صراع الآلة والعمالة.. قضية العقد المقبل

المخاوف الدولية تزداد من «الثورة الصناعية الرابعة»

روبوتات آلية تعمل بدلاً عن العمال في مصنع لسيارات فولسفاكن الألمانية (رويترز)
روبوتات آلية تعمل بدلاً عن العمال في مصنع لسيارات فولسفاكن الألمانية (رويترز)
TT

صراع الآلة والعمالة.. قضية العقد المقبل

روبوتات آلية تعمل بدلاً عن العمال في مصنع لسيارات فولسفاكن الألمانية (رويترز)
روبوتات آلية تعمل بدلاً عن العمال في مصنع لسيارات فولسفاكن الألمانية (رويترز)

مع كل ثورة من الثورات الصناعية الثلاث التي حدثت في القرون الماضية، تراجعت نسبيًا مساهمة الإنسان بعد أن كان المنفذ والمسيطر على ما كان ينتجه، ومع التقدم التقني تزداد المخاوف من أن يأتي يوم تتحكم الآلة بمصيره بعد أن تم تطويرها بشكل مثير، لتأخذ مكانه في العمل؛ ما يجعله عنصرًا سلبيًا.
وهذا يحمل في طياته كارثة بشرية لا يمكن اليوم معرفة أبعادها ومخاطرها الحقيقية، لكن الخطر الأول هو أن الآلة بدأت فعليًا - منذ تطوير طرق الإنتاج - تزيح الإنسان عن محرك الإنتاج، وقد تتحكم يومًا في نوعية الإنتاج التي يجب أن تنتج بمعزل عنه، ما قد يحول «فيلم الرعب» هذا إلى حقيقة لا يرغب أحد حتى بالتفكير بها.
فكما هو معروف شهدت بلدان أوروبا الغربية ثورة صناعية كبيرة في القرن الثامن عشر، ساهمت في رفع حجم الإنتاج وتحسين نوعيته، كما أن الاكتشافات الكثيرة أعطت نقلة نوعية أخرى للصناعة في القرن التاسع عشر، وهي الحقبة التي شهدت ثورة صناعية حقيقية في أوروبا أثرت إيجابًا في الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية على السواء.
مع ذلك، يميل الكثيرون إلى القول بأن التطور الصناعي (الآلي) كان وما زال يصب في صالح طبقة اجتماعية معينة. ففي مطلع النصف الثاني من القرن الماضي، بذل المحافظون المسيطرون على قطاع الإنتاج في البلدان الصناعية الغربية في أميركا وأوروبا جهودًا لخفض الإنفاق العام، بهدف تحقيق مزيد من الأرباح على حساب الطبقة العاملة، لكنهم عادوا وتخلوا عن هذه الفكرة، فزادوا من إنفاقهم مضطرين من أجل تشغيل العامل والآلة على مدار الساعة لتمويل الحروبـ وكسب أسواق جديدة خسروها بعد أن انتزعتها منهم دول كانت على قائمة البلدان النامية مثل الهند والصين وبلدان في أميركا الجنوبية.
بعدها، ومن أجل لجم التململ الاجتماعي، تم رفع الإنفاق الداخلي في مجالات الرعاية الصحية والاجتماعية، وإعادة النظر في السياسة الضريبية لتنحاز لصالح الطبقة الغنية والشركات العملاقة والكبيرة في الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا على سبيل المثال.
> تراكمات ثقيلة: وبعد أن شكلت هذه السياسات تراكمات من الصعب التخلص منها، أتت فكرة الثورة الصناعية الثالثة في نهاية القرن الماضي، مع تصنيع وانتشار التكنولوجيا الحديثة المعلوماتية والرقمية.. واليوم تقف البشرية على عتبة الثورة الصناعية الرابعة.
وللترويج لهذه الثورة، خصصت حملات إعلانية ضخمة تظهر حسناتها التي سوف يكون روادها بشكل عام الإنسان الآلي، والذي سيُبرمج كي يقوم بأعمال كثيرة عوضًا عن الإنسان.
