فيلمان من الإمارات متناقضان يجمعهما الطموح

«الشرق الأوسط» تنقل فعاليات مهرجان دبي السينمائي الدولي

من فيلم هاني الشيباني  -  من فيلم علي مصطفى «المختارون» ({الشرق الأوسط})
من فيلم هاني الشيباني - من فيلم علي مصطفى «المختارون» ({الشرق الأوسط})
TT

فيلمان من الإمارات متناقضان يجمعهما الطموح

من فيلم هاني الشيباني  -  من فيلم علي مصطفى «المختارون» ({الشرق الأوسط})
من فيلم هاني الشيباني - من فيلم علي مصطفى «المختارون» ({الشرق الأوسط})

فيلمان من الإمارات يتناقضان في كل شيء تمامًا، لكنهما يشتركان في أشياء مهمة أخرى، من بينها ذلك الطموح لتحقيق ذات كل مخرج بالطريقة التي يرتئيها.
الفيلمان هما من أصل اثني عشر فيلما إماراتيًا تعرض على ناصية الدورة الثالثة عشرة من هذا المهرجان، الذي انطلق في الثامن ويستمر حتى الخامس عشر من هذا الشهر. هذا الرقم بحد ذاته يكشف عن التحاق دولة الإمارات بركب الصناعة السينمائية، علمًا بأن هذا العدد من الأفلام، مقابل ستة أفلام طويلة تم إنتاجها في العام السابق، يتم على الرغم من عدم اكتراث صالات السينما التجارية بعرض معظمها.
في الأعوام السابقة نجحت بعض الأفلام الإماراتية في احتلال الشاشات الجماهيرية بعد عروضها في دورات دبي الماضية. من بينها فيلمان لعلي مصطفى «دار الحي» و«من أ إلى ب»، لكن هذا الاستثناء لا يغير، للأسف، من القاعدة المعتمدة وهي التزام قاعات السينما في الإمارات وفي مختلف مناطق الدول الخليجية بالعروض التجارية الكبرى ذات النسبة الأميركية الغالبة، وابتعادها، تبعًا لسياسات أصحاب تلك القاعات، عن عرض الجديد والمختلف بحجة أنه لا يوجد جمهور لها.

