اقتصاد أوروبا يمتص «صدمة إيطاليا» بهدوء

اليورو «على المنحدر الخطر».. و«البنوك» الأكثر تهديدًا

اقتصاد أوروبا يمتص «صدمة إيطاليا» بهدوء
TT

اقتصاد أوروبا يمتص «صدمة إيطاليا» بهدوء

اقتصاد أوروبا يمتص «صدمة إيطاليا» بهدوء

في هدوء كبير، مخالف للصورة التي بدت عليها الأسواق العالمية عقب صدمات على غرار الانفصال البريطاني (البريكست) أو انتخاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب، امتصت أغلب الأسواق الاقتصادية الصدمة السياسية التي تسبب فيها رفض الإيطاليين للتعديلات التشريعية التي اقترحها رئيس وزرائهم ماثيو رينزي، والتي أعلنت نتائجها في الساعات الأولى من صباح أمس. وبينما كانت العملة الأوروبية الموحدة (اليورو) أبرز الخاسرين بهبوط تاريخي في قيمتها مقابل سلة العملات، رجحت كفة المكاسب على الأسهم الأوروبية بقيادة من قطاعي الصحة والتعدين.. فيما يبقى الخوف على المدى الطويل متصلا بقطاع البنوك، خاصة أن البنوك الإيطالية تعاني من أزمة حادة تهدد مستقبل عدد من أبرز أفرعها، وكان الأمل يكمن في «خطة إنقاذ» تبناها ودعمها رينزي إلى حد بعيد؛ لكن بعد رحيله مستقيلا، أمس، أصبح مستقبل تلك البنوك في خطر كبير، وربما تكتب نهاية بعضها.
وعن أسباب «البرود النسبي» الذي استقبلت به الأسواق أمس نتائج الاستفتاء الإيطالي، يشير عدد من المحللين الاقتصاديين لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «الأسواق تعلمت الدروس السابقة؛ من صدمتي البريكست وفوز ترامب»، بل إن بعض الخبراء يذهب إلى أن «عمالقة الأسواق» وجانبا كبيرا من المتعاملين «المتمرسين» بالأسهم توقعوا النتائج بدقة كبيرة هذه المرة، على عكس ما بدت كنتائج مباغتة في المرتين السابقتين، ما جعل الأسواق الأوروبية تميل إلى الأرباح وليس الخسارة.
ويشير هؤلاء إلى أن التوقعات كانت تميل إلى فوز «لا» مسبقا، ما يعني أن الأمر ليس «مفاجأة» بقدر كونه «صدمة غير مرغوبة التبعات؛ سياسيا واقتصاديا».. ويتماشى مع ذلك تعليق فابيو فويس، الخبير الاقتصادي لدى باركليز في لندن، لوكالة «بلومبرغ» الإخبارية بقوله: «إذا رفض الإيطاليون الاستفتاء، فهذا لن يكون نهاية العالم». فيما علق وزير المالية الألماني فولفغانغ شويبله على نتائج الاستفتاء الإيطالية، مقللا من خطورة آثارها على منطقة اليورو، بقوله أمس: «لا مجال للحديث عن أزمة في منطقة اليورو»، واصفا ردود الأفعال في الأسواق بأنها هادئة.
* آسيا تتأثر «كالعادة»
كما يرى الخبراء أن الأسواق الآسيوية الشرقية كانت الأكثر تراجعا أمس بشكل نسبي، ويردون ذلك إلى «فارق التوقيت»، الذي يجعل هذه الأسواق دائما في مقدمة مستقبلي الأخبار ونتائج الاستفتاءات والانتخابات، و«تتلقى الموجة الأولى من الضغوط السلبية في أوقات العمل»، ما يتسبب في تذبذب والتأثر الأكبر من الأسواق الغربية، التي تبدأ تعاملاتها في «اليوم التالي» بعد وضوح أكثر للرؤية.
وبالفعل أغلقت مؤشرات شرق آسيا على انخفاض، حيث هبط مؤشر «نيكي القياسي»، مما أتاح للمستثمرين فرصة للبيع في السوق التي ارتفعت لأعلى مستوى في 11 عاما في أواخر الأسبوع الماضي.
وخسرت بورصة طوكيو عند الإغلاق 0.82 في المائة، كما انخفضت بورصتا سيول وسيدني بنسب 0.2، و0.94 في المائة على التوالي. وأغلقت بورصات الصين على انخفاض أيضا، كما خسر مؤشر سوق هونغ كونغ 0.26 في المائة، وشينزن 0.78 في المائة، وشنغهاي 1.21 في المائة.
* أوروبا تتجاهل «أوجاع» إيطاليا
أما في أوروبا، فرغم أن أغلب الأسواق فتحت أمس على انخفاض، فإنها أظهرت تحسنا كبيرا ومكاسب مع انتصاف اليوم، ربما باستثناء إيطاليا بطبيعة الحال، التي تشعر بالاضطراب أكثر من غيرها.
وفتحت بورصة ميلانو على تراجع نسبته 1.25 في المائة، بينما سجلت أسهم المصارف انخفاضا كبيرا بلغ 6.26 في المائة «لبانكو بوبولاري»، و5.81 في المائة لكل من «بانكو بوبولاري دي ميلانو»، و«أونيكريديت»، بينما انخفضت أسهم «مونتي دي باسكا دي سيينا» (بي إم بي إس) بنسبة 5.18 في المائة.
* بنوك إيطاليا تخشى «المجهول»
