الشعر.. سؤال حول ضرورته

ملتقى القاهرة يعود ليؤكد قيمته حيثما ومتى كان

ملتقى القاهرة للشعر اختتم فعالياته بمنح جائزته للشاعر المصري محمد إبراهيم أبو سنة
ملتقى القاهرة للشعر اختتم فعالياته بمنح جائزته للشاعر المصري محمد إبراهيم أبو سنة
TT

الشعر.. سؤال حول ضرورته

ملتقى القاهرة للشعر اختتم فعالياته بمنح جائزته للشاعر المصري محمد إبراهيم أبو سنة
ملتقى القاهرة للشعر اختتم فعالياته بمنح جائزته للشاعر المصري محمد إبراهيم أبو سنة

يقفز السؤال كلما ذكر الشعر هذه الأيام، بل منذ سنوات: وهل بقيت للشعر أهمية في حياتنا؟ كم عدد قراء الدواوين؟ من يحضر الأمسيات؟ ألم تحتل الرواية الواجهة الآن حتى إن كثيرًا من الشعراء بدأوا بكتابتها بدلاً من القصائد؟
أسئلة وجيهة بالطبع، فإطلالة سريعة على معرض كتاب عربي ستؤكد أن دور النشر لا تبحث عن شعر وشعراء، وإنما عن كتب أخرى، إن كانت أدبية فالرواية هي المقدمة على غيرها (وبغض النظر عن مستواها). بل إن الأمر يتعدى مبيعات الشعر في معارض الكتب العربية إلى المبيعات العالمية من كتب الأدب ليصل إلى الجمهور الذي يحضر الأمسيات الأدبية. الشعر، كما يبدو، هو الأقل اجتذابًا للمتلقين.
فعلى أي أساس إذن اتكأ المجلس الأعلى للثقافة بمصر حين دعا إلى الملتقى الدولي الرابع للشعر العربي، وحين قرر إحياء ذلك الملتقى بعد غياب طويل نسبيًا؟ لا شك لدي أنه لم يتكئ على جماهيرية متوقعة لقصائد الشعراء. فباستثناء أسماء وصلت إلى مرحلة النجومية، لن يهتم الكثيرون بالاستماع إلى كل تلك الأسماء المحتشدة في قائمة الشعراء، مثلما لن يهتموا بالأوراق النقدية التي أعدت للمناسبة. ستهتم فئة محدودة، قد نسميها النخبة، بمجريات الملتقى وأي ملتقى للشعر، وتلك الفئة هي التي ستحرص على الحضور والمشاركة في الاستماع والنقاش.
غير أن منظمي الملتقى، الذي تشرفت بالمشاركة فيه بدعوة كريمة من المجلس الأعلى للثقافة بمصر، قرروا ألا يتجنبوا المواجهة مع المقللين من أهمية الشعر وحضوره وتأثيره في حياتنا. اتضح ذلك من عنوان الملتقى الجانبي: ضرورة الشعر. فإلى جانب تكريم شاعرين مصريين كبيرين هما محمود حسن إسماعيل ومحمد عفيفي مطر، كان الملتقى يعلن أنه يعود ليؤكد قيمة الشعر حيثما ومتى كان. «الشعر ضرورة»؛ أكد ذلك غير متحدث في حفل الافتتاح، الذين كان من بينهم مقرر اللجنة العلمية للمؤتمر محمد عبد المطلب والشاعر المصري المعروف أحمد عبد المعطي حجازي والشاعر الناقد الفلسطيني عز الدين المناصرة. كان حجازي هو الأكثر حماسة وقوة بلاغية في كلمته التي جاءت باسم المشاركين. أكد الشاعر المصري الذي كان رائدًا من رواد الشعر العربي الحديث منذ خمسينات القرن الماضي أن الشعر ليس ضرورة فقط، وإنما هو، إلى جانب الحب، ملاذنا وأملنا في عالم يموج بالكراهية والقبح. كانت كلمة موجهة ضد الآيديولوجيات السياسية والدينية التي هيمنت على مصر وغيرها في السنوات التي أعقبت ثورة يناير (كانون الثاني). غير أن مؤشرًا آخر على أهمية الشعر المستمرة في حياتنا - والحديث بالطبع عن الشعر العربي الفصيح، الشعر المثقف والرفيع، في مقابل أشكال النظم المنتشرة في كل مكان - ذلك المؤشر تمثل في المدعوين ومستوياتهم، فقد جاءوا من مختلف أرجاء الوطن العربي، سواء بوصفهم شعراء أو نقادًا أو ضيوفًا مشاركين في الاستماع والنقاش. صحيح أن الوضع الاقتصادي في مصر فرض محدودية العدد، بعد أن كاد الملتقى برمته يتعثر أساسًا، لكن مصر تظل كعادتها البلد العربي المضياف والمعني بالثقافة على نحو تصعب مجاراته على كثيرين. ذلك أن الأمر يتجاوز الإمكانات المادية إلى البشرية، الإمكانات الثقافية والعلمية التي تستطيع خلق أطر علمية وحوارات رحبة تثريها القدرات المحلية قبل المدعوة من الخارج، الأمر الذي لا يتوفر لأي بلد عربي في تقديري على المستوى نفسه. يضاف إلى ذلك الانفتاح النسبي أو الهامش الأوسع لحرية التعبير قياسًا أيضًا لبعض أرجاء الوطن العربي. ولعل من أوضح الأمثلة على ذلك المعارضة المسموعة على ملتقى الشعر نفسه. فكما نشر في أماكن مختلفة (ربما كان من أبرزها ما نشر هنا في الشرق الأوسط)، عبّر بعض المدعوين من الشعراء المصريين والعرب عمومًا عن رفضهم الحضور والمشاركة لأسباب ذكروها ورد عليها منظمو الملتقى. فبغض النظر عن وجاهة أو عدم وجاهة الاعتراض، تشكل إمكانية حدوثه والتعبير عنه بوضوح مؤشرًا صحيًا على إمكانية اتخاذ المواقف المعارضة والإعلان عنها.
