المستشرق ويليام بولك: «النفوذ» أحب مكان لي في العالم

المستشرق ويليام بولك: «النفوذ» أحب مكان لي في العالم

استرجع في حديثه لـ«الشرق الأوسط» ذكرياته بجزيرة العرب وأهم المحطات التي مرّ بها
السبت - 18 شهر ربيع الأول 1438 هـ - 17 ديسمبر 2016 مـ
المستشرق ويليام بولك في حديث ودي مع رفيق رحلته زامل بن سلطان الدوسري (تصوير: سعد الدوسري) - بولك يستخدم البوصلة لمعرفة اتجاه مساره - عند الظهيرة يحطون الرحال ويستديرون حول مائدة من التمر والماء - بولك الفتى عندما قدم من نيويورك في بواكير الصبا - بولك على يسار أحد رفقائه السعوديين مرتديا عقالا منحه إياه في طريق رحلته

رغم وصوله سن متقدمة جدا من العمر، ما زال المستشرق والسياسي الأميركي المخضرم والمهتم بالثقافة العربية الرحالة الدكتور ويليام بولك، يحمل بين جوانحه وفاء وحبا للجزيرة العربية بروح الشباب، يتذكر أدق تفاصيل رحلته التي خطط لها في أول زيارة للمملكة عام 1953، حيث وصفه الأمير سلطان بن سلمان رئيس هيئة العامة للسياحة والتراث الوطني بالحكيم والمفكر.
يقول بولك، في حديث خاص لـ«الشرق الأوسط»: «عشقت هذه الأرض وعشقت أهلها، وعشت بينهم كواحد منهم، تشبعت وتشربت ثقافاتهم وتقاليدهم وحضارتهم الراسخة، وأكثر ما حفزّني لتكبّد المشاق لأول رحلة لي بين الرياض وعمّان ركوبا على الجمال، ما عرفته من شعر جاهلي رصين ومعان كبيرة جدا وحضارة راسخة، خاصة قصائد الشاعر العربي الكبير لبيد بن ربيعة التي ترجمتها للإنجليزية بجامعة أكسفورد».
وتذكر بولك: «طلبت أن تكون رحلتي على الطريقة التقليدية القديمة في التنقل، وارتديت الثوب والشماغ بدلا من الجينز والقميص، وما زلت أحتفظ بهما منذ 40 عاما».
وأضاف: «كثيرة هي الذكريات والمحطات المهمة التي عشتها في جزيرة العرب متنقلا بين الرياض وعمان، لأتتبع أثر الشاعر لبيد بن ربيعة من خلال ما جاء في قصائده الكبيرة، حيث كنت أجسد من خلالها مواقع ترحاله وإقامته وأوقات ومواقع لقاء محبوبته، كان زمان الحياة جدا بالقيم العربية الأصيلة من كرم ومروءة وشهامة».
وتابع: «إن النفوذ شيء عظيم حيث تسود الحياة قديما مناظر الجمال وعليها الرحل وهي تشق طرقا ووهادا ورملا مدى البصر، ولا أخفي سّرا أنني أحب النفوذ حبا ما زال مسيطرا علي حتى الآن، واليوم تغير الحال كثيرا عن الأمس»، مشيرا إلى أن الناس في ذلك الزمان، كانت تغلب عليهم حياة البدوية من حيث طريقة الحياة من مأكل وملبس ومشرب ومواصلات، حيث كانت الجمال هي الدابة الأكثر رواجا.
ويعتقد بولك أن السعودية التي كرمته ومنحته فرصة التنقل بين أرجاء الجزيرة العربية، جعلته يكّن لها حبا ووفاء كبيرين، مستدلا على ذلك بزيارته الأخيرة هذه للرياض، مؤكدا أن الرياض بين اليوم والأمس تغيرّت كثيرا، حيث كانت في الماضي بنايات من اللبن الأخضر والآن أصبحت عاصمة نموذجية كثيرة المباني الشاهقة وتتوفر فيها كل أسباب الحياة من حيث البنى التحتية النموذجية.
وعند السؤال عن شخصية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، توقف بولك كثيرا قائلا: «الملك سلمان، رجل عظيم يحب وطنه وشعبه، وهو رجل صاحب تجربة كبيرة في إدارة شؤون البلاد، وما زلت أذكر كيف أنه كان حصيفا في إدارته الرياض عندما كان أميرا لها، وخلالها أثبت شخصية الإداري والقائد والحاكم المحنك».
وزاد: «وهو أيضا رجل مثقف ويحب العلم والعلماء والثقافة ومعتد جدا بعروبته ودينه الإسلامي والحضارة العربية والإسلامية يجسدها دوما في أفكاره ورؤاه وخططه وأقواله وأفعاله، والآن يقود الملك سلمان بحنكته المعروفة ووطنيته المعروفة دفة الحكم في بلاده بنفس هذه القيم النبيلة النادرة».