ويعد البنك الأخير «بي إم بي إس»، وهو ثالث أكبر البنوك الإيطالية، الأكثر تهديدا وقلقا في إيطاليا وسط مشكلات واسعة تتصل برسلمة المصارف وحجم الديون المشكوك فيها في محافظها، وكذلك نقص تعزيز القطاع الذي يشمل 700 مؤسسة في إيطاليا.
وتشير «فايننشيال تايمز» البريطانية إلى أن «المخاوف الحالية والفعلية تتعلق بالقطاع المصرفي الإيطالي، إذ إن نتيجة الاستفتاء تثير التساؤلات حول قدرة بنك «بي إم بي إس»، وهو ثالث أكبر بنك في إيطاليا وأكثرها تعثرًا، على إتمام زيادة رأسماله بقيمة 5 مليارات يورو بنجاح.. وهي الزيادة التي كان من المخطط أن تتم عقب الاستفتاء».
ومع التوقعات المتزايدة بتشكيل «حكومة انتقالية» عقب استقالة رينزي، فإن فرص هذه الحكومة ستكون محدودة ويدها مغلولة إلى حد بعيد لتفعيل خطة إنقاذ البنوك التي سبق وأن تبناها رئيس الوزراء المستقيل.. ما يفتح الباب واسعا أمام احتمالات غير مبشرة لقطاع البنوك الإيطالي، بل وربما على مستوى أكبر عالميا.
ورغم ذلك، استبعد رئيس مجموعة اليورو يروين ديسلبلوم حدوث تأثيرات اقتصادية مباشرة على إيطاليا بعد الاستفتاء، في وجهة نظر «متفائلة». وقال أمس خلال اجتماع لوزراء مالية منطقة اليورو في بروكسل: «هذه عملية ديمقراطية ولن تؤثر على الوضع الاقتصادي، أو حتى وضع البنوك.. المشكلات التي لدينا اليوم هي نفس مشكلات الأمس، ويتعين علينا حلها».
* «اليورو» يواجه المجهول
أما الأداء الأكثر سوءا أمس، فقد كان من نصيب العملة الأوروبية الموحدة (اليورو). وانخفض اليورو أمس بما يصل إلى 1.4 في المائة، ليصل إلى 1.05 دولار فقط، وهو أدنى معدل في 20 شهرا، حين بلغت العملة الأوروبية انخفاضا قياسيا سجل في مارس (آذار) 2015 عند مستوى 1.045 دولار، ثم ارتفعت بعدها بدعم من اقتصاد أظهر قوة تماسك ومقاومة في وجه عوامل الركود العالمي وأخرى جيوسياسية.
ويرى اقتصاديون أن «المنحدر» أصبح مفتوحا أمام اليورو لمزيد من الهبوط، وتبلغ ذروة التشاؤم لدى بعضهم مرحلة أن اليورو قد يعود إلى سيناريو «من الماضي» ليتعادل سعريا مع الدولار، وهو أمر غير مستبعد إذا استمرت أوروبا في أزماتها المتوالية. كما انخفض اليورو مقابل الين الياباني بنسبة تفوق واحدا في المائة، حيث وصل إلى مستوى سعري 118.7 ين صباح أمس، قبل أن يحسن قليلا من وضعه ويستقر ظهرا عند مستوى 119.7 ين. وفي مقابل الجنيه الإسترليني، هبط اليورو بنسبة نحو 0.7 في المائة، مسجلا أدنى مستوى له منذ يوليو (تموز) الماضي.
ويقول محللون لـ«الشرق الأوسط» إن ما يدعم اليورو «قليلا» أمام الإسترليني «تحديدا» هو التوتر البريطاني الداخلي والخارجي فيما يخص قضية انفصال المملكة المتحدة عن الاتحاد الأوروبي، والتي تشهد اشتباكا واسعا بين مختلف الأطراف البريطانية مع عدم وضوح الرؤية أمام المواطنين. وهو ما من شأنه أن يدعم اليورو من طرف المواطنين في بريطانيا تحسبا لهزة اقتصادية؛ كعملة «أكثر أمانا» و«قبولا» كونها سهلة التصريف في الحياة اليومية داخل بلادهم أكثر من عملات مثل الين أو الدولار.
وعلى صعيد متصل، فقد الذهب أكثر من واحد في المائة أمس متأثرا بارتفاع الدولار مقابل اليورو وصعود الأسهم الأوروبية، مع تجاهل مستثمرين المخاوف إزاء عدم الاستقرار السياسي في إيطاليا.
وأشارت «رويترز» إلى أن الذهب نزل في المعاملات الفورية ما يصل إلى 1.2 في المائة لأقل مستوى خلال الجلسة عند 1162.35 دولار للأوقية (الأونصة)، مقتربا من أقل مستوى في عشرة أشهر عند 1160.38 دولار الذي سجله الأسبوع الماضي، فيما سجل عند الساعة 11 بتوقيت غرينتش هبوطا بنسبة 0.9 في المائة، ليتحسن قليلا إلى مستوى 1167.47 دولار للأوقية. وفقد الذهب في التعاملات الآجلة في الولايات المتحدة 10.90 دولار، ليصل إلى 1167.70 دولار.
واقتداء بخسائر الذهب، انخفضت الفضة واحدا في المائة إلى 16.58 دولار للأوقية، بعد أن سجلت أعلى مستوى فيما يزيد على أسبوعين في وقت سابق من الجلسة. كما هبط البلاتين بنسبة 0.4 في المائة إلى 924.50 دولار للأوقية، وفقد البلاديوم 0.6 في المائة ليصل إلى 728.90 دولار.