هذا الإنسان الاصطناعي أو بالأحرى «الروبوت»، سيكون العنصر الأكثر فعالية من الإنسان في قطاع الإنتاج وأداء وظائف مهمة، وهو لا يمرض ولا يطالب بحقوقه ولا برفع أجره، ويمكن أن يعمل طوال 24 ساعة من دون تعب.
بالطبع فإن كل ابتكار جديد يثير الإعجاب، لكن أيضًا يحدث ردود فعل متناقضة تحسبًا من المجهول والنتائج غير المرئية التي سوف يحملها. فالثورة الصناعية الأولى حدثت بعد اختراع المحرك البخاري سنة 1775، وأسهمت رغم المخاوف منها في البداية في إحداث ثورة صناعية غير عادية في القرن الـ19 بعد امتداد جذورها من إنجلترا إلى أوروبا، ومن ثم الولايات المتحدة الأميركية.
أما الثورة الصناعية الثانية، فحملت معها تطورا كبيرا وهو اختراع الكهرباء. ومع أنها ساهمت في زيادة بالإنتاج، فإنها قللت من حضور اليد العاملة في المصانع التي كانت تشغل يدويًا الآلات، وأدى اختراع شريط الإنتاج الذي لا يتوقف إلى تشغيل عامل واحد بدلاً من ثلاثة.
وتغيرت الكثير من المعايير منذ الثورة الصناعية الثالثة في نهاية القرن الماضي، والتي صاحبتها اختراعات تكنولوجية عالية. وأولى الضحايا كان بالطبع العامل، لأن قوته العضلية والفكرية لم تعد مطلوبة كثيرًا. والأمر لم يتوقف عند هذا الحد، فالحديث اليوم عن الثورة الصناعية الرابعة واحتكار ذكاء الإنسان بتطوير آلات تحل مكانه، وذلك عبر برمجة آلات الإنتاج والصناعات الكبيرة، كما دخل حلبة منافسة الإنسان الإنترنت والبيانات الكبيرة وتقنية الهواتف النقالة، وغيرها من الاكتشافات.
> تقدم.. وريبة: وينظر إلى هذا التقدم التقني اليوم بعين الريبة، فهو يعزز الإنتاج بالقدر نفسه الذي حققه الحاسوب الشخصي أواخر ثمانينات القرن الماضي، لكنه بالنسبة لأصحاب المصانع الكبيرة والمتوسطة «فرصة للربح الأكبر».
ومن دون شك، ستلاقي الاختراعات التي سوف تحملها الثورة الصناعية الرابعة الإقبال الكبير، ومخترعوها لن يخشوا الخسارة لأن الإقبال على شرائها سوف يكون كبيرا، إذ إنه بمجرد السماع بنموذج جديد للهاتف النقال أو الكاميرات الرقمية على سبيل المثال يتهافت الناس على شرائها وكأنها ساحرة بارعة الجمال، لكن القليلين يدركون أن من يصنع هذه التقنيات ليس الإنسان وحده، بل مع شريكه الرئيسي وهو الآلة، التي أصبحت بمثابة نقطة تحول لصناعات أخرى وأخذت أماكن عمل كثيرة، ليس فقط في المعمل أو المصنع أو المتجر. فقدرات الحاسوب جعلته يأخذ دورًا مهمًا أيضًا في وسائل النقل والتوزيع والأرشفة والتخزين وربط الأشياء ببعضها البعض، مثل شبكة الاتصالات السريعة المرئية والمسموعة، مما أدى إلى تخفيض تكاليف العمل؛ وإلغاء وظائف كثيرة قبل أن تظهر فائدة أنماط الإنتاج الجديد.
ومن بين الدول التي تعجل للالتحاق بهذا الركب الولايات المتحدة الأميركية وألمانيا وبريطانيا وفرنسا والصين وأستراليا والهند واليابان وإيطاليا، ما دفع الكثير من خبراء العمل للتحذير من أنماط الإنتاج المستقبلية المتوقعة قبل أن تظهر فوائدها، فهي ستبيد صناعات ووظائف كثيرة، وهذا ما ذكره كارل هاينس لاند، الألماني مؤسسة ومدير مكتب الاستشارات نيولاند في ألمانيا، حيث قال في كتابه بعنوان: «إعادة توزيع العالم في زمن الداروينية (نسبة إلى العالم الشهير تشارلز داروين) الرقمية، ماذا سيحدث عندما يكون كل شيء تطبيقات وبرامج رقمية؟».