إيحاء

الواضح أن مثل هذه العوائق لا تمنع السينما الإماراتية من مواصلة هذا القدر الباهر من الأفلام رغم محدودية السوق. والأفلام المشتركة، خصوصًا في مسابقة المهر الإماراتي، تعلن ذلك بوضوح. من أصل دزينة الأفلام الإماراتية هذا العام هناك ستة من الأفلام الطويلة التي شاهدنا منها حتى كتابة هذه السطور، فيلمان، أحدهما للمخرج علي مصطفى، والآخر للمخرج هاني الشيباني.
علي مصطفى هو مخرج «دار الحي» و«من أ إلى ب» اللذين دارا في نطاقين مختلفين عن نطاق فيلمه الجديد «المختارون» (تمت تسميته بالإنجليزية The Worthy التي تعني «المستحقون»). فأحداث «دار الحي» دارت في مدينة دبي والتزمت بها. استعراض لشخصيات مختلفة (إماراتية وبريطانية وهندية) تعيش فيها وتتبادل تطلعاتها وهمومها.
في فيلمه الثاني: «من أ إلى ب» (2014) انتقل إلى ما بعد الحيز الإماراتي؛ إذ انطلقت أحداث فيلمه من مدينة أبوظبي وانتهت في مدينة بيروت؛ ما يفسر حرفي ألف وباء في العنوان، مرورًا بالسعودية والأردن وسوريا، ولو عابرًا.
أما في فيلمه الثالث، فنطاقه يتجاوز أي مكان محدد وأي زمن معين من الماضي والحاضر. هو فيلم مستقبلي الأحداث، ينتمي إلى سينما النوع (The Genre)، كما توفرها هوليوود عبر معظم إنتاجاتها. تشويقي عنيف مع مرحلة يتحول فيها الفيلم إلى الرعب قبل وصوله إلى مشاهد ما بعد الحدث الأساسي، موحيًا بأنه سيكون الرقم الأول في مسلسل سينمائي إذا ما أتيح للفيلم النجاح الجماهيري الذي يطلبه لنفسه.
تم تقديم الفيلم بحديث مستفيض تناوله بوصفه إنجازا عالميا طموحا، وسابقة في هذا المنوال. بصرف النظر عن أن المهرجان عليه أن يدافع عن اختياراته في كلمات التقديم، ومع أن الفيلم يستحق العرض في هذا المهرجان بلا ريب، إلا أن الكلمات بقيت عالقة عند الكثير من المشاهدين. بعد العرض حدث الانقسام المعهود بين معجب وغير معجب، لكن عدد غير المعجبين كان أكبر.
لكن «المختارون»، بحد ذاته، ومن دون خطب، فيه جوانب جيدة عدة يتضمنها مشروع طموح لمخرج يعرف ما يريد، وإن كان ليس ماهرًا بعد في تأمين التفاصيل.
يتحدث «المختارون» عن أحداث تقع في المستقبل الداكن الذي تخيم بعض غيومه في أفق حياتنا اليوم. هناك مجموعة من الأشخاص يعيشون في الطرف البعيد من مدينة ما بعدما حصّـنوا أنفسهم في مكان عصي على الفضوليين والمعتدين. في ذلك المكان يتزعم الأب تلك المجموعة المتفانية التي تضم ابنه وابنته. هو أب مسالم يحاول الحفاظ على سرية المكان ومناعته في زمن بات من الصعب فيه البحث عن ماء صاف. سريعًا ما يتعرض المكان لغزو من ثلاثة أفراد مسلحين. الأب يكاد يخسر حياته لولا تدخل غريب رابع يدعي أنه لا ينتمي إلى المجموعة الغازية. يعرض عليه الأب المكوث في المكان ريثما يلتئم جراحه. لكن هذا الغازي، واسمه موسى ينقلب على الأب ويقتله، ثم يتحوّل إلى باقي الأفراد، ويقتلهم واحدًا تلو الآخر. الوحيد الناجي هو الابن (واسمه عيسى) الذي يقتل ذلك السفاح وينطلق هاجرًا الموقع الذي لم يعد صالحًا للحياة.

عنصر أساسي

هناك مفادات كثيرة تتخلل هذا الفيلم: أسماء الشخصيات هي دينية المشارب: عيسى وموسى وشعيب وإدريس وزينب، وبما أن موسى هو الشرير الأول؛ فإن ذلك قد يُـفسّـر على أساس تداول أحداث التاريخ الحديث وتشعباته السياسية، خصوصا أن موسى ينتمي إلى مجموعة من الجانحين اللذين لا إيمان لهم، وأن الصراع الذي يخوضونه هو ضد من ما زال يحتفظ بالقيم الإنسانية.
هذه القراءة ليست ملزمة وإن كان الفيلم يوحي بها. على صعيد آخر، فإن الفيلم في كليّـته يبقى محض خيالي واسع في طروحاتها العامة حول مستقبل الإنسان على الأرض والصراع على الماء، وهي أمور يشارك فيها مع الكثير من الأفلام الأميركية والأسترالية من بينها «ماد ماكس».
النواحي الإنتاجية مصنوعة لتعادل تلك التي تعرفها تلك الأفلام. أماكن نائية وموحشة. بقايا مبنى مهجور مليء بالحفر والجدران المهدومة ومنطقة جبلية شبه صحراوية وشخصيات مأزومة تعيش في خوف ثم تعمد إلى العنف دفاعًا عن نفسها. العنف هو عنصر أساسي فيما يعمد إليه المخرج علي مصطفى لتأكيد وحشة المكان وشخصياته وعنف البيئة المقبلة. لكن حجم اللقطات القريبة لا يناسب دائمًا ما يحاول المخرج تحقيقه على صعيد الصورة. تتنافى والجماليات البصرية التي يعمد الفيلم إليها. تشكل حائلاً بين المشاهد والمكان وبين الشخصيات ذاتها والمحيط الذي تقع الأحداث فيه. هذا يأتي منذ البداية عندما تقع المعركة الجسدية الأولى فإذا بالجسدين المتعاركين يحتلان الشاشة لأكثر مما يجب أو يناسب التنويع، لكنه في أماكن أخرى فعّال تمامًا وإن لم يكن أصيلاً بالضرورة (مشهد طعن الأب في بطنه).
وهناك خط فكري يمر عبر الفيلم ليتبلور في فصل قصير يأتي في أعقاب ما كان يجب أن يكون النهاية وهو يقدر بحد ذاته، لكن كان يمكن تمريره على نحو أفضل خلال الأحداث، بحيث لا يتكل عليه الفيلم في نهاية المطاف فيبدو شرحًا فائضا عن الحاجة.
الممثلون المختارون (علي سليمان، محمود الأطرش، سامر المصري، ركين سعد وآخرون) آتون من بقاع مختلفة. تلتقط لهجات لبنانية وفلسطينية وسوريا، وفي النهاية يتحدث عجوز باللغة الفصحى، وذلك ليس عن ضعف أو صدفة.

شخصيات واقعية

على بعد 180 درجة يأتي «انتظار» لهاني الشيباني. دراما منسوجة من شخصيات عدة تقع غالبية أحداثها في الإمارات ومع خمس شخصيات، كل منها يحمل ما يثقل حركته في الحياة ويحجز سعادته حتى إشعار آخر.
هناك الأم التونسية المطلقة التي تعمل في دبي والتي تحاول بيع قطعة أرض لها لكي تستطيع دفع قسط ابنها، لكن الوعود تتكاثر من المشترين المحتملين من دون أن تتم الصفقة. وهناك الابن الراشد الذي كان نقل والدته المريضة إلى بلد آسيوي – جنوبي؛ بغية معالجتها وخسر عمله بسبب طول فترة العلاج. ثم شريفة المصابة بإعاقة وتبحث عن عمل، وأحمد الشاب المصري البدين الذي يحلم بفرصة للتمثيل. في غضون هذا، حلم اليقظة هذا يؤدي «نمرة» كوميدية فوق منصة مسرح من دون جمهور. ومن المحيط الخارجي لكل هذه الشخصيات تأتي شخصية رجل متقدم في السن يقرأ أشعارًا كتبها الراحل محمود درويش حول حياة تنتظر الموت الذي هو أقرب سبيلاً من تحقيق أي حلم أو إنجاز رغبة إنسانية.
أشعار محمود درويش تلعب دور المعلّـق على ما يدور، لكنها ليست تعليقًا مباشرا. المخرج لم يخط شخصياته لكي تناسب الأبيات الشعرية من ديوانه «في الانتظار»، ولا استعان بشعر درويش لكي تفسّـر شيئا مما يدور، بل هي حالة وجدانية تأملية شاملة تلتزم بموضوع الفيلم القائم على هذا النوع من الحياة التي يعيشها كل فرد بانتظار ما قد لا يأتي أو يقع.
يكشف المخرج أن التصوير تم بطريقة ارتجالية و«من دون نص». وأن الشخصيات حقيقية، كذلك أماكن التصوير. نعم هناك مشاكل تقنية في التصوير (وخصوصًا في الصوت) لكن الفيلم سلس يسبر غور شخصياته براحة ويسجل لها ما تطرحه من دن تلوينها بدراما أكثر من تلك الدراما الداخلية التي تقع في «الجوانيات» ذاتها.
بينما الشخصيات المذكورة التونسية والإماراتية تسجل حضورها الواقعي، كان يمكن للشخصيات أن تكون حقيقية ثم تأتي كما لو كانت خيالية، يسجل المخرج في فيلمه نقدًا للرجال الإماراتيين الذين يستقبلون شخصيات الفيلم ولا يبالون. في واحد من أكثر مشاهد الفيلم تكوينًا نرى الممثل الحالم يقف أمام هيئة من شخصين إمارتيين يتولان عملية «الكاستينغ». يقدم عرضًا مؤثرًا وناجحًا، لكنهما سيصرفانه من دون دراية.
لثلث ساعة من بداية الفيلم، يجد المرء نفسه غير واثق من العمل الذي يراه. لكن قبضة المخرج هاني الشيباني بعد ذلك تقبض جيدًا على المحاور المختلفة، وتجيد حياكة هذا الفيلم وصياغته على النحو الذي يؤمن للفيلم ابتعاده الكلي عن كل طرح تقليدي في الشكل وفي المضمون. فيلم مستقل ونموذجي في ذلك.