مسؤول أميركي: لا توجد دولة تعتزم الانسحاب من اتفاقيات التجارة بعد إلغاء رسوم ترمب

جيمسون غرير يتحدث إلى وسائل الإعلام خلال مأدبة عمل مع وزراء التجارة الأوروبيين في بروكسل - 24 نوفمبر 2025 (رويترز)
جيمسون غرير يتحدث إلى وسائل الإعلام خلال مأدبة عمل مع وزراء التجارة الأوروبيين في بروكسل - 24 نوفمبر 2025 (رويترز)
TT

مسؤول أميركي: لا توجد دولة تعتزم الانسحاب من اتفاقيات التجارة بعد إلغاء رسوم ترمب

جيمسون غرير يتحدث إلى وسائل الإعلام خلال مأدبة عمل مع وزراء التجارة الأوروبيين في بروكسل - 24 نوفمبر 2025 (رويترز)
جيمسون غرير يتحدث إلى وسائل الإعلام خلال مأدبة عمل مع وزراء التجارة الأوروبيين في بروكسل - 24 نوفمبر 2025 (رويترز)

صرّح الممثل التجاري الأميركي، جيمسون غرير، الأحد، بأنه تجري محادثات مكثفة مع الدول التي أبرمت اتفاقيات رسوم جمركية مع الولايات المتحدة، مؤكداً أنه لم تُبْدِ أي منها نيتها الانسحاب في أعقاب قرار المحكمة الأميركية العليا، يوم الجمعة، بإلغاء جزء كبير من الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترمب.

