جنرالات ترامب صقلتهم الحروب ويعتبرون إيران من الأخطار الوخيمة

ماتيس وكيلي يحظيان باحترام كبير داخل مؤسسة السياسة الخارجية

مايكل فلين  -  جيمس ماتيس  -  جون كيلي
مايكل فلين - جيمس ماتيس - جون كيلي
TT

جنرالات ترامب صقلتهم الحروب ويعتبرون إيران من الأخطار الوخيمة

مايكل فلين  -  جيمس ماتيس  -  جون كيلي
مايكل فلين - جيمس ماتيس - جون كيلي

يشكل الرئيس المنتخب دونالد ترامب فريق الأمن القومي الجديد من الجنرالات المتقاعدين الذين يتقاسمون موقفا عميقا من عدم الثقة بإيران، ووصفوا مخاطر التطرف بعبارات أكثر من مريعة وبما يفوق تقديرات المسؤولين في إدارة الرئيس أوباما ومجتمع الاستخبارات الأميركي.
ويمثل ثلاثي الجنرالات المتقاعدين النواة الناشئة لإدارة الرئيس ترامب، والتي هي على خلاف قائم مع جهود إدارة الرئيس أوباما لإقناع الرأي العام الأميركي بأنه بعد مرور 15 عاما على هجمات الحادي عشر من سبتمبر (أيلول) 2001 لا يزال الإرهاب يشكل تهديدا مستمرا على الأمة، ولكنه لا يرقى لدرجة الخطر الوجودي الداهم.
وتقطع آراء الجنرالات الثلاثة الطريق على تيار السياسات الأميركية الهادف إلى تمكين السياسيين المعتدلين في إيران، وعلى تقديرات مجتمع الاستخبارات الأميركية بأن الإرهاب لم يعد يقف بمفرده على قائمة أعلى التهديدات للأمن العالمي المفعم في الوقت الراهن بمخاوف من الهجمات الإلكترونية، وتجدد العدوان القادم من جانب الصين وروسيا.
وآراؤهم، والتي هي أبعد ما تكون عن التوحد والاتساق، قد تأثرت وبشكل كبير على مدى الـ15 عاما الماضية من خلال الخسائر البشرية الفادحة في ميادين القتال، وتراجع الاهتمام العام في البلاد حيال الحروب الخارجية والنظرة القريبة المعادية للعدو الذي لا يرحم.
من شأن هذه التجارب أن تدفع بالجنرالات مايكل فلين، وجيمس ماتيس، وجون كيلي، إلى الحث على توخي مزيد من الحذر في مناقشات إدارة ترامب المقبلة حول استخدام القوة العسكرية في الخارج. ولكن الزملاء السابقين والخبراء قالوا إن الجنرالات الثلاثة من المرجح أيضا، بحكم التدريب والخبرات المكتسبة، أن يكتشفوا النوايا الخبيثة أو ينظروا إلى العالم من زاوية الصراع القائم بين الخير والشر.
يقول ستيفن بيدل، البروفسور في جامعة «جورج واشنطن» والمستشار المعروف للجيش الأميركي في العراق وأفغانستان: «إن طبيعة المهمة في الجيش تقضي بتحمل المسؤولية حيال التهديدات الموجهة ضد الأمة وتلقي اللوم الكامل إن لم تكن الأمة مستعدة بما فيه الكفاية. وإنهم يميلون للتركيز الشديد على التهديدات ذات الصلة بالمدنيين، كما يميلون للتعامل مع هذه التهديدات من زاوية أكثر خطورة وترويعا».
دقت البيانات الصادرة والمدونات المنشورة على الإنترنت، من قبل الجنرال مايكل فلين، الذي رشحه ترامب لمنصب مستشار الأمن القومي الأميركي، نواقيس الخطر، وأشاعت حالة من القلق العارم في أوساط محللي الاستخبارات ومؤسسة السياسة الخارجية الأميركية.
فلقد كتب الجنرال فلين في كتابه الأخير الذي يحمل عنوان «ميدان القتال» يقول: «إننا في حرب عالمية، ولكن القليل من المواطنين الأميركيين يدركون ذلك، والأقل منهم ليست لديهم أدنى فكرة عن كيفية النصر فيها». كما أنه أساء، مرارا وتكرارا، إلى الإسلام. إذ قال في تغريدة نشرها على حسابه في موقع «تويتر» في وقت سابق من العام الحالي: «إن الخوف من المسلمين أمر عقلاني».
