«ثورة أم عيد للشرطة»... جدل سنوي في مصر حول توصيف «25 يناير»

برلماني يرفض الاعتراف بانتفاضة 2011 ضمن الأعياد الوطنية

متظاهرون مصريون في ميدان التحرير خلال أحداث 2011 (رويترز)
متظاهرون مصريون في ميدان التحرير خلال أحداث 2011 (رويترز)
TT

«ثورة أم عيد للشرطة»... جدل سنوي في مصر حول توصيف «25 يناير»

متظاهرون مصريون في ميدان التحرير خلال أحداث 2011 (رويترز)
متظاهرون مصريون في ميدان التحرير خلال أحداث 2011 (رويترز)

في الـ25 من يناير (كانون الثاني) من كل عام، يعود هذا التاريخ إلى واجهة المشهد المصري بوصفه أكثر من مجرد تاريخ في الذاكرة المصرية، إذ تتقاطع عنده روايات متعارضة، ليصبح مناسبةً لـ«نزاع رمزي» سنوي متجدد، حول سؤال يبدو بسيطاً في ظاهره: هل هو «عيد للشرطة»، أم إنه عيد لذكرى «ثورة 25 يناير»؟، التي أطاحت بحكم الرئيس الراحل حسني مبارك، وبينهما مقاربة وسطية تقول إنه «يحمل المعنيين معاً في آن واحد».

ومع اقتراب الذكرى الـ15، أطلت هذه الإشكالية التقليدية برأسها من جديد، بعدما أدلى عضو مجلس الشيوخ المصري، ناجي الشهابي، بتصريحات خلال جلسة الاثنين أكد فيها أن «حزبه لا يعترف بـ25 يناير إلا بوصفه عيداً للشرطة المصرية». تصريحات أعادت فتح ملف لم يُغلَق منذ أكثر من عقد، وكشفت عمق الانقسام حول هذا التاريخ في الأوساط السياسية والإعلامية.

تاريخياً، يعود عيد الشرطة المصرية إلى 25 يناير 1952، حين رفضت قوات الشرطة في الإسماعيلية تسليم أسلحتها للاحتلال البريطاني، فاندلعت مواجهة غير متكافئة أسفرت عن استشهاد العشرات.

ومنذ عام 2011، باتت مصر تحيي هذا التاريخ وهو محمّل بدلالتين متداخلتين، غير أن الجدل حوله تصاعد بشكل ملحوظ في السنوات الأخيرة.

ويرى محللون أن ذكرى «25 يناير» تحولت إلى ما يشبه «القلق الدائم» في المجال العام المصري، إذ تتنازعها ولاءات وعداءات، وتتداخل فيها السياسة بالذاكرة.

فبالنسبة لمؤيدي أحداث 25 يناير 2011، يمثل هذا اليوم لحظةً فارقةً عندما خرج ملايين المصريين، مطالبين بـ«الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية»، وأسقطوا حكم مبارك بعد 30 عاماً في السلطة. أما معارضوها، فيرون فيها «بدايةً لفترة من الفوضى السياسية والانفلات الأمني، ومُقدِّمةً لصعود جماعات الإسلام السياسي، وما ترتَّب على ذلك من اضطرابات، وعدم استقرار في السنوات التالية».

السيسي في احتفال أكاديمية الشرطة بمناسبة يوم الخريجين أكتوبر الماضي (الرئاسة المصرية)

هذا «النزاع الرمزي» لم يبقَ حبيس النقاشات النظرية، بل ينعكس بوضوح في التعامل الرسمي والإعلامي مع المناسبة، والتي يبدو فيها «حضور باهت» لذكرى أحداث 2011، مقابل تركيز أكبر على الاحتفال بعيد الشرطة، عبر لوغوهات تكسو شاشات وبرامج خاصة تسبق الموعد بأيام.

ويمثل تصريح الشهابي، وفق متابعين، تياراً يضم سياسيين وإعلاميين يرون في «انتفاضة يناير سبباً مباشراً لما شهدته البلاد من فوضى وتدخلات خارجية». ويذهب بعضهم في تدوينات عبر وسائل التواصل الاجتماعي إلى وصفها بـ«المؤامرة المكتملة الأركان»، بل دعا آخرون إلى إجراء استفتاء شعبي لحسم توصيف 25 يناير، بل وحسموا نتيجته مسبقاً بالحديث عن أنه «سيكون عيداً للشرطة فقط»، مع فصل تام عن أحداث عام 2011.