وأضاف غرير، في حديثه لقناة «سي بي إس»، أنه تحدث بالفعل مع نظيره من الاتحاد الأوروبي، وستجري محادثات مع مسؤولين من دول أخرى.

وقال غرير: «لم أسمع حتى الآن عن أي جهة تعلن إلغاء الاتفاق».

كانت المحكمة العليا الأميركية، قد قضت، في صفعة قضائية لترمب، بعدم قانونية أجزاء واسعة من نظامه الجمركي السابق؛ ما دفع ترمب إلى البحث عن مسارات قانونية بديلة لضمان استمرار استراتيجيته القائمة على حماية الأسواق المحلية، ومعاقبة الخصوم التجاريين.

وقال ترمب، على منصته الاجتماعية «تروث سوشيال»، إنه بعد مراجعة شاملة لقرار المحكمة، الذي وصفه بأنه «معادٍ لأميركا للغاية»، قرَّر رفع رسوم الاستيراد «إلى المستوى المسموح به بالكامل، الذي تمَّ اختباره قانونياً، وهو 15 في المائة».

وكان ترمب قد أعلن في البداية عن رسوم بنحو 10 في المائة فور صدور الحكم، إلا أنه سرعان ما زاد النسبة، مستنداً هذه المرة إلى مادة قانونية تختلف عن «قانون القوى الاقتصادية الطارئة لعام 1977» الذي أسقطته المحكمة.


العراق: 5 % رسوماً على مستلزمات الطاقة الشمسية

حدد العراق 5 % جمارك على نسبة الخلايا الشمسية وبطاريات الليثيوم والإنفريتر والكيبل لكل مادة (إكس)
حدد العراق 5 % جمارك على نسبة الخلايا الشمسية وبطاريات الليثيوم والإنفريتر والكيبل لكل مادة (إكس)
TT

العراق: 5 % رسوماً على مستلزمات الطاقة الشمسية

حدد العراق 5 % جمارك على نسبة الخلايا الشمسية وبطاريات الليثيوم والإنفريتر والكيبل لكل مادة (إكس)
حدد العراق 5 % جمارك على نسبة الخلايا الشمسية وبطاريات الليثيوم والإنفريتر والكيبل لكل مادة (إكس)

حددت الهيئة العامة للجمارك العراقية، الأحد، نسبة الرسوم على مستلزمات الطاقة الشمسية عند 5 في المائة فقط، وذلك لتشجيع المواطنين على استخدام الطاقة النظيفة.

ويشهد العراق انقطاعات في التيار الكهربائي مع كل موسم صيف، إذ يرتفع الطلب مع درجات الحرارة الملتهبة، وسط تهالك شبكة الكهرباء المحلية.

وقال مدير عام الهيئة، ثامر قاسم، وفقاً لـ«وكالة الأنباء العراقية»: «إنه جرى توجيه كتاب إلى الفريق الوطني لتنفيذ مشروع الأتمتة، بتحديد رمز ونسبة الرسم الجمركي لمستلزمات الطاقة الشمسية والمعدات والألواح».

وأضاف أن «نسبة الخلايا الشمسية وبطاريات الليثيوم والإنفريتر والكيبل تبلغ جميعها 5 في المائة لكل مادة».


عواصم العالم تعيد تقييم صفقات التريليونات بعد التفاف ترمب على القضاء برسوم مؤقتة

سفينة تعبر بجانب سفينة حاويات محملة بحاويات شحن في ميناء لوس أنجليس (أ.ف.ب)
سفينة تعبر بجانب سفينة حاويات محملة بحاويات شحن في ميناء لوس أنجليس (أ.ف.ب)
TT

عواصم العالم تعيد تقييم صفقات التريليونات بعد التفاف ترمب على القضاء برسوم مؤقتة

سفينة تعبر بجانب سفينة حاويات محملة بحاويات شحن في ميناء لوس أنجليس (أ.ف.ب)
سفينة تعبر بجانب سفينة حاويات محملة بحاويات شحن في ميناء لوس أنجليس (أ.ف.ب)