والجنرالان ماتيس وكيلي اللذان رشحهما ترامب في منصبي وزير الدفاع ووزير الأمن الداخلي على التوالي، كانا أكثر تحفظا في تصريحاتهما بشأن السياسة الخارجية للولايات المتحدة، ويحظيان باحترام كبير داخل مؤسسة السياسة الخارجية في البلاد، وبين حلفاء الولايات المتحدة من دول الخليج العربي كذلك. ومع ذلك، فلقد أعرب كل منهما عن آراء متشددة إزاء إيران والتهديدات الإرهابية.
وقال الجنرال كيلي في أواخر عام 2010، بعد أيام قليلة من مقتل نجله الضابط الذي كان يقود قوات مشاة البحرية الأميركية في أفغانستان: «إن بلادنا اليوم في صراع حياة أو موت ضد العدو الشرير، ولكن الولايات المتحدة بأسرها ليست بكل تأكيد في حالة حرب. ليست في حالة حرب مفتوحة على مستوى الدولة أو على مستوى الشعب».
ولقد أدت تحذيرات الجنرال ماتيس بشأن التهديدات التي تشكلها إيران إلى توترات مع البيت الأبيض، والذي دعاه عندما كان لا يزال في الخدمة العسكرية للتخفيف من حدة لهجته حيال طهران. ولقد وجه الانتقادات إلى إدارة الرئيس أوباما لاعتمادها مسلكا شديد السلبية حيال العدوان الإيراني وتعزيز «الانطباع في المنطقة بأن الولايات المتحدة تتراجع».
وفي خطاب ألقاه في أبريل (نيسان) الماضي، وصف الجنرال ماتيس الاتفاق النووي مع إيران بقوله: «قد أُبرم مع توقعات أن إيران سوف تخدع». وقال إن أحد أبرز المزايا في الاتفاق: «ستكون لدينا بيانات استهداف جيدة إذا ما اضطررنا للقتال في مرحلة ما في المستقبل».
وأضاف الجنرال ماتيس قائلا: «علينا التخطيط لما هو أسوأ». وقاد الرئيس أوباما حملة قوية للقضاء على كبار قادة تنظيم القاعدة وتنظيم داعش الإرهابيين واستعادة الأراضي التي احتلها المتطرفون في العراق وسوريا. ولكنه أكد في نفس الوقت على أن تلك التنظيمات ليست «طليعة النظام العالمي الجديد».
وقال الرئيس المنتهية ولايته قريبا في خطاب ألقاه في وقت سابق من الأسبوع الحالي: «ليس بمقدور هؤلاء الإرهابيين أن يدمروا طريقتنا في الحياة، ولكننا يمكننا أن نفعل ذلك بأنفسنا نيابة عنهم، إذا ما فقدنا مسارنا في الحياة ونسينا هويتنا وقيمنا التي تأسست هذه الأمة على أصولها».
كما يتقاسم الجنرالات الثلاثة قدرًا من الإحباط، وعلى نطاق واسع حيال المؤسسة العسكرية التي خدموا فيها طيلة 15 عاما من دون الدعم الكامل من جانب البلاد أو القادة المدنيين فيها.
يقول «جيه. كايل ويستون»، المسؤول في وزارة الخارجية الأميركية، والذي كان يعمل مستشارا لضباط مشاة البحرية في العراق وأفغانستان، وألف كتابا بعنوان «اختبار المرآة.. مذكرات خدمته في الجيش»: «كل من قاتل في العراق وأفغانستان، شهرا بعد شهر، وعاما تلو عام، كانوا على مقربة شديدة من التكاليف البشرية لتلك الحرب. لقد قتل رفاقنا في العمليات واغتيل شركاؤنا العراقيون والأفغان. ولكن صناع السياسات في العاصمة واشنطن كانوا أبعد ما يكونون عن حصيلة الدماء القانية التي أريقت في هذه الحروب».