«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
TT

«البحر الأحمر السينمائي» يشارك في إطلاق «صنّاع كان»

يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما
يتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما

في مسعى لتمكين جيل جديد من المحترفين، وإتاحة الفرصة لرسم مسارهم المهني ببراعة واحترافية؛ وعبر إحدى أكبر وأبرز أسواق ومنصات السينما في العالم، عقدت «معامل البحر الأحمر» التابعة لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» شراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»، للمشاركة في إطلاق الدورة الافتتاحية لبرنامج «صنّاع كان»، وتمكين عدد من المواهب السعودية في قطاع السينما، للاستفادة من فرصة ذهبية تتيحها المدينة الفرنسية ضمن مهرجانها الممتد من 16 إلى 27 مايو (أيار) الحالي.
في هذا السياق، اعتبر الرئيس التنفيذي لـ«مؤسسة مهرجان البحر الأحمر السينمائي» محمد التركي، أنّ الشراكة الثنائية تدخل في إطار «مواصلة دعم جيل من رواة القصص وتدريب المواهب السعودية في قطاع الفن السابع، ومدّ جسور للعلاقة المتينة بينهم وبين مجتمع الخبراء والكفاءات النوعية حول العالم»، معبّراً عن بهجته بتدشين هذه الشراكة مع سوق الأفلام بـ«مهرجان كان»؛ التي تعد من أكبر وأبرز أسواق السينما العالمية.
وأكّد التركي أنّ برنامج «صنّاع كان» يساهم في تحقيق أهداف «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» ودعم جيل جديد من المواهب السعودية والاحتفاء بقدراتها وتسويقها خارجياً، وتعزيز وجود القطاع السينمائي السعودي ومساعيه في تسريع وإنضاج عملية التطوّر التي يضطلع بها صنّاع الأفلام في المملكة، مضيفاً: «فخور بحضور ثلاثة من صنّاع الأفلام السعوديين ضمن قائمة الاختيار في هذا البرنامج الذي يمثّل فرصة مثالية لهم للنمو والتعاون مع صانعي الأفلام وخبراء الصناعة من أنحاء العالم».
وفي البرنامج الذي يقام طوال ثلاثة أيام ضمن «سوق الأفلام»، وقع اختيار «صنّاع كان» على ثمانية مشاركين من العالم من بين أكثر من 250 طلباً من 65 دولة، فيما حصل ثلاثة مشاركين من صنّاع الأفلام في السعودية على فرصة الانخراط بهذا التجمّع الدولي، وجرى اختيارهم من بين محترفين شباب في صناعة السينما؛ بالإضافة إلى طلاب أو متدرّبين تقلّ أعمارهم عن 30 عاماً.
ووقع اختيار «معامل البحر الأحمر»، بوصفها منصة تستهدف دعم صانعي الأفلام في تحقيق رؤاهم وإتمام مشروعاتهم من المراحل الأولية وصولاً للإنتاج.
علي رغد باجبع وشهد أبو نامي ومروان الشافعي، من المواهب السعودية والعربية المقيمة في المملكة، لتحقيق الهدف من الشراكة وتمكين جيل جديد من المحترفين الباحثين عن تدريب شخصي يساعد في تنظيم مسارهم المهني، بدءاً من مرحلة مبكرة، مع تعزيز فرصهم في التواصل وتطوير مهاراتهم المهنية والتركيز خصوصاً على مرحلة البيع الدولي.
ويتطلّع برنامج «صنّاع كان» إلى تشكيل جيل جديد من قادة صناعة السينما عبر تعزيز التعاون الدولي وربط المشاركين بخبراء الصناعة المخضرمين ودفعهم إلى تحقيق الازدهار في عالم الصناعة السينمائية. وسيُتاح للمشاركين التفاعل الحي مع أصحاب التخصصّات المختلفة، من بيع الأفلام وإطلاقها وتوزيعها، علما بأن ذلك يشمل كل مراحل صناعة الفيلم، من الكتابة والتطوير إلى الإنتاج فالعرض النهائي للجمهور. كما يتناول البرنامج مختلف القضايا المؤثرة في الصناعة، بينها التنوع وصناعة الرأي العام والدعاية والاستدامة.
وبالتزامن مع «مهرجان كان»، يلتئم جميع المشاركين ضمن جلسة ثانية من «صنّاع كان» كجزء من برنامج «معامل البحر الأحمر» عبر الدورة الثالثة من «مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي» في جدة، ضمن الفترة من 30 نوفمبر (تشرين الثاني) حتى 9 ديسمبر (كانون الأول) المقبلين في المدينة المذكورة، وستركز الدورة المنتظرة على مرحلة البيع الدولي، مع الاهتمام بشكل خاص بمنطقة الشرق الأوسط.


رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
TT

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»
عرف الراحل إيلي شويري بـ«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً.
فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه. وكان الخبر قد ذاع قبل أن أصدر بياناً رسمياً أعلن فيه وفاته».
آخر تكريم رسمي حظي به شويري كان في عام 2017، حين قلده رئيس الجمهورية يومها ميشال عون وسام الأرز الوطني. وكانت له كلمة بالمناسبة أكد فيها أن حياته وعطاءاته ومواهبه الفنية بأجمعها هي كرمى لهذا الوطن.
ولد إيلي شويري عام 1939 في بيروت، وبالتحديد في أحد أحياء منطقة الأشرفية. والده نقولا كان يحضنه وهو يدندن أغنية لمحمد عبد الوهاب. ووالدته تلبسه ثياب المدرسة على صوت الفونوغراف الذي تنساب منه أغاني أم كلثوم مع بزوغ الفجر. أما أقرباؤه وأبناء الجيران والحي الذي يعيش فيه، فكانوا من متذوقي الفن الأصيل، ولذلك اكتمل المشوار، حتى قبل أن تطأ خطواته أول طريق الفن.
- عاشق لبنان
غرق إيلي شويري منذ نعومة أظافره في حبه لوطنه وترجم عشقه لأرضه بأناشيد وطنية نثرها على جبين لبنان، ونبتت في نفوس مواطنيه الذين رددوها في كل زمان ومكان، فصارت لسان حالهم في أيام الحرب والسلم. «بكتب اسمك يا بلادي»، و«صف العسكر» و«تعلا وتتعمر يا دار» و«يا أهل الأرض»... جميعها أغنيات شكلت علامة فارقة في مسيرة شويري الفنية، فميزته عن سواه من أبناء جيله، وذاع صيته في لبنان والعالم العربي وصار مرجعاً معتمداً في قاموس الأغاني الوطنية. اختاره ملك المغرب وأمير قطر ورئيس جمهورية تونس وغيرهم من مختلف أقطار العالم العربي ليضع لهم أجمل معاني الوطن في قالب ملحن لا مثيل له. فإيلي شويري الذي عُرف بـ«أبي الأناشيد الوطنية» كان الفن بالنسبة إليه منذ صغره هَوَساً يعيشه وإحساساً يتلمسه في شكل غير مباشر.
عمل شويري مع الرحابنة لفترة من الزمن حصد منها صداقة وطيدة مع الراحل منصور الرحباني. فكان يسميه «أستاذي» ويستشيره في أي عمل يرغب في القيام به كي يدله على الصح من الخطأ.
حبه للوطن استحوذ على مجمل كتاباته الشعرية حتى لو تناول فيها العشق، «حتى لو رغبت في الكتابة عن أعز الناس عندي، أنطلق من وطني لبنان»، هكذا كان يقول. وإلى هذا الحد كان إيلي شويري عاشقاً للبنان، وهو الذي اعتبر حسه الوطني «قدري وجبلة التراب التي امتزج بها دمي منذ ولادتي».
تعاون مع إيلي شويري أهم نجوم الفن في لبنان، بدءاً بفيروز وسميرة توفيق والراحلين وديع الصافي وصباح، وصولاً إلى ماجدة الرومي. فكان يعدّها من الفنانين اللبنانيين القلائل الملتزمين بالفن الحقيقي. فكتب ولحن لها 9 أغنيات، من بينها «مين إلنا غيرك» و«قوم تحدى» و«كل يغني على ليلاه» و«سقط القناع» و«أنت وأنا» وغيرها. كما غنى له كل من نجوى كرم وراغب علامة وداليدا رحمة.
مشواره مع الأخوين الرحباني بدأ في عام 1962 في مهرجانات بعلبك. وكانت أول أدواره معهم صامتة بحيث يجلس على الدرج ولا ينطق إلا بكلمة واحدة. بعدها انتسب إلى كورس «إذاعة الشرق الأدنى» و«الإذاعة اللبنانية» وتعرّف إلى إلياس الرحباني الذي كان يعمل في الإذاعة، فعرّفه على أخوَيه عاصي ومنصور.