في المقابل، تمسَّك المعسكر الآخر، الذي يضم حقوقيين وقانونيين وناشطين شاركوا في أحداث 2011، بالاحتفال بـ25 يناير بوصفه تاريخاً متعدد الدلالات. وتكشف منشوراتهم «السوشيالية» عن اعتقاد بأن إنكار أي من معانيه يمثل ظلماً للتاريخ نفسه، محذرين من محاولات طمس الأسباب التي دفعت ملايين المصريين إلى النزول للشوارع، وفي مقدمتها الفقر، والبطالة، وتراجع الحريات، واستشراء الفساد. ويؤكد هؤلاء أن «التاريخ أكبر من رواية واحدة»، وأن اختزاله في معنى واحد يُفقده تعقيده وثراءه.

وفي قلب هذا النزاع الرمزي، يلحظ أستاذ علم الاجتماع السياسي، الدكتور سعيد صادق، أن هناك «تشويشاً يحدث من كلا الطرفين على الآخر تحكمه مصالح سياسية، تحكمها المكاسب والخسائر، أو توجهات عاطفية تحكم أصحاب تلك الآراء»، وهو ما عزاه في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى «الطبيعة المركبة لديناميات الربيع العربي في مصر، إذ اقترنت فيها التحركات الشعبية مع مساندة القوة العسكرية في الدولة، سواء في يناير 2011، أو في 30 يونيو (حزيران) 2013 عند الإطاحة بحكم الإخوان».

وبين معسكرَي أنصار وخصوم انتفاضة 25 يناير، تبرز نظرة مغايرة يمثلها أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة، الدكتور مصطفى كامل السيد، الذي يرى أن الانقسام حول يناير هو في جوهره «صراع على كتابة التاريخ السياسي لمصر».

ويشير لـ«الشرق الأوسط» إلى «تنافس بين تيار يسعى لإسقاط الثورة من الذاكرة الوطنية، يضم بقايا نظام مبارك وبعض أنصار النظام الحالي، بدعوى ما أعقبها من فوضى وغياب للاستقرار، في مقابل تيار آخر يتمسك بأهدافها الأساسية المتمثلة في العيش والحرية والعدالة الاجتماعية».

وقد عدَّ السيد هذا النوع من الجدل «طبيعي في لحظات التحول الكبرى»، مستشهداً باستمرار الخلاف التاريخي نفسه حول ثورة 23 يوليو (تموز) 1952، التي لم تحسم روايتها النهائية بعد عقود طويلة، وهو، بحسب رؤيته، «جدل قابل للتكرار في أحداث أخرى قد تمرُّ بها مصر مستقبلاً».

الملاحظ أن الدستور المصري الصادر عام 2014 طاله جانب من هذا السجال، إذ أقرَّ في ديباجته بثورة 25 يناير 2011، إلى جانب ثورة 30 يونيو 2013، واعتبرهما «فريدتين بين الثورات الكبرى في تاريخ الإنسانية».

ويؤكد فقهاء دستوريون، من بينهم الدكتور عبد الله المغازي، أن الديباجة جزء لا يتجزأ من الدستور، وملزمة للمسؤولين والبرلمانيين كافة بحكم القسم الدستوري. ويشير لـ«الشرق الأوسط» إلى أن تعديلها أو حذفها أمر بالغ الصعوبة في ظل الآليات الدستورية المعقدة المطلوبة لذلك.

وهكذا، يبقى 25 يناير يوماً عصياً على الاختزال، تتنازعه الذاكرة والسياسة، ويعكس في جوهره صراعاً أوسع حول الماضي والحاضر، وربما المستقبل أيضاً.