عندما تقاعد الجنرال ماتيس من الخدمة في قوات مشاة البحرية الأميركية في عام 2013، أمضى أسبوعين كاملين في زيارات مختلفة إلى آباء ضباط وجنود مشاة البحرية الذين لقوا حتفهم تحت قيادته. ولقد شارك الجنرال كيلي ونجلاه في أكثر من 12 جولة قتالية في العراق وأفغانستان. وعندما نُشرت كتيبة نجله في أفغانستان عام 2010، كان يقوم برحلات أسبوعية وربما يومية لزيارة رفاق نجله من المصابين في مركز «والتر ريد» الطبي العسكري في بيثيدا بولاية ماريلاند. ولقد استمرت هذه الزيارات حتى بعد مقتل نجله في العمليات القتالية.
أما الجنرال فلين، الذي خدم في أفغانستان، في منصب كبير ضباط الاستخبارات في قيادة العمليات الخاصة المشتركة، كان قد أمضى أغلب الوقت منتشرا وسط قواته في مناطق القتال، مثل ما يفعل أي جنرال آخر في الجيش خلال السنوات الـ15 الماضية.
ووصل الانفصال الواضح بين الجنرالات الثلاثة وبين واشنطن حتى ميدان القتال، حيث كان الضباط كثيرا ما يشعرون أنهم مضطرون لوصف الحروب الفوضوية لقواتهم بأنها من المعارك الأزلية بين قوى الخير والشر.
يقول المقدم المتقاعد جون ناغل، المحارب السابق في حرب العراق والخبير في شؤون مكافحة التمرد: «عندما تشرح لعريف السبب وراء مقتل رفيقه بصورة فظيعة، وأن عليه الذهاب إلى نفس الميدان مرة تلو المرة تلو المرة، لن يكون لديك وقت لشرح المسائل الجيوسياسية. بل تقول له: (علينا قتال العدو هنا حتى لا نضطر إلى قتاله في الوطن)».
والسؤال الكبير هو كيف يمكن لوجهات نظر كبار ضباط الجيش، الذين يخدمون في المناصب الوزارية، أن تؤثر على اتجاه إدارة الرئيس المنتخب ترامب؟
إن الشكوك العميقة لدى الرئيس أوباما في التدخل الأجنبي، تعني أنه كثيرا ما حاول عرقلة المناقشات حول كيفية استجابة الولايات المتحدة إلى التطورات العدائية في الخارج. ليست لدى السيد ترامب خبرة سياسية أو عسكرية مسبقة تمكنه من إسداء النظرة المتفحصة حول أسلوب الاستجابة السليمة، ولكن موقفه خلال الحملة الانتخابية كان مفعما بالحيوية حيال التعهد بالعدوان.
يقول دان بيمان، المحلل الأسبق لشؤون الشرق الأوسط في وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية والبروفسور في جامعة «جورج تاون»: «أعتقد أنه من المرجح أن تكون هناك هجمات إرهابية خلال السنوات المقبلة، كما أعتقد أن ترامب سوف يعاني من ضغوط هائلة لأن يراه الناس يتصرف بشكل حاسم للغاية».
قد يكون مستشارو ترامب أسرع في إدراك النوايا الخبيثة بسبب خبراتهم العسكرية السابقة، كما أردف السيد بيمان، ولكنهم أكثر حذرا حيال التدخل أو الانتقام العسكري من جانب الولايات المتحدة. وأشار السيد بيمان أيضا إلى مثال احتجاز إيران للبحارة الأميركيين، قبل وقت قصير من إبرام الاتفاق النووي، كنوع من أنواع الاستفزاز الخارجي والذي كان لديه القدرة على إفشال الأهداف الأوسع للسياسة الأميركية.
يقول السيد بيمان مضيفا: «يملك مستشارو السيد ترامب كثيرا من الخبرات الشخصية، ويميلون كثيرا إلى النظر للعداء الإيراني بوصفه مخططا له بعمق، لا باعتباره مجرد تصرف من فصيل أهوج أو حالة من حالات الفوضى. إنهم قادرون على توقع الأسوأ بخبرة أكثر مما توفرت لإدارة الرئيس أوباما».
وأردف السيد بيمان بالقول أخيرًا: «من نواحٍ مهمة، فإن فرص الصراع المحدود مع إيران باتت في ارتفاع. ولكن ذلك لا يعني، بالنسبة لي، أن نذهب ونقصفهم بالطائرات».

* خدمة «واشنطن بوست»



النظام الدولي لإدارة البحار والمحيطات يواجه شبح الانهيار

ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)
ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)
TT

النظام الدولي لإدارة البحار والمحيطات يواجه شبح الانهيار

ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)
ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)

على مدى القرون الخمسة الماضية، كانت اليابسة محور التنافس والصراع بين المجتمعات البشرية، حتى أصبح كل شبر منها، باستثناء القارة القطبية الجنوبية، خاضعاً لسيادة دولة ما، في حين ظلت المحيطات والبحار خارج هذه السيطرة.

بنما سيتي مدينة تكتسب أهميتها من قناة بنما (أ.ف.ب)

وعندما حاول بعض الدول فرض السيطرة على البحار وتنظيمها، فشلت المحاولات لأنها كانت شاسعة للغاية، بحيث تعذرت السيطرة عليها لفترات طويلة. وخلال الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، في النصف الثاني من القرن العشرين، تجنبت القوى العظمى الدخول في سباق محموم للاستيلاء على المحيطات.

واتفقت معظم الحكومات على التعامل معها من خلال مجموعة من المعاهدات والهيئات التي سعت إلى ضمان حرية الملاحة في المياه الدولية، مع تخصيص مساحات من البحار للدول المطلة عليها بتصنيفها مياهاً إقليمية أو منطقة اقتصادية خالصة لكل دولة.

لكن ميشال ألبرتوس، أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو الأميركية، يقول في تحليل نشرته مجلة «فورين أفيرز»، إن هذا النظام الدولي للبحار والمحيطات ينهار الآن، حيث يعطّل الحوثيون في اليمن حركة الملاحة في مضيق باب المندب، فيما يدور صراع بمنطقة مضيق هرمز.

وفي يوليو (تموز)، طرح الرئيس الأميركي دونالد ترمب، فكرة تحصيل الولايات المتحدة رسوماً على المرور في «هرمز»، قبل أن يتراجع عن الخطة لاحقاً.

سفن راسية في مياه عُمان قرب مضيق هرمز (أ.ف.ب)

وفي الوقت نفسه، تتنافس حكومات أخرى للسيطرة على المياه الدولية والموارد البحرية؛ فتسعى روسيا لبسط سيطرتها على مساحات شاسعة من مياه القطب الشمالي وقيعان البحار، وتُنشئ الصين جزراً اصطناعية في بحر الصين الجنوبي، وتوسع الولايات المتحدة نطاق نفوذها في قيعان البحار خارج منطقتها الاقتصادية الخالصة، وتسعى دول عديدة لبدء استخراج المعادن النادرة الحيوية من المحيطات.

* توجه عالمي

يأتي هذا التوجه العالمي نحو السيطرة على الممرات البحرية أو مساحات شاسعة من البحار والمحيطات، بالتزامن مع تدهور قوة المؤسسات والمعاهدات الدولية التي حافظت على حرية الملاحة في المحيطات على مدى عقود. والآن تواجه التجارة العالمية تهديداً وجودياً إذا سارعت الحكومات إلى فرض سيطرتها على بحار الأرض، كما فعلت مع اليابسة، ليدخل العالم حقبة جديدة من الصراعات البحرية.

سفينة شحن راسية عند الساحل اليمني قرب باب المندب (أ.ف.ب)

ويقول ألبرتوس مؤلف كتاب «عودة الغزو» الذي لا يزال قيد الطبع، إن العالم الذي يتم فيه تقسيم المحيطات سيكون حتماً أفقر وأشد خطورة.

وبعد أن أعلنت إيران عزمها على فرض رسوم عبور في مضيق هرمز الذي تسيطر عليه وتغلقه عملياً منذ الهجوم الأميركي - الإسرائيلي عليها في نهاية فبراير (شباط) الماضي، لمّح وزير المالية الإندونيسي إلى احتمال فرض بلاده رسوم عبور في مضيق ملقا، قبل أن يتراجع عن تصريحه فيما بعد. ويعد مضيق ملقاً ممراً بحرياً حيوياً في جنوب شرقي آسيا يمر عبره نحو 29 في المائة من إمدادات النفط العالمية المنقولة بحراً.

كما أن الصين دأبت على تجاهل حكم ملزم صدر عام 2016 بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، يرفض مزاعمها الواسعة في بحر الصين الجنوبي. وتخالف بكين هذا القرار ببناء جزر اصطناعية على الشعاب المرجانية المتنازع عليها، والتعدي على المنطقة الاقتصادية الخالصة للفلبين، ومحاصرة تايوان.

أما روسيا، فتدور حولها شبهات بشأن استخدام سفن ذات هويات مخفية لقطع الكابلات البحرية، بوصف ذلك جزءاً من حملة أوسع لزعزعة استقرار الدول الأوروبية رداً على دعمها لأوكرانيا في حربها ضد روسيا.

* تغيّر المناخ

من المنتظر أن يؤدي تغير المناخ إلى نشوب نزاعات جديدة عبر المحيطات؛ فمع استمرار ذوبان الجليد في القطب الشمالي من المنتظر أن تنشط حركة الملاحة البحرية في الطريق البحري الجديد الذي ربط أوروبا وآسيا على طول الساحل الروسي المطل على القطب الشمالي. ومن الصعب تصور سماح موسكو بحرية المرور عبر هذا الطريق، علماً بأنها تجبر حالياً السفن الأجنبية التي تمر عبر هذا الطريق، على الخضوع لنظام معقد وخانق من التصاريح والتراخيص. كما أنها تعامل ممرات مائية، مثل مضيق فيلكيتسكي قبالة الساحل السيبيري، على أنها ممرات مائية داخلية تخضع للولاية القضائية الروسية، وليست مضائق دولية.

ولا تقتصر الصراعات على المحيطات على السيطرة على حركة الملاحة؛ فمع هيمنة الصين على الإمدادات العالمية الحالية من معادن الأرض النادرة واستغلالها لها ورقةَ ضغط قوية، تستكشف دول أخرى إمكانات استخراج المعادن من قيعان المحيطات؛ إذ تحتوي أراضي المحيطات في مناطق مثل منطقة كلاريون-كليبرتون في شمال المحيط الهادئ بين هاواي والمكسيك، وحوض المحيط الهندي الأوسط، وحوض بنرين في جنوب المحيط الهادئ، على كميات ضخمة من الأحجار التي تحتوي على معادن بالغة الأهمية.

غواصة تايوانية يظهر برجها في مياه مضيق تايوان (رويترز)

وقد أصدرت السلطة الدولية لقاع البحار، التابعة لاتفاقية الأمم المتحدة، عشرات عقود التنقيب التي تسمح للحكومات بمسح قاع المحيط ورسم خرائطه، وجمع البيانات البيئية، واختبار تقنيات الاستخراج. إلا أن الهيئة تحظر حالياً التعدين التجاري لعدم اتفاق أعضائها على المعايير البيئية أو قواعد الامتثال لها.

* ثروات في القاع

من المرجح أن تعترض الدول الموقعة على المعاهدات الدولية التي تقيد الأنشطة الاستخراجية في المحيطات والبحار، بما فيها الصين والهند وروسيا، إذا مضت الولايات المتحدة قدماً في إقامة مشروعات للتعدين في المحيطات المفتوحة. ورغم أن بكين وموسكو تتجاهلان قوانين البحار الأخرى، فإنهما ستستشهدان بتعدين الولايات المتحدة لتبرير قوانينهما الخاصة.

وكما الحال مع الأنظمة الأخرى القائمة على القواعد، لن ينهار النظام الدولي لإدارة المحيطات دفعة واحدة، لأن القوى العظمى ما زالت تستفيد من بعض القواعد؛ مثل تنظيم مصائد الأسماك، حتى لو كانت ستجني مكاسب من الفوضى بمجالات أخرى؛ بل من المرجح أن ينهار النظام تدريجياً.

وأخيراً يحذر ألبرتوس من تباطؤ حركة التجارة، في عالمٍ تتنازع فيه الدول السيطرة على المحيطات؛ إذ ستضطر السفن إلى اتخاذ مسارات متعرجة عبر البحار، ودفع رسوم متزايدة في المضائق، وسترتفع أسعار السلع، وتصبح سلاسل الإمداد أشد اضطراباً وأكثر عرضة للانقطاع. وقد يتطور غزو المحيطات في نهاية المطاف كما لو كان غزواً للأراضي، حيث تستحوذ الدول الأقوى - أو تلك التي تصل أولاً - على ملكية الموارد. وسيتضاعف عدد بؤر التوتر الجيوسياسي مع تسابق الحكومات للاستيلاء على أكبر حصة من المحيطات وحماية سيادتها المزعومة باستخدام القوة.


سيارة تصدم حشداً شمال سيدني... واستبعاد فرضية الإرهاب

عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)
عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)
TT

سيارة تصدم حشداً شمال سيدني... واستبعاد فرضية الإرهاب

عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)
عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)

أعلنت السلطات الأسترالية إصابة 10 أشخاص جراء اندفاع رجل ​بسيارته نحو حشد من الناس في مدينة نيوكاسل اليوم (السبت)، بعدما بدا أنه فقد السيطرة على المركبة، وفقاً لوكالة «رويترز».