دخل النظام التجاري العالمي مرحلة من الغليان القانوني والسياسي إثر قرار المحكمة العليا الأميركية الذي قيَّد صلاحيات الرئيس دونالد ترمب الجمركية، مما أطلق شرارة «ثورة صامتة» في عواصم القرار. هذا القرار، الذي وصف بأنه «نزع سلاح» استراتيجي لواشنطن، دفع الدول الكبرى فوراً إلى إعادة تقييم جدوى صفقات التريليونات التي وقَّعتها تحت ضغط الترهيب؛ إذ بدأ العالم يستشعر لأول مرة أن «عقيدة المقايضة» الجمركية التي انتهجها البيت الأبيض باتت تفتقر إلى السند القانوني القوي.

لقد استند ترمب في «حربه الشاملة» على التجارة العالمية إلى قانون القوى الاقتصادية الطارئة الدولية لعام 1977، والمعروف اختصاراً بـ«IEEPA»، وهو تشريع يمنح الرئيس سلطات واسعة في حالات الطوارئ الوطنية. لكن ترمب ذهب بعيداً حين فسر هذا القانون بطريقة تمنحه الحق في فرض رسوم جمركية عقابية مرتفعة جداً «في أي وقت ولأي سبب»، مستخدماً إياه كـ«بازوكا تجارية» لمعاقبة الدول في ملفات لا علاقة لها بالتجارة، مثل الضغط على أوروبا في قضية غرينلاند أو تهديد المكسيك وكندا بسبب ملفات الهجرة.

وبحكم المحكمة الأخير الذي جاء بأغلبية 6 قضاة مقابل 3، فقدت هذه الأداة قانونيتها، حيث رأت المحكمة أن فرض الرسوم سلطة حصرية للكونغرس، مما حرم الرئيس من عنصر «المفاجأة والردع» الذي كان يرهب به الأسواق.

ترمب محاطاً بوزير التجارة هوارد لوتنيك والمدعي العام دي جون ساوير في مؤتمر صحافي بالبيت الأبيض عقب قرار المحكمة العليا (رويترز)

خطة بديلة

ومع ذلك، لم يستسلم البيت الأبيض لهذا الانكسار القضائي؛ ففي غضون ساعات قليلة، أعلن ترمب عن تفعيل «الخطة البديلة» عبر اللجوء إلى المادة 122 من قانون التجارة لعام 1974. هذه المادة تتيح للرئيس فرض رسوم لمواجهة العجز التجاري الخطير، لكنها تظل أداة «مقصوصة الأجنحة» مقارنة بالقانون السابق، فهي تضع سقفاً للرسوم لا يتجاوز 15 في المائة، وتحدد مدتها بـ 150 يوماً فقط ما لم يتدخل الكونغرس لتمديدها. هذا الالتفاف السريع، الذي بدأ برسم 10 في المائة قبل أن يرفعه ترمب إلى الحد الأقصى (15 في المائة) في أقل من يوم، يعكس إصرار الإدارة على إبقاء الشركاء التجاريين في حالة تأهب دائم، رغم أن الإجراءات الجديدة تتطلب تحقيقات فيدرالية مطولة بموجب المادتين 301 و232، مما يسلب ترمب قدرته على الضرب المفاجئ ويمنح الدول الأخرى «نَفساً» تفاوضياً لم يكن متاحاً من قبل.

كما يملك ترمب سلاح المادة 232 الذي لا يُقهر قضائياً؛ حيث تتيح فرض رسوم باسم «الأمن القومي» (مثل رسوم الـ50 في المائة على الصلب والسيارات)، وهي أداة دائمة وقاسية يصعب الطعن فيها. وكذلك سلاح المادة 301 وهي «سيف العقاب» للممارسات غير العادلة، والتي يخطط ترمب لاستخدامها عبر «تحقيقات نشطة» لشرعنة الرسوم التي أبطلتها المحكمة، مما يبقي بكين تحت ضغط دائم.

مصير الصفقات الكبرى

تكمن المعضلة الكبرى الآن في مصير الاتفاقيات الإطارية الضخمة التي وقعتها واشنطن مع نحو 20 دولة وقوة اقتصادية، وهي الصفقات التي كانت قائمة في جوهرها على معادلة «الاستثمار مقابل الحماية».