وأضاف: «ولذلك فالبلد في أياد أمينة، ما يضمن استمرارية المملكة في أن تلعب دورها المشهود من أجل استقرار المنطقة، واليوم تناولت الغداء مع ابنيه الأمير سلطان والأمير فيصل، وأعتقد أنهما ورثا منه خصاله الجميلة وكرمه الفياض».
ومع كل ذلك لم ينس أن يقول المستشرق بولك كلمة حق فيما يدور في سوريا وحلب بالقول: «الوضع في سوريا أقل ما يقال عنه مأساوي بمعنى الكلمة، ولا بد للمجتمع الدولي والأمم المتحدة أن يعلبوا دورا أكثر فعالية ويتناسب مع الحالة المأساوية التي يعيشها أهل حلب حاليا، وكانت لي زيارة سابقة لسوريا وأحببتها وأحببت شعبها، وأتمنى أن يحل السلام في ربوعها، أناشد الأمم المتحدة والمجتمع الدولي أن يضعوا حدا لهذه الكارثة الحرب لا بد تتوقف».
ولفت نظر «الشرق الأوسط»، إلى وجود أحد أصدقاء بولك من السعوديين الذين رافقوه في رحلته من الرياض إلى عمّان في ذلك الزمن الغابر، وهو زامل بن سلطان الدوسري، حيث يقول: «كان الدكتور ويليام بلوك قد تقدم بطلب القيام برحلة استكشافية من الحكومة السعودية، ووقتها كان الملك فيصل، لتمثيل الشاعر العربي المعروف لبيد بن ربيعة، ليعيش معلقته الشهيرة في مواطنها ومواقعها وما حدث فيها ذكريات عاشها هذا الشاعر العربي».
وذكر أن الملك فيصل حوّل طلب المستشرق بلوك إلى الملك سلمان بن عبد العزيز، حيث كان وقتها أميرا للرياض، فطلب بدوره أن يرافقه مجموعة من الأفراد في رحلته البريّة من الرياض إلى عمّان عام 1972، استغرقت 40 يوما، وكان عددهم خمسة أفراد من السعوديين، حيث كانوا يسيرون على الجمال التي كان بلوك في بداية الأمر يتعثر في الركوب عليها، ولكنه بمرور الوقت أصبح متمكنا من ركوب الجمال بعد نال مزيدا من التدريب على ذلك.
ونوه أن بولك كان شديد الوله بتمثيل حياة الشاعر العربي المعروف لبيد بن ربيعة وتجسيده من خلال ما ذكره في معلقته الشهيرة، وما حملت من حبه لحبيبته شعرا مع ذكر المواقع والأوقات ومشاهد من الحياة التي كانت تحيط بتلك الأحداث في ذلك الزمان البعيد، من حيث مكان المبيت ومكان الرحيل إلى آخره، وهو كان في كل مرة يستمع للمعلقة حسب الموطن المعين ومن ثم يترجم المعاني ويوثق المكان والزمان.
يذكر أن بولك قد ألقى محاضرة مساء الأربعاء تحت عنوان «رحلة إلى الماضي العربي» في قاعة التوحيد بالمتحف الوطني في الرياض، بحضور الأمير سلطان بن سلمان رئيس الهيئة العليا للسياحة والآثار، تحدث خلالها الرحالة الذي انتقل من ولاية تكساس إلى صحراء النفوذ، وتنقل بالجمال مع البدو بدلا من استخدام سيارة وفرها له الملك فيصل يرحمه الله.
يشار إلى أن بلوك أصدر كتابه عما يسميه العلاقات بين الإسلام والشمال، وقد أتى إلى المملكة ورأى فيها نقطة توازن للعالم، وتمثيلا للحضارة الإسلامية المتوازنة، وما زال منذ زيارته الأولى للمملكة يرى فيها وفي تراثها الذي تتمسك به وسيلة لحفظ السلام في العالم، وهذا هو السبب الرئيسي لإلقاء محاضرته.
وتحدث الأمير سلطان عن بولك، بأنه كان مستشارا للكثير من الرؤساء الأميركيين واشترك بشكل كبير في الشؤون العالمية، وقد أصدر الكثير من المؤلفات خلال وجوده في جامعة أكسفورد في منتصف القرن الماضي، وأراد أن يرى ويعيش التجربة بنفسه فقام بزيارة المنطقة لأول مرة واكتشف حقيقة الكثير من المفاهيم المغلوطة التي كانت لديه.
وقال الأمير سلطان: «نتعلم اليوم ليس فقط عن هذه الرحلة ولكن عن حكمته على مدار السنين عن العالم عن حياتنا وعن الإسلام الأكثر تنويرا، ونحن محظوظون بوجوده هنا، حيث قمنا بترتيب ذلك في فصل الصيف، عندما قابلته في أوروبا، وتحدثت مع الملك سلمان، الذي أراد أيضًا أن يراه، وقابله وقضى وقتا رائعا معه، وتحدث عن المملكة وشعبها وما يمر به العالم اليوم، وكيف أن المملكة كدولة وشعب لها دور في السلام وتهيئة السبل لعالم أكثر استقرارا في المستقبل».


اختيارات المحرر

فيديو