وألقي القبض على السائق البالغ من العمر 18 عاماً في ‌مكان الحادث بضاحية وولسيند ​بالمدينة، ‌التي ⁠تبعد ​بنحو 110 ⁠كيلومترات إلى الشمال من سيدني عاصمة ولاية نيو ساوث ويلز.

وجاءت الواقعة بينما كان مشجعون قد اصطفوا في الشوارع لتوديع فريق نيوكاسل نايتس لدوري ⁠الرجبي، الذي من المقرر ‌أن ‌ينافس في نهائي الدوري الوطني ​للرجبي في ‌سيدني غداً (الأحد).

وقالت السلطات ‌إن اثنين من المصابين الذين نقلوا إلى المستشفى، وهما طفلة تبلغ من العمر 5 سنوات ورجل ‌يبلغ من العمر 67 عاماً، في حالة حرجة.

وأفاد جافين ⁠موريس ⁠رئيس بلدية نيوكاسل بأن السائق بدا أنه فقد السيطرة على السيارة التي صدمت الحشد. وقال موريس في تصريحات نقلها التلفزيون: «يبدو أنه كان يضغط على دواسة الوقود لتسريع المحرك بطريقة ما».

وأكدت الشرطة أن المؤشرات الأولية تفيد بأنه ​حادث لا ​علاقة له بالإرهاب.


قبل انطلاق الرصاص... التضليل الإعلامي في زمن التزييف العميق

زمن رقميّ قد تضيع فيه الوقائع خطأً أو عمداً (رويترز)
زمن رقميّ قد تضيع فيه الوقائع خطأً أو عمداً (رويترز)
TT

قبل انطلاق الرصاص... التضليل الإعلامي في زمن التزييف العميق

زمن رقميّ قد تضيع فيه الوقائع خطأً أو عمداً (رويترز)
زمن رقميّ قد تضيع فيه الوقائع خطأً أو عمداً (رويترز)

لم تعد الحرب تصل إلى الناس فقط عبر دويّ المدافع أو صور المدن المدمرة؛ ففي زمن الهاتف الذكي، قد تبدأ الحرب الحقيقية قبل أن تصل القذائف وينطلق الرصاص، وقد تستمر بعد توقفها، داخل الشاشات والعقول ووسائل التواصل الاجتماعي. روايات متناقضة، وصور مفبركة، ومقاطع فيديو خارج سياقها، وحسابات آلية، وأخبار كاذبة تتنافس جميعها على تشكيل صورة الصراع في أذهان الناس.

وهنا يبرز سؤال أكثر خطورة من مجرد عدد الحروب الدائرة في العالم: ماذا يحدث عندما تصبح الحرب خبراً عادياً؟ وهل يمكن أن يؤدي التكرار المستمر للعنف إلى إضعاف قدرتنا على الشعور بالصدمة والرفض والتعاطف؟

هل اعتمد أغسطس قيصر التضليل السياسي؟ (ويكيميديا)

* ظاهرة قديمة

ليست الحرب الدعائية ظاهرة جديدة؛ فمنذ روما القديمة، أدرك المتنافسون أن كسب المعركة لا ينفصل عن كسب الرأي العام؛ ففي القرن الأول قبل الميلاد، خاض أوكتافيان ومارك أنطوني صراعاً دعائياً موازياً لصراعهما السياسي والعسكري، واستخدم الطرفان العملات والقصائد والمنشورات والخطب لحشد التأييد.

ووجه أوكتافيان ضربة قاصمة إلى خصمه عندما تلا أمام مجلس الشيوخ ما قيل إنه وصية أنطوني، التي أظهرت، بحسب الرواية، ولاءه لكليوباترا ملكة مصر أكثر من ولائه لروما. ولا يزال المؤرخون يختلفون حول ما إذا كانت الوثيقة حقيقية أم ملفقة. لكن بصرف النظر عن حقيقتها، أدت الرواية دوراً في تعبئة الرأي العام ضد أنطوني، وانتهى الصراع بتحوّل أوكتافيان إلى حاكم وحيد لروما ليضطلع بدور حاسم في تحوّل الجمهورية الرومانية إلى الإمبراطورية الرومانية، ويكسب لقب «المبجّل» بقرار من مجلس الشيوخ ويصبح اسمه أغسطس قيصر.

 

*الأدوات الجديدة

المبدأ نفسه لم يتغير كثيراً، لكن أدواته تغيرت جذرياً.

واليوم، يملك أي شخص القدرة على إنتاج صورة أو مقطع أو رواية والوصول بها إلى ملايين الأشخاص خلال ساعات. وهنا يجب التمييز بين المعلومات المضللة؛ أي المعلومات الخاطئة التي تنتشر من دون قصد متعمد بالضرورة، والتضليل المتعمد، الذي يقوم على نشر معلومات كاذبة بهدف التأثير في الجمهور أو تضليله.

وفي الحروب، تصبح الحدود بين الإعلام والدعاية أكثر ضبابية؛ فكل طرف يسعى إلى تقديم نفسه بوصفه الضحية، وإظهار خصمه بوصفه المعتدي، واختيار الصور والأرقام والقصص التي تخدم روايته. ومع تكرار الرواية نفسها، يمكن أن تتحول المعلومة غير الدقيقة إلى «حقيقة» في أذهان بعض الناس؛ ليس بالضرورة لأنها مقنعة، بل لأنها أصبحت مألوفة، ولتلكؤ المتلقّي عن التدقيق لمعرفة الحقيقة.

عمال إنقاذ خارج مدرسة تضررت بالقصف في كييف... أين الحقيقة في حرب أوكرانيا؟ (أ.ف.ب)

وتشير الأبحاث النفسية إلى أن الإنسان لا يتعامل مع كل معلومة جديدة بوصفه محققاً؛ فهو غالباً ما يركز أولاً على فهم المعلومة وتحديد ما الذي ينبغي أن يفعله بناء عليها. وإذا كانت المعلومة الكاذبة معقولة ومتناغمة مع ما يؤمن به مسبقاً، فقد يصنّفها حقيقة ويتبنّاها.

وتزداد قابلية التصديق عندما تأتي المعلومة من مصدر ينتمي إليه الشخص أو يثق به، أو عندما تكون مشحونة بالخوف والغضب. كما أن تكرار الادعاء يزيد احتمال تصديقه، حتى عندما يتعارض مع المعرفة السابقة.

 

* منصّات وخوارزميات

هنا تلعب منصات التواصل الاجتماعي دوراً بالغ الأهمية؛ فالخوارزميات مصممة أساساً لجذب الانتباه والتفاعل، والمحتوى المثير للغضب أو الخوف أو الصدمة يمتلك غالباً قدرة أكبر على الانتشار من المادة الهادئة والمتأنية. وهكذا قد لا تنتصر الرواية الأكثر دقة، بل الرواية الأكثر قدرة على إثارة الانفعال.

ويضيف التطور التكنولوجي طبقة جديدة إلى المشكلة؛ فالذكاء الاصطناعي التوليدي جعل إنتاج الصور ومقاطع الفيديو المزيفة أكثر سهولة، وزاد صعوبة التمييز بين الحقيقي والمصطنع. وإذا كان الجمهور قد اعتاد على سيل متواصل من المعلومات المتضاربة، فإن ظهور «التزييف العميق» يجعل السؤال أكثر تعقيداً: ما الذي يمكن تصديقه عندما تصبح الصورة نفسها قابلة للتزوير، أو حتى للاختلاق من لا شيء؟

مسيّرة تابعة لقوات حلف شمال الأطلسي في سماء لاتفيا... الذكاء الاصطناعي في صلب أدوات الحرب الحديثة مع كل الإمكانات التي يوفرها لـ«ابتكار» المعلومات ونشرها (أ.ف.ب)

وهنا قد لا يكون الخطر في أن يصدق الناس كل شيء، بل في أن يصلوا إلى مرحلة لا يصدقون فيها شيئاً؛ فالتعرض المستمر للمعلومات المتناقضة والمفبركة يمكن أن يضعف الثقة بالإعلام والمؤسسات، ويزيد الاستقطاب، ويجعل الأفراد أكثر تشكيكاً في الحقائق المشتركة التي يحتاج إليها أي مجتمع لاتخاذ قراراته. وفي زمن الحرب، يمكن أن يكون لذلك ثمن إضافي: يصبح الضحايا أرقاماً، وتتحول المآسي إلى محتوى، ويتعامل الجمهور مع أخبار القتل والدمار كما يتعامل مع أي خبر آخر يمر على الشاشة ثم يختفي قبل أن يطويه النسيان.