وتتصدر اليابان وكوريا الجنوبية قائمة الدول التي سارعت لإرضاء واشنطن بصفقات «تريليونية» لتأمين استقرار قطاعاتها الصناعية الكبرى. اليابان، التي تعد السيارات وقطع غيارها العمود الفقري لصادراتها، نجحت في خفض الرسوم من 27.5 في المائة إلى 15 في المائة مقابل تعهد تاريخي بضخ 550 مليار دولار في الاقتصاد الأميركي.

وقد وصف أحد المسؤولين البارزين في «الحزب الليبرالي الديمقراطي» الحاكم في اليابان، الرسوم الجديدة بأنها «فوضى حقيقية»، بحسب ما نقلت وكالة «بلومبرغ»، عن إيتسونوري أونوديرا، الذي يشغل حالياً منصب رئيس مجموعة بحثية عن الضرائب تابعة للحزب.

واستبعد أونوديرا إمكانية أن تسعى اليابان من أجل إعادة التفاوض على الاتفاقية التجارية، مشيراً إلى أن جوهر المفاوضات التجارية التي جرت العام الماضي، كان خفض الرسوم الجمركية المفروضة على السيارات، حيث إنها تعدُّ أكبر مصدر للصادرات اليابانية، ومصدراً رئيسياً للوظائف والاستثمارات.

حاويات مكدسة في ميناء لونغ بيتش (أ.ب)

ورغم وصف الوضع الحالي بـ«الفوضى الحقيقية»، فإن الحكومة اليابانية تجد نفسها في موقف حرج؛ فهي لا تزال تخطط للمضي قدماً في استثماراتها، بينما تكتنف الضبابية جولة التمويل القادمة المقرر الإعلان عنها خلال زيارة رئيسة الوزراء لواشنطن في مارس (آذار) المقبل.

أما كوريا الجنوبية، التي التزمت بـ350 مليار دولار كاستثمارات مقابل سقف رسوم 15 في المائة على الصلب والألمنيوم والسيارات، فتعيش حالة من الترقب المشوب بالحذر. فبينما هدَّد ترمب مؤخراً برفع الرسوم إلى 25 في المائة متهماً سيول بالمماطلة في المصادقة البرلمانية على الاتفاق، جاء قرار المحكمة العليا ليمنح المفاوض الكوري «ورقة قوة» غير متوقعة، حيث يرى المحللون في سيول أن الحكم «يُبطل» فعلياً قانونية التهديد بالرسوم المتبادلة، مما يضعف من قدرة ترمب على ممارسة المزيد من الضغوط دون غطاء قانوني صلب.

أما إندونيسيا وماليزيا وكمبوديا والتي وافقت على رسوم بنسبة 19 في المائة مقابل مشتريات ضخمة من السلع الأميركية، فإنها تجد نفسها في وضع غير مواتٍ، مقارنة بمنافسيها الآسيويين.

الهند ترجئ الزيارة

وفي خضم هذه التطورات، قررت الهند إرجاء خططها لإرسال وفد تجاري إلى واشنطن هذا الأسبوع، وفق ما أفاد مصدر في وزارة التجارة الهندية. ويُعد هذا القرار من أوائل ردود الفعل الملموسة بين الدول الآسيوية على هذا القرار.

وقال المصدر، الذي طلب عدم الكشف عن هويته نظراً لحساسية الموضوع: «اتُخذ قرار تأجيل الزيارة بعد مناقشات بين مسؤولين من البلدين. ولم يُحدَّد موعد جديد للزيارة».

وكان من المقرر أن يغادر الوفد يوم الأحد لإجراء محادثات لوضع اللمسات الأخيرة على اتفاقية تجارية مؤقتة، بعد أن اتفق البلدان على إطار عمل لخفض واشنطن الرسوم الجمركية العقابية بنسبة 25 في المائة على بعض الصادرات الهندية المرتبطة بمشتريات نيودلهي من النفط الروسي.

وكان من المقرر خفض الرسوم الجمركية الأميركية على البضائع الهندية إلى 18 في المائة، بينما وافقت الهند على شراء سلع أميركية بقيمة 500 مليار دولار على مدى خمس سنوات، تشمل إمدادات الطاقة والطائرات وقطع غيارها والمعادن الثمينة والمنتجات التكنولوجية.

