ضجيج الأمكنة وصداها

ضجيج الأمكنة وصداها

رواية «الصدى الآخر للأماكن» للروائية كلثوم فضل الله
الأحد - 12 شهر ربيع الأول 1438 هـ - 11 ديسمبر 2016 مـ
غلاف الرواية

صدرت رواية «الصدى الآخر للأماكن» للكاتبة السودانية كلثوم فضل الله عن دار «توتيل» للنشر التركية بإسطنبول، في 187 صفحة من الحجم المتوسط، وقد صمم غلافها الفاتح الحاج، ورسم لوحة الغلاف عصام الباشا، وهي ضمن سلسلة تطلق عليها الدار الناشرة «سلسلة الكتابة الإبداعية».
تدور فكرة رواية «الصدى الآخر للأماكن» حول حوار وجودي بين مجموعة أصدقاء، مستخدمة السرد التعددي، الذي يتيح - عادة - للكاتب التعامل مع شخوصه بديمقراطية، دون أن يفرض عليهم سطوته وصوته وآيديولوجيته، متخليًا تمامًا عن فكرة السارد العالم، ما يمكن القارئ - والأصوات أيضًا - من تمثل الصراع المجتمعي بديمقراطية، ومن النظر للشخوص والأحداث في اصطراعهم بحرية، دون أن يقطع بأن وجهة النظر هذه صحيحة وتلك خاطئة - آيديولوجيًا - فالكتابة الروائية متعددة الأصوات تعني أن الشخوص مستقلون بشكل ما عن المؤلف، وهو ما يقول عنه ميخائيل باختين: «تعدد الأصوات واستقلال الضمائر تثمر أصواتًا صحيحة».
كلثوم فضل الله لم تسع لإخفاء موقفها الطبقي والاجتماعي في الرواية، أو ما يمكن تسميته «آيديولوجيتها»، التي أعلنت عنها بشكل واضح من خلال «الشلة» المتجانسة في موقفها من الواقع الاجتماعي، فيما حافظت على صفتها كبطل جمعي، ضد بطل جمعي آخر لا يظهر أثره في النص ألا من خلال ردود أفعال «الشلة».
«الصدى الآخر للأماكن»، وعلى الرغم من تحقيقها لبعض شروط تعدد الأصوات، تنحو للوصول لنتيجة مختلفة، وأظنها قصدت أن تكتب لقارئ يشارك في القراءة، بل والتأليف عبر تعدد الأصوات، عبر السرد المشترك، بجعل الغاضب من النظام الاجتماعي والسعيد به والمستفيد منه شركاء، عن طريق سرد شيق وشاعري، وإن بدا مشوشا بفعل تشوش الواقع المحيط بالشخوص في النص.
شخوص الرواية ثلة أصدقاء من الجنسين اجتمعوا في جغرافيا وتاريخ قريب – تسعينات القرن الماضي وبدايات القرن الحالي – وهذا هو الزمن الحقيقي والزمن النفسي للرواية، جمعت بينهم الحاجات والمشاعر الإنسانية التي يمكن أن تنشا وسط ثلة أصدقاء مختلطة مختلفة، من حب وغيرة وواقعية ورومانسية، وحاجة، وغضب، وتطلع مشترك.
يتقاسم أبطال الرواية الكثيرون (ناهد زيادة، عبد الظاهر، عصام مروان، منى عمران، عثمان عتيق، عزة، نهى، حميد منصور، بدرية، تميم، محمود الجعلي، دكتور عبد العزيز، مجدي الباقر، يوسف قطبي، حاتم) الفعل في السرد، بما يجعل من العصي على القارئ أن يقرر ما إن كان بينهم بطل رئيس وآخرون ثانويون، فكلاهما مهم للشلة - النص، مثلما يكون الصديق مهما لأصدقائه بغض النظر عن موقفه ودوره الحياتي.
من الناحية النفسية والاجتماعية، فإن الشخوص في هذا النص مأزومون ومهزومون، يحاولون من خلال اتحادهم مواجهة هزائم لا تخصهم وحدهم، بل الواقع السياسي والاجتماعي كله.
ينحصر زمن الرواية في فترة معاناة مجتمع ما بعد مجيء حكومة الإنقاذ، وهي الفترة الممتدة من وسط تسعينات القرن الماضي، ويتواصل حتى لحظة كتابة النص. استخدمت الكاتبة ما يمكن تسميته «منطق الشلة» كتقنية لنقل الأفكار، أو الاحتماء بالأصدقاء لمواجهة الكبت المفروض على المجتمع وعلى المرأة بشكل خاص، والأمراض التي تفشت بفعل هذه السياسات.
بمثل هذه الحمولة المعرفية تحاول الرواية بسرد مميز، إثارة التوقعات لدى القارئ، ومنحه زاوية نظر مختلفة، عن طريق التمثيل العادل للأصوات وأدوار الشخصيات، ولا أدى لماذا تعاملت الكاتبة بقصدية آيديولوجية، أتاحت لها إخفاء الصوت الثاني الذي يمثل المعادل الموضوعي للواقع الاجتماعي، وجعلت حضوره يتجسد فقط في ردود فعل الثلة إزائه؟
الرواية بمجملها عبارة عن تحد للقيم الاجتماعية البالية والظروف السياسية الظالمة التي تواجه الفرد والمجتمع معًا - هل لهذا السبب جعلت الكاتبة بطلها «ثلة أصدقاء»؟ - ومحاولة جريئة للحيلولة دون تفكك العرى النفسية للفرد وللحفاظ على تماسكه بالاستناد إلى الأصدقاء، لأن المجتمع غير قادر على مواجهة التقاليد، وغير قادر على حماية أفراده من تحمل تبعات الفشل السياسي والاجتماعي، فهي تبحث عن مكان يتحدى بإيجابية ظروفه، لعله يحدث التغيير الذي ينتظره فهو قد تأخر كثيرًا.
الراوية وأسلوبها الفني، تضمنا ميزات أخرى شكلية، مثل عدم تبويبها لفصول واضحة، مما أتاح الفرصة للشخوص التعامل باستقلالية، كل شخصية تقول ما تراه، تتمسك به، أو قد تتراجع عنه، بحيث يحمل كل منهما سيف البطل متى ما تسلم زمام الحديث، في المكان المناسب من النص – الواقع، لتعبر الراوية عن حالاتها الشتى كيفما اتفق.
حسمت الكاتبة أمر النص، في صفحات متقدمة منه، من خلال الحوار الاستهلالي للأبطال، الذي يلخص أزمته، وأدارته بمهارة جعلت منه «عظم» الرواية، واستخدمت الدارجة ببراعة جعلتها لا تبدو نشازا على جسد النص الفصيح. الجزء المتقدم يبدأ الحوار والرواية، ويثبت المفاهيم، ويطرح آيديولوجيا النص على مرأى من عين وفهم القارئ. لكن الأحداث لا تقف عنده فهي تتصاعد كأنها مشدودة بحبل السرد المشوق، المختزن باللغة الشعرية.
تنتهي الرواية بتمزق الثلة الأصحاب، كل ذهبت به أقداره إلى مصير مختلف: من مات، ومن قتله الرصاص، ومن عاد إلى الأم وماء النهر، ومن بقي في تشظيه وحيدًا، ومن هرب من وطن لم تستطع الشلة - ربما الحزب أيضًا - توفير الحماية لناسه.


اختيارات المحرر

فيديو