 

* إرهاق جماعي

لكن الاعتياد لا يعني بالضرورة غياب التعاطف. وقد يكون ما يحدث أقرب إلى إرهاق جماعي من الأخبار؛ فحين تتراكم الأزمات والحروب والكوارث، قد يعجز الإنسان عن الاحتفاظ بالمستوى نفسه من الانفعال تجاه كل حدث؛ فالحرب التي كانت قادرة على إيقاف العالم للحظة قد تصبح، بعد أشهر أو سنوات، خبراً آخر بين أخبار الاقتصاد والرياضة والطقس...

(اللبنانيون - على سبيل المثال - عاشوا ذلك في فترة 2019 - 2020، بدءاً من اندلاع حرائق هائلة مجهولة الأسباب، مروراً بالانهيار المالي وامتلاء شوارع وساحات بناس منتفضين، وكذلك بـ«كوفيد»، وانتهاء بكارثة انفجار مرفأ بيروت).

وهنا تكمن المفارقة: كلما ازدادت قدرتنا على رؤية الحروب لحظة بلحظة، تقل قدرتنا على الاستمرار في الإحساس بوقعها.

ولا بدّ من القول إن المواجهة لا تبدأ فقط بالتحقق من الأخبار الكاذبة، بل أيضاً بتعليم الناس كيف يسألون: من نشر هذه المعلومة؟ وما مصدرها؟ وهل ثمة مصادر مستقلة تؤكدها؟ وهل الصورة حديثة فعلاً أم أُخرجت من سياق آخر وأعيد استخدامها؟

فالمعركة على الحقيقة ليست منفصلة عن المعركة على الحرب. وفي عالم يمكن فيه لصورة واحدة مفبركة أن تصل إلى ملايين الأشخاص، تصير القدرة على الشك والتحقق نوعاً من الدفاع المدني الرقمي.

الحرب السيبرانية جزء من الواقع الجديد (رويترز)

ربما لم يعتد العالم على العنف تماماً. لكنه ألِف، إلى حد ما، مشاهدة العنف.

والفارق بين الاثنين مهم. لأن الخطر الحقيقي لا يبدأ عندما نتوقف عن رؤية الحرب، بل عندما نتوقف عن طرح الأسئلة عنها... عندما تصير الجثث صوراً، والدمار خلفية، والضحايا مجرد أرقام، والحرب خبراً عادياً يمر أمام أعيننا قبل أن ننصرف إلى مشاغلنا اليومية.

 

* قالوا في التضليل

- توماس جيفرسون، الرئيس الثالث للولايات المتحدة، (1743 - 1826): «لم يعد بالإمكان تصديق أي شيء يُنشر في صحيفة؛ فالحقيقة نفسها تصبح موضع شك لمجرد وضعها في تلك الوسيلة الملوّثة».

- وينستون تشرشل، رئيس الوزراء البريطاني (1874 - 1965): «في زمن الحرب، تكون الحقيقة ثمينة إلى حدّ أنها ينبغي أن تحاط دائماً بحرس شخصي من الأكاذيب».

وسائل التواصل الاجتماعي... ملعب الروايات المتضاربة والشائعات (رويترز)

- باراك أوباما، الرئيس الأميركي بين 2009 و2017: «هناك مقدار هائل من المعلومات المضللة النشطة، وهي تُقدَّم بطريقة جيدة جداً... فإذا بدا كل شيء متشابهاً ولم نعد نميّز بين الأشياء، فلن نعرف ما الذي ينبغي لنا أن نحميه».

- الكاتب الآيرلندي جوناثان سويفت (1667 - 1745): «الباطل يطير، بينما تأتي الحقيقة وهي تجرّ أذيالها».

- الكاتب الآيرلندي جورج برنارد شو (1856 - 1950): «احذروا المعرفة الزائفة؛ فهي أخطر من الجهل».

- الصحافي الأميركي كارل بيرنستين (82 عاماً): «أدنى أشكال الثقافة الشعبية - انعدام المعلومات، والمعلومات المضللة، والمعلومات الكاذبة المتعمدة، وازدراء الحقيقة أو واقع حياة معظم الناس - قد اجتاح الصحافة الحقيقية».