مقالات ذات صلة

قفزات «الإيجار الجديد» تُعمّق معاناة أسر مصرية

شمال افريقيا بنايات في منطقة فيصل بالجيزة (الشرق الأوسط)

قفزات «الإيجار الجديد» تُعمّق معاناة أسر مصرية

بعد ثلاثة شهور سيكون على الثلاثينية سارة أحمد جمع أغراضها تمهيداً للانتقال من الشقة التي تسكنها حالياً في شبرا الخيمة بمحافظة القليوبية (شمال القاهرة)

رحاب عليوة (القاهرة)
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري يلتقي رئيس لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأميركي (الخارجية المصرية)

محادثات مصرية مستمرة في واشنطن لدعم التهدئة وتعزيز الشراكة

تتواصل محادثات وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، في واشنطن، حول ملفات عديدة بينها تعزيز الشراكة الاستراتيجية بين البلدين وتوترات المنطقة.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي خلال تفقد أحد منافذ بيع السلع الشهر الماضي (وزارة التموين)

مصر: صعود الدولار يرفع الأسعار لكن انخفاضه لا يعني هبوطها

جدد تراجع جديد للعملة الأميركية أمام الجنيه المصري التساؤلات بشأن تأثيرات ذلك على أسعار السلع كافة في البلاد

عصام فضل (القاهرة )
الاقتصاد كريستالينا غورغييفا في مؤتمرها الصحافي خلال اجتماعات الربيع في واشنطن (إ.ب.أ)

صندوق النقد الدولي لا يناقش زيادة برنامج القروض لمصر

قالت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، الأربعاء، إن الصندوق لا يناقش حالياً زيادة برنامج القروض المقدم لمصر.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شمال افريقيا لاجئون من جنسيات مختلفة في مصر (مفوضية اللاجئين)

أزمة في مصر بسبب دعم الوافدين

يواجه الوافدون أزمة مزدوجة في مصر، مع انحسار الدعم الذي تقدمه «مفوضية اللاجئين»، وتلويحها أخيراً بالتوقف الكامل عن تقديم المساعدات المالية للأسر المستحقة.

أحمد جمال (القاهرة)

«مؤتمر برلين»: تعهدات بـ 1.5 مليار دولار للسودان

المشاركون في المؤتمر الدولي بشأن السودان الذي استضافته العاصمة الألمانية برلين يوم الأربعاء (أ.ف.ب)
المشاركون في المؤتمر الدولي بشأن السودان الذي استضافته العاصمة الألمانية برلين يوم الأربعاء (أ.ف.ب)
TT

«مؤتمر برلين»: تعهدات بـ 1.5 مليار دولار للسودان

المشاركون في المؤتمر الدولي بشأن السودان الذي استضافته العاصمة الألمانية برلين يوم الأربعاء (أ.ف.ب)
المشاركون في المؤتمر الدولي بشأن السودان الذي استضافته العاصمة الألمانية برلين يوم الأربعاء (أ.ف.ب)

تعهدت الجهات المانحة تقديم مساعدات بقيمة 1.5 مليار دولار إلى السودان، وذلك خلال المؤتمر الذي استضافته العاصمة الألمانية برلين أمس، برعاية ألمانيا والولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي.

وعُقد «مؤتمر برلين» وسط غياب ممثلين عن طرفي الحرب، أي الجيش السوداني، والحكومة الموالية له، و«قوات الدعم السريع». وقبل انطلاقه، انتقدت الحكومة السودانية استضافة ألمانيا للمؤتمر، قائلة إن هذا «تدخل مفاجئ وغير مقبول» في الشأن الداخلي. ويعد هذا المؤتمر الدولي الثالث حول السودان بعد مؤتمرين سابقين في باريس، ولندن.

وحض الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، في كلمة مسجلة خلال المؤتمر، على السلام في السودان، و«إنهاء كابوس» الحرب، ووقف «التدخلات الخارجية، وتدفق الأسلحة اللذين يؤججان النزاع». وطالب طرفي القتال بـ«وقف فوري للأعمال الحربية».


رئيس الوزراء السوداني: لسنا معنيين بمخرجات مؤتمر برلين

رئيس وزراء السودان كامل إدريس متحدثاً في مؤتمر صحافي بالخرطوم يوم الأربعاء (إعلام مجلس الوزراء)
رئيس وزراء السودان كامل إدريس متحدثاً في مؤتمر صحافي بالخرطوم يوم الأربعاء (إعلام مجلس الوزراء)
TT

رئيس الوزراء السوداني: لسنا معنيين بمخرجات مؤتمر برلين

رئيس وزراء السودان كامل إدريس متحدثاً في مؤتمر صحافي بالخرطوم يوم الأربعاء (إعلام مجلس الوزراء)
رئيس وزراء السودان كامل إدريس متحدثاً في مؤتمر صحافي بالخرطوم يوم الأربعاء (إعلام مجلس الوزراء)

قال رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس، الأربعاء، إن حكومته غير معنية بمخرجات «مؤتمر برلين» الدولي بشأن الوضع الإنساني في السودان، مؤكداً أنها لم تتلقَّ دعوة للمشاركة في المؤتمر.