مع أفراد عائلته عند تقلده وسام الأرز الوطني عام 2017

ويروي عن هذه المرحلة: «الدخول على عاصي ومنصور الرحباني يختلف عن كلّ الاختبارات التي يمكن أن تعيشها في حياتك. أذكر أن منصور جلس خلف البيانو وسألني ماذا تحفظ. فغنيت موالاً بيزنطياً. قال لي عاصي حينها؛ من اليوم ممنوع عليك الخروج من هنا. وهكذا كان».
أسندا إليه دور «فضلو» في مسرحية «بياع الخواتم» عام 1964. وفي الشريط السينمائي الذي وقّعه يوسف شاهين في العام التالي. وكرّت السبحة، فعمل في كلّ المسرحيات التي وقعها الرحابنة، من «دواليب الهوا» إلى «أيام فخر الدين»، و«هالة والملك»، و«الشخص»، وصولاً إلى «ميس الريم».
أغنية «بكتب اسمك يا بلادي» التي ألفها ولحنها تعد أنشودة الأناشيد الوطنية. ويقول شويري إنه كتب هذه الأغنية عندما كان في رحلة سفر مع الراحل نصري شمس الدين. «كانت الساعة تقارب الخامسة والنصف بعد الظهر فلفتني منظر الشمس التي بقيت ساطعة في عز وقت الغروب. وعرفت أن الشمس لا تغيب في السماء ولكننا نعتقد ذلك نحن الذين نراها على الأرض. فولدت كلمات الأغنية (بكتب اسمك يا بلادي عالشمس الما بتغيب)».
- مع جوزيف عازار
غنى «بكتب اسمك يا بلادي» المطرب المخضرم جوزيف عازار. ويخبر «الشرق الأوسط» عنها: «ولدت هذه الأغنية في عام 1974 وعند انتهائنا من تسجيلها توجهت وإيلي إلى وزارة الدفاع، وسلمناها كأمانة لمكتب التوجيه والتعاون»، وتابع: «وفوراً اتصلوا بنا من قناة 11 في تلفزيون لبنان، وتولى هذا الاتصال الراحل رياض شرارة، وسلمناه شريط الأغنية فحضروا لها كليباً مصوراً عن الجيش ومعداته، وعرضت في مناسبة عيد الاستقلال من العام نفسه».
يؤكد عازار أنه لا يستطيع اختصار سيرة حياة إيلي شويري ومشواره الفني معه بكلمات قليلة. ويتابع لـ«الشرق الأوسط»: «لقد خسر لبنان برحيله مبدعاً من بلادي كان رفيق درب وعمر بالنسبة لي. أتذكره بشوشاً وطريفاً ومحباً للناس وشفافاً، صادقاً إلى أبعد حدود. آخر مرة التقيته كان في حفل تكريم عبد الحليم كركلا في الجامعة العربية، بعدها انقطعنا عن الاتصال، إذ تدهورت صحته، وأجرى عملية قلب مفتوح. كما فقد نعمة البصر في إحدى عينيه من جراء ضربة تلقاها بالغلط من أحد أحفاده. فضعف نظره وتراجعت صحته، وما عاد يمارس عمله بالشكل الديناميكي المعروف به».
ويتذكر عازار الشهرة الواسعة التي حققتها أغنية «بكتب اسمك يا بلادي»: «كنت أقفل معها أي حفل أنظّمه في لبنان وخارجه. ذاع صيت هذه الأغنية، في بقاع الأرض، وترجمها البرازيليون إلى البرتغالية تحت عنوان (أومينا تيرا)، وأحتفظ بنصّها هذا عندي في المنزل».
- مع غسان صليبا
مع الفنان غسان صليبا أبدع شويري مرة جديدة على الساحة الفنية العربية. وكانت «يا أهل الأرض» واحدة من الأغاني الوطنية التي لا تزال تردد حتى الساعة. ويروي صليبا لـ«الشرق الأوسط»: «كان يعد هذه الأغنية لتصبح شارة لمسلسل فأصررت عليه أن آخذها. وهكذا صار، وحققت نجاحاً منقطع النظير. تعاونت معه في أكثر من عمل. من بينها (كل شيء تغير) و(من يوم ما حبيتك)». ويختم صليبا: «العمالقة كإيلي شويري يغادرونا فقط بالجسد. ولكن بصمتهم الفنية تبقى أبداً ودائماً. لقد كانت تجتمع عنده مواهب مختلفة كملحن وكاتب ومغنٍ وممثل. نادراً ما نشاهدها تحضر عند شخص واحد. مع رحيله خسر لبنان واحداً من عمالقة الفن ومبدعيه. إننا نخسرهم على التوالي، ولكننا واثقون من وجودهم بيننا بأعمالهم الفذة».
لكل أغنية كتبها ولحنها إيلي شويري قصة، إذ كان يستمد موضوعاتها من مواقف ومشاهد حقيقية يعيشها كما كان يردد. لاقت أعماله الانتقادية التي برزت في مسرحية «قاووش الأفراح» و«سهرة شرعية» وغيرهما نجاحاً كبيراً. وفي المقابل، كان يعدها من الأعمال التي ينفذها بقلق. «كنت أخاف أن تخدش الذوق العام بشكل أو بآخر. فكنت ألجأ إلى أستاذي ومعلمي منصور الرحباني كي يرشدني إلى الصح والخطأ فيها».
أما حلم شويري فكان تمنيه أن تحمل له السنوات الباقية من عمره الفرح. فهو كما كان يقول أمضى القسم الأول منها مليئة بالأحزان والدموع. «وبالقليل الذي تبقى لي من سنوات عمري أتمنى أن تحمل لي الابتسامة».


ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
TT

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية     -   ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)
عازف البيانو ستيف بركات ينسج موسيقاه من جذوره اللبنانية - ستيف بركات يؤمن بالموسيقى لغة عالمية توحّد الشعوب (الشرق الأوسط)

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته. من اكتسابه فهماً متيناً لهويته وتعبيره عن الامتنان لما منحه إياه الإرث من عمق يتردّد صداه كل يوم، تحاوره «الشرق الأوسط» في أصله الإنساني المنساب على النوتة، وما أضفاه إحساسه الدفين بالصلة مع أسلافه من فرادة فنية.
غرست عائلته في داخله مجموعة قيم غنية استقتها من جذورها، رغم أنه مولود في كندا: «شكلت هذه القيم جزءاً من حياتي منذ الطفولة، ولو لم أدركها بوعي في سنّ مبكرة. خلال زيارتي الأولى إلى لبنان في عام 2008. شعرتُ بلهفة الانتماء وبمدى ارتباطي بجذوري. عندها أدركتُ تماماً أنّ جوانب عدة من شخصيتي تأثرت بأصولي اللبنانية».
بين كوبنهاغن وسيول وبلغراد، وصولاً إلى قاعة «كارنيغي» الشهيرة في نيويورك التي قدّم فيها حفلاً للمرة الأولى، يخوض ستيف بركات جولة عالمية طوال العام الحالي، تشمل أيضاً إسبانيا والصين والبرتغال وكوريا الجنوبية واليابان... يتحدث عن «طبيعة الأداء الفردي (Solo) التي تتيح حرية التكيّف مع كل حفل موسيقي وتشكيله بخصوصية. فالجولات تفسح المجال للتواصل مع أشخاص من ثقافات متنوعة والغوص في حضارة البلدان المضيفة وتعلّم إدراك جوهرها، مما يؤثر في المقاربة الموسيقية والفلسفية لكل أمسية».
يتوقف عند ما يمثله العزف على آلات البيانو المختلفة في قاعات العالم من تحدٍ مثير: «أكرّس اهتماماً كبيراً لأن تلائم طريقة عزفي ضمانَ أفضل تجربة فنية ممكنة للجمهور. للقدرة على التكيّف والاستجابة ضمن البيئات المتنوّعة دور حيوي في إنشاء تجربة موسيقية خاصة لا تُنسى. إنني ممتنّ لخيار الجمهور حضور حفلاتي، وهذا امتياز حقيقي لكل فنان. فهم يمنحونني بعضاً من وقتهم الثمين رغم تعدّد ملاهي الحياة».
كيف يستعد ستيف بركات لحفلاته؟ هل يقسو عليه القلق ويصيبه التوتر بإرباك؟ يجيب: «أولويتي هي أن يشعر الحاضر باحتضان دافئ ضمن العالم الموسيقي الذي أقدّمه. أسعى إلى خلق جو تفاعلي بحيث لا يكون مجرد متفرج بل ضيف عزيز. بالإضافة إلى الجانب الموسيقي، أعمل بحرص على تنمية الشعور بالصداقة الحميمة بين الفنان والمتلقي. يستحق الناس أن يلمسوا إحساساً حقيقياً بالضيافة والاستقبال». ويعلّق أهمية على إدارة مستويات التوتّر لديه وضمان الحصول على قسط كافٍ من الراحة: «أراعي ضرورة أن أكون مستعداً تماماً ولائقاً بدنياً من أجل المسرح. في النهاية، الحفلات الموسيقية هي تجارب تتطلب مجهوداً جسدياً وعاطفياً لا تكتمل من دونه».
عزف أناشيد نالت مكانة، منها نشيد «اليونيسف» الذي أُطلق من محطة الفضاء الدولية عام 2009 ونال جائزة. ولأنه ملحّن، يتمسّك بالقوة الهائلة للموسيقى لغة عالمية تنقل الرسائل والقيم. لذا حظيت مسيرته بفرص إنشاء مشروعات موسيقية لعلامات تجارية ومؤسسات ومدن؛ ومعاينة تأثير الموسيقى في محاكاة الجمهور على مستوى عاطفي عميق. يصف تأليف نشيد «اليونيسف» بـ«النقطة البارزة في رحلتي»، ويتابع: «التجربة عزّزت رغبتي في التفاني والاستفادة من الموسيقى وسيلة للتواصل ومتابعة الطريق».
تبلغ شراكته مع «يونيفرسال ميوزيك مينا» أوجها بنجاحات وأرقام مشاهدة عالية. هل يؤمن بركات بأن النجاح وليد تربة صالحة مكوّنة من جميع عناصرها، وأنّ الفنان لا يحلّق وحده؟ برأيه: «يمتد جوهر الموسيقى إلى ما وراء الألحان والتناغم، ليكمن في القدرة على تكوين روابط. فالنغمات تمتلك طاقة مذهلة تقرّب الثقافات وتوحّد البشر». ويدرك أيضاً أنّ تنفيذ المشاريع والمشاركة فيها قد يكونان بمثابة وسيلة قوية لتعزيز الروابط السلمية بين الأفراد والدول: «فالثقة والاهتمام الحقيقي بمصالح الآخرين يشكلان أسس العلاقات الدائمة، كما يوفر الانخراط في مشاريع تعاونية خطوات نحو عالم أفضل يسود فيه الانسجام والتفاهم».
بحماسة أطفال عشية الأعياد، يكشف عن حضوره إلى المنطقة العربية خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل: «يسعدني الوجود في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا كجزء من جولة (Néoréalité) العالمية. إنني في مرحلة وضع اللمسات الأخيرة على التفاصيل والتواريخ لنعلن عنها قريباً. تملؤني غبطة تقديم موسيقاي في هذا الحيّز النابض بالحياة والغني ثقافياً، وأتحرّق شوقاً لمشاركة شغفي وفني مع ناسه وإقامة روابط قوامها لغة الموسيقى العالمية».
منذ إطلاق ألبومه «أرض الأجداد»، وهو يراقب جمهوراً متنوعاً من الشرق الأوسط يتفاعل مع فنه. ومن ملاحظته تزايُد الاهتمام العربي بالبيانو وتعلّق المواهب به في رحلاتهم الموسيقية، يُراكم بركات إلهاماً يقوده نحو الامتنان لـ«إتاحة الفرصة لي للمساهمة في المشهد الموسيقي المزدهر في الشرق الأوسط وخارجه».
تشغله هالة الثقافات والتجارب، وهو يجلس أمام 88 مفتاحاً بالأبيض والأسود على المسارح: «إنها تولّد إحساساً بالعودة إلى الوطن، مما يوفر ألفة مريحة تسمح لي بتكثيف مشاعري والتواصل بعمق مع الموسيقى التي أهديها إلى العالم».