فيما يتصل بالمشاركين في الملتقى يسترعي الانتباه وصفه بالدولي. فالدولية توحي غالبًا بمشاركة أناس من خارج الوطن العربي وليس من داخله على أساس وحدة الثقافة العربية وتجاوزها للتقسيمات السياسية. لكن ربما كانت تلك التقسيمات هي المبرر فعلاً لوصف الملتقى بالدولي على الرغم من غياب، أو شبه غياب، مشاركين من دول غير عربية، كما حدث من قبل في ملتقيات مصرية وعربية شارك فيها باحثون أو كتاب وشعراء من أوروبا وأميركا وغيرهما، بمعنى أن المنظمين أرادوا الإشارة إلى مشاركة ضيوف غير مصريين.
إن من الطبيعي أن يلتفت الإعلام حول الملتقى وغيره ليس إلى مجريات المؤتمر قدر التفاته إلى الاعتراض على تلك المجريات، أي على المثير للجدل وجوانب الاختلاف والاعتراض، ولعل منظمي الملتقى نفسه كانوا أول من أحس بالجوانب الجدلية أو الخلافية حين وضعوا «ضرورة الشعر» شعارًا للملتقى الرابع للشعر العربي. هل أحسوا بأن الحضور سيكون محدودًا وأن غياب أسماء عربية مهمة إلى جانب غياب غير العرب يمثل مشكلة أولى تتصل بضعف الاهتمام بالشعر فعلاً؟ أليس التذكير بأهمية الشعر دليلاً بحد ذاته على تراجع تلك الأهمية؟ لقد ذكر غير متحدث في الملتقى أن نجيب محفوظ حين علم بإقامة ملتقى الرواية قبل سنوات طالب المجلس الأعلى بعقد ملتقى للشعر، كأن المجلس - برئاسة جابر عصفور عندئذٍ - كان متحيزًا مسبقًا للرواية التي عدها ديوان العرب الحقيقي، ليأتي الروائي الكبير ليذكر المجلس بأن الشعر ما زال ديوان العرب، وأنه لا يجوز تجاهله.
أعتقد أن مفهوم الديوان هو الذي ينبغي تجاوزه، فلا الشعر ولا الرواية ولا المسرح يقوم بما كان الشعر يقوم به في الثقافة العربية يوم كانت الشفاهية تنتشر والشعر سيد الساحة بلا منازع. ولا أظن الشعر سيستفيد من تكريسه ديوانًا لأحد. الشعر يظل فنًا عظيمًا وبالغ الأهمية في كل الثقافات والآداب ولا توجد ثقافة بلا شعر (بينما توجد ثقافات بلا رواية وهي غير الحكاية). لكن ينبغي الاعتراف بتراجع أهمية الشعر في حياة الناس، وما تأكيد تلك الأهمية بمؤدٍ إلى عودتها قريبًا. قد تعود فعلاً لكن ذلك يعتمد على متغيرات سوسيوثقافية، متغيرات في عادات الناس القرائية وطرق تفاعلهم وقد أصاب هذه تغير كبير. الناس يظلون مرتبطين بالشعر لكنه البسيط منه، الشعر السهل المتناول، شعر الأغنية العاطفي، وهذا ليس المقصود بالشعر العربي الذي انعقد ملتقى القاهرة لتكريسه والاحتفاء به.
إن غياب بعض أهم الأسماء الشعرية عن الملتقى مثل أدونيس وسعدي يوسف قد يكون مؤشرًا على تواضع التوقعات لدى أولئك قبل غيرهم إزاء أهمية ما يكتبون لدى جمهور المتلقين (مع أن تقدم الشاعرين في العمر، وقد تجاوزا الثمانين، قد يكون السبب الفعلي). لكن الملاحظ أيضًا هو أن معظم من اعتذروا من الشعراء كانوا من شعراء قصيدة النثر، القصيدة التي لا تتواءم كثيرًا مع منابر الإلقاء. قصيدة النثر قصيدة للقراءة أولاً لأسباب كثيرة ليس هذا مجال الحدث عنها. شعراء النثر لم يتخيلوا أنفسهم يصعدون المنبر ليلقوا قصائد سيصعب على الكثيرين التفاعل معها كما يتفاعلون مع حجازي أو الشهاوي أو روضة الحاج أو محمد علي شمس الدين، ممن حضروا وألقوا. بل إن كثيرًا من شعر التفعيلة يعتمد على تقنيات في الكتابة يصعب أن تتضح من الإلقاء، وقد أشرت في ورقتي في الملتقى إلى قصيدة للشاعر علي الدميني كان علي أن أصف شكلها على الصفحة لكي يستوعب الحضور ما أشير إليه. يضاف إلى ذلك أن تلك قصائد أكثر نخبوية في توقعاتها القرائية من أن تلقى على منبر يعتمد السماع أولاً.
لكن على الرغم من ذلك كله، يظل انعقاد الملتقى الرابع للشعر العربي في عاصمة عربية كبرى حدثًا مهمًا في الثقافة العربية، حدثًا في مصر تعود به إلى المشاركة الفاعلة والحية في الحراك الثقافي العربي الذي يشهد دخول قوى عربية أخرى من شمال أفريقيا والجزيرة العربية لم تعد أقل أهمية من غيرها، وإنما يضيف بعضها إلى بعض لدعم الإبداع والرؤية المستنيرة في زمن يكاد فيه الظلام والدمار يحيقان بأمتنا العربية ويطفآن جذوتها.



«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار
TT

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

«أوشام»... سيرة الهوى بحبر حار

تبدو «أوشام» سيرة عائلية بقدر ما هي سيرة ذاتية، تبدأ من الحب، تمر بالعائلة، بالأم والأب، بالبيت والرحيل، وتنتهي حيث بدأت: عند الحب بوصفه أعمق ما يبقى. ليست سيرة فرد منعزل، بل سيرة تتشكّل داخل شبكة من العلاقات الأولى، حيث العاطفة لا تنفصل عن النَّسَب، والرغبة لا تنفصل عن الخوف، والذاكرة لا تنفصل عن الجسد. منذ الصفحات الأولى، لا يقدّم نبيل سليمان نفسه بوصفه شاهداً على ماضٍ مكتمل، بل بوصفه كائناً لا يزال يرى، ويختبر، كأن السيرة لا تُكتب بعد انقضاء التجربة، بل في أثناء تشكّلها من جديد.

يتجلى الأسلوب السردي هنا كأن الروائي ممسك بكرة زجاجية يشوبها الضباب، مثل الساحرات أو البصّارات، لا تزعم رؤية صافية، بل تكتفي بإيماءة مترددة: «أنا أرى... أرى». هذه الرؤية لا تُنتج صوراً حادة ولا مشاهد مغلقة، بل لقطات مغبشة، غير مكتملة، تتبدل ملامحها كلما أُديرت الكرة قليلاً. لذلك لا يستقر الزمن في «أوشام» على فصل محدد أو حالة نهائية: لم يكن شتاءً، ولا صيفاً، لا ليلاً ولا نهاراً كامليْن. الزمن هنا حالة إدراك، وليس تأريخاً وتقويماً. ما يُروى ليس ما حدث وانتهى، بل ما لا يزال يتشكّل في الذاكرة، وما لم يُحسم بعد.

من هنا تبدأ السيرة بالحب، ليس بوصفه قصة مكتملة، بل بوصفه ارتباكاً أول، نظرة من نافذة، جسداً يكتشف جسداً آخر، وخسارة مبكرة تتحوّل إلى أثر دائم. قصص الحب التي يستعيدها نبيل سليمان ليست عظيمة ولا استثنائية، بل بسيطة، مراهِقة، عارية من البلاغة. وهذه البساطة هي ما تمنحها قيمتها. أن يعود كاتب في الثمانين إلى قصص حب مراهقته، علناً، أمام قرائه، لا ليجمّلها ولا ليسخر منها، بل ليضعها في قلب سيرته، فهو فعل مراجعة نادر. هنا يتبدى أسلوب سردي جديد، أسلوب لا يتكئ على المسافة العمرية ليعلو فوق التجربة، بل ليعيد الدخول إليها بعينها المرتبكة نفسها.

النساء في هذا الكتاب يحضرن بوصفهن نقاط تشكّل في الوعي وهي درجة أقل من شخصيات روائية واضحة متجسدة. سعاد، شفيقة، زلفى، ثم غنوة، لسن صوراً متطابقة، ولا نسخاً متكررة، بل تحولات لجرح واحد، ينتقل من الواقع إلى التخييل، ثم يعود إلى السيرة. زلفى، تحديداً، تكشف عن البنية العميقة للمشروع الروائي كله: امرأة تُفقد في الواقع، فتُستعاد في الرواية، ثم تُسترجع في السيرة بوصفها أصلاً هشّاً لكل ذلك التخييل. لا ينفي الكاتب رواياته السابقة، بل يكشف عن كيف كانت المخيلة تعمل كآلية تعويض، وكيف كانت الشخصيات تحمل آثاراً حقيقية جرى تفكيكها وإعادة تركيبها.

غير أن «أوشام» لا تقف عند الحب الفردي، بل تتسع لتصبح سيرة عائلة. الأب الدركي، التنقل الدائم، المخافر، البيوت المؤقتة، الأم التي تتحمل الفقدان والانتقال والصمت، الجد الذي ينهر، الأطفال النيام في الغرف... كل ذلك يُكتب بلغة نثرية مشبعة بالشعر، غير تجميلية، بل لإبقائه في حالته المعلّقة. استخدام الفعل المضارع في السرد ليس خياراً شكلياً، بل قرار بنيوي. لا يقول الكاتب: كان الضباب، بل يقول: يُظلمُ الضباب. بهذا التحول البسيط، يضع القارئ داخل المشهد، وليس خارجه. الذاكرة لا تُعرض بوصفها ماضياً مكتملاً، بل حادثاً يُبنى أمامنا الآن، لحظة بلحظة، كأن كاميرا تتحرك ببطء، تكشف عن الغرف، والأجساد النائمة، والأصوات المكتومة، والعلاقات كما لو أنها تحدث للمرّة الأولى.

هذا الأسلوب يبلغ ذروته في المقاطع التي تتقاطع فيها السيرة العائلية مع سيرة الكتب. في العلاقة مع الأم، لا يعود الكتاب موضوعاً ثقافياً، وإنما وسيلة حياة. فجأةً يصعُب النطقُ عليك مثل البلع، والطبيب الذي نصح بالاستئصال كالطبيب الذي حذَّر منه، ينذران بالخنق، فيما الأم تبتسم وتتحشرج وتطلب حكاية. هنا تتحول القراءة إلى فعل رعاية، إلى محاولة إنقاذ أخيرة عبر السرد.

يبدأ الكاتب من «كان يا ما كان»، لا بوصفها صيغة طفولية، بل بوصفها ما تبقَّى حين يعجز الطب. يستحضر كتباً عن الأم، من غوركي إلى غسان كنفاني، من بيرل باك إلى بريخت، ومن بودلير إلى إيزابيل الليندي، كأن الأدب كلّه يتقاطر في هذه اللحظة ليصير درعاً هشة في مواجهة الفقدان. الأم هنا ليست موضوعاً للرثاء والحنين، بل كيانٌ حيٌّ داخل اللغة، ولذلك يرفض الكاتب صيغة الموت المكتمل. يستحضر كامو وعبارته الشهيرة عن موت الأم، لا ليكرر برود شخصيته الرئيسية «ميرسو»، بل ليقلبه: أنا أردد العبارة لأنني على يقين أن حبيبتي «شفيقة بنت علي نصور لا تموت».