وأضاف في مؤتمر صحافي بالعاصمة الخرطوم أن تغييب الحكومة السودانية «خطأ فادح» من قبل الجهات المنظمة للمؤتمر، مشيراً إلى الاحتجاجات التي نظمتها مجموعات من السودانيين في العواصم الأوروبية تعبيراً عن رفضها لتوصيات المؤتمر واستبعاد الحكومة.

وقال: «كنا نأمل أن تُقدَّم لنا الدعوة للمشاركة في مؤتمر برلين لتوضيح الحقائق كافة عن الأوضاع في السودان».

وأكد أن حكومته منفتحة على كل المبادرات وعلى الحوار مع الأطراف الإقليمية والدولية الساعية لتحقيق السلام العادل والشامل في السودان.


تصريحات نائب عن المهاجرات الأفريقيات تثير جدلاً واسعاً في تونس

مجموعة من المهاجرين والمهاجرات الأفارقة بضواحي صفاقس (أ.ف.ب)
مجموعة من المهاجرين والمهاجرات الأفارقة بضواحي صفاقس (أ.ف.ب)
TT

تصريحات نائب عن المهاجرات الأفريقيات تثير جدلاً واسعاً في تونس

مجموعة من المهاجرين والمهاجرات الأفارقة بضواحي صفاقس (أ.ف.ب)
مجموعة من المهاجرين والمهاجرات الأفارقة بضواحي صفاقس (أ.ف.ب)

أثارت تصريحات نائب تونسي حول الاغتصاب والمهاجرين من دول أفريقيا جنوب الصحراء جدلاً وانتقادات واسعة، وجّهتها منظمات المجتمع المدني، وصولاً إلى اتهامه بـ«العنصرية» حيال المهاجرين.

وفي جلسة استماع وتوجيه أسئلة لوزير الداخلية، عُقدت بالبرلمان، قال النائب طارق المهدي في مداخلته عن قضية المهاجرات: «أن تُغتصب أفريقية (مهاجرة) فهذا أمر لا يحدث. التونسيات جميلات... لا ينقصنا شيء في تونس». وأضاف المهدي في تصريحات نقلتها «وكالة الصحافة الفرنسية»: «يجب أن يخرجن بأي ثمن. لقد تم تجاوز كل الخطوط الحمراء».

وتثير الهجرة من دول أفريقيا جنوب الصحراء جدلاً في تونس بشكل منتظم.

ومطلع عام 2023، ندّد الرئيس قيس سعيّد بوصول «جحافل من المهاجرين غير النظاميين»، متحدثاً عن مؤامرة «لتغيير التركيبة الديموغرافية» للبلاد.

وندد «المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية»، في بيان، الثلاثاء، بتصريحات المهدي، معتبراً أنها «عنصرية... وتمثل اعتداء صارخاً على الكرامة الإنسانية، وتبريراً خطيراً للعنف الجنسي والاغتصاب ضد النساء»، وطالب بمحاسبته.

ولاحقاً، كتب النائب على صفحته على «فيسبوك»: «إنهم يخرجون كلامي كلياً عن سياقه، والذي لا أقصد منه أي تشجيع على أي شكل من أشكال العنف، ولا على الاغتصاب. قصدت من قولي حتى ولو خانني التعبير... أن أقول إن نساءنا من أكثر النساء جمالاً وثقافة، ولا غاية لنا أن تعتدي على أي كان».

كما استنكرت «الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان» التصريحات، في بيان، وعدّتها «انتهاكاً خطيراً لكرامة النساء، ومساساً جوهرياً بمبادئ حقوق الإنسان».

وأكدت أن خطاب المهدي «ينطوي على عنصرية فجة، ويغذي بشكل مباشر خطاب الكراهية، والتمييز ضد المهاجرين والمهاجرات من أفريقيا جنوب الصحراء».

وتُعد تونس نقطة عبور مهمة في شمال أفريقيا لآلاف المهاجرين الوافدين من دول أفريقيا جنوب الصحراء، والذين يسعون للوصول بشكل غير قانوني إلى أوروبا من طريق البحر.