> منتدى دافوس.. بين الترحيب والحذر من الرقمية: ومسألة التطور التقني، كانت أحد أهم محاور النقاش في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس لعام 2016، ورغم ترحيب البعض بالتقدم وآثاره، إلا أن كثيرا من المشاركين حذروا مما يسمى بالثورة الصناعية الرابعة. فبرأيهم أن اعتمادها سيجلب الفوضى الكبيرة لسوق العمل، فخلال الأعوام الخمسة المقبلة سوف تلغى أكثر من 20 مليون وظيفة في البلدان الصناعية الكبيرة.
واعتمد أصحاب هذا الرأي بقولهم هذا على دراسة أجرتها مؤسسة دولية مع 350 شركة ومصنعا كبيرا في أستراليا والصين وفرنسا وألمانيا والهند وإيطاليا واليابان وبريطانيا والولايات المتحدة الأميركية.
ووفق بيانات صدرت عن المنتدى، فإن الثورة الصناعية «بدأت بالفعل».. وأولى ضحاياها اليوم 7 ملايين عاطل عن العمل تقوم آلات بدورهم. واللافت أن هذه الملايين السبعة ليسوا فقط من العاملين أصحاب الزي التقليدي الأزرق في المصانع، والتي أصبحت إلى حد كبير آلية؛ بل تعدى ذلك ليشمل ضحايا في المكاتب والإدارات، والمهددين بالطرد ممن يطلق عليهم اسم «ذوي الياقات البيضاء»، لكن عوضًا عنهم سوف ينشأ حتى عام 2020 مليون مكان عمل جديد للمتخصصين بأجهزة الكومبيوتر والتقنيات العالية، وستكون ألمانيا من الدول الأكثر تأثرًا بالتغييرات من أي دولة أوروبية أخرى.. والنساء مهددات أكثر بفقدان الوظيفة من الرجال، فحصة النساء ما زالت أقل بكثير من حيث التأهيل في مجال التقنيات المتقدمة.
> صورة المستقبل: وقد تكون الصور الكاريكاتورية التي نشرتها إحدى المجلات الألمانية هي الصورة المستقبلية لسوق العمل: رجل إلى يقود سيارة تاكسي، وآخر يعطي الدواء لمريض في سريره بالمستشفى في الأوقات المحددة دون تأخر، ورجل إلى يجري عملية جراحية لمريض، وسيدة يابانية جميلة لكنها روبوت تشرح لزبون كيفية استخدامه لجهاز الإنذار في المنزل.. وفي صورة أخرى، روبوت يلعب مع زميل له لعبة الشطرنج.
بالطبع جانب من هذه الصور لن يكون حقيقة، لكنه سوف يصبح جزءًا من حياتنا نتيجة التطورات السريعة الحاصلة اليوم، أو ما يسمى بالثورة الرقمية (الثورة الصناعية الرابعة)، فقد تسهل الحياة على الكثير من الناس لكنها ستكون في الوقت نفسه مدمرة للإنسانية.
ولقد أثارت قبل عامين دراسة وضعها معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا MIT عن «العصر الثاني للآلة» ضجة كبيرة، إذ إن الأتمتة (التشغيل الآلي) سوف تزيد من الفوارق في الدخل بين الناس، وتكون مرحلة انتقالية لزمن تترفع فيه البطالة العمالية بشكل مخيف لكن لا بد منه.
ووفقًا للدراسة، سيخلق التقدم التكنولوجي بالطبع وظائف جديدة في مجالات معينة، لكن في المقابل سوف يلغي وظائف في مجالات وقطاعات أكثر، وهذا الإلغاء لن يلحق سائقي التاكسي والممرضات والمحاسبين والمستشارين أو الباعة في المحلات فقط. ثم تضيف الدراسة أن قوة الأضرار التي ستلحق بقطاعات العمل مختلفة، وسوف تكون قوية في قطاع الصحة والمال والطاقة، بينما ستزيد أماكن العمل في مجال تكنولوجيا المعلومات، حيث التقدم في الرقمنة.
والمستقبل الواعد سيكون في مجال صناعة الإنسان الآلي والطابعات بالأبعاد الثلاثية 3D وتكنولوجيا النانو والهندسة الوراثية والتكنولوجيا الحيوية والإنترنت عبر الهاتف النقال.
> من هم أبرز المستفيدين؟
واللافت أن تشير الدراسة نفسها إلى حدوث تزايد الطلب على قوة العمل في بلدان ما يسمى بـ«آسيان» في جنوب شرق آسيا، يتبعها المكسيك ثم الولايات المتحدة الأميركية؛ وخصوصا العاملين في قطاع التطور التقني. ويمكن لبريطانيا أن تكون الوحيدة في أوروبا التي تدخل في الحسبان تحسنًا في مستوى الطلب على قوة العمل لديها، وأيضا تركيا لكن بنسبة ضئيلة. فيما سوف يرتفع عدد العاطلين عن العمل في بقية البلدان، مع القليل من التفاؤل بالنسبة لقطاعات في ألمانيا كالمبيعات والخدمات اللوجيستية وعلوم الكومبيوتر والهندسة.
وكإجراء مضاد، تنصح الدراسة الحكومات بالاستثمار في مجال التأهيل والتدريب لتعزيز التكنولوجيات الجديدة، وهي ضد مبدأ النقابات العمالية الداعي إلى خفض ساعات العمل كي يتاح المجال لتشغيل عاملين أكثر، فمبدأ توزيع العمل بهذا الشكل لا يحل المشكلات المقبلة.
من جانب آخر، فإن خبراء السوق متشائمون من فقدان ملايين الوظائف، فهم يتوقعون أن يتم في المستقبل الاستثمار في الآلة من أجل تحسين أدائها كي تحل بالكامل مكان الإنسان. وللمحافظة على موقع الإنسان في سوق العمل، يجب تقسيم العمل بينه وبين الرجل الآلي، وإلا سوف يحدث انفجار اجتماعي خطير.
ويزيد من المخاوف تقرير اقتصاديين في مصرف «أي إن جي دي با» في فرانكفورت (بنك الادخار وتراكم الأصول)، والذي قال إن تعجيل اعتماد دول مثل ألمانيا في المدى المتوسط والبعيد على الآلة سيبيد الملايين من الوظائف المعتمدة اليوم. فمن أصل نحو 38 مليون وظيفة تم تفحص مستقبلها، فإن 18 مليون وظيفة ستقوم بها الآلة في السنوات المقبلة، والسبب في ذلك الثقل الكبير لقطاع الصناعة الألماني في سوق العمل، بينما ستصل النسبة إلى 47 في المائة في الولايات المتحدة الأميركية.
> الوظائف المهددة في ألمانيا
والوظائف المهددة بالشطب وإحلال «الزميل الكومبيوتر» مكانها في ألمانيا هي تبعًا للتخصص والتراتب والنوع، فنسبة 86 في المائة من المهن الإدارية والتي تقوم بأنشطة إدارية نموذجية ستكون من المهن الأكثر عرضة للشطب الدائم وإحلال الآلة مكانها، ما يعني أن ثلثي الأعمال في مجال الميكانيكا وتشغيل الآلات في المصانع وقطاع الخدمات ستشطب. يضاف إليها الوظائف المكتبية، وتشكل نحو مليوني مكان عمل، وكذلك نصف العدد في قطاع الخدمات البريدية والبريد السريع والتنظيفات، و1.2 مليون مكان عمل في المحلات التجارية على مختلف أنواعها.
إلا أن هذه الملايين من الوظائف لن تفقد بين ليلة وضحاها بل «تسللا»، أي على فترات طويلة انتقالية ومتواصلة فتحل التقنيات والآلات شيئًا فشيئًا مكان الإنسان. والسبب أن تطوير الرجل الآلي سيستغرق سنوات كثيرة حتى يصبح حقًا قادرًا على تولي كل المهام التي تعطى له، والتعاطي مع أي مستجدات تطرأ، عدا عن ذلك، فإن صنع «رجل آلي» اليوم مكلف جدًا، ونمط الإنتاج المستقبلي يحتاج إلى عدد كبير من الرجال الآليين ليقوموا بأعمال الإنسان في المصنع أو أي في مكان عمل.



قرار المحكمة العليا الأميركية يُعيد خلط أوراق المواجهة بين ترمب وشي

صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (أ.ف.ب)
صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (أ.ف.ب)
TT

قرار المحكمة العليا الأميركية يُعيد خلط أوراق المواجهة بين ترمب وشي

صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (أ.ف.ب)
صورة مركبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ (أ.ف.ب)

دخلت العلاقات التجارية بين الولايات المتحدة والصين منعطفاً جديداً من الغموض والتعقيد، عقب قرار المحكمة العليا الأميركية، القاضي بإبطال الرسوم الجمركية الشاملة التي فرضها الرئيس دونالد ترمب. هذا الحكم، الذي وصفه مراقبون بأنه «ضربة قضائية» لاستراتيجية ترمب الاقتصادية، أعاد خلط الأوراق في التنافس المحموم بين أكبر اقتصادين في العالم، ووضع الجانبين أمام تحدي تجنب «حرب تجارية شاملة» قد تعصف باستقرار الاقتصاد العالمي المهتز أصلاً.

ترمب محاطاً بوزير التجارة هوارد لوتنيك والمدعي العام دي جون ساوير يعقد مؤتمراً صحافياً في البيت الأبيض عقب قرار المحكمة العليا (رويترز)

انتصار قانوني لبكين

أدى قرار المحكمة العليا، بإسقاط التعريفات الجمركية التي فرضها ترمب بموجب صلاحيات الطوارئ، إلى خلق حالة من عدم اليقين في الأوساط التجارية. ورغم أن هذا الحكم يبدو في ظاهره تعزيزاً لموقف الصين التفاوضي، فإن المحللين في واشنطن يحذرون من أن بكين ستتوخى الحذر الشديد في استغلال هذا الامتياز، وفق «أسوشييتد برس».

وترى سن يون، مديرة برنامج الصين في «مركز ستيمسون»، أن الحكم يمنح بكين «دفعة معنوية» في مفاوضاتها مع فريق ترمب قبيل القمة المرتقبة، لكنها تستدرك بأن الصينيين مستعدون لسيناريو ألا يتغيَّر شيء على أرض الواقع، نظراً لامتلاك ترمب بدائل قانونية أخرى لفرض رسوم جديدة.

غضب ترمب... والخطة «ب»

لم يتأخر رد فعل ترمب على الهزيمة القضائية؛ إذ أعرب عن غضبه الشديد، معلناً فوراً عن «خطة بديلة» تتضمَّن فرض تعريفة عالمية مؤقتة بنسبة 10 في المائة، ليعلن لاحقاً أنه ​سيرفع ‌الرسوم ⁠الجمركية ​العالمية المؤقتة على ⁠الواردات إلى 15 ⁠في المائة، بالتوازي مع البحث عن مسارات قانونية بديلة لإعادة فرض الضرائب الاستيرادية.

وفي خطاب مشحون بنبرة قومية، حمّل ترمب الصين مسؤولية التحديات التي تواجه الهيمنة الأميركية، قائلاً: «الصين حقَّقت مئات المليارات من الفوائض معنا. لقد أعادوا بناء جيشهم بأموالنا لأننا سمحنا بذلك». ورغم هجومه الحاد، فإن ترمب حرص على التأكيد على «علاقته الرائدة» مع الرئيس الصيني شي جينبينغ، مشيراً إلى أن بكين باتت «تحترم الولايات المتحدة الآن».

قمة كسر الجمود

أكد البيت الأبيض أن ترمب سيتوجَّه إلى بكين في رحلة مرتقبة بين 31 مارس (آذار) و2 أبريل (نيسان) للقاء الرئيس شي جينبينغ. ووفقاً لخبراء في «مجموعة الأزمات الدولية»، فإن الزعيم الصيني من غير المرجح أن «يتبجح» بقرار المحكمة العليا خلال لقاء ترمب، بل سيحاول بدلاً من ذلك تعزيز الرابط الشخصي مع الرئيس الأميركي.

الهدف الصيني من هذه الاستراتيجية هو تثبيت «هدنة تجارية» هشة تسمح لبكين بالحصول على تنازلات أمنية، وتمنحها حرية أكبر للمناورة في آسيا، مقابل تقديم ضمانات شراء لسلع أميركية أو تقديم تنازلات اقتصادية محدودة.

حاويات شحن مكدسة بينما تستقر أخرى على هياكل شاحنات نقل في ميناء لوس أنجليس (أ.ف.ب)

ردود فعل دولية

لم يقتصر القلق من الحكم القضائي على واشنطن وبكين؛ بل امتد إلى شركاء تجاريين آخرين في آسيا وخارجها. إذ تترقب طوكيو بحذر تداعيات القرار، خصوصاً قبل زيارة رئيسة الوزراء ساناي تاكايتشي المقررة لواشنطن في مارس. وتخشى اليابان، الحليف الاستراتيجي لأميركا، من أن يؤدي الغموض التجاري إلى مزيد من التدهور في علاقاتها المتوترة أصلاً مع بكين.

كما يرى دان كريتنبرينك، الشريك في «ذي آجيا غروب»، أن معظم الشركاء الآسيويين سيتصرفون بحذر، محاولين الحفاظ على الاتفاقات الحالية ريثما تتضح ملامح السياسة الأميركية الجديدة في الأسابيع المقبلة.

قانون التجارة... والتحقيقات النشطة

تشير ويندي كوتلر، نائبة رئيس «معهد سياسات جمعية آسيا»، إلى أن إدارة ترمب قد تلجأ إلى «تحقيقات نشطة» يجريها مكتب الممثل التجاري الأميركي حول مدى التزام الصين باتفاقات سابقة. إذا خلص التحقيق إلى أن الصين لم تفِ بالتزاماتها، فإن القانون الأميركي يمنح الرئيس الحق في فرض تعريفات جمركية دون الحاجة لقوانين الطوارئ التي أبطلتها المحكمة.

وبينما تحاول السفارة الصينية في واشنطن تهدئة الأجواء بالدعوة إلى «الاستقرار واليقين»، يبدو أن الساحة مهيأة لمرحلة من «عض الأصابع» السياسية. وبحسب غابرييل ويلداو، المدير المنتدب في مؤسسة «تينيو»، فإن بكين تدرك أن ترمب قادر على إعادة إنشاء التعريفات بصعوبات متواضعة، لكنها تأمل في إقناعه بخفضها مقابل تقديم «ضمانات شراء» ضخمة، أو تنازلات جيوسياسية.


ترمب يرفع الرسوم الجمركية العالمية من 10 إلى 15 في المائة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث إلى وسائل الإعلام أمس للتعليق على قرار المحكمة العليا تعليق الرسوم الجمركية (د.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث إلى وسائل الإعلام أمس للتعليق على قرار المحكمة العليا تعليق الرسوم الجمركية (د.ب.أ)
TT

ترمب يرفع الرسوم الجمركية العالمية من 10 إلى 15 في المائة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث إلى وسائل الإعلام أمس للتعليق على قرار المحكمة العليا تعليق الرسوم الجمركية (د.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث إلى وسائل الإعلام أمس للتعليق على قرار المحكمة العليا تعليق الرسوم الجمركية (د.ب.أ)

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم ‌السبت، أنه ​سيرفع ‌الرسوم ⁠الجمركية ​العالمية المؤقتة على ⁠الواردات إلى 15 ⁠في المائة.

ويأتي ‌ذلك ‌بعد ​أن ‌قضت المحكمة ‌العليا الأميركية برفض ‌الرسوم التي فرضها ترمب بموجب قانون ⁠الطوارئ الاقتصادية.

وقال ترمب، على منصته الاجتماعية «تروث سوشيال»، إنه بعد مراجعة شاملة لقرار المحكمة الذي وصفه بأنه «معادٍ لأميركا للغاية»، قرر رفع رسوم الاستيراد «إلى المستوى المسموح به بالكامل، الذي تم اختباره قانونياً، وهو 15في المائة».

وتستند الرسوم الجديدة إلى قانون منفصل، يعرف باسم المادة 122، الذي يتيح فرض رسوم جمركية تصل إلى 15 في المائة، ولكنه يشترط موافقة الكونغرس لتمديدها ‌بعد 150 يوماً.

وتعتزم الإدارة الاعتماد على قانونين آخرين يسمحان بفرض ضرائب استيراد على منتجات أو دول محددة بناء على تحقيقات تتعلق بالأمن القومي أو الممارسات التجارية غير العادلة.

وقال ترمب، ‌في مؤتمر ​صحافي في البيت الأبيض، أمس، إنه سيتخذ موقفاً «أكثر صرامة» بعد قرار المحكمة ​العليا ‌الأميركية، وتعهد باللجوء إلى بدائل عن الرسوم الجمركية الشاملة التي ألغتها المحكمة العليا.

وأوضح: «سيتم الآن استخدام بدائل أخرى من تلك التي رفضتها المحكمة بشكل خاطئ»، مضيفاً أن هذه البدائل يمكن أن تدرّ مزيداً من الإيرادات.

وخلصت المحكمة العليا الأميركية، الجمعة، إلى أن ترمب تجاوز صلاحياته بفرضه مجموعة من الرسوم الجمركية التي تسببت في اضطراب التجارة العالمية، ما يعرقل أداة رئيسية استخدمها لفرض أجندته الاقتصادية.

وجعل ترمب من الرسوم الجمركية حجر الزاوية في سياسته الاقتصادية، وذهب إلى حد وصفها بأنها «كلمته المفضلة في القاموس»، رغم استمرار أزمة غلاء المعيشة وتضرّر الشركات الصغيرة والمتوسطة من ارتفاع كلفة الاستيراد.

وتعهد سيّد البيت الأبيض بأن «تعود المصانع إلى الأراضي الأميركية» مصحوبة بعشرات الآلاف من الوظائف، محذّراً من أن فقدان أداة الرسوم قد يدفع الولايات المتحدة إلى ركود عميق.

يتعين احترام الاتفاقيات ‌التجارية

استخدم ترمب الرسوم الجمركية، أو التلويح بفرضها، لإجبار الدول على إبرام اتفاقيات تجارية.

وبعد صدور قرار المحكمة، قال الممثل التجاري الأميركي جيمسون غرير، لقناة «فوكس نيوز»، أمس الجمعة، إن على الدول الالتزام بالاتفاقيات حتى لو نصت على رسوم تزيد على الرسوم الجمركية المنصوص عليها في المادة 122.

وأضاف أن واردات الولايات المتحدة من دول مثل ماليزيا وكمبوديا ستظل خاضعة للرسوم وفقاً للنسب المتفق عليها والبالغة 19 في المائة، على الرغم من أن النسبة الموحدة أقل من ذلك.

وقد يحمل هذا الحكم أنباء سارة لدول مثل البرازيل، التي لم تتفاوض مع واشنطن على خفض رسومها الجمركية البالغة 40 في المائة، لكنها ربما تشهد الآن انخفاضاً في تلك الرسوم إلى 15 في المائة، على الأقل مؤقتاً.

وأظهر استطلاع أجرته «رويترز» - «إبسوس» وانتهى يوم الاثنين أن ​نسبة التأييد لترمب بشأن تعامله مع ​الاقتصاد تراجعت بشكل مطرد خلال العام الأول من توليه منصبه لتسجل 34 في المائة، في حين بلغت نسبة المعارضة له 57 في المائة.


ترمب لإزالة فيتنام من الدول المحظورة الوصول للتقنيات الأميركية

عاصفة تتجمع فوق سماء العاصمة الفيتنامية هانوي (أ.ف.ب)
عاصفة تتجمع فوق سماء العاصمة الفيتنامية هانوي (أ.ف.ب)
TT

ترمب لإزالة فيتنام من الدول المحظورة الوصول للتقنيات الأميركية

عاصفة تتجمع فوق سماء العاصمة الفيتنامية هانوي (أ.ف.ب)
عاصفة تتجمع فوق سماء العاصمة الفيتنامية هانوي (أ.ف.ب)

أكّدت الحكومة الفيتنامية، السبت، أنها تلقت تعهداً من الرئيس الأميركي دونالد ترمب بإزالتها من قائمة الدول المحظورة من الوصول إلى التقنيات الأميركية المتقدمة.

والتقى الزعيم الفيتنامي تو لام الرئيس دونالد ترمب، الجمعة، بعد حضوره الاجتماع الافتتاحي لـ«مجلس السلام» الذي أطلقه الرئيس الجمهوري في واشنطن.

ويتولى تو لام الأمانة العامة للحزب الشيوعي الحاكم، وهو المنصب الأعلى في السلطة بالبلاد، يليه منصب الرئيس.

وجاء على الموقع الإلكتروني للحكومة الفيتنامية: «قال دونالد ترمب إنه سيصدر الأمر للوكالات المعنية بإزالة فيتنام قريباً من قائمة مراقبة الصادرات الاستراتيجية».

وتتفاوض فيتنام والولايات المتحدة حالياً على اتفاق تجاري بعدما فرضت واشنطن العام الماضي رسوماً جمركية بنسبة 20 في المائة على المنتجات الفيتنامية.

وعقد البلدان جولة سادسة من المفاوضات في مطلع الشهر الحالي من دون التوصل إلى اتفاق حتى الآن.