بهذا المعنى، تنتهي السيرة حيث بدأت: عند الحب. حب المرأة الأولى، حب الأم، حب العائلة، حب الكتب، حب الحياة بوصفها حكاية تُروى كي لا تختنق. «أوشام» لا تكتفي بأن تكون سيرة تُغلق الماضي، بل نصاً يتركه مفتوحاً، مغبشاً، قيد التشكّل. الضباب لا ينقشع، لكنه يصير مرئياً. والكرة الزجاجية لا تعطينا يقيناً، لكنها تسمح لنا بأن نرى مع الكاتب، لا بعده، وأن نشاركه اكتشاف ذاكرة لا تزال تحدث الآن.

إلى جانب هذا النسيج العائلي والوجداني، تتسع «أوشام» لتضم ذاكرة الصداقة والرفقة الثقافية، حيث يظهر الكاتب محاطاً بوجوه صنعت زمناً كاملاً من الحياة السورية. في هذا الحقل، تحضر علاقة نبيل سليمان بعمر حجو بوصفها خبرة إنسانية معيشة، علاقة تقوم على القرب اليومي، على الصوت والضحكة والحضور الجسدي، وعلى تفاصيل عابرة اكتسبت مع الزمن وزنها الرمزي. الصداقة هنا تُروى كما تُروى بقية عناصر الذاكرة: مشهد يتحرك، صورة تتكاثف ثم تخفّ، إحساس يمرّ في الجملة من دون أن يُحبس في تعريف. والأسماء السورية التي يستدعيها نبيل سليمان في «أوشام» تدخل النص بالطريقة نفسها، كجزء من نسيج عيش مشترك، من حوارات وسهرات وتقاطعات فكرية وعاطفية، كوّنت ما يشبه عائلة ثانية، عائلة اختارت نفسها عبر التجربة. هكذا تمتد السيرة من فضاء الفرد إلى فضاء الرفقة، ومن الذاكرة الخاصة إلى ذاكرة جيل، حيث تأخذ الصداقة مكانها بوصفها أحد أشكال الحب الهادئة، المستقرة، التي لا تحتاج إلى إعلان لكي تكون حاضرة.

وفي استعادة نبيل سليمان لعلاقته بحجو، تنفتح الذاكرة على طبقة سمعية شديدة الحضور، حيث تتقدّم الأغاني بوصفها لغة مشتركة بين الصديقين. الغناء الذي كان يجمعهما يمرّ كاستذكار عابر، كجزء من نسيج العيش اليومي، من السهرات، ومن لحظات الانفراج القليلة داخل زمن مثقل. عبْر حجو وذكراه، يفتح نبيل سليمان للقارئ باباً على عالمه الموسيقي، على الأغاني التي كانا يتقاسمانها، يرددانها، ويتركانها تملأ الفراغ بين الكلام والكلام. الصوت هنا هو خلفية أساس سردي، وهو أيضاً طريق للدخول إلى حساسية الكاتب، إلى طريقته في الإصغاء قبل الكتابة. الغناء يتحوّل إلى جسر؛ لا بين شخصين فقط، بل بين السرد والنبرة، بين الذاكرة والنص، كأن الموسيقى كانت أحد الوسائط التي عبَرت منها الحياة إلى الكتابة، ومنحت السيرة إيقاعها الداخلي، ذلك الإيقاع الذي سيستمر لاحقاً في الروايات، حيث تتسلل الأغنية إلى الجملة، وتعمل بوصفها ذاكرة موازية لا تقل كثافة عن الصورة والكلمة.

أنْ يعود كاتب في الثمانين إلى قصص حب مراهقته علناً أمام قرائه لا ليجمّلها ولا ليسخر منها بل ليضعها في قلب سيرته فهو فعل مراجعة نادر

هذا الفصل من «أوشام» يقدّم الغناء بوصفه سيرة سمعية موازية للسيرة الحياتية والروائية، ويكشف عن أن الموسيقى ليست عنصراً مرافقاً في تجربة نبيل سليمان، بل إحدى آليات تشكّل الذاكرة والكتابة معاً. الغناء هنا يتحرك من المشهد الحيّ إلى النص، من سهرة حلبية مع جمال الغيطاني وأصابع أيمن الجسري، إلى غرف الفنادق في القاهرة، إلى مقهى الزوزو في جبلة، إلى البيت العائلي حيث الأب يفتح باب الغناء العراقي بوصفه طقساً يومياً، ثم إلى الرقة التي تتكثف فيها هذه السلالة السمعية، قبل أن تستقر داخل الروايات نفسها مادةً بنيوية.

