فيلمان من الإمارات متناقضان يجمعهما الطموح

فيلمان من الإمارات متناقضان يجمعهما الطموح

«الشرق الأوسط» تنقل فعاليات مهرجان دبي السينمائي الدولي
الأحد - 12 شهر ربيع الأول 1438 هـ - 11 ديسمبر 2016 مـ
من فيلم هاني الشيباني - من فيلم علي مصطفى «المختارون» ({الشرق الأوسط})

فيلمان من الإمارات يتناقضان في كل شيء تمامًا، لكنهما يشتركان في أشياء مهمة أخرى، من بينها ذلك الطموح لتحقيق ذات كل مخرج بالطريقة التي يرتئيها.
الفيلمان هما من أصل اثني عشر فيلما إماراتيًا تعرض على ناصية الدورة الثالثة عشرة من هذا المهرجان، الذي انطلق في الثامن ويستمر حتى الخامس عشر من هذا الشهر. هذا الرقم بحد ذاته يكشف عن التحاق دولة الإمارات بركب الصناعة السينمائية، علمًا بأن هذا العدد من الأفلام، مقابل ستة أفلام طويلة تم إنتاجها في العام السابق، يتم على الرغم من عدم اكتراث صالات السينما التجارية بعرض معظمها.
في الأعوام السابقة نجحت بعض الأفلام الإماراتية في احتلال الشاشات الجماهيرية بعد عروضها في دورات دبي الماضية. من بينها فيلمان لعلي مصطفى «دار الحي» و«من أ إلى ب»، لكن هذا الاستثناء لا يغير، للأسف، من القاعدة المعتمدة وهي التزام قاعات السينما في الإمارات وفي مختلف مناطق الدول الخليجية بالعروض التجارية الكبرى ذات النسبة الأميركية الغالبة، وابتعادها، تبعًا لسياسات أصحاب تلك القاعات، عن عرض الجديد والمختلف بحجة أنه لا يوجد جمهور لها.


إيحاء


الواضح أن مثل هذه العوائق لا تمنع السينما الإماراتية من مواصلة هذا القدر الباهر من الأفلام رغم محدودية السوق. والأفلام المشتركة، خصوصًا في مسابقة المهر الإماراتي، تعلن ذلك بوضوح. من أصل دزينة الأفلام الإماراتية هذا العام هناك ستة من الأفلام الطويلة التي شاهدنا منها حتى كتابة هذه السطور، فيلمان، أحدهما للمخرج علي مصطفى، والآخر للمخرج هاني الشيباني.
علي مصطفى هو مخرج «دار الحي» و«من أ إلى ب» اللذين دارا في نطاقين مختلفين عن نطاق فيلمه الجديد «المختارون» (تمت تسميته بالإنجليزية The Worthy التي تعني «المستحقون»). فأحداث «دار الحي» دارت في مدينة دبي والتزمت بها. استعراض لشخصيات مختلفة (إماراتية وبريطانية وهندية) تعيش فيها وتتبادل تطلعاتها وهمومها.
في فيلمه الثاني: «من أ إلى ب» (2014) انتقل إلى ما بعد الحيز الإماراتي؛ إذ انطلقت أحداث فيلمه من مدينة أبوظبي وانتهت في مدينة بيروت؛ ما يفسر حرفي ألف وباء في العنوان، مرورًا بالسعودية والأردن وسوريا، ولو عابرًا.
أما في فيلمه الثالث، فنطاقه يتجاوز أي مكان محدد وأي زمن معين من الماضي والحاضر. هو فيلم مستقبلي الأحداث، ينتمي إلى سينما النوع (The Genre)، كما توفرها هوليوود عبر معظم إنتاجاتها. تشويقي عنيف مع مرحلة يتحول فيها الفيلم إلى الرعب قبل وصوله إلى مشاهد ما بعد الحدث الأساسي، موحيًا بأنه سيكون الرقم الأول في مسلسل سينمائي إذا ما أتيح للفيلم النجاح الجماهيري الذي يطلبه لنفسه.
تم تقديم الفيلم بحديث مستفيض تناوله بوصفه إنجازا عالميا طموحا، وسابقة في هذا المنوال. بصرف النظر عن أن المهرجان عليه أن يدافع عن اختياراته في كلمات التقديم، ومع أن الفيلم يستحق العرض في هذا المهرجان بلا ريب، إلا أن الكلمات بقيت عالقة عند الكثير من المشاهدين. بعد العرض حدث الانقسام المعهود بين معجب وغير معجب، لكن عدد غير المعجبين كان أكبر.
لكن «المختارون»، بحد ذاته، ومن دون خطب، فيه جوانب جيدة عدة يتضمنها مشروع طموح لمخرج يعرف ما يريد، وإن كان ليس ماهرًا بعد في تأمين التفاصيل.
يتحدث «المختارون» عن أحداث تقع في المستقبل الداكن الذي تخيم بعض غيومه في أفق حياتنا اليوم. هناك مجموعة من الأشخاص يعيشون في الطرف البعيد من مدينة ما بعدما حصّـنوا أنفسهم في مكان عصي على الفضوليين والمعتدين. في ذلك المكان يتزعم الأب تلك المجموعة المتفانية التي تضم ابنه وابنته. هو أب مسالم يحاول الحفاظ على سرية المكان ومناعته في زمن بات من الصعب فيه البحث عن ماء صاف. سريعًا ما يتعرض المكان لغزو من ثلاثة أفراد مسلحين. الأب يكاد يخسر حياته لولا تدخل غريب رابع يدعي أنه لا ينتمي إلى المجموعة الغازية. يعرض عليه الأب المكوث في المكان ريثما يلتئم جراحه. لكن هذا الغازي، واسمه موسى ينقلب على الأب ويقتله، ثم يتحوّل إلى باقي الأفراد، ويقتلهم واحدًا تلو الآخر. الوحيد الناجي هو الابن (واسمه عيسى) الذي يقتل ذلك السفاح وينطلق هاجرًا الموقع الذي لم يعد صالحًا للحياة.


