«مرجيني»، تستهدف الخارج، كان نشاط الدواعش يصب في اتجاه عكسي، أي من الخارج إلى الداخل، خاصة من العراق وسوريا. ويعتقد أن من دخلوا ليبيا في الأسابيع الأخيرة قادمين من الموصل، يحملون كنزا من المعلومات. لكن وصول أجهزة الأمن إلى تفاصيل كل ما يدور في ليبيا يبدو أمرا صعب المنال في ظل الفوضى التي تعم هذا البلد.

مؤشرات للمستقبل
بيد أن ما جرى التوصل إليه حتى الآن يمكن أن يكون مؤشرا لما قد يحدث في المستقبل. وتتضمن المعلومات التي جرى تسريبها خططا غامضة مبنية على رموز معقدة للتنظيم المتطرف في كل من ليبيا ومصر وتونس والجزائر ومالي إضافة لأوروبا. ويبدو حتى الآن أن هذه الخطط جرى وضعها على أيدي قادة التنظيم في العراق وسوريا وهم يشعرون بقرب الهزيمة هناك.
ومن بين المعلومات التي رشحت أن عددا ممن تم نقلهم من التنظيم من العراق وسوريا إلى ليبيا بلغ حتى منتصف هذا الشهر نحو ألف عنصر. وفيها أيضا أن قائد تنظيم داعش في مصر يلقب بـ«أبو إكرام» ويقيم في ليبيا، ومسؤول عن سيناء والإسكندرية والقاهرة.
وجرى تكليف «أبو حذيفة» بالإشراف على نشاط الدواعش على الحدود الليبية مع الجزائر ضمن مسؤولياته عن نشاط التنظيم في الجنوب. وفيما يتعلق بخطط «داعش ليبيا» في تونس فقد تبين وفقا للمعلومات التي أمكن التوصل إليها، وجود تعليمات بسحب تجمعات الدواعش من منطقة جبل الشعانبي التونسية، ونشرهم في الأوساط العامة لكي يتجنبوا أي عملية استهداف من جانب السلطات التونسية، وكذلك تحويل النشاط الداعشي إلى الجنوب التونسي خاصة في مدينة القصرين.
ووفقا لعملية تبادل لمعلومات استخباراتية بين أجهزة أمنية تعمل في المنطقة، فقد جرى الربط بين «أبو طلحة» عقب وصوله إلى ليبيا أخيرا، وخلية إرهابية تنتمي لـ«داعش» في دولة بلجيكا يقودها رجل عراقي يلقب بـ«أبو الأشعب»، وخلية أخرى في فرنسا يقودها مغربي يلقب بـ«أبو قداد». ومعروف أن هذين البلدين شهدا نشاطا دمويا لـ«داعش» خلال الشهور الماضية.
أما فيما يتعلق بـ«ديكنة» الذي تلاحقه عدة أجهزة أمنية في المنطقة، فتقول معلومات جديدة إن لديه مقرا آخر خارج مصراتة يقع في العاصمة طرابلس، وجرى رصد عملية تحويل منه لمبلغ خمسين ألف دولار وتسلمه أحد أقاربه في هذا المقر قبل يومين. ويقول مسؤول أمني: التحويل جرى من خارج ليبيا، دون مزيد من التفاصيل. لكن هذا في حد ذاته يشير إلى أن «ديكنة» ربما ما زال خارج ليبيا بالفعل.
وتضيف معلومات أشرف عليها مسؤول في المخابرات العسكرية المختصة بمنطقة شرق طرابلس، أن مطار مصراتة استقبل خلال الأسابيع الماضية مجموعات من حركة حماس ومن جماعة أنصار بيت المقدس، وأن هؤلاء عقدوا اجتماعات في المكتب الإخواني المشار إليه، ما أثار حفيظة السلطات الأمنية في المدينة. ووجه المسؤول الاستخباراتي أسئلة بهذا الخصوص إلى المكتب الإخواني بالمدينة، فأجابه بأن هذا نشاط حزبي ومن جاءوا هم ضيوف على الحزب.

نشاط غير مسبوق
ورفع المسؤول الاستخباراتي مذكرة إلى أعضاء في المجلس الرئاسي من بينهم مختص بالأمن القومي، ذكر فيها أن الاجتماعات التي تعقد في المكتب الإخواني في مصراتة «موجهة ضد مصر» و«تتضمن إدارة مجموعات للتخريب في مصر يجري تدريبهم في منطقتي زوارة والزاوية (قرب طرابلس)». وبالإضافة إلى اسمي «ديكنة» و«مرجيني» ظهر اسم ثالث لرجل ليبي يدعى «حويتة»، يقوم بالتنسيق العابر للحدود بين المجاميع العربية المتطرفة انطلاقا من الأراضي الليبية، وقالت المذكرة إنه يعد الأخطر من بين من شاركوا في اجتماعات المكتب الإخواني أخيرا.
ويقول مسؤول في الاستخبارات الليبية على علاقة بالمجلس الرئاسي، إن أعضاء في المجلس تسلموا عدة مذكرات عن نشاط كبير وغير مسبوق لقيادات من عدة تنظيمات من بينها أنصار بيت المقدس (معظمهم مصريون) وجماعة الإخوان (بينهم ليبيون أحدهم عضو في التنظيم الدولي) وتنظيم داعش (منهم فارون من الحرب في العراق وسوريا) وتنظيم القاعدة (معظمهم ليبيون).
وأضاف أن من بين هذه المذكرات ما قدمه مسؤول في فرع الاستخبارات العسكرية في شرق العاصمة الليبية، وتبين منها أن معظم تلك التنظيمات استغلت انشغال القوات التابعة للمجلس الرئاسي في الحرب على «داعش» في سرت طيلة الشهور الخمس الماضية، واتخذت لها مقرات لإدارة عمليات داخلية وأخرى عابرة للحدود، انطلاقا من مدن ومناطق «مصراتة» و«الخُمس» و«الزاوية» و«زوارة» و«مسلاتة».
وكشفت تقارير أمنية ليبية اطلعت «الشرق الأوسط» على جانب منها خلال اليومين الماضيين، عن أن آخر الأفواج التي دخلت ليبيا تضم عناصر خطرة من مصر وتونس والعراق وسوريا وغيرها. وعلى صعيد الموقف في مدينة سرت، التي جرى الإعلان عن تحريرها من الدواعش الأسبوع الماضي، تقول أحدث معلومات فريق الاستطلاع في مصراتة عن الوضع في سرت إنه جرى رصد تنظيم داعش وهو يعيد رص صفوفه فيها من جديد، مع توافد مقاتلين من العراق وسوريا على المدينة، وإن «أبو حذيفة» يتولى ترتيب هذه العملية، حيث قام بزيارة إلى سرت يوم 19 من الشهر الجاري.
ويبدو التطور في عمل المتطرفين في ليبيا مثيرا للقلق في أوساط الاستخبارات الليبية والقيادات السياسية في طرابلس الغرب. ووفقا لمصادر عسكرية مسؤولة عن مناطق شرق العاصمة الليبية، وتتعاون مع حكومة الوفاق الوطني، فقد جرى إخطار كل من الأمم المتحدة وأطراف عربية وأوروبية بالخطر الجديد.
وفي اليوم التالي من اجتماعات القاعة القريبة من مطار القاهرة بدا أن هناك اتفاقا بين أطراف من عدة دول على مواصلة التعاون وبذل مزيد من الجهود لملاحقة قيادات المتطرفين، خاصة أولئك الذين يتخذون من ليبيا مركزا للانطلاق في دول الجوار وعبر البحر المتوسط.



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.