ما يفعله سليمان في هذا الفصل أنه يثبّت مصدر الصوت في المكان واللحظة، ثم يتركه يهاجر إلى السرد، فيغدو الغناء إيقاعاً داخلياً للجملة، وأحياناً منطقاً كاملاً لبناء الفصول، كما في استخدامه للأهازيج والقدود والموشحات وأغاني الفرات والمدينة بوصفها مفاتيح زمنية ودلالية داخل «مدارات الشرق» وسواها. الجملة السردية تتمدّد مع التقاسيم والارتجال، ثم تنكمش لتلتقط ملاحظة حساسة عن تغيّر المزاج التاريخي للأغنية، كما في قراءته لتحوّل أداء «أهواك» من نعومة رومانسية إلى صرامة تعكس زمناً آخر، فيتحوّل الغناء إلى جهاز رصد دقيق لتحولات الحساسية الاجتماعية والسياسية من دون خطاب مباشر. الفصل يكشف أيضاً عن منطق السلالة: صوت الأب يُورَّث، ثم يُنمّى، ثم يتشابك مع أصدقاء ومثقفين عرب، ثم يُعاد إنتاجه داخل الرواية، بحيث لا يبدو الغناء مستخدماً من الخارج، بل معيشاً من الداخل. صحيح أن كثافة الأسماء والأغاني تخلق فائضاً سمعياً قد يبدو إغراقياً، لكنه فائض مقصود، يشبه سهرة طويلة لا تريد أن تنتهي، ويفرض على القارئ أن يسمع بقدر ما يقرأ. قيمة هذا الفصل أنه يفتح مدخلاً مختلفاً لقراءة مشروع نبيل سليمان الروائي من زاوية الإيقاع، والتراث السمعي بوصفه خلفية للأحداث، وأيضاً بوصفه لحماً لغوياً وآلة توقيت سردية، ويضيف إلى «أوشام» وشماً إضافياً: وشم الصوت، وشم النبرة، وشم ما يدخل من الأذن ليستقر في الجملة.

* كاتب سوري.


تماثيل مهشّمة من قصر المَشتى الأموي

خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
TT

تماثيل مهشّمة من قصر المَشتى الأموي

خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.
خمس منحوتات من قصر المشتى محفوظة في متحف الفن الإسلامي ببرلين، تقابلها منحوتة سادسة محفوظة في متحف الآثار الأردني بعمّان.

تضمّ بادية الأردن سلسلة من القصور الأموية، أكبرها قصر «المَشتى» في لواء الجيزة. سلّط العلماء المستشرقون الضوء على هذا الموقع في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، ونجحت بعثة ألمانية في نقل واجهته الجنوبية الضخمة إلى برلين في مطلع القرن العشرين بعدما أهداها السلطان عبد الحميد إلى حليفه ملك بروسيا غليوم الثاني، فدخلت «متحف القيصر فريديريك» في عام 1903، ثم نُقلت إلى «متحف الفن الإسلامي» في 1932. ويُعد هذا المتحف أقدم وأكبر متحف مخصّص للفن الإسلامي في أوروبا وأميركا. تحتلّ واجهة «المَشتى» الحيز الأكبر في هذا الصرح الأوروبي، وتحضر إلى جوارها مجموعة صغيرة مستقلّة من التماثيل المهشّمة شكّلت في الأصل جزءاً من أثاث هذا القصر. تشهد هذه المجموعة لتقليد نحتي أموي خاص، اتّضحت هوّيته الفنيّة بشكل جليّ من خلال مجموعات مشابهة خرجت من قصور أموية أخرى تمّ استكشافها في ثلاثينات القرن الماضي.

تُعرض تماثيل قصر «المَشتى» على منصّات مستطيلة بيضاء في ركن من أركان القاعة المخصّصة لواجهة القصر الضخمة في «متحف الفن الإسلامي» ببرلين، وتبدو للوهلة الأولى أشبه بكتل حجرية مهشّمة على هامش هذه الواجهة المزينة بزخارف محفورة في الحجر الجيري، حافظت على معالمها بشكل شبه كامل. تبرز في هذا الركن قطعة حافظت وحدها على الجزء الأكبر من تكوينها، وتتمثّل بكتلة من حجر كلسيّ منحوت ومصقول، تجسّد أسداً رابضاً على قاعدة بيضاء، يبلغ طوله 72 سنتيمتراً، وعرضه 122 سنتيمتراً. يبدو هذا الأسد جاثياً بثبات على قائمتيه الخلفيتين المطويتين فوق قاعدة مستطيلة رقيقة مجرّدة من أي زخرفة، باسطاً قائمتيه الأماميتيّن، وتبدو معالم تكوينه واضحة وجليّة، على الرغم من ضياع الجزء الأكبر من رأسه وطرفي قائمتيه الأماميتين. سقطت عناصر ملامح الوجه، وبات من الصعب تحديدها، وتشير وضعيّته إلى رأس منتصب وملتصق بالصدر، تحيط به لبدة كثيفة تتكوّن من خصلات شعر متراصّة ومتوازية، تمتدّ وتشمل اللحية، فتشكّل معها عقداً يلتفّ حول كتلة الذقن البيضاوية.

الجسم طويل وأملس، وأعضاؤه محدّدة بشكل جليّ يحاكي المثال الواقعي، كما يشهد التجسيم الدقيق والمحكم لمفاصل البدن. يبرز هذا الأسلوب في تكوين القائمتين الخلفيتين، ويتجلّى في نتوء المخالب الناتئة التي تحدّ طرفيها. تجدر الإشارة هنا إلى وجود قطعة منحوتة صغيرة خرجت من قصر «المَشتى»، تحضر فيها هذه المخالب بشكل مماثل. ولا ندري إن كانت هذه القطعة تعود في الأصل إلى هذا التمثال، أم إلى تمثال مماثل شكّل تأليفاّ ثنائياً معه، وفقاً لتقليد فني ساد في أقاليم الإمبراطورية الساسانية. انقضت هذه الإمبراطورية مع الفتح الإسلامي لبلاد فارس، إلا أنَّ نتاجها الثَّقافي ظلَّ حياً، وطبع مجمل ميادين الفن الأموي، ويشكّل أسد «المَشتى» شاهداً من شواهد هذا التلاقح.

تقابل هذا الليث قطع منحوتة مهشّمة، يشكّل كل منها جزءاً بسيطاً من تمثال أنثوي بات من الصعب تحديد شكل تكوينه الأصلي. تُمثّل إحدى هذه القطع رأساً بقي من ملامحه محجرا العينين الواسعين، والطرف الأسفل للأنف، وشفتا الثغر المطبقتان على ابتسامة خفيّة. الوجنتان عريضتان، وتوحيان بأن هذا الوجه النضر يعود إلى امرأة تعلو رأسها كتلة من الشعر الكثيف، تبلغ مساحتها العليا ضعف مساحة الوجه. في المقابل، تكشف قطعتان منحوتتين عن صدر أنثوي ممتلئ ومكتنز. كما تكشف قطعة ثالثة عن فخذَي ساقين متلاصقتين، تتميّزان كذلك بهذا الطابع المكتنز. حافظت هذه القطعة على قماشتها المصقولة، وهي من الحجم المتوسّط، ويبلغ طولها 70 سنتيمتراً، وعرضها 50 سنتيمتراً، مما يوحي بأنها تعود لتمثال يحاكي في حجمه المثال الطبيعي. حافظت هذه الكتلة الثلاثية الأبعاد على تفاصيل تكوينها، وتُظهر هذه التفاصيل رداءً رقيقاً ينزاح عن الردفين، بقي طرفه حاضراً عند أعلى الفخذ اليسرى. تظهر على هذه الفخذ بقايا كتابة منقوشة بالخط الكوفي، تتجه من الأعلى إلى الأسفل. للأسف، لم يتمكّن أهل الاختصاص من فكّ نص هذه الكتابة، وترى إحدى القراءات الافتراضية أنها تذكر اسم صاحبة هذا التمثال.

يحتفظ متحف الآثار الأردني بقطعة مشابهة، كشفت عنها أعمال الترميم والتنظيف التي أجرتها دائرة الآثار العامة خلال عام 1962 في قصر «المشتى». صيغت هذه القطعة كذلك وفقاً للقياس الطبيعي، ويبلغ طولها 75 سنتيمتراً، وعرضها 52 سنتيمتراً، وتمثّل الحوض وأعلى الساقين. يظهر هنا الرداء الذي ينسدل على الفخذ اليمنى، كاشفاً عن الفخذ اليسرى، وتظهر ثناياه المحدّدة وفقاً للطراز اليوناني الكلاسيكي. فقد هذا التمثال ذراعيه، غير أن ما بقي من طرفيهما الأسفل يشير إلى يدين تحمل كلّ منهما أداة ما، بات من المستحيل تحديد هوّيتها.

تشهد هذه المنحوتات لمثال أنثوي أموي، ظهرت خصائصه تشكيلياً عند دراسة جداريات موقع أموي من مواقع البادية الأردنية يُعرف بقصير عمرة، كشف عنه العالم التشيكي ألوييس موزيل في مؤلف ضخم نُشر في جزأين عام 1907. وتأكّدت هذه الخصائص في مجال النحت مع ظهور منحوتات أنثوية مشابهة، خرجت من قصر أموي يقع في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، خلال أعمال التنقيب التي أجرتها بعثة تابعة لدائرة الآثار البريطانية في منتصف الثلاثينات.

يتميّز هذا المثال بجسد مكتنز وممتلئ، يميل إلى شيء من البدانة، كما يتميّز بوجوه تعكس هذا الطابع. يتكرّر هذا الطراز في قوالب مختلفة، تكشف دراسة هذه القوالب عن اعتماد تسريحات شعر وحلل زينية متعدّدة الأشكال، شكّلت مفردات لقاموس فني يوازي القاموس الأدبي الذي عُرف به هذا العصر الزاخر بالعطاء.


رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه
TT

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

رسائل لوركا إلى عائلته وأصدقائه

صدر حديثاً عن مؤسّسة «أبجد للترجمة والنشر والتوزيع» في محافظة بابل العراقية كتابٌ جديدٌ حمل عنوان «رسائل إلى سلفادور دالي ومجايليه»، وهو من تأليف الشاعر والمسرحي الإسباني فديريكو غارثيا لوركا، وترجمه عن الإسبانية المترجم والشاعر حسين نهابة.

يقول المترجم إن هذا الكتاب «هو عبارة عن مجموعة من المراسلات الشخصية التي كتبها لوركا إلى عائلته وأصدقائه من الفنانين والأدباء»، مضيفاً أن هذه الرسائل تكشف جوانب عميقة من شخصية لوركا، ولا سيما ما يتعلق بأقرب المقرّبين إليه، وما كان يتمتع به من روابط إنسانية وفنية مهمة ووثيقة.

ويسلط الكتاب الضوء، كما يضيف، «على العلاقات العائلية والصراعات الشخصية، إذ يكتب لوركا لوالديه عن رحلاته إلى الأديرة، مثل دير سانتو دومينغو دي سيلوس، واستمتاعه بالهدوء والفن المعماري، كما يعبّر في رسائله عن رغبته في الاستقلال، ولا سيما في مخاطبته لوالده، حيث يدافع بشدة عن خياره الفني، مطالباً بتركه في مدريد لمتابعة عمله الأدبي بدلاً من العودة إلى غرناطة، معتبراً أن الفن هو معركته الحقيقية.

وبعض الرسائل خُصصت لتوضيح علاقاته بالوسط الفني ومجايليه، حيث يشير الكتاب إلى العلاقة القوية التي جمعته بالفنان السوريالي سلفادور دالي، وانتظاره لزيارة دالي إلى منزله، وتخطيطه لإقامة حفلة غجرية على شرفه، فضلاً عن رسائل أخرى وجّهها إلى شخصيات بارزة مثل أدريانو ديل فايي، وأنخيل باريوس، وأدولفو سالاثار، يناقش فيها مشاريعه الموسيقية، وقصائده، وتطلعاته الفنية.

وتبين الرسائل تأمّلات لوركا في فلسفة الشعر، حيث يصف نفسه بأنه «شاب فقير، شغوف وصامت»، يحمل في داخله زنبقة مستحيلة الري، ويعبّر عن حزنه الدائم الذي يشكّل جوهر شعره، معتبراً أن الشعر هو «مملكة الكآبة». فضلاً عن تأمّلاته في الفن والواقع، إذ ناقش لوركا رسوماته الفنية، مؤكداً ضرورة ربط التجريد بالواقع، وواصفاً عملية الرسم بأنها تمنحه شعوراً بالحرية والنقاء. وبين أن الرسائل تكشف عن شغفه الكبير بالموسيقى، ولا سيما الموسيقى الشعبية الغرناطية، وتعاونه مع الموسيقي مانويل دي فايا في مشاريع فنية، من بينها «مسرح الدمى». وتطرّق لوركا أيضاً إلى تجاربه في السفر، حيث تناول رحلته الشهيرة إلى أميركا الشمالية، واصفاً حياته على متن السفينة العابرة للمحيطات، وتأثره بالأشخاص الذين التقاهم، مثل الطفل المجري الذي ألهمه إحدى قصائده.