متداول يعمل في بورصة نيويورك بينما يعقد ترمب مؤتمراً صحافياً عقب قرار المحكمة العليا (إ.ب.أ)

إندونيسيا مستعدة لأي نتيجة

وفي الإطار نفسه، أكَّد الرئيس الإندونيسي، برابوو سوبيانتو، استعداد بلاده للتكيف مع أي تغييرات في السياسات التجارية الأميركية، مشدداً على أن جاكرتا تحترم السياسة الداخلية للولايات المتحدة، وتبقى مستعدة للتعامل مع أي مستجدات.

ونقلت وكالة أنباء «أنتارا» الإندونيسية، عن سوبيانتو قوله للصحافيين في واشنطن العاصمة، إن قرار المحكمة العليا الأخير قضى بعدم أحقية السلطة التنفيذية في فرض رسوم جمركية عالمية واسعة النطاق استناداً إلى «قانون سلطات الطوارئ الاقتصادية الدولية». وأبدى تفاؤله قائلاً: «إننا على استعداد لأي احتمال، ونحترم السياسة الداخلية للولايات المتحدة».

الجبهة الأوروبية

لم تكن القارة العجوز بمنأى عن هذا الزلزال؛ ففي بروكسل، انتقل التوتر من أروقة المكاتب إلى منصات القرار التشريعي. وأعلن بيرند لانغ، رئيس لجنة التجارة الدولية في البرلمان الأوروبي، يوم الأحد، اعتزامه التقدم باقتراح رسمي لتعليق كافة الأعمال التشريعية المتعلقة بالاتفاق التجاري الضخم مع واشنطن.

هذا التحرك جاء رداً مباشراً على ما وصفه بـ«الفوضى الجمركية العارمة» التي أحدثتها إدارة ترمب، معتبراً أن الأساس القانوني الذي بُنيت عليه الاتفاقيات قد انهار تماماً.

وكان من المقرر أن يتم التصويت على اتفاقية التجارة بين الاتحاد الأوروبي وأميركا هذا الأسبوع. وكان الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة اتفقا في ملعب «غولف تيرنبيري» التابع لترمب في اسكوتلندا بيوليو (تموز) الماضي، على اتفاقية لتجنب حرب تجارية، بموجبها يلغي الاتحاد الأوروبي رسوم الاستيراد على العديد من المنتجات الأميركية مقابل فرض الولايات المتحدة تعريفة جمركية بنسبة 15 في المائة على معظم صادرات السلع الأوروبية.

وتحتاج الرسوم الجمركية المخفضة للاتحاد الأوروبي إلى موافقة حكومات الاتحاد الأوروبي والبرلمان الأوروبي.

وعلَّق البرلمان الأوروبي الشهر الماضي أعماله بشأن الاتفاقية احتجاجاً على مطالب ترمب بضم غرينلاند وتهديداته بفرض تعريفات جمركية على الحلفاء الأوروبيين المعارضين لخطته، لكنه قرَّر لاحقاً طرح الاتفاقية للتصويت في نهاية فبراير (شباط).

ورغم إصرار وزارة الخزانة الأميركية على أن هذه الصفقات ستظل سارية، فإن المحللين يرون أن الدول قد تستعيد بعضاً من نفوذها التساومي، مستغلة الضعف القانوني لموقف ترمب الجديد، وإن كانت تخشى في الوقت ذاته من «انتقام رئاسي» غير متوقع عبر أدوات أخرى.

وتبرز مشكلة أخرى وهي أن القليل جداً من هذه الاتفاقيات قد تمت المصادقة عليه برلمانياً. وبينما كان ترمب يتصرف من جانب واحد، يحتاج المسؤولون في الطرف الآخر إلى موافقة تشريعية. وقد سارعت ماليزيا وإندونيسيا للإشارة إلى أنهما لم تصدِّقا بعد على اتفاقاتهما، حيث أكَّد وزير التجارة الماليزي أن بلاده ستعمل وفقاً لمصالحها الخاصة وتستمر في «تنويع علاقاتها التجارية».