عنصر أساسي


هناك مفادات كثيرة تتخلل هذا الفيلم: أسماء الشخصيات هي دينية المشارب: عيسى وموسى وشعيب وإدريس وزينب، وبما أن موسى هو الشرير الأول؛ فإن ذلك قد يُـفسّـر على أساس تداول أحداث التاريخ الحديث وتشعباته السياسية، خصوصا أن موسى ينتمي إلى مجموعة من الجانحين اللذين لا إيمان لهم، وأن الصراع الذي يخوضونه هو ضد من ما زال يحتفظ بالقيم الإنسانية.
هذه القراءة ليست ملزمة وإن كان الفيلم يوحي بها. على صعيد آخر، فإن الفيلم في كليّـته يبقى محض خيالي واسع في طروحاتها العامة حول مستقبل الإنسان على الأرض والصراع على الماء، وهي أمور يشارك فيها مع الكثير من الأفلام الأميركية والأسترالية من بينها «ماد ماكس».
النواحي الإنتاجية مصنوعة لتعادل تلك التي تعرفها تلك الأفلام. أماكن نائية وموحشة. بقايا مبنى مهجور مليء بالحفر والجدران المهدومة ومنطقة جبلية شبه صحراوية وشخصيات مأزومة تعيش في خوف ثم تعمد إلى العنف دفاعًا عن نفسها. العنف هو عنصر أساسي فيما يعمد إليه المخرج علي مصطفى لتأكيد وحشة المكان وشخصياته وعنف البيئة المقبلة. لكن حجم اللقطات القريبة لا يناسب دائمًا ما يحاول المخرج تحقيقه على صعيد الصورة. تتنافى والجماليات البصرية التي يعمد الفيلم إليها. تشكل حائلاً بين المشاهد والمكان وبين الشخصيات ذاتها والمحيط الذي تقع الأحداث فيه. هذا يأتي منذ البداية عندما تقع المعركة الجسدية الأولى فإذا بالجسدين المتعاركين يحتلان الشاشة لأكثر مما يجب أو يناسب التنويع، لكنه في أماكن أخرى فعّال تمامًا وإن لم يكن أصيلاً بالضرورة (مشهد طعن الأب في بطنه).
وهناك خط فكري يمر عبر الفيلم ليتبلور في فصل قصير يأتي في أعقاب ما كان يجب أن يكون النهاية وهو يقدر بحد ذاته، لكن كان يمكن تمريره على نحو أفضل خلال الأحداث، بحيث لا يتكل عليه الفيلم في نهاية المطاف فيبدو شرحًا فائضا عن الحاجة.
الممثلون المختارون (علي سليمان، محمود الأطرش، سامر المصري، ركين سعد وآخرون) آتون من بقاع مختلفة. تلتقط لهجات لبنانية وفلسطينية وسوريا، وفي النهاية يتحدث عجوز باللغة الفصحى، وذلك ليس عن ضعف أو صدفة.


شخصيات واقعية


على بعد 180 درجة يأتي «انتظار» لهاني الشيباني. دراما منسوجة من شخصيات عدة تقع غالبية أحداثها في الإمارات ومع خمس شخصيات، كل منها يحمل ما يثقل حركته في الحياة ويحجز سعادته حتى إشعار آخر.
هناك الأم التونسية المطلقة التي تعمل في دبي والتي تحاول بيع قطعة أرض لها لكي تستطيع دفع قسط ابنها، لكن الوعود تتكاثر من المشترين المحتملين من دون أن تتم الصفقة. وهناك الابن الراشد الذي كان نقل والدته المريضة إلى بلد آسيوي – جنوبي؛ بغية معالجتها وخسر عمله بسبب طول فترة العلاج. ثم شريفة المصابة بإعاقة وتبحث عن عمل، وأحمد الشاب المصري البدين الذي يحلم بفرصة للتمثيل. في غضون هذا، حلم اليقظة هذا يؤدي «نمرة» كوميدية فوق منصة مسرح من دون جمهور. ومن المحيط الخارجي لكل هذه الشخصيات تأتي شخصية رجل متقدم في السن يقرأ أشعارًا كتبها الراحل محمود درويش حول حياة تنتظر الموت الذي هو أقرب سبيلاً من تحقيق أي حلم أو إنجاز رغبة إنسانية.
أشعار محمود درويش تلعب دور المعلّـق على ما يدور، لكنها ليست تعليقًا مباشرا. المخرج لم يخط شخصياته لكي تناسب الأبيات الشعرية من ديوانه «في الانتظار»، ولا استعان بشعر درويش لكي تفسّـر شيئا مما يدور، بل هي حالة وجدانية تأملية شاملة تلتزم بموضوع الفيلم القائم على هذا النوع من الحياة التي يعيشها كل فرد بانتظار ما قد لا يأتي أو يقع.
يكشف المخرج أن التصوير تم بطريقة ارتجالية و«من دون نص». وأن الشخصيات حقيقية، كذلك أماكن التصوير. نعم هناك مشاكل تقنية في التصوير (وخصوصًا في الصوت) لكن الفيلم سلس يسبر غور شخصياته براحة ويسجل لها ما تطرحه من دن تلوينها بدراما أكثر من تلك الدراما الداخلية التي تقع في «الجوانيات» ذاتها.
بينما الشخصيات المذكورة التونسية والإماراتية تسجل حضورها الواقعي، كان يمكن للشخصيات أن تكون حقيقية ثم تأتي كما لو كانت خيالية، يسجل المخرج في فيلمه نقدًا للرجال الإماراتيين الذين يستقبلون شخصيات الفيلم ولا يبالون. في واحد من أكثر مشاهد الفيلم تكوينًا نرى الممثل الحالم يقف أمام هيئة من شخصين إمارتيين يتولان عملية «الكاستينغ». يقدم عرضًا مؤثرًا وناجحًا، لكنهما سيصرفانه من دون دراية.
لثلث ساعة من بداية الفيلم، يجد المرء نفسه غير واثق من العمل الذي يراه. لكن قبضة المخرج هاني الشيباني بعد ذلك تقبض جيدًا على المحاور المختلفة، وتجيد حياكة هذا الفيلم وصياغته على النحو الذي يؤمن للفيلم ابتعاده الكلي عن كل طرح تقليدي في الشكل وفي المضمون. فيلم مستقل ونموذجي